خلاصة
إذا أصبح الغاصب أو المدين الممتنع عن أداء الدين، بعد تقاص المالك، مستعداً لردّ العين أو الدين إلى المتقاصّ، فهل يجوز له أن يستلم أصل ماله ويعيد المال الذي أخذه؟ وهل تصحّ أصلاً عودة كل من الحق والمال المتقاص به إلى طرفي التقاص والمتقاص منه بدون معاملة جديدة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة مرهونة بتوضيح ماهية التقاص. فإذا كان التقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة، تكون الإجابة بالإيجاب. أما إذا كان التقاص نوعاً من المعاوضة، فمن الواضح أنه لن يكون من الممكن عودة الحق والمال المتقاص به إلى ملك المالكين الأول إلا بمعاملة معاوضية جديدة. وقد حظيت كل من هاتين الرؤيتين باهتمام فريق من الفقهاء، وذهب بعضهم إلى التفصيل في المسألة. تسعى هذه المقالة إلى استكشاف أدلة كل من هذه الرؤى. وبعد نقد جميع الأدلة المقدمة، يعتبرها الكاتب غير صحيحة في إثبات المدعى، وفي النهاية، من خلال دراسة روايات المسألة، يعزز القول بكون التقاص معاوضة استناداً إلى إطلاق الروايات، ويثبت أن حصول المعاوضة مشروط بقصد المتقاصّ للملكية الدائمة.
مقدمة
«قَصَّ قَصًّا» بمعنى تتبع الأثر (الجوهري، 1433: ص 920؛ ابن فارس، 1433: ص 718)، ومن هذا الباب «القِصَّة»؛ لأنه يكون فيها تتبع خبر في إثر خبر (ابن فارس، 1433: ص 718؛ ابن منظور، 1426: ج2، ص 3241). والمعنى الآخر للقص هو القطع، وقص الشعر يعني جزه وقطعه؛ كما أن المقص هو القيچی (نفسه: ص 3240). يقول ابن منظور إن القصاص في الجراحات مأخوذ من معنى القطع (نفسه)، ولكن يمكن القول إن القصاص أيضاً مأخوذ من نفس معنى تتبع الأثر؛ أي تتبع أثر الجناية وإيقاع مثلها على الجاني. وفي التقاص المالي أيضاً، يتتبع المقتص حقه ويأخذ مثله. بهذا البيان، يكون التقاص في الحقوق المالية نظير القصاص في الجراحات والنفوس، وكلاهما مأخوذ من معنى تتبع الأثر. يشير تعريف اللغويين إلى هذا التشابه؛ حيث ذكروا التقاص في الحساب المالي وغيره، من قبيل التقاص في الجراحات، في سياق واحد. يكتب الجوهري وابن منظور والفيروزآبادي: «تَقَاصَّ القومُ: قَاصَّ كلُّ واحدٍ منهم صاحبَه في حساب أو غيره»؛ أي تلافى أحدهما الآخر في حساب مالي أو غيره (الجوهري، 1433: ص 920؛ ابن منظور، 1426: ج2، ص 3242؛ الفيروزآبادي، 1433: ص 1010).
أما تعاريف الفقهاء للتقاص فهي متقاربة. وفيما يلي نماذج من التعاريف التي قدمها الفقهاء للتقاص:
1. أخذ ما يساوي الحق في مقابله (العاملي، 1411: ج1، ص 235)؛
2. أخذ الدائن من مال المدين بقدر الدين، عندما ينكر المدين الدين ولا يمكن للدائن إثباته (الأنصاري، 1410: ج5، ص 153)؛
3. اعتبار مال في الذمة أو في الخارج مقابل مال في الذمة (الصدر، 1420: ج9، ص 287)؛
4. أخذ مال الغاصب بدل المال المغصوب دون رضا الغاصب (المصطفوي، 1423: ص 535)؛
5. تملك مال الغير بدون إذنه مقابل ماله (الشاهرودي، 1426: ج2، ص 568)؛
6. أخذ جزء من مال الغير مقابل استيلائه على ماله، دون أن يكون ذلك الغير مستعداً لإعطائه للشخص (الشيرازي، بلا تا: ج4، ص 223).
بالنظر إلى أن شروط التقاص متعددة وفي الوقت نفسه محل بحث واختلاف، فإن تقديم تعريف جامع ومانع أمر صعب. لهذا السبب، نرى أن بعض التعاريف المذكورة أشارت إلى شرط التساوي، وبعضها الآخر إلى شرط إنكار المدين وعدم إمكان إثبات الدين للدائن، وبعضها اعتبر مال الذمة تقاصاً أيضاً، وبعضها استخدم عنوان الغاصب والمغصوب، وبعضها عنوان الدائن والمدين، وبعضها الآخر أشار إلى شرط عدم إذن ورضا المقتص منه. كل هذا يدل على أن كل فقيه قد عرّف التقاص من منظوره الخاص وأورد الشرط أو الشروط التي كانت لها الأولوية في نظره. مع ذلك، لا يوجد إشكال كبير في التعاريف المذكورة؛ لأن هذه التعاريف هي مجرد شرح اسمي ولتقريب المعنى في الذهن.
التقاص من مسلّمات الفقه الإمامي. لذلك، لا يوجد بحث في جواز أو عدم جواز التقاص، بل الكلام في ضوابط التقاص والمسائل التي تنشأ بعد التقاص. في هذا المقال، نتناول إحدى المسائل المهمة المترتبة على التقاص، وهي كيفية عودة الحق والمال المتقاص به إلى المالكين الأصليين. لا يمكن للتعريف اللغوي والاصطلاحي للتقاص حل هذه المسألة، بل يجب أن نوضح ماهية التقاص. إذا كان التقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة، فإن هذه العودة لا تحتاج إلى معاملة جديدة، بل إذا حضر الغريم لرد العين أو الدين للمتقاص، يجب على المتقاص أن يأخذه ويرد المال الذي تقاص به. أما إذا كان التقاص من قبيل المعاوضة، فإن المتقاص يصبح مالكاً دائماً للمال المتقاص به، وتدخل العين في ملك الغريم، وإذا أراد أي من المتقاص والمتقاص منه عودة الحق والمال المتقاص به إلى ملك المالكين الأول، فلن يكون ذلك ممكناً إلا بمعاوضة جديدة.
إذن، السؤال الأساسي هو: هل التقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة أم من قبيل المعاوضة؟ على الرغم من أنه يبدو أنه يجب طرح رؤيتين في الإجابة على هذا السؤال، إلا أن هناك مسائل أخرى مثل نوع الأموال أو قصد المتقاص، والتي يعتقد البعض أنها مؤثرة في حل المسألة. من هذا المنطلق، توجد أربع رؤى في هذه المسألة:
1. القول بالمعاوضة مطلقاً؛
2. القول ببدل الحيلولة مطلقاً؛
3. التفصيل بين الأموال المثلية والقيمية؛ إذا كان حق المالك مثلياً وتقاص بمثله، فالتقاص من قبيل المعاوضة، أما إذا كان قيمياً وتقاص بمقدار قيمته، فالتقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة؛
4. التفصيل بين المتقاص الذي يقصد بدل الحيلولة أو يقصد المعاوضة.
في رأينا، النظرية الرابعة هي الصحيحة. لذلك، بعد نقل ونقد أدلة النظريات الثلاث، سنذكر أدلة النظرية الرابعة؛ على الرغم من أن القائل بهذه النظرية قد طرحها كمجرد احتمال ولم يقم دليلاً عليها.
تبيين الثمرة ودراسة الآراء المتعلقة بالمسألة
1. ثمرة القول بالمعاوضة أو بدل الحيلولة
إذا قلنا إن المأخوذ من قبيل بدل الحيلولة، فبعد التقاص يظل تصرف الغاصب في العين حراماً ويجب عليه رد العين إلى المالك، ودفع المنافع المستوفاة وجميع النماءات المتصلة والمنفصلة إليه أيضاً (الرشتي، بلا تا: ص 90؛ القمي، 1422: ص 435). كما يمكن للمالك أن يطالب الغاصب بالعين، وإذا رد الغاصب عين المال، يجب على المالك أخذ عين ماله وردّ المال المتقاص به (النراقي، 1415: ج17، ص 451؛ النجفي، الغصب، 1422: ص 45؛ الخميني، بلا تا: ج2، ص 438). ووجوب القبول هذا من جهة أن التصرف في بدل الحيلولة المأخوذ بعد رد العين غير جائز؛ لأن جواز التصرف في ذلك المال المتقاص به كان مقابل انقطاع العلاقة بينه وبين ملكه. لذلك، عندما يرتفع المانع ويُفتح طريق التصرف بينه وبين ماله، لن يكون تصرفه في المال المتقاص به جائزاً بعد ذلك، إلا بإذن مالكه. والنتيجة أن عودة وجوب القبول ترجع إلى حرمة التصرف في مال الغير بدون إذن (القمي، 1422: ص 435). في الحقيقة، كانت ملكيته للمال المتقاص به مقيدة بعدم الوصول إلى نفس ماله، وبتحصيلها، يخرج المال المتقاص به من ملكه ويجب رده (التبريزي، 1375: ج2، ص 243). بعبارة أخرى، بدل الحيلولة أيضاً يدخل في الملكية التامة للآخذ، إلا أنه بمنزلة تحصيل مالية الملك الأصلي. لذلك، عندما انقطعت يده عن عين مملوكه، استوفى مالية ذلك ضمن عين أخرى، وتبعاً لتحصيل مالية العين المأخوذة، يصبح مالكاً لها أيضاً؛ أما الآن، مع رد العين المغصوبة وتحصيل أصل المال، يمكنه الحصول على مالية الملك ضمن عينها. لذلك، لا مفر من رجوع المال المأخوذ إلى ملك المتقاص منه؛ كما أن العين الأولى تعود إلى ملك المتقاص، وهذا الرجوع لا يحتاج إلى نقل جديد من قبيل الهبة وأمثالها (العراقي، 1421: ص 435).
أما إذا قلنا بحصول معاوضة بين العين والبدل، فإن المتقاص منه يصبح مالكاً للعين (اليزدي، 1414: ج2، ص 210)، وإذا أعاد الغاصب العين، فلا يمكن للمالك أخذها، وحتى لو وضع يده عليها، فإن أخذها يكون حراماً عليه (الروحاني، 1412: ج25، ص 215). بعبارة أخرى، كل من العين والمال المتقاص به، بعد أن رد المتقاص منه العين، يظل في ملك المنتقل إليه؛ لأنه وفقاً لهذا المسلك، يعود القول إلى الالتزام بوقوع مبادلة قهرية بينهما، وهذه المبادلة هي بحكم الشارع؛ لأنه هو الذي جوّز التقاص، وإذا أرادا إعادة البدل والعين إلى ملك المالكين الأول، فلن يكون ذلك ممكناً إلا بمعاوضة جديدة (الرشتي، بلا تا: ص 90؛ العراقي، 1421: ص 436).
2. ثمرة الرؤيتين في تقاص الحق الديني
من كيفية طرح الفقهاء للبحث والثمرات الرئيسية التي ذكروها للمسألة، يتضح أن هذا النزاع لا يجري في تقاص الحق الديني، وكأنهم قد سلّموا بحصول المعاوضة في تقاص الحق الديني. لكن ما يبدو صحيحاً هو أن النزاع المذكور يجري في تقاص الحق الديني أيضاً، خاصة عندما يكون التقاص من غير جنس الحق، فيكون قد تم؛ لأن المتقاص منه قد يكون مستعداً لرد الدين ويطالب بعين ماله. في هذه الحالة، إذا قلنا إن التقاص من قبيل بدل الحيلولة، يجب على المتقاص أن يرد عين مال المتقاص منه ويأخذ دينه. وتقاص الحق الديني يحدث إما أن يكون الحق قد استقر في ذمة المتعهد ابتداءً كدين، أو إذا كان يجب عليه رد عين خاصة للمالك وتلفت تلك العين. من الأفضل أن نقول إذا كانت العين باقية، سواء كانت عين المال المتقاص به التي في يد المتقاص أو عين الحق التي في يد المتقاص منه، فإن بقاء هذه العين يحمل معه شبهة كون المال المتقاص به بدل حيلولة.
على أي حال، في تقاص الحق الديني، إذا قلنا بالتعاوض بين الحق والبدل وكان المال المتقاص به من جنس الحق، مثل تقاص القمح مقابل عدم أداء القمح المدين به، فإن المتقاص يصبح مالكاً له وتبرأ ذمة المتقاص منه أيضاً (اليزدي، 1414: ج2، ص 210؛ الخميني، بلا تا: ج2، ص 437). وإذا كان المال المتقاص به من غير جنس الحق، فإن المتقاص يكون مخيراً بين أن يأخذه بعد تقويمه كتقاص، وبالتالي يصبح مالكاً له، أو أن يبيعه ويأخذ ثمنه بدل ماله (الحلي، 1408: ج4، ص 100؛ العاملي، 1410: ج3، ص 242؛ السبزواري، 1423: ج2، ص 724؛ اليزدي، 1414: ج2، ص 210؛ الآشتياني، 1425: ج2، ص 857).
3. القائلون بالمعاوضة وأدلتهم
الشهيد الأول، وصاحب الجواهر، وميرزا حبيب الله الرشتي، وميرزا محمد حسن الآشتياني، والسيد محمد كاظم اليزدي، ومن المعاصرين مؤمن القمي، هم من أنصار هذه النظرية (العاملي، بلا تا: ج1، ص 37؛ النجفي، 1404: ج40، ص 396؛ الرشتي، بلا تا: ص 90؛ الآشتياني، 1425: ج2، ص 862؛ اليزدي، 1414: ج2، ص 210؛ القمي، 1422: ص 436). ويمكن تلخيص أدلتهم في النقاط التالية:
الدليل الأول
إذا قلنا إن المتقاص يصبح مالكاً للبدل وتبقى العين في ملكه، فإنه يجتمع العوض والمعوض. إذن، يجب أن نقول إنه بالتقاص، ينتقل البدل إلى ملك المتقاص وتنتقل العين إلى ملك المتقاص منه (النجفي، القضاء، 1422: ص 136؛ النجفي، 1404: ج40، ص 396؛ اليزدي، 1414: ج2، ص 210).
نقد الدليل الأول
هذا الاستدلال هو نوع من المصادرة على المطلوب؛ لأن اجتماع العوض والمعوض مشروط بكون التقاص معاوضة. بعبارة أخرى، يستدل المستدل أولاً على كون التقاص معاوضة، ثم بهذا الفرض يُشكل على القائلين ببدل الحيلولة بأنه إذا قلنا إن المتقاص يصبح مالكاً للبدل وتبقى العين في ملكه، يجتمع العوض والمعوض؛ في حين أن القائلين ببدل الحيلولة لا يعتبرون البدل عوضاً عن العين المغصوبة بأي وجه، بل يعتبرونه بدلاً حائلاً عن أصل المال وبديلاً عن السلطنة الفائتة عليه، أو يعتبرون ملكية المتقاص للمال المتقاص به ملكية مؤقتة وعقابية من قبل الشارع للمدين الممتنع.
الدليل الثاني
ظاهر أخبار المقاصة وسائر أدلة المقاصة هو أن المال المتقاص به يُؤخذ بدل الحق؛ بحيث تحصل بينهما معاوضة قهرية، ومن هذه الجهة لا فرق بين العين أو الدين (الرشتي، بلا تا: ص 90). بعبارة أخرى، ظاهر النصوص هو أن المتقاص يملك البدل، ولازم هذه الملكية أن ينتقل مقابله، أي العين، إلى ملكية الغاصب (النجفي، 1404: ج40، ص 396؛ الروحاني، 1412: ج25، ص 215). حتى في بعض المصاديق المذكورة في الروايات من قبيل تقاص الدراهم مقابل الدراهم المدينة، صُرّح بهذه العوضية؛ مثل ما ورد في صحيحة البقباق: «فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك»(1)، أو في رواية أبي بكر التي قال فيها: «وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني».(2) بناءً على ذلك، المتفاهم من أدلة جواز التقاص في الروايات هو أن المأخوذ يكون بدل المغصوب وعوضاً عنه، وبالطبع العوضية لا تختص بالمصاديق المذكورة في الروايات، والفهم العرفي من هذه التعابير هو العموم في جميع موارد التقاص (القمي، 1422: ص 433).
نقد الدليل الثاني
ظهور الأخبار في أصل العوضية مقبول، خاصة مع التصريح بهذه العوضية في بعض الأخبار كما بيّن المستدل. لكن الكلام هو أن هذا المقدار المتفاهم من الروايات يتوافق أيضاً مع العوضية والبدلية الموجودة في بدل الحيلولة؛ لأن القائل ببدل الحيلولة يعتبر المال المتقاص به بدلاً وعوضاً، ولكن ليس بدلاً وعوضاً عن العين المغصوبة، بل بدل السلطنة الفائتة على أصل المال وعوض حيلولة الغاصب بين المالك والعين. بعبارة أخرى، إن ظهور الأخبار في التعاوض والعوضية هو أمر مقبول، ولكن أن يكون هذا التعاوض بين المال المتقاص به وعين المالك، فهذا الظهور لا يُستفاد من الروايات، خاصة مع الالتفات إلى احتمال أن يكون المال المتقاص به بدل السلطنة الفائتة وتبقى العين في ملك المالك. إن أخبار الباب ليست ممتنعة عن الحمل على هذا الوجه. نعم، مع عدم الالتفات إلى أن بدل الحيلولة هو تدارك للمظلمة وأن العين تبقى في ملك المالك، وكذلك أن بدل الحيلولة هو بدل العين المغصوبة وعوض عنها، وبالبيان الذي مر، في هذه الحالة يمكن ادعاء مثل هذا الظهور (الرشتي، بلا تا: ص 90).
بعبارة أدق وأشمل، على الرغم من أن بدل الحيلولة بمعناه الدقيق ليس «بدل العين المغصوبة» و«عوضاً» عن «العين»، إلا أنه في مورد بدل الحيلولة يمكن أيضاً استخدام هذه التعابير نفسها؛ لأن بدل الحيلولة يحل محل السلطنة التي كانت للمالك على العين، وبدل الحيلولة يملأ فراغ العين ويعوض المالك عن منافعها.
الدليل الثالث
عودة أدلة المقاصة في العين والدين إلى ترخيص المالك الواقعي (الشارع) بالتقاص في حال امتناع مَن عليه الحق، ومن الواضح أن الولي الممتنع يأذن بالتقاص فقط فيما هو على عهدة الممتنع، وما هو على عهدة الغاصب والغريم الممتنع هو رد العين والدين، وليس رد السلطنة؛ لأنه لا يتوجه الأمر برد السلطنة إلى الغاصب إلا إذا لم يكن متمكناً من الخروج الكامل من عهدة المأخوذ؛ أي لا يستطيع رد عين المأخوذ بنفسها. من هنا، فإن إذن الشارع بالتقاص الذي يأتي في أعقاب امتناع الغريم، يتعلق بشيء امتنع عنه الغريم وليس غيره. النتيجة هي أن ترخيص الشارع بالتقاص يجب أن يكون إذناً في تحصيل الملك الدائم؛ كما أن أصل العين والدين كان بملكية دائمة في يد المالك، لا أن يكون ترخيص الشارع إذناً في تحصيل السلطنة الفائتة (الرشتي، بلا تا: ص 90).
ببيان آخر، مقتضى عنوان التدارك والغرامة هو انتقال العين إلى الغاصب؛ لأنه مع فرض عدم تلف العين، إذا حكم الشارع بتدارك المالية وقيمة العين على نحو تام وكامل بهذا العنوان، وهو أن هذا التدارك هو تدارك لشيء على عهدة الغاصب ويُؤخذ بدل المتعذر، فلا مفر من الالتزام بخروج العين من ملك المالك، وبما أنه لا يمكن أن تكون العين من المباحات الأصلية ولا يوجد قائل بهذا المعنى، فلا مفر من الالتزام بأن العين تدخل في ملك الغاصب (الروحاني، 1412: ج25، ص 215).
نقد الدليل الثالث
هذا الدليل مردود؛ لأن أصل التقاص خلاف قاعدة عدم جواز التصرف في ملك الغير، وإذا رخّص الشارع المقدس بالتقاص خلافاً للقاعدة، فيمكنه أن يرخص بأقل مما هو على عهدة الغاصب.
الدليل الرابع
عندما يصبح المتقاص مالكاً للعوض، فإن احتمال كون هذا الملك متزلزلاً ينافي قاعدة اللزوم في الملك (النجفي، 1404: ج40، ص 396).
نقد الدليل الرابع
الاستناد إلى أن قاعدة اللزوم في الملك تنفي تزلزل ملكية العوض لإثبات كون التقاص معاوضة، يجب القول إن عودة قاعدة اللزوم هنا إلى استصحاب بقاء المال المتقاص به في ملك المتقاص، وسنناقش هذا الاستدلال والرد عليه أدناه.
الدليل الخامس
هذا الدليل هو استصحاب بقاء المال المتقاص به في ملك المتقاص عندما يرده المتقاص منه (العراقي، 1421: ص 436).
نقد الدليل الخامس
في رأينا، يتعارض هذا الاستصحاب مع استصحاب آخر موجود في المقام، ويتفق القائلون ببدل الحيلولة على الاستناد إليه. وبيان الأمر هو أنه يوجد للمالك في مقام بذل العين ورد المال المدين به من قبل الغاصب استصحابان: أحدهما استصحاب الملكية في العين، والآخر استصحاب الملكية في المال المتقاص به، وهذان يتعارضان ويتساقطان.
نفى البعض هذا التعارض واعتبروا هذين الاستصحابين سببياً ومسببياً. وتوضيحهم هو أن الشك في بقاء أو عدم بقاء المال المتقاص به في ملك المتقاص عند البذل، مسبب عن الشك في خروج عين مال المالك من ملكه ودخولها في ملك المتقاص منه وعدم ذلك، ومع جريان الاستصحاب في مورد العين والحكم ببقاء ملكية المتقاص، لا يبقى محل للاستصحاب الثاني (العراقي، 1421: ص 436).
يبدو أن هذين الاستصحابين ليسا سببياً ومسببياً، وهذا النوع من التوضيح ليس كافياً للاستدلال على السببية والمسببية؛ لأنه يمكن قول نظير هذا التوضيح في مورد الاستصحاب الثاني أيضاً. وبيان الأمر أنه يمكن لأحد أن يقول إن الشك في بقاء ملكية المتقاص للعين، مسبب عن الشك في بقاء ملكية المال المتقاص به في ملكه، وإذا ثبتت ملكيته للمال المتقاص به بالاستصحاب، فلن يكون مالكاً للعين بعد ذلك، ولن يكون هناك شك في عدم ملكيته للعين حتى نحتاج إلى إجراء الاستصحاب. بعبارة أخرى، مع قبول ملكية المالك للمال المتقاص به، لا يمكنه أن يكون مالكاً للعين أيضاً؛ بسبب اجتماع العوض والمعوض. لذلك، لا يوجد شك في عدم ملكية المالك للعين، ولا يبقى موضوع للاستصحاب.
على أي حال، ما يبدو أقوى هو أن أياً من هذين الاستصحابين لا يمكن أن يكون مستنداً لأي من الرؤيتين، وهذا بسبب تعارض الاستصحابين مع بعضهما البعض مما يؤدي إلى تساقطهما عن الحجية.
الدليل السادس
الفهم العرفي في المسألة هو أنه بأخذ البدل، تحصل معاوضة قهرية بين العين والبدل؛ أي أن أهل العرف يعتبرون منذ البداية أن كلاً من العين والبدل يدخل في ملكية الآخر (الروحاني، 1412: ج25، ص 215). ببيان آخر، المفهوم العرفي للتقاص هو أن المأخوذ يكون بدل المغصوب وعوضاً عنه، والتعبير بهذا المعنى في الروايات في بعض مصاديق الأموال كالدراهم هو تعبير بمقتضى حقيقة التقاص في جميع المصاديق، وهو من قبيل التعبير باللازم عن الماهية، لا أن التعاوض يختص بالمصاديق الواردة في الروايات (القمي، 1422: ص 436).
نقد الدليل السادس
الفهم العرفي بكون التقاص معاوضة ليس ثابتاً، وأهل العرف مختلفون. البعض عند التقاص يقصد المعاوضة، والبعض الآخر لا يتخلى عن عين ماله ويسعى فقط لجبران السلطنة الفائتة. يمكن القول إن العرف يعتبر قصد المتقاص دخيلاً. كما قد يفرق العرف بين الأموال المختلفة. على سبيل المثال، قد يعتبر تقاص الأموال المثلية معاوضة، ولكنه يعتبر تقاص الأموال القيمية من قبيل أخذ بدل الحيلولة. كيف نعتبر الفهم العرفي في التقاص معاوضة؛ في حين أن البعض من القائلين ببدل الحيلولة في التقاص يستندون إلى العرف في نقطة مقابلة تماماً. في رأينا، الفهم العرفي هنا غير مجدٍ؛ لا هو يقتضي كون التقاص معاوضة، ولا هو يقتضي كون المال المتقاص به بدل حيلولة، أو إذا كان له اقتضاء، فإن تحديده صعب. لذلك، لا يمكن للعرف أن يكون مستنداً لأي من القولين.
4. القائلون بأن التقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة وأدلتهم
من أنصار هذه النظرية يمكن ذكر المولى أحمد النراقي، والآقا ضياء العراقي، ومن المعاصرين الميرزا فتاح التبريزي (النراقي، 1415: ج17، ص 451؛ العراقي، 1421: ص 434؛ التبريزي، 1375: ج2، ص 243). وأما أدلة القائلين بأن المال المتقاص به من قبيل بدل الحيلولة فهي كالتالي:
الدليل الأول
ما يأخذه المتقاص ليس في الواقع عوضاً عن ماله، بل هذا الأخذ أمر جوّزه الشارع عقوبةً (النراقي، 1415: ج17، ص 452).
إن كون هذا الحكم الشرعي عقوبة للغاصب، مثل الثمن المغصوب الذي يدفعه المشتري العالم بالغصب للبائع، قد نُقل الإجماع هنا على أنه لا يجوز له استرجاع الثمن، وهذا عدم الجواز هو من باب العقوبة (النجفي، الغصب، 1422: ص 45). الصحيح هو أن يقال إن المال المتقاص به هو ملك للمتقاص حكم به الشرع، لا أنه ملك هو عوض عن شيء؛ بحيث تستمر هذه الملكية مع تلف العين وتزول برد العين، بل هذا الحكم من قبيل الغرامة الشرعية المسببة عن الحيلولة بين المالك والعين المغصوبة. النتيجة أنه حتى تلف العين، تجري عليه أحكام الغصب. بالطبع، بعد أداء البدل من قبل الغاصب، إذا تلفت العين منه أو بمباشرته أو تسبيبه، فلا ضمان عليه للعين بعد ذلك (نفسه، ص 46).
نقد الدليل الأول
إذا كان التقاص مرخصاً به كعقوبة من قبل الشارع، فلا يمكن أن يكون دليلاً على أن التقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة؛ لأن كون التقاص عقوبة يتوافق مع كونه معاوضة أيضاً. في الحقيقة، مجرد أن الشارع قد أذن للمالك بأن يأخذ مالاً من أموال الغاصب والمدين الممتنع، ويقطع يد تصرف الغاصب والمدين الممتنع عنه، هو في حد ذاته نوع من العقوبة له. ببيان أدق، إذا كان اعتبار التقاص عقوبة مستنداً إلى كلمات في الآيات الشريفة مثل: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (النحل: 126) أو ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: 194) أو ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (الشورى: 40)، أو إلى كلمات في الروايات مثل: «أَيَحِلُّ أَنْ أَجْحَدَهُ مِثْلَ مَا جَحَدَ»(3)، فإن العقوبة المستفادة من ظواهر هذه العبارات تتحقق أيضاً مع اعتبار التقاص معاوضة، وهذا لا يمكن أن يكون دليلاً على كون المال المتقاص به بدل حيلولة.
الدليل الثاني
مقتضى قاعدة «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» هو أن المأخوذ من قبيل بدل الحيلولة، بهذا البيان أن اليد الغاصبة ضامنة للعين ويجب ردها، فإذا قبض المالك بدل العين، فإنه يملك البدل، ولكن هذه الملكية تستمر ما دام الغاصب لم يعط العين، ولكن بعد ذلك لا شيء للمالك، ومقتضى ذلك أنه بعد أن يعيد الغاصب العين، يجب على المالك أيضاً أن يعيد المأخوذ (نفسه، ص 45). بعبارة أخرى، يجب على الغاصب رد العين في جميع الأحوال، فلا يمكن للغاصب أن يكون مالكاً للعين، وبالتالي لا يمكن للبدل أن يكون عوضاً عن المغصوب؛ لأن الملكية العوضية في المعاوضة غير معقولة دون أن يدخل عوضها في ملكية الطرف المقابل (نفسه، ص 46).
نقد الدليل الثاني
إن كون كل غاصب مكلفاً برد المغصوب في جميع الظروف، لا ينافي أن يكون الغاصب، بمجرد تقاص المالك، قد برئت ذمته ولم يعد عليه تكليف بالرد، وإن كان هو بسبب جهله وعدم علمه، لا يزال يرى هذا التكليف على عهدته. بعبارة أخرى، بالقول بكون التقاص معاوضة وملكية الغاصب للعين بأثر التقاص، لا ينشأ مانع من جهة أن مقتضى قاعدة «على اليد» أن يكون الغاصب مكلفاً برد العين؛ فكيف نقول إنه أصبح مالكاً للعين؟ وذلك لأن هذا التكليف لم يعد موجوداً له بعد التقاص؛ وإن كان هو بسبب عدم علمه بتقاص المالك، يظن أن هذا التكليف لا يزال على عهدته.(4)
الدليل الثالث
حديث «لا ضرر ولا ضرار» يدل على أنه كلما أعاد الغاصب العين إلى المالك، يجوز للمالك أن يعطيه البدل ويأخذ العين، وهذا لكي لا يحدث جمع بين العوض والمعوض الذي هو ضرر (نفسه، ص 45).
نقد الدليل الثالث
هذا الدليل لا يمكن بأي حال أن يثبت القول ببدل الحيلولة في التقاص؛ لأن أقصى ما يُستفاد من حديث لا ضرر في هذه المسألة هو أنه إذا رد الغاصب العين وقبلها المالك، ففي هذه الحالة، لكي لا يلحق ضرر بالمتقاص منه ولا يحدث جمع بين العوض والمعوض للمالك، يجب رد المال المتقاص به إلى الغاصب. وهذا وإن كان هو نفس معنى بدل الحيلولة في مورد التقاص والمال المتقاص به، إلا أنه لا يبدو أي إلزام من ناحية الحديث بقبول المالك، وحديث لا ضرر لا يدل على وجوب قبول العين من قبل المالك. وقد تفطن المستدل نفسه لهذه النقطة، ولذلك استخدم كلمة «جواز» وليس «لزوم». نتيجة لذلك، يمكن للمالك ألا يقبل العين، وبمقتضى كون التقاص معاوضة، تنتقل العين إلى ملكية الغاصب ويبقى المال المتقاص به في ملكية المتقاص، وفي هذه الحالة لن يكون هناك أي جمع للعوض والمعوض وضرر لأي من الطرفين.
على أي حال، يبقى هذا الإشكال قائماً: لماذا ذكر المستدل حديث لا ضرر كدليل على القول ببدل الحيلولة في التقاص، مع أنه كان متوجهاً إلى النقطة المذكورة؟ في رأينا، قاعدة لا ضرر ليس لها أي اقتضاء لإثبات أي من الرؤيتين، كما أنها لا تنفي أياً منهما، بل هي في هذا الشأن لا اقتضاء محض لها.
الدليل الرابع
إذا بقيت العين، فالأصل في البدل هو تدارك السلطنة الفائتة، وهذا التدارك لا يقتضي المعاوضة (الرشتي، بلا تا: ص 90).
بعبارة أخرى، عندما تبقى العين، فإن ما يفوت من المالك بسبب تعذر الوصول، هو السلطنة المطلقة على العين. لذلك، ما يلزم تداركه هو تدارك السلطنة الفائتة على عين المال بسلطنة تماثلها؛ وهذا التدارك يحصل بأخذ المماثل وإباحته للمتقاص، وهو لا يقتضي بأي وجه ملكية المتقاص للمال المتقاص به؛ كما أن السلطنة على الانتفاعات لا تستلزم الملكية. إذن، لن يكون المال المتقاص به ملكاً للآخذ، وبالتالي قهراً لن تكون العين ملكاً للغاصب (الروحاني، 1412: ج25، ص 216).
نقد الدليل الرابع
الكلام هو: ما هي السلطنة المماثلة للسلطنة الفائتة؟ هل السلطنة الفائتة هي مجرد إباحة التصرف والسلطنة على الانتفاعات، أم تشمل التصرفات المطلقة حتى التصرفات الناقلة؟ الصحيح أن السلطنة الفائتة تشمل التصرفات المطلقة حتى التصرفات الناقلة. الآن، إذا أردنا أن تكون لدينا سلطنة مماثلة للسلطنة الفائتة، وبهذا السبب نتمكن من إجراء التصرفات الناقلة في مورد البدل، فهل مثل هذه السلطنة لا تستلزم الملكية؟ أليست السلطنة على النقل أمارة على الملكية؟ النتيجة أنه من أجل الوصول إلى السلطنة الفائتة، لا مفر من أن يدخل البدل في ملكية المتقاص، ومن هذه الجهة لا مانع من أن تكون العين في مقابله قد دخلت في ملكية الغاصب.
الدليل الخامس
دليل آخر هو استصحاب ملكية المالك في مورد العين (النراقي، 1415: ج17، ص 451؛ الرشتي، بلا تا: ص 90)، أو ببيان آخر، استصحاب عدم خروج عين المال من ملك المالك وعدم دخولها في ملك المتقاص منه (العراقي، 1421: ص 436). لذلك، عندما يعيد الممتنع أصل الحق إلى المالك، يجب عليه أن يرد المال المتقاص به.
نقد الدليل الخامس
نقد هذا الدليل قد مر في ذيل الدليل الخامس من أدلة القائلين بالمعاوضة.
الدليل السادس
الاعتبار العرفي في باب المقاصة هو الضمان؛ أي بما أن يد الإنسان لا تصل إلى أصل ماله، فإنه يستنقذ ماليته من الأموال التي وقعت في يده بسبب التقاص، من أموال المتقاص منه، دون أن يتخلى عن عين ماله الذي في يد الغاصب ويتنازل عن خصوصيته. ببيان آخر، غاية ما يرتكز في ذهن العرف هو أن المتقاص يحفظ مالية العين ضمن البدل، لا أنه يرضى بهذا البدل كمعاوضة عن عينه الشخصية ويسعد به (نفسه: ص 434-435).
نقد الدليل السادس
نقد هذا الدليل قد مر في ذيل الدليل السادس من أدلة القائلين بالمعاوضة.
5. القول بالتفصيل في المسألة وأدلته
التفصيل الأول
فرّق الإمام الخميني (قدس سره) بين العين المثلية والعين القيمية، وفصّل كالتالي: إذا كان حق المالك عيناً، فإذا كانت مثلية وتقاص بمثلها، فليس حصول المعاوضة القهرية بعيداً، بالطبع مع تأمل. أما إذا كان الحق المتقاص به من الأموال القيمية وتقاص بمقدار قيمته، فهل في هذه الحالة تحصل معاوضة قهرية مثل الحالة السابقة، أم أن التقاص بمنزلة بدل الحيلولة، ففيه تردد وإشكال؛ وإن كان جريان حكم بدل الحيلولة ليس بعيداً (الخميني، بلا تا: ج2، ص 437).
بيّن شارح تحرير الوسيلة أدلة هذا التفصيل، وفي الواقع بيّن أدلة اختصاص حكم كون التقاص معاوضة بالأموال المثلية، ونتيجة لهذه الأدلة يكون تقاص الأموال المثلية معاوضة وتقاص الأموال القيمية من قبيل أخذ بدل الحيلولة؛ أما تلك الأدلة فهي كالتالي:
الدليل الأول
صحيحة البقباق التي صرح فيها بأن المال المتقاص به يحل محل المال المغصوب، هي عامة وتشمل الصورة التي تكون فيها الدراهم المغصوبة منه بعينها باقية لدى المتقاص منه. النتيجة أن الرواية صرحت بأن المال المتقاص به هو عوض الدراهم، ولازم العوضية العرفية هو حصول معاوضة قهرية، ومن الواضح أن مورد الصحيحة هو تقاص المثلي بالمثل؛ في حين أنه في مورد تقاص القيميات، لا يوجد في أي من النصوص تصريح بكون المال المتقاص به عوضاً عن العين المغصوبة (القمي، 1422: ص 434 و 436).
نقد الدليل الأول
هذا الدليل مخدوش من أربعة وجوه.
الوجه الأول: أن تعبير العوضية في الروايات استُعمل في مورد الأموال المثلية، لا يمكن أن يكون دليلاً على أن العوضية تختص بالمثليات. فربما كان التعبير بالعوضية في مورد الأموال المثلية من جهة التعبير بمقتضى حقيقة التقاص، وهذه الحقيقة موجودة في جميع موارد التقاص، ومنها تقاص السلع القيمية.
الوجه الثاني: في صحيحة أبي العباس البقباق(5)، ذُكرت العوضية في تقاص الدراهم، وعلى الرغم من أن الدراهم سلعة مثلية، إلا أن الإشكال هو أن ذكر الدراهم جاء في سؤال السائل: هل يمكنني أخذ دراهم بدل الدراهم المغصوبة أم لا؟ من الواضح أنه لا يمكننا هنا تقييد إجابة الإمام (عليه السلام) بمورد السؤال، وهو ليس مورد مخصص؛ مثلما يُستفتى من مرجع تقليد عن مصداق ومورد خاص، كأن يُسأل: هل في سفر عشرين فرسخاً تقصر الصلاة؟ ويجيب ذلك المرجع بالإيجاب، ولكن لا يمكن بأي حال حصر إجابته في مورد السؤال. وفي رواية أبي بكر(6) أيضاً، لا يمكننا تقييد العوضية المستفادة من إجابة الإمام (عليه السلام) بمورد السؤال، أي الدراهم.
الوجه الثالث: في رواية صحيحة أخرى لأبي بكر(7)، بُيّنت العوضية بتعبير «مكان ماله» و«مكان مالي»، و«المال» أعم من السلع المثلية والقيمية.
الوجه الرابع: مع غض النظر عن جميع الإيرادات السابقة وقبول أن تعبير العوضية في الروايات قد استُخدم فقط في مورد الأموال المثلية وهذا يوجب اختصاص حكم المعاوضة بتقاص الأموال المثلية، يبقى هذا الإشكال قائماً: أن العوضية المستفادة من التعابير المذكورة في الروايات تتوافق مع العوضية الموجودة في بدل الحيلولة أيضاً، لأنه في القول ببدل الحيلولة أيضاً، يكون المال المتقاص به بدلاً وعوضاً، ولكن ليس بدلاً وعوضاً عن العين، بل بدل السلطنة الفائتة. وقد مر بيان مفصل لهذا الوجه في نقد الدليل الثاني للقائلين بالمعاوضة.
الدليل الثاني
بما أنه في مصاديق الأموال المثلية، تكون الجهات المالية المرغوبة عند العقلاء متساوية في جميع المصاديق ولا يوجد فرق بينها، فالنتيجة أن المال المتقاص به يحل محل المال المغصوب في جميع جهات المرغوبية، ولا يبقى شيء من جهات مرغوبية المال المغصوب لم يؤخذ عوضه، ولازم هذا الأمر حصول معاوضة قهرية (نفسه: ص 434)؛ في حين أنه في مصاديق القيميات، تكون جهات المرغوبية مختلفة، ولا يمكن المبادلة التامة بين المال المتقاص به والعين المغصوبة في جميع جهات المرغوبية.
نقد الدليل الثاني
ما هو معتبر في التقاص هو تساوي قيمة المال المتقاص به مع مالية العين المغصوبة، والمساواة من جميع جهات المرغوبية ليست شرطاً. التعابير الموجودة في الروايات من قبيل «خذ منهم بقدر ما أخذوا منك»، «خذ مثل ذلك»، «أن آخذ منه بقدر حقي»، «لم أزدد عليه شيئاً»، و«ولا تزداد»(8)، تؤكد هذا الاعتبار للقيمة المالية وليس شيئاً آخر.
التفصيل الثاني
فصّل البعض الآخر كالتالي: إذا أخذ المتقاص البدل بنية البدلية الدائمة عن العين، فإنه يملكه دائماً وتحصل المعاوضة بين البدل والعين قهراً. أما إذا أخذ البدل بقصد الملك المؤقت ما دام الحائل بينه وبين عين ماله موجوداً، فإنه يملكه مؤقتاً ما دام الحائل والمانع لم يرتفع، وعندما يزول الحائل، تزول ملكيته قهراً (النجفي، الغصب، 1422: ص 46).
تقوية رؤية كون التقاص معاوضة
كما اتضح، لم تكن أي من أدلة الرؤيتين، وكذلك أدلة رؤية التفصيل الأول، كافية لإثبات المدعى، وواجهت جميعها إشكالات تم بيانها. في هذا السياق، يبدو لنا أن رؤية كون التقاص معاوضة هي الصحيحة، ويمكن الاستناد فيها إلى ظواهر الروايات، ولكن ليس الظهور اللفظي المباشر كما استدل القائلون بكون التقاص معاوضة. في رأينا، الظهور الإطلاقي لروايات التقاص هو دليل على كونه معاوضة. بيان الأمر هو أن هناك خمس عشرة رواية(9) تدل على مشروعية التقاص، وأكثر من نصفها روايات صحيحة ومعتبرة. وما يُطرح من شروط في التقاص يُستفاد من هذه الروايات، وهذا في حين أنه لم يرد في أي من هذه الروايات إشارة إلى كون المال المتقاص به بدل حيلولة. وتوضيح أكثر: لو كان في نظر الشارع أنه بإعادة العين أو الدين من قبل المدين الممتنع، يجب إعادة المال المتقاص به، لكان من اللازم الإشارة إلى هذا المطلب ببيان ما، في حين أنه لم يقيد الإمام (عليه السلام) في أي من الروايات حكم التقاص بأنه إذا حضر الغاصب أو المدين الممتنع لبذل العين أو الدين، يجب عليك إعادة ما تقاصصته وأخذ أصل مالك. وهذا عدم الذكر من قبل الإمام (عليه السلام) ليس إلا لأن مثل هذا الشيء لم يكن له اعتبار في نظر ذلك الحضرة ولم يكن لازماً، أنه في حالة التقاص ورد العين والدين من قبل الفرد، يجب رد المال المتقاص به، وإلا لو كان مثل هذا الحكم والقيد موجوداً في نظرهم، لكانوا قد ذكروه. وتعليل عدم الذكر ببديهية لزوم عودة العين المتقاص بها لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن مثل هذا الادعاء لا يطابق الواقع. لذلك، ما يبدو قوياً هو أن إطلاق الروايات دال على كون التقاص معاوضة.
اتخاذ قول التفصيل بين أن يقصد المتقاص بدل الحيلولة أو يقصد المعاوضة
على الرغم من تقوية قول كون التقاص معاوضة، إلا أن هذا لا يعني حصول المعاوضة في جميع موارد التقاص، بل هو مشروط بقصد المتقاص. وتوضيح ذلك أن النزاع حول كون التقاص معاوضة أو بدلية حيلولة هو في الموضع الذي يكون فيه للمتقاص قصد الملكية الدائمة للمال المتقاص به، والكلام هو: هل أن الشارع المقدس قد صحح هذا القصد وأمضاه أم لا؟ في رأينا، لم يردع الشارع مثل هذا القصد، بمعنى أنه إذا كان المتقاص يبني على التعاوض بين المال المتقاص به والحق، فإن الشارع يؤيد هذا البناء ويقبل حصول التعاوض في التقاص. أما إذا لم يكن للمتقاص مثل هذا القصد وكان منذ البداية يقصد بدلية الحيلولة في مورد المال المتقاص به وبقي على هذا القصد، فإن القول بكون التقاص معاوضة لا يعني أننا نلتزم له أيضاً بالملكية الدائمة للمال المتقاص به. كيف نحكم بالملكية الدائمة له على المال المتقاص به؛ في حين أن التقاص ليس من أسباب الملك القهرية ومشروط بالقصد. أصلاً، إذا قام شخص بأسباب الملك الاختيارية بقصد غير التملك أو خالياً من القصد، فإنه لا يملك (العاملي، 1417: ج3، ص 61؛ العاملي، 1410: ج7، ص 161). كما أنه ليس ببعيد أن يشمل عموم «العقود تابعة للقصود» ما نحن فيه؛ لأنه إذا حكمنا بالملكية الدائمة له في المال المتقاص به بقصد بدلية الحيلولة من طرف المتقاص، فسيكون من قبيل «ما قُصد لم يقع وما وقع لم يُقصد».
بناءً على ذلك، إذا كان شخص في التقاص على هذا القصد بأن يكون المال المتقاص به بدل حيلولة، واستمر هذا القصد حتى زمان رد العين والدين من قبل الممتنع، فإن التقاص هنا لا يمكن أن يكون شيئاً أبعد من أخذ بدل الحيلولة. لذلك، يجب عليه برد العين والدين من قبل الممتنع، أن يرد المال المتقاص به ويستلم أصل ماله، وتترتب جميع ثمرات القول ببدل الحيلولة في التقاص. ولكن إذا قصد المتقاص الملكية الدائمة للمال المتقاص به، للسبب الذي ذكرناه واخترنا رؤية التعاوض في التقاص، نقول إن التعاوض قد حصل له وهو مالك دائم للمال المتقاص به، وكذلك تترتب جميع ثمرات القول بالتعاوض في التقاص. هذه النتيجة النهائية هي نفسها القول بالتفصيل الثاني الذي ذُكر في عداد أقوال التفصيل في المسألة.
النتيجة
ما تم التوصل إليه من خلال الأدلة وقواعد الباب هو أن التقاص من قبيل المعاوضة الدائمة، إلا إذا كان المتقاص قد قصد منذ بداية التقاص أخذه من باب بدل الحيلولة، وبقي على هذا القصد حتى زمان رد العين أو الدين من قبل الممتنع، ففي هذه الحالة يكون التقاص من قبيل أخذ بدل الحيلولة. نتيجة لذلك، برد العين أو الدين من قبل الممتنع، يجب على المالك أن يستلم أصل ماله ويعيد المال الذي تقاص به إلى الممتنع، وهذه العودة لا تحتاج إلى معاملة معاوضة. أما حيث لم يقصد المتقاص بدلية الحيلولة، بل قصد الملكية الدائمة للمال المتقاص به، فالتقاص من قبيل المعاوضة، وتتم معاوضة دائمة بين المال المتقاص به والحق. نتيجة لذلك، برد العين أو الدين من قبل الممتنع، لا يجوز للمالك أن يستلم أصل حقه، بل إن أصل المال قد دخل في ملك الممتنع؛ كما أن المال المتقاص به قد دخل في ملك المتقاص. الآن، إذا أراد المالك والممتنع أن يعود المال المتقاص به وأصل الحق إلى ملك المالكين الأول، فلن يكون ذلك ممكناً إلا بمعاملة معاوضة جديدة.
الهوامش
1. «عن أبي العباس البقباق أن شهاباً ماراه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم. قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك. فأبى شهاب. قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله فذكر له ذلك. فقال: أما أنا فأحب أن تأخذ وتحلف»؛ يقول أبو العباس البقباق: إن شهاباً ناظره في شأن رجل أخذ منه ألف درهم ثم استودعه بعد ذلك ألف درهم. قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذها منك. فأبى شهاب. قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله فذكر له ذلك، فقال: أما أنا فأحب أن تأخذها وتحلف (العاملي، 1409: ج17، ص272).
2. «عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها. أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم ولكن لهذا كلام. قلت: وما هو؟ قال: تقول اللهم إني لا آخذه ظلماً ولا خيانةً وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزدد عليه شيئاً»؛ يقول أبو بكر: قلت للإمام: لي على رجل دراهم فجحدني إياها وحلف عليها، فهل يجوز لي إن وقعت لي عنده دراهم أن آخذ منها بقدر حقي؟ فقال: نعم ولكن لهذا العمل كلام. قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إني لا آخذه ظلماً ولا خيانة وإنما آخذه مكان مالي الذي أخذه مني ولم أزدد عليه شيئاً (العاملي، 1409: ج17، ص273).
3. «عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل الجحود أيحل أن أجحده مثل ما جحد؟ قال: نعم ولا تزداد»؛ ينقل علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) أنه سأله عن الرجل الذي يجحد الدين، هل يحل لي أن أجحده مثلما جحد؟ فقال: نعم ولا تزد (العاملي، 1409: ج17، ص276).
4. أشار الميرزا حبيب الله الرشتي إلى هذا التكليف الواقعي والظاهري في هذا المقام (الرشتي، بلا تا: ص 90).
5. «عن أبي العباس البقباق أن شهاباً ماراه في رجل ذهب له بألف درهم واستودعه بعد ذلك ألف درهم. قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذ منك. فأبى شهاب. قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله فذكر له ذلك. فقال: أما أنا فأحب أن تأخذ وتحلف»؛ يقول أبو العباس البقباق: إن شهاباً ناظره في شأن رجل أخذ منه ألف درهم ثم استودعه بعد ذلك ألف درهم. قال أبو العباس: فقلت له: خذها مكان الألف التي أخذها منك. فأبى شهاب. قال: فدخل شهاب على أبي عبد الله فذكر له ذلك، فقال: أما أنا فأحب أن تأخذها وتحلف (العاملي، 1409: ج17، ص272).
6. «عن أبي بكر الحضرمي قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها. أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم ولكن لهذا كلام. قلت: وما هو؟ قال: تقول اللهم إني لا آخذه ظلماً ولا خيانةً وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزدد عليه شيئاً»؛ يقول أبو بكر: قلت للإمام: لي على رجل دراهم فجحدني إياها وحلف عليها، فهل يجوز لي إن وقعت لي عنده دراهم أن آخذ منها بقدر حقي؟ فقال: نعم ولكن لهذا العمل كلام. قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إني لا آخذه ظلماً ولا خيانة وإنما آخذه مكان مالي الذي أخذه مني ولم أزدد عليه شيئاً (العاملي، 1409: ج17، ص273).
7. «عن أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده إياه وذهب به ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بما له مال قبله. أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم ولكن لهذا الكلام يقول: اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني وإني لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً»؛ ينقل أبو بكر الحضرمي عن الإمام الصادق أنه قال له: كان لرجل على رجل مال فجحده إياه وأخذه منه، ثم بعد ذلك صار للرجل الذي أُخذ ماله مال عند ذلك الرجل، أيأخذه مكان ماله الذي أخذه منه؟ قال: نعم ولكن لهذا الكلام يقول: اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني وإني لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً. (العاملي، 1409: ج17، ص274).
8. لمطالعة متن هذه الروايات، انظر: الصدوق، 1413: ج3، ص187؛ العاملي، 1409: ج17، ص272-273 و 276.
9. لمطالعة هذه الروايات، انظر: الصدوق، 1413: ج3، ص185-187؛ الطوسي، 1365: ج6، ص231 و 347-349 و ج8، ص293؛ العاملي، 1409: ج17، ص272-276، ج18، ص333، ج19، ص428 و ج27، ص246؛ النوري، 1409: ج9، ص129.