الملخص
أجمع فقهاء الشيعة، إلا في موارد خاصة، على عدم جواز تغيير الوقف. ورغم ذلك، لا يوجد اتفاق في الرأي بينهم حول علة عدم الجواز. يعتقد البعض أن علة عدم الجواز هي حكم شرعي مانع؛ ويرى فريق آخر أن ماهية الوقف بطبيعتها تنافي أي تغيير، وأن الروايات الدالة على المنع ما هي إلا مؤكدة وليست مشرّعة أو مؤسّسة؛ أما الفريق الثالث فيرى أن علة جواز تغيير الوقف هي أن الموقوف يخرج عن ملك الواقف بعد الوقف، ولا يدخل في ملك أي شخص آخر، فيكون فكًّا للملك. من بين هذه المباني الثلاثة المذكورة، يُعد القول الثاني هو الأقرب للقبول والدفاع؛ لأن الوقف ليس له حقيقة شرعية، بل هو عقد بشري سارٍ وجارٍ في جميع العصور وبين كل أمم العالم، متجاوزًا حدود الدين والمذهب. ويُضاف إلى ذلك وجود شواهد وقرائن تاريخية وروائية تدعمه.
المقدمة
من المسائل التطبيقية في موضوع الوقف، بحثُ “علة عدم جواز تغيير الوقف إلى غير ما أنشأه الواقف”. وتكمن الأهمية التطبيقية لهذه المسألة في أن بعض الأحكام الفرعية للوقف ترتكز عليها؛ ولكن للأسف، لم يولِ كبار الفقهاء اهتمامًا كافيًا بها، ومن اهتم منهم فقد مر عليها مرور الكرام وبشكل موجز، ولم يتناولها ببحث مستفيض. وفي مقالات الباحثين المعاصرين أيضًا، لا نجد بحثًا يُعتد به. بالطبع، فإن الأستاذ المعظم، آية الله جوادي آملي (دام ظله)، قد تناول هذا الموضوع بشكل استنباطي ضمن دروسه في البحث الخارج في الفقه (مباحث البيع)، وبيّن وشرح فيه بحوثًا مختلفة.
وقد كانت تلك البيانات القيمة مصدر إلهام لكاتب هذه المقالة، ليعيد صياغتها من منظور بحثي، مع دراسة أقوال كبار الفقهاء الآخرين، ويقدمها في قالب مقال بحثي.
أُجري هذا البحث وفق المنهج المكتبي، وقد نُظم هيكليًا في ثلاثة أقسام رئيسية: القسم الأول، وهو ذو طابع تمهيدي، يتناول تبيين الموضوع وتنقيحه؛ والقسم الثاني، الذي يمثل صلب البحث، يناقش المباني الفقهية وأقوال الفقهاء؛ أما القسم الثالث، فيتضمن القول المختار وبيان أدلته، مع الرد على أسئلة المخالفين.
1. تبيين الموضوع
عندما يُطرح بحث تغيير الوقف إلى غير ما أنشأه الواقف، تبرز عدة تساؤلات. ولتبيين هذا الموضوع وتنقيحه، من الضروري الإشارة إلى ثلاثة أمور تالية:
1-1. المراد من تغيير الوقف
في المقام الأول، ما يتبادر إلى الذهن من تغيير الوقف هو بحث “بيع الوقف”، الذي يُعدّ أشهر وأشيع صور التغيير؛ ومع ذلك، فإن بيع الوقف ليس إلا صورة واحدة من صور التغيير، وهناك صور أخرى يمكن تصورها لتغيير الوقف. وفيما يلي نشير إلى بعض هذه الصور:
أ. التصرف في العين الموقوفة: أي إدخال العين في دائرة التعامل بعد أن أخرجها الواقف بوقفه من تلك الدائرة. وتشمل هذه الدائرة البيع، والشراء، والهبة، والصلح، والرهن. وقد أشارت بعض النصوص إلى هذه المسألة؛ فمثلًا، ورد في رواية عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): «وَ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَبْتَاعَهَا وَلَا يَهَبَهَا وَ لَا يَنْحَلَهَا وَلَا يُغَيِّرَ شَيْئاً مِنْهَا حَتَّى يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَليها».
ب. تغيير منفعة الموقوف: كأن يقف الواقف مكانًا لغرض معين، مثل حمام عمومي، ثم تتغير منفعته لاحقًا لغرض آخر كالمكتبة العامة أو المغتسل، بسبب عدم حاجة الناس إليه. وقد أطلق بعض الفقهاء على هذا التغيير “تغيير هيئة الوقف”. فعلى سبيل المثال، قال العلامة الحلي: «لا يجوز تغيير الوقف عن هيئته، فلا يجوز جعل الدار الموقوفة بستاناً و لا حماماً و بالعكس الا اذا جعل الواقف للمتولى ما يرى فيه الوقف». وسماه آخرون “إزالة العنوان”، فقالوا: «لا يجوز تغيير الوقف و إبطال رسمه و إزالة عنوانه و لو إلى عنوان آخر كجعل الدار خانا أو دكانا أو بالعكس».
ج. تغيير الموقع المكاني للموقوف: كأن يوقف المالك عينًا في موقع مكاني معين، ثم ينقلها لاحقًا إلى مكان آخر؛ مثلًا، يقف واقف دكانًا في سوق المدينة للمسجد، ثم يقوم بشرائه وبيعه أو هدمه، ويستبدله في مكان آخر، وينفق ريعه على المسجد.
د. تغيير مصرف الموقوف: أي أن يُصرف ريعه في غير المورد الذي أنشأه الواقف، فيتغير؛ مثلًا، يقف واقف دكانًا في السوق لمسجد، ثم يُستخدم ريعه لاحقًا لمصارف أخرى غير ذلك المسجد.
هـ. تغيير متولي الموقوف: أي أن يُنقل تولي وتصدّي الموقوف من شخص أو أشخاص عيّنهم الواقف إلى فرد أو أفراد آخرين (سواء كانوا حقيقيين أو اعتباريين).
إن تغيير الوقف ممكن بأي من الصور المذكورة؛ وبالطبع، لتسهيل الأمر أو لكثرة الاستعمال، يُستخدم مصطلح “بيع الوقف”. وقد استخدم معظم الفقهاء الكبار هذا المصطلح نفسه لبيان أحكام تغيير الوقف.
2-1. أقسام الوقف
للوقف أقسام من جهات مختلفة. أحد التقسيمات هو تقسيمه إلى وقف فكّ الملك ووقف تمليكي.
وقف فكّ الملك يعني أن العين تخرج من ملكية الواقف بمجرد الوقف، ولا تدخل في ملك أي شخص آخر، وتتحرر من الملكية إلى الأبد، كتحرير الرقبة؛ مثل وقف المسجد الذي يخرج بعد وقفه من قبل المالك من ملكية الأفراد، ولا يعود بعدها في ملك أحد.
أما الوقف التمليكي، فيعني أنه بوقف الواقف، لا تخرج العين الموقوفة من الملكية وتبقى ملكيتها كما هي؛ ولكنها تنتقل من الواقف إلى الموقوف عليهم. ويُطلق على هذا النوع من الوقف أيضًا “تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة”. ويُسمى بتحبيس الأصل لأن الموقوف عليهم لا يستطيعون التصرف فيه تصرف المالك ونقله بمشيئتهم؛ لأنه بالوقف يُحبس بيد الواقف ويُقيَّد؛ وبالتالي، لا يكون طليقًا للمعاملة، والموقوف عليهم لهم فقط حق الانتفاع بمنفعته، مثل وقف العقارات والأوقاف الخاصة. فإذا أوقف بستانًا أو قناة أو أعيانًا أخرى على طبقة خاصة أو طائفة معينة (مثلًا العلماء أو بني الزهراء عليها السلام)، فإنه يدخل في ملكهم من ذلك الحين، وينتفعون بمنفعته؛ ولكن بما أن العين الموقوفة لا تصلح للمعاملة، فلا يستطيع الموقوف عليهم التصرف فيها تصرف المالك.
في هذا البحث، نتناول القسم الثاني من الوقف، أي الوقف التمليكي، أما القسم الأول، أي وقف فك الملك، كوقف المسجد، فهو خارج عن محل البحث؛ لأن الجميع متفقون على أن مثل هذا الوقف لا يقبل التغيير والنقل والانتقال. وقد قال المحقق الثاني في هذا الشأن: «لأن وقف المسجد بمنزلة التحرير للعبد فلا يقبل التغير».
3-1. حالات الوقف
يمكن تقسيم حالات الوقف إلى نوعين:
الأولى: الحالة العادية، التي لا يكون فيها تغيير الوقف ضروريًا؛ لا لمعاملته، ولا لتغيير عنوانه، ولا بسبب موقعه المكاني، ولا لجهة مصرفه، ولا بسبب متوليه.
الثانية: الحالة غير العادية، التي يكون فيها التغيير لازمًا وضروريًا. وقد ذكر بعض كبار الفقهاء موارد للحالة الضرورية، منها أن يكون على وشك التلف والخراب، أو أن ينشأ خلاف بين المتولين، أو أن يفقد مصرفه في الموارد التي حددها الواقف فعاليته، أو أن يحتاج الموقوف عليهم إلى ثمنه حاجة شديدة. وقد أطلق الفقهاء على هذه الحالة “مسوغات بيع الوقف”، وهي بحد ذاتها ذات بحث مفصل وتحتاج إلى دراسة مستقلة.
أما الحالة الأولى، وهي موضوع هذا البحث، فتتناول مسألة تغيير الوقف دون وجود ضرورة لذلك من منظور فقه الشيعة. فهل يمكن تغيير الموقوف عن صورته التي أنشأها الواقف؟ مثلًا، هل يمكن تغيير منفعته أو مكانه أو بيعه وشراؤه وغير ذلك؟
يتفق كبار الفقهاء على أن تغييره بأي شكل من الأشكال غير جائز؛ ولكن لا يوجد اتفاق في الرأي بينهم حول علة عدم الجواز. وقد أشار الإمام الخميني إلى هذه النقطة بقوله:
«لكن عدم الجواز، هل هو لمنافاة ماهية الوقف للجواز أو لصحة بيعه، أو لأن لازم ماهيته ذلك، أو لا ذا و لا ذاك، بل لأن مقتضى الإجماع أو الأدلة الشرعية ذلك؟».
وفي هذا الصدد، ذُكرت أقوال للفقهاء مستقاة من مبانٍ متعددة. وفيما يلي، سندرس هذه المباني.
2. مباني الفقهاء
على الرغم من عدم وجود مبنى محدد في المصادر الفقهية حول علة عدم جواز تغيير الوقف، إلا أنه يمكن من خلال طريقة استنباط الفقهاء استخلاص أن أقوالهم نابعة من أحد المباني الثلاثة التالية:
1-2. دراسة المباني الثلاثة
1-1-2. وجود المانع
تغيير الوقف إلى غير ما أنشأه الواقف لا يباين حقيقة وماهية الوقف، والوقف من هذه الجهة ساكت عنه. والذي يمنع تغييره هو وجود مانع. وهذا المانع هو الأحاديث والأدلة الشرعية التي منعت أي نوع من التغيير، بما في ذلك بيع الوقف. ولو لم تكن هذه الأدلة موجودة، لكان الحكم جواز تغيير الوقف.
ويُعتبر الشيخ الأنصاري من القائلين بهذا القول، حيث إنه لعدم جواز بيع الوقف، بعد استناده إلى الإجماع المحصّل والإجماع المنقول، استشهد بالروايات فورًا وقال: «و لعموم قوله (عليه السلام): الوقوف على حسب ما يوقفها اهلها».
وهناك عدة إشكالات على قول الشيخ الأنصاري:
أولًا: أنه قبل الاستشهاد بالروايات، اعتبر دليل عدم جواز تغيير الوقف هو الإجماع؛ سواء الإجماع المحصّل أو الإجماع المنقول؛ في حين أنه مع وجود أدلة معتبرة ينقلها لاحقًا، لا مجال للإجماع الذي هو دليل تعبدي.
ثانيًا: أن الوقف ليس كالصوم والصلاة، اللذين لهما حقيقة شرعية، وقد أوجدهما الشارع المقدس في الإسلام، بحيث نحتاج إلى الاستشهاد بروايات المعصومين (عليهم السلام). الوقف، كالبيع، عقد بشري كان موجودًا بين الناس منذ القدم، وقد اعترف به عقلاء العالم والتزموا به. نعم، لقد تصرف فيه الإسلام وأضفى عليه طابعًا عباديًا، وبشرط قصد القربة، اعتبره صدقة جارية، وما دام الواقف باقيًا على قصده، فإنه يستفيد من الثواب الإلهي للوقف.
ثالثًا: أن دلالة الروايات التي استشهد بها ليست كما استظهرها هو. ولهذا السبب، قال أحد محشّي كتاب المكاسب في نقده لاستدلال الشيخ الأنصاري بالرواية الأولى:
«أقول في دلالته على المنع تأمّل، لأنّ الظاهر ورودها مورد بيان حكم آخر و هو إمضاء ما يعتبره الواقف فى الوقف حين الإنشاء من الكيفيات والشروط و تعيين الجهات فى الموقوف عليه عموماً و خصوصاً و مصرفاً إلى غير ذلك من الخصوصيات و ليس وارداً في مقام المنع عن البيع و نحوه».
ولو سلّمنا بأن دلالة الروايات هي على المعنى الذي أراده، فإنها لا تفيد في تأسيس قاعدة كلية لعدم جواز تغيير الوقف؛ لأن العلاقة بين الوقف والصدقة هي عموم وخصوص من وجه. وعلى هذا، وكما قال الإمام الخميني، فإن إثبات عدم جواز بيع الوقف بهذه الروايات أمر مشكل:
«فلا يمكن إثبات عدم جواز بيع الوقوف مطلقاً بتلك الروايات لو فرض أنها دالة على المطلوب، و احتمال إلغاء الخصوصية غير مسموع؛ فإنّ للصدقات خصوصيات ليست لغيرها، ولعلّ الوقوف إذا كانت من قبيل الصدقات، لا يجوز بيعها و نقلها».
ومما لا شك فيه أن هذا المبنى غير قابل للدفاع؛ لأن لازمه القول بأن للوقف حقيقة شرعية، وأن الشرع المقدس قد شرّعه وأسّسه؛ في حين أن الوقف كان موجودًا قبل الإسلام، وبعد ظهور الإسلام أيضًا. وهو كما هو شائع بين المسلمين، شائع بين غير المسلمين، وليس حكرًا على الإسلام ليكون له حقيقة شرعية.
الوقف، كالبيع والنكاح، عقد بشري وفوق ديني، كان معتبرًا بين جميع أمم وشعوب العالم منذ الأزمان الغابرة حتى عصرنا الحاضر، وسيبقى معتبرًا بعدنا.
2-1-2. عدم الاقتضاء
إن حقيقة وماهية الوقف بطبيعتها لا تقتضي أي تغيير أو تحول. فماهية الوقف تباين تغييره إلى غير ما أنشأه الواقف.
كثير من الفقهاء، منهم كاشف الغطاء وصاحب الجواهر، هم من القائلين بهذا القول. يعتقد هذان العالمان أن الواقف بوقفه، قد أراد حبس العين بشكل أبدي ودائم، وإطلاق المنفعة. ولهذا السبب، فإن أبدية حبس العين كامنة في أصل الوقف، وتُعتبر من مقتضيات ومقومات الوقف. بناءً على ذلك، إذا تعرض الوقف للتغيير، فسيحدث تضاد وتباين مع قصد ونية الواقف.
بعبارة أخرى، إن نفي تغيير الأعيان الموقوفة مأخوذ في ذات الوقف ابتداءً وبالذات؛ خاصة مع ملاحظة تعلق حق الأعقاب اللاحقين به. ولهذا، فإن تغيير الوقف بأي شكل من الأشكال لا ينسجم مع ماهيته ويؤدي إلى إبطاله.
وقد قال كاشف الغطاء في هذا الخصوص: «و لمنافاة النقل لحقيقة الوقف، المتلقى عن الشرع لأخذ الدوام فيه، و كونه حبساً للعين المنافي لنقلها …».
ويرى صاحب الجواهر أيضًا أن الواقف بوقفه قد قصد تأبيد حبس العين وإطلاق المنفعة. ولهذا السبب، يُعتبر مثل هذا الوقف صدقة جارية، قد رغّب فيها الشرع المقدس، وورد في الروايات أنها من الأعمال التي تُحسب للإنسان بعد موته ويصل ثوابها إليه. كما قال أيضًا عن كون هذا الفصل مقومًا:
«بل الظاهر أن التأبيد المزبور من مقتضيات الوقف و مقوماته، كما أن نفي المعاوضات على الأعيان مأخوذ فيه ابتدأ، خصوصاً بعد ملاحظة تعلق حق الأعقاب به، بل يمكن دعوى ضرورية ذلك من أعوام المتشرعة، فضلا عن علمائهم».
ومراده من الأحاديث المتعلقة بعدم انقطاع عمل الإنسان بعد الموت، أحاديث كثيرة، منها هذا الحديث النبوي (صلى الله عليه وآله):
«إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا عَنْ ثَلَاثٍ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ وَ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ وَصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ».
وقبل هذين العالمين، أشار الشهيد الأول، من العلماء المتقدمين، إلى ذلك كأحد الاحتمالات في المسألة، فقال: «و يحتمل عدم الجواز إذ هو مناف لمقتضاه». ولكن كثيرًا من العلماء المتأخرين، ومنهم المحقق النائيني، يُعدّون من القائلين به.
وللآخوند الخراساني أيضًا رأي مماثل لرأي كاشف الغطاء وصاحب الجواهر. فهو يعتقد أن جواز تغيير الوقف ينافي مفهوم الحبس (الذي هو قوام الوقف أو من لوازمه): «انّ جواز البيع، ينافى الحبس الذي يكون به قوامه، أو يكون من لوازمه و خاصيته على وجه و قول».
وقد صرّح السيد محمد كاظم اليزدي أيضًا في تكملة العروة الوثقى بهذا المطلب: «بل عدم جواز البيع و سائر النواقل و ما فى معرض النقل كالرهن داخل في حقيقته، إذ هو تحبيس الأصل و تسبيل المنفعة».
وأشار الآقا رضا الهمداني أيضًا إلى المعنى نفسه: «أنّ الدوام ما دام الوصف، و كذا عدم جواز النقل و التغيّر قد إعتبر فى ماهية ما أنشأه الواقف».
وقال آية الله المظفر أيضًا في هذا الصدد: «فلذلك لا يجوز بيع الوقف إلا بإذن من الشارع، لأن جواز البيع مناف لحقيقة الوقف المنشأ الذي أمضاه الشارع».
وعلى كل حال، فإن لهذا القول قائلين كثر. ولتجنب إطالة البحث، فقد تم التغاضي عن نقل أقوالهم جميعًا.
3-1-2. الخروج من الملك
عندما يُوقَف متاع ما، فإنه يخرج من ملكية الأفراد؛ لا يبقى في ملك الواقف، ولا يدخل في ملك الموقوف عليهم. وهذا يعني أن العين الموقوفة تتحرر من الملكية وتصبح حرة. ويُطلق على هذه الحالة اصطلاحًا “فك الملك”، مثل تحرير الرقبة، حيث لا يعود لأحد ملكية عليها بعد ذلك. هذا في حين أنه إذا أراد متاع أن يتعرض للتغيير، فيجب أن تكون له ملكية لكي يتمكن مالكه أو من أُذن له من قبله من إحداث تغيير وتحول فيه (مثل البيع)؛ وإلا فإن تصرفه سيكون غصبًا. وفي نصوص المعصومين (عليهم السلام) أيضًا، أُشير إلى هذا الموضوع. فعلى سبيل المثال، قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): «لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُ وَ قَدْ وَجَبَ الشَّرَاءُ مِنَ الْبَائِعِ عَلَى مَا يَمْلِكُ». بناءً على ذلك، لا يمكن لأحد أن يحدث تغييرًا في الوقف إلا أن يكون مالكه، والفرض أن الوقف بعد إنشاء الواقف يخرج من الملكية ولا يعود له مالك.
ومن بين العلماء المتأخرين، أشار آية الله المحقق الداماد، بمناسبة بيان أحكام الوقف، إلى هذا القول، ولكنه لم يشرحه ويبسطه؛ لا أشار إلى قائله، ولا إلى دليله. فقد قال بشكل عابر: «من غير فرق بين القول بأن الوقف فك ملك مطلقاً، أو فى بعض الموارد».
أما تلميذه، الإمام الخميني، فقد ذكر هذا الكلام وحدد قوله المختار:
«و يمكن الإستدلال عليه: بعدم كونه مملوكاً؛ لا للواقف، و لا للموقوف عليه، بل هو تحرير و فك ملك، فلا يصح بيعه؛ فإنه لا بيع إلا في ملك».
وهو في تحليله النهائي، بالإضافة إلى تنافي الوقف مع كونه ملكًا، ذكر أمرين آخرين كعلة لعدم جواز تغيير الوقف، فقال:
«بل للإجماع، بل الظاهر كونه ضرورياً عند المتشرعة، بل التنافي بين كون الشيء وقفاً، و كونه ملكاً للواقف، كأنّه ضروري عند العوام، فضلا عن الخواص».
ورغم ذلك، فإن مبناه الأصلي في الوقف هو فك الملك بشكل مطلق. ولهذا السبب، يعتقد سماحته أن الأقسام التي ذكرها الفقهاء للوقف، مثل الوقف المؤبد والوقف المنقطع، أو الوقف العام والوقف الخاص، والوقف على الجهة، ليست من أقسام الوقف؛ بل هي متعلقات الوقف وأقسام الموقوف.
إلا أن هذا الرأي، بالإضافة إلى كونه شاذًا، لا ينسجم مع مسوغات تغيير الوقف؛ لأن غالبية الفقهاء الكبار، في حالة تغيير الوقف الذي هو على وشك التلف أو الذي اختلف متولوه أو الذين يريدون استبداله بالأحسن أو الذي يقع في مسار الطرق والمشاريع العمرانية الحضرية وأمثالها، يحكمون بالجواز. وبناءً على رأيه الذي يقول بأن المتاع يجب أن يكون له ملكية لكي يدخل في دائرة البيع والشراء، كيف يمكن تغيير الموارد المذكورة؟ فالمتاع الذي يتعرض للتغيير هو الذي يكون للمغير حق التصرف الملكي فيه. وفي غير هذه الصورة، سيكون تصرفه غصبًا. مثلًا، الشيء الذي يُباع ويُشترى هو الذي له مالية؛ لأن في تعريف البيع قيل: «مبادلة مال بمال»؛ بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون قابلًا للملكية أيضًا؛ كما أُشير إليه في كلامهم.
إذًا يتضح أن جميع الأوقاف ليست فكًّا للملك؛ بل الوقف على قسمين: قسم هو فك للملك، مثل المسجد، وقسم آخر هو حبس للملك، مثل وقف العقارات والأوقاف الخاصة. القسم الأول، لأنه فك للملك، بناءً على رأيه، غير قابل للتغيير؛ ولكن لماذا القسم الثاني، الذي هو حبس للملك لا فك للملك، غير جائز تغييره؟
وقد رد الإمام الخميني على إشكال تعريف البيع بأن من غير المعلوم صحة تعريف البيع بـ «مبادلة مال بمال»؛ لأن بعض المعاملات يكون أحد طرفيها (المثمن أو الثمن) مالًا والطرف الآخر ليس مالًا؛ بل هو كلي في الذمة، مثل بيع السلف وبيع النسيئة. في الأول، يوجد ثمن ولكن لا يوجد مثمن. وفي الثاني، بالعكس، يوجد مثمن ولكن لا يوجد ثمن ليكون مالًا.
وهذا الدفاع من سماحته غير تام؛ لأن الكلي المباع لا ينافي تعريف البيع بـ«مبادلة مال بمال»؛ لأن الكلي الذي في الذمة، عند عقلاء العالم، هو مال. فالشخص الذي يشتري بالنسيئة، يقبل الثمن كدين يجب أن يدفعه للبائع لاحقًا. فهل الدين ليس مالًا؟ عقلاء العالم يعتبرون الدين مالًا؛ سواء كان الدين في طرف الثمن (مثل النسيئة) أو في طرف المثمن (مثل السلف).
2-2. الآثار الفقهية لاختلاف المباني
يظهر من بين اختلاف المباني المذكورة عدة آثار فقهية. وهنا نشير إلى أثرين:
أ. بناءً على المبنى الأول، فإن «لا تُباع ولا تُورث» لا تُعتبر مأخوذة في حقيقة الوقف؛ بل يقولون إن عدم جواز تغيير الوقف (بما في ذلك بيعه) هو حكم شرعي يترتب على الوقف. وفي هذه الحالة، للوقف من الناحية الشرعية أحكام: أحد أحكامه أن تغيير الوقف (بما في ذلك البيع والشراء) غير جائز. فإذا شرط شخص في متن عقد الوقف شرط النقل والانتقال، فإن هذا الشرط مخالف للشرع وفاسد؛ لأنه مخالف لحكم من أحكام الفقه، لا لمقتضى عقد الوقف.
أما بناءً على المبنى الثاني (الذي يعتبر «لا تُباع ولا تُورث» مأخوذة في حقيقة الوقف)، فإذا شرط شخص في الوقف شرط النقل والانتقال، فإن مثل هذا الشرط فاسد؛ لأنه مخالف لمقتضى العقد؛ طبعًا إذا اعتبرنا الوقف من العقود؛ كما أن أكثر الفقهاء اعتبروه من العقود. ومثل هذه المسألة كثيرة في البيع؛ مثلًا، يشترط البائع والمشتري في عقد البيع ألا يتصرف المشتري في المبيع أو ألا يبيعه لأحد ونحو ذلك. مثل هذه الشروط إما أن تكون مخالفة لحكم الشرع أو مخالفة لمقتضى العقد. وفي كلتا الحالتين، هذا الشرط فاسد.
كذلك، قد يشترطان في البيع ألا يكون لهما خيار. مع الأخذ في الاعتبار أن الشارع المقدس قد أورد: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَفْتَرِقَا وَ صَاحِبُ الْحَيَوَانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ»، فإن هذا الشرط فاسد؛ لأنه مخالف للحكم الفقهي. نعم، قد يكون الشرط هكذا بأن يكون البيع ذا خيار، ولكن بما أن الخيار قابل للإسقاط، فإن صاحب الخيار يسقط حقه. وهذا لا إشكال فيه، لأنه إسقاط بعد الثبوت وليس مخالفًا للشرع.
على أي حال، من الناحية العملية قد لا يكون هناك ثمرة بين المبنيين المذكورين من هذه الجهة، ولكن لا شك أن له ثمرة من الناحية العلمية.
بناءً على المبنى الثالث (عدم كونه ملكًا) أيضًا، إذا شرط شخص عند إنشاء صيغة الوقف شرط النقل والانتقال (مثلًا، يقول: وقفت هذا الدكان للمسجد، بشرط أن أبيعه بعد سنتين وأنفق ماله على المسجد)، فإن هذا الوقف غير صحيح؛ لأن بيع الموقوف يتعارض مع كونه فكًّا للملك. فعندما تُوقَف العين، تخرج من الملكية، والبيع اللاحق يستلزم أن تكون ملكًا؛ في حين أن الفرض أن الوقف ليس ملكًا.
ب. من حيث الحكم التكليفي والوضعي. بناءً على المبنى الأول (الدليل الشرعي لا يجيز تغيير الوقف)، سيكون المحور الأساسي هو الحكم التكليفي؛ مثل حكم حرمة بيع الخمر والخنزير، حيث يكون الآخذ ضامنًا ماليًا لما أخذه، ويكون قد ارتكب حرامًا وإثمًا. وإذا بُحث حكمهما الوضعي أيضًا، فسيكون تبعيًا بطبيعة الحال.
أما بناءً على المبنى الثاني، فيُستنبط فقط الحكم الوضعي للوقف؛ أي عندما يُقال إن تغيير الوقف غير جائز، يُستنتج أنه إذا تمت معاملة عليه، فإنها باطلة. أما هل المتعاملان من الناحية التكليفية قد ارتكبا فعلًا حرامًا ويستحقان العقاب أم لا؟ فلا يُستفاد شيء من المبنى الثاني في هذا الصدد، وإثبات أي منهما يحتاج إلى دليل آخر. ولهذا السبب، فإن المحور الأساسي لتغيير الوقف، بناءً على هذا المبنى، هو الحكم الوضعي، وإذا تُطرق إلى الحكم التكليفي أيضًا، فسيكون تبعيًا بطبيعة الحال.
والفرق بين هذين المبنيين في تغيير الوقف، مثل بحث عقد الزواج الباطل في حالتي الإحرام وغير الإحرام؛ بمعنى أنه إذا عقد شخص غير محرم عقد زواج لامرأة ورجل دون رضاهما، ثم تبين أن كليهما أو أحدهما لم يكن راضيًا، فإن حكمه الوضعي هو بطلان هذا العقد، ولا تترتب عليه آثار؛ ولكن هل العاقد من الناحية التكليفية قد ارتكب معصية أم لا، فهذا بحث تبعي. كذلك، إذا عقد شخص في حالة الإحرام عقد زواج لآخر، سواء كان الطرفان راضيين أم لا، فإن حكمه التكليفي هو أن الشخص قد ارتكب معصية وفعلًا حرامًا؛ أما هل العقد من الناحية الوضعية صحيح أم باطل، فهذا بحث تبعي.
كذلك، بناءً على المبنى الثالث (عدم كونه ملكًا)، بشرط الواقف، لا يتشكل الوقف أصلًا، حتى يُطرح بحث الحكم التكليفي أو الوضعي.
3. القول المختار
1-3. صحة المبنى الثاني
من بين المباني الثلاثة المذكورة في المسألة، يُعد المبنى الثاني هو الصحيح والمقبول والقابل للدفاع؛ فوفقًا لهذا المبنى، يتنافى ويتضاد أي تغيير في الموقوف مع ماهية الوقف. أما المبنيان الآخران، فيواجهان إشكالات على النحو التالي:
1-1-3. الإشكال على المبنى الأول
أولًا: كما قال المحقق النائيني، إذا أردنا تحليل ظاهرة ما (لها مقتضٍ ومانع)، فيجب أن يُعزى عدم وجودها إلى فقدان المقتضي، لا إلى وجود المانع. مثلًا، تطفئ ريح عاصفة في ليلة عاصفة مصابيح منزل ولا تدع مصباحًا يضيء. هناك، إذا كان هناك مصباح ليس به فتيل أو زيت، فهل يجب أن نُعزي انطفاء هذا المصباح إلى الريح والعاصفة التي هي مانع الاشتعال، أم إلى فقدان الفتيل والزيت؟ لا شك أنه في مثل هذه الحالة، يجب أن نُعزي إلى أسبق أجزاء العلة؛ أي أن نُعزي سبب انطفاء المصباح إلى عدم وجود فتيل أو زيت، لا إلى هبوب الريح والعاصفة؛ لأنه حتى لو لم تهب الريح، لما أضاء هذا المصباح؛ لأنه يفتقر إلى المقتضي. والمقتضي في رتبة متقدمة والمانع في رتبة متأخرة. نعم، لو كان للمصباح فتيل وزيت، وكان من الممكن إشعاله، ولكن الريح والعاصفة أطفأته، لكان يُقال إن وجود المانع هو سبب الانطفاء. والأرض التي تُوقَف لها نفس الحكم. فعلة عدم جواز تغييرها هي أنها بالوقف تخرج عن الطلاقة، وبعد ذلك، لا يكون للموقوف عليهم إذن في التصرف الملكي. فهم لهم فقط حق الاستفادة من منافعها، لا التصرفات الأخرى. ولهذا السبب، تُسلب أهلية التغيير من الموقوف، ولا يعود له أهلية النقل والانتقال؛ لا أن الوقف الآن أصبح مانعًا؛ بل قبل أن يكون هناك حديث عن البيع وأمثاله، كان قد قيّده.
ثانيًا: بالإضافة إلى أقوال الفقهاء، فإن الشواهد التاريخية والروائية واضحة أيضًا؛ منها رواية ربعي بن عبد الله عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، المعروفة بوقف نامه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في فقرة من هذا الوقف نامه:
«هَذَا مَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ حَيٌّ سَوِيٌّ تَصَدَّقَ بِدَارِهِ الَّتِي فِي بَنِي زُرَيْقٍ صَدَقَةً لَا تُبَاعُ وَ لَا تُوهَبُ وَ لَا تُورَثُ حَتَّى يَرِثَهَا اللَّهُ الَّذِي يَرِثُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ».
وهذه الرواية، وإن لم يكن لها اعتبار كبير من حيث السند، إلا أنها مؤيدة للروايات الصحيحة الموجودة في هذا الباب. ومن حيث الدلالة أيضًا، كما قال كثير من الفقهاء (منهم الشيخ الأنصاري)، فإن جملة «صدقة لا تباع و لا توهب» ظاهرة في نوع الصدقة، لا في شخصها. أي أن نوع هذه الصدقات بطبيعته لا يُباع ولا يُشترى، ولا يُوهب ولا يُمنح، ولا يُورث. ليس فقط هذه الصدقة المحددة (أي وقف نامه حضرة علي) هكذا، بل كل وقف يُعتبر صدقة، فماهيته لا تباع ولا توهب.
وفي رواية أخرى، قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في جزء من حديث يتعلق بالوقف:
«هِيَ صَدَقَةٌ بَتَّةً بَتْلاً فِي حَجِيجِ بَيْتِ اللَّهِ وَ عَابِرِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَا تُبَاعُ وَ لَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، فَمَنْ بَاعَهَا أَوْ وَهَبَهَا فَعَلَيْهِ، لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَ لَا عَدْلاً».
وهذه الرواية، المعروفة بـ «صحيحة حماد»، معتبرة من حيث السند ولا إشكال فيها. ومن حيث الدلالة، فإن جملة «لَا تُبَاعُ وَ لَا تُوهَبُ وَ لَا تُورَثُ» صريحة في أن الوقف هكذا؛ لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث. يجب أن يُصرف في الجهة التي عينها الواقف، ولا يحدث فيه تغيير أو تبديل. وإذا أحدث أحد تغييرًا فيه، فإن الله والملائكة والناس يلعنونه.
بناءً على هذا المبنى، من منظور الفقه، تُقسم الصدقة، التي تُعتبر جنسًا، إلى فصلين مقومين: صدقة لا تباع ولا تورث (وهي الوقف)، وصدقة قابلة للبيع والشراء والإرث، وهي الصدقات المتعارف عليها التي يقدمها الناس لصناديق الصدقات أو للأفراد.
2-1-3. الإشكال على المبنى الثالث
في الرواية النبوية (صلى الله عليه وآله) عن الوقف ورد: «حَبِّسِ الْأَصْلَ وَ سَبِّلِ الثَّمَرَةَ». وقد قال سماحته في حديث آخر: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهُ وَ سَبَّلْتَ ثَمَرَتَهَا». يُفهم من هذه الروايات أن جميع الأوقاف ليست فكًّا للملك؛ بل بعضها حبس للملك وتسبيل للثمرة. ولهذا السبب، لا يمكن القول إن علة عدم جواز تغيير جميع الأوقاف هي عدم ملكيتها؛ بل إن ماهية جميع الأوقاف بطبيعتها لا تقبل التغيير والتحول. ورغم ذلك، فإن بعضها، بسبب اقتضاء الضرورة، يخرج عن الوقفية ويجوز تغييره وتحويله؛ ولكن بعضها الآخر، مثل وقف المشاعر المشرفة في مكة والمساجد، لا يخرج أبدًا عن حالته، ولا تبطل أي ضرورة وقفيته. ولهذا السبب، لا يمكن القول إن علة عدم جواز بيع المسجد هي أنه ليس ملكًا؛ لأنه حتى لو كان ملكًا، لما كان هناك دليل على جوازه.
2-3. عدم صحة الإشكال على المبنى الثاني
أشكل بعض الفقهاء على المبنى الثاني، المستفاد من رأي كاشف الغطاء وصاحب الجواهر، بالقول: إذا قيل إن الوقف بذاته يباين أي تغيير، وأن منع التغيير كامن في حقيقته، يُسأل: من الذي أوجد منع التغيير؟ هل الواقف بوقفه أوجب منع تغييره، أم أن المنع جاء من الشارع، والشارع بوقف الواقف منعه من أي تغيير؟ وطبعًا لا توجد صورة ثالثة.
فإن كان المنع منعًا مالكيًا، ورد عليه إشكالان: الأول، أن منع المالك لا يتوقف على القبول؛ في حين أنكم قلتم إن الوقف عقد ويحتاج إلى قبول. الثاني، أن المالك ما دام مالكًا، يمكنه أن يمنع، ولكن عندما يوقف العين، تخرج من ملكه. في هذه الحالة، لم يعد مالكًا ليريد المنع. إذًا، لا يمكن أن يكون المنع منعًا مالكيًا.
أما إن كان المنع منعًا شرعيًا، فيُتصور له حالتان: إما منع تكليفي، وإما منع وضعي. فإن كان منعًا تكليفيًا، فمع أن المنع التكليفي اعتباري ومجعول من الشارع، إلا أنه ليس من الاعتبارات الجزافية والمحضة، بل هو من الاعتبارات النفس الأمرية التي تنبع من مبادئها في نفس المولى، وفي الواقع يستفيد من سند من المصالح والمفاسد العقلية. ولهذا السبب، ما لم توجد تلك المبادئ، فلن يوجد مثل هذا الاعتبار والمنع من الشارع. وإن كان منعًا وضعيًا، فمعناه أن السبب لا يكون نافذًا في المسبب؛ أي مثلًا إذا بيع الوقف، فلن يترتب على البيع أثر. والنفوذ وعدم النفوذ ليسا مجعولين شرعيين؛ بل هما منتزعان من ترتب اعتبار الشارع على أسبابهما، مثل الملكية والزوجية التي هي داعية للاعتبار وعدم الاعتبار. إذًا، التسبب لإيجاد منع شرعي بسبب معاملة عقدية أو إيقاعية لا معنى له ولا مفهوم.
ورغم ذلك، فإن الإشكالات التي أُثيرت على كلامهما غير صحيحة وبعيدة عن الصواب؛ لأن، أولًا، مرادهما من المنع هو المنع المالكي، لا المنع الشرعي. فالإشكالات المتعلقة بالمنع الشرعي لا ترد عليهما. ومن ثم، فإن منعه مالكي، أي أن المالك بإرادته وطيب نفسه قد أوقف ماله؛ أي قيّده، وبهذه الطريقة منع تغييره. إذًا، دور الواقف هو المنع المالكي. والشاهد على ذلك، هو رأي الشارع المقدس الذي قال عن الوقف: «حَبِّسِ الْأَصْلَ وَ سَبِّلِ الثَّمَرَةَ». وقد عبر الفقهاء عنه أيضًا بـ «تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة».
أما الرد على إشكالاتهما حول المنع المالكي، فهو أن منع المالك يتحقق في ظرف ملكيته، لا بعد أن يخرج من ملكه. فالواقف، في نفس الوقت الذي هو مالك فيه، يوجد مثل هذا المنع. ولهذا السبب، يصدق المنع المالكي.
إن المنع المالكي للواقف في الوقف، يشبه الشرط ضمن عقد البيع؛ بمعنى أنه إذا اشترط المالك أن يكون للمشتري حق أي تصرف في المبيع، إلا أن يبيعه مثلًا لغريم المالك، وقبل المشتري واشترى بهذا الشرط. فإن مثل هذا المنع، الذي جاء كشرط ضمن العقد، هو منع مالكي. فالمالك في زمان ملكيته على ملكه، يمكنه إيجاد مانع. بناءً على ذلك، لا يرد إشكال على المنع المالكي من هذه الجهة.
بالإضافة إلى ذلك، فقد أشكل الشيخ الأنصاري أيضًا على قول كاشف الغطاء وصاحب الجواهر، فقال: إذا كان مقصودهما أن الوقف ينتفي بتغيير العين الموقوفة، لأن منع التغيير من مقومات مفهوم الوقف، فإن هذا القول من جهة يخالف الإجماع؛ لأن أحدًا من الذين أجازوا تغيير الوقف في بعض الموارد لم يقل إنه بالتغيير يبطل الوقف وتخرج العين الموقوفة من ملك الموقوف عليهم وتدخل في ملك الواقف. ومن جهة أخرى، فإن منع التغيير ليس مأخوذًا في مفهوم الوقف؛ بل في غير وقف المسجد ونحوه، هو نوع من التمليك، ولهذا السبب، أُطلق عليه لفظ «صدقة». فالموقوف عليهم هم مالكو الوقف الذين لهم بطون لاحقة. فإذا أجازت طبقة منهم تغيير الوقف لضرورة (كتلفه أو نشوء خلاف بين المتولين وأمثال ذلك) وحولته إلى الأحسن، فإنهم يبقون مالكين لذلك المال. كذلك، إذا زالت ضرورة التغيير أو بقيت على حالها ولكن لم تُغير الموقوفة، فإن وقفيته وتمليك الموقوف عليهم له باقيان. وليس الأمر بحيث يبطل الوقف بجواز التغيير (لا بنفس التغيير).
والجواب على إشكال الشيخ الأنصاري هو أنه في مظروف واحد، لا يجتمع الوقف والتغيير معًا. فكل منهما له ظرفه الخاص. وهذا يعني أنه ما دامت العين موقوفة، فإمكانية تغييرها منتفية. وإذا حدث فيها تغيير، فلم تعد وقفًا. بناءً على ذلك، في الموضع الذي تقتضي فيه الضرورة تغيير العين الموقوفة وتحويلها إلى الأحسن، فحلها هو أن تخرج العين في لحظة قصيرة، وعلى حد قول الفقهاء «آنًا ما»، من الوقفية؛ وعندما تخرج من الوقفية، تتوفر إمكانية تغييرها.
بناءً على ذلك، فإن أبدية وديمومة قصد الواقف في الوقف لا تتنافى مع بيعه في المواضع الضرورية؛ لأن معنى الأبدية هو أنه وُقف لمدة وزمن غير محدد، وأن هذا الشيء، لو تُرك وطبعه، لبقي دائمًا على ذلك القصد. أما إذا اقتضت الضرورة أن يتعرض للتغيير، فلا يتنافى ذلك مع قصد الواقف. مثلًا، إذا أجر شخص منزلًا أو أعاره أو أودعه، فإن مثل هذه الموارد منقطعة الآخر؛ ولكن إذا باع ذلك المنزل أو اشتراه من أحد، فإن هذا البيع والشراء ليس منقطع الآخر، بل هو دائم، والتأبيد ملحوظ فيه. ورغم ذلك، هل معنى هذا القول أنه من الآن فصاعدًا، لا يمكن بيع وشراء ذلك المنزل؟ قطعًا ليس كذلك؛ بل لو تُرك وطبعه، فهو كذلك. أما إذا طرأ مورد، فله قابلية البيع والشراء أيضًا.
والمثال الأوضح هو مسألة النكاح. فالنكاح على قسمين: نكاح دائم ونكاح مؤقت. النكاح الدائم أبدي، والنكاح المؤقت منقطع الآخر؛ ولكن أبدية النكاح الدائم بمعنى أنه إذا لم يطرأ سبب لانقطاعه، فإنه يستمر هكذا، ولم يُحدد له أمد وزمن لنهايته. ولكن أحيانًا تطرأ مسألة الطلاق، ولا محالة ينفصل الزوجان. فهل يتعارض بحث الطلاق مع أبدية وديمومة النكاح؟
إذًا، الوقف من هذه الجهة مثل البيع والنكاح الدائم؛ أي لم يُنظر له زمن للنهاية، وإذا لم تطرأ مشكلة له، فإنه يستمر كذلك. وهذا المعنى لا يتعارض مع الاضطرار في موارد إلى تغييره. ولهذا السبب، لا يرد إشكال على ديمومة منع تغيير الوقف.
الخاتمة
على الرغم من أن الوقف يُقسم من جهة إلى قسمين: فك الملك ووقف تمليكي، إلا أن علة عدم جواز تغييره (بأي نحو ممكن) ليست لأنه فاقد للمالية أو الملكية؛ بل إن ماهية وحقيقة الوقف بطبيعتها تباين التغيير والتحول، وبوقف الواقف، تُسلب منه أهلية وقابلية التغيير والتحول. فلا يمكن في مظروف واحد الجمع بين الوقف والتغيير. فإذا كان الشيء وقفًا، فتغييره (بما في ذلك بيعه وشراؤه) غير ممكن، وإذا كان بيعه وشراؤه جائزًا، فلم يعد يسمى وقفًا. نعم، إذا اقتضت الضرورة في موضع ما تغييره (مثلًا، أن يكون على وشك الخراب أو أن تنتفي منفعته)، ففي غير المساجد والمشاعر، يجوز تغييره لدليل نقلي وعقلي خاص؛ ولكنه يخرج عن الوقفية. ورغم ذلك، فإن المشاعر والمساجد تبقى دائمًا على وقفييتها، ولا يوجد أي دليل نقلي أو عقلي لتغييرها.
بناءً على ذلك، فإن كون الشارع قد منع تغيير الوقف، وإذا لم يكن حكم الشارع، لكان الحكم جواز تغيير الوقف، لا ينسجم مع الارتكاز العقلائي العالمي للوقف. وعلاوة على ذلك، فإن الوقف ليس له حقيقة شرعية أو حقيقة متشرعة ليكون تابعًا لحكم الشرع؛ بل هو عقد بشري، كالبيع والزواج، شائع في جميع الأمم والتوجهات في العالم، والجميع يفهمون منه مفهومًا ومعنى واحدًا.
أما ما قيل من أن الوقف مطلقًا فك للملك، وأن علة عدم جواز بيعه هي أنه ليس ملكًا ليكون قابلًا للبيع والشراء. ورغم ذلك، أولًا، ليست جميع الأوقاف من نوع واحد؛ فبعضها فك للملك وبعضها تمليكي. وهناك روايات تثبت الوقف التمليكي؛ ثانيًا، على فرض أن عدم الملكية يوجب عدم جواز بيع الوقف؛ فإن هذا كافٍ فقط للبيع والشراء للموقوف، ولكن لتغييره وتحويله في حالات الوقف الأخرى (مثل تغيير المنفعة أو تغيير الموقع)، فليس دليلًا مقنعًا.
المصادر والمراجع
- الآخوند الخراساني، محمد كاظم بن حسين (1406هـ)، حاشية المكاسب، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، الطبعة الأولى.
- الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1415هـ)، كتاب المكاسب (الطبعة الحديثة)، قم: المؤتمر العالمي لتكريم الشيخ الأعظم الأنصاري، الطبعة الأولى.
- البحراني، يوسف بن أحمد (1405هـ)، الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى.
- الخميني (الإمام)، السيد روح الله الموسوي (1421هـ)، كتاب البيع، طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى.
- ـــــــــــــــ (بلا تاريخ)، تحرير الوسيلة، قم: مؤسسة المطبوعات دار العلم، الطبعة الأولى.
- الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (بلا تاريخ)، مصباح الفقاهة (المكاسب)، مكان النشر غير محدد، الناشر غير محدد.
- الشهيدي التبريزي، ميرزا فتاح (1375هـ.ش)، هداية الطالب إلى أسرار المكاسب، تبريز: مطبعة اطلاعات، الطبعة الأولى.
- الشهيد الأول (محمد بن مكي العاملي) (1414هـ)، غاية المراد في شرح نكت الإرشاد، قم: منشورات مكتب الإعلام الإسلامي التابع للحوزة العلمية بقم، الطبعة الأولى.
- الشيخ الصدوق (محمد بن علي بن بابويه) (1413هـ)، من لا يحضره الفقيه، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الثانية.
- الشيخ الطوسي (محمد بن حسن) (1400هـ)، النهاية في مجرد الفقه و الفتاوى، بيروت: دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية.
- الشيخ المفيد (محمد بن محمد بن نعمان) (1413هـ)، المقنعة، قم: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى.
- صاحب الجواهر (محمد حسن النجفي) (بلا تاريخ)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة السابعة.
- عبد الرحمن، محمود (1419هـ)، معجم المصطلحات و الألفاظ الفقهية، القاهرة، الناشر غير محدد.
- العلامة الحلي (حسن بن يوسف الأسدي) (بلا تاريخ)، تذكرة الفقهاء (الطبعة القديمة)، قم: مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى.
- ـــــــــــــــ (1413هـ)، قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى.
- ـــــــــــــــ (1420هـ)، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية (الطبعة الحديثة)، قم: مؤسسة الإمام الصادق، الطبعة الأولى.
- الغروي الأصفهاني، محمد حسين الكمپاني (1418هـ)، حاشية كتاب المكاسب (الطبعة الحديثة)، قم: أنوار الهدى، الطبعة الأولى.
- كاشف الغطاء، حسن بن جعفر النجفي (1422هـ)، أنوار الفقاهة – كتاب البيع، النجف الأشرف: مؤسسة كاشف الغطاء، الطبعة الأولى.
- الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (1407هـ)، الكافي (الطبعة الإسلامية)، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة.
- المحقق الثاني (علي بن حسين العاملي الكركي) (1414هـ)، جامع المقاصد في شرح القواعد، قم: مؤسسة آل البيت، الطبعة الثانية.
- المحقق الداماد، السيد محمد (1418هـ)، كتاب الخمس، قم: دار الإسراء للنشر، الطبعة الأولى.
- المظفر، محمد رضا (بلا تاريخ)، حاشية المظفر على المكاسب، قم: حبيب، الطبعة الأولى.
- النائيني، ميرزا محمد حسين الغروي (1413هـ)، المكاسب والبيع، تقرير محمد تقي الآملي، قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الأولى.
- النوري، ميرزا حسين (1408هـ)، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، بيروت: مؤسسة آل البيت، الطبعة الأولى.
- الهمداني، آقا رضا بن محمد هادي (1420هـ)، حاشية كتاب المكاسب، قم: المؤلف، الطبعة الأولى.
- اليزدي، السيد محمد كاظم الطباطبائي (بلا تاريخ)، تكملة العروة الوثقى، قم: داوري، الطبعة الأولى.