بحثٌ في حجية القطع الذاتية في علم الأصول

المستخلص

من بين معاني الحجية، تُطرح ثلاثة معانٍ في مسألة «حجية القطع»: أ) وقوعه حداً أوسط؛ ب) الكاشفية والطريقية؛ ج) المعذّرية والمنجّزية. في فكر الشيخ الأنصاري، لا يصح اتصاف القطع بالمعنى الأول. وفيما يتعلق بالمعنى الثاني، هناك أربعة آراء بين الأصوليين: وفقاً للرأي الأول، الكاشفية والطريقية هي من الذاتيات في باب إيساغوجي وجزء مقوّم للقطع. أما وفقاً للرأي الثاني، فالكاشفية والطريقية هي مقوّم حقيقة القطع وتشكل تمام حقيقته. والرأي الثالث يرى أن الكاشفية والطريقية من لوازم القطع. ووفقاً للرأي الرابع، فإن كاشفية القطع غير مقبولة. وفيما يتعلق بالمعنى الثالث، تُطرح خمسة آراء: الرأي الأول هو ذاتية المعذّرية والمنجّزية للقطع؛ والرأي الثاني هو اللزوم الذاتي للمنذرية والمنجزية؛ والرأي الثالث هو الحكم العقلي بالمعذرية والمنجزية؛ والرأي الرابع هو اعتبارية المعذرية والمنجزية؛ والرأي الخامس هو تبعية المعذرية والمنجزية لمولوية المولى. تتناول هذه المقالة تحليل ودراسة هذه الآراء. ترتبط مسألة «حجية القطع» بعلم الفقه ارتباطاً وثيقاً؛ فمن جهة، وفقاً لرأي ذاتية الحجية للقطع، لا يوجد إمكان للردع عن القطع من قبل الشارع، ولكن في المباحث الفقهية، توجد حالات تخالف العلم التفصيلي المتولد من العلم الإجمالي، مما يتعارض مع حجية القطع الذاتية.

المقدمة

تُطرح مسألة حجية القطع في علم الأصول قبل الدخول في مباحث حجية الأمارات. في تتبع تاريخي لهذه المسألة، يرى البعض أنها خارج مسائل علم الأصول. يعتقد المحقق الخراساني أن المسائل المتعلقة بالقطع خارجة عن دائرة علم الأصول وتشبه مسائل علم الكلام أكثر (الخراساني، ١٤٣٠: ج ٢، ص ٢٣٠). وجه هذا الشبه هو أن مسألة حجية القطع تعود إلى مسألة «حسن العقاب على مخالفة المقطوع به» (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٢، ص ٢٧؛ الحكيم، ١٤٠٨: ج ٢، ص ٤). بالتالي، تعود مسألة حجية القطع إلى مسألة الحسن والقبح (الخميني، ١٤١٥: ج ١، ص ٣٣). كما يعتقد المحقق النائيني والمحقق الخوئي أن المسألة الأصولية يجب أن تكون نتيجتها واقعة في طريق استنباط الأحكام الشرعية. بناءً على ذلك، مسائل القطع ليست جزءاً من مسائل علم الأصول؛ لأن القطع بالحكم الشرعي هو نفسه قطع بالنتيجة، لا أن تكون نتيجته واقعة في طريق استنباط الأحكام الشرعية. ويعود البحث في حجية القطع إلى «صحة العقاب على مخالفة القطع». لذا، فهي تشبه مسائل علم الكلام التي تبحث عن المبدأ والمعاد (النائيني، ١٣٧٦: ج ٣، ص ٩؛ الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ٥). الفرضية المسبقة لرأي المحقق النائيني والمحقق الخوئي هي تعلق القطع بالحكم الشرعي، لكن حجية القطع لا تختص بالقطع بالحكم الشرعي، بل تشمل القطع بالمقدمات أيضاً. لذلك، فإن دليلهم على خروج هذه المسألة من علم الأصول غير مقبول. بالإضافة إلى أن استدلالهم يجري في الظنون أيضاً، والظن بالحكم الشرعي هو نفسه ظن بالنتيجة، لا أن تكون نتيجته في طريق استنباط الأحكام الشرعية، إلا أن بعض الأصوليين يعتبرونها جزءاً من مسائل علم الأصول. يعتقد الإمام الخميني أن حجية القطع ليست فقط ليست جزءاً من المسائل الكلامية، بل هي جزء من مسائل علم الأصول؛ لأن ملاك كون المسألة أصولية هو أن تؤدي إلى استنباط حكم شرعي فرعي؛ حتى لو لم تقع في كبرى قياس الاستنباط. لذلك، مباحث القطع من مسائل علم الأصول؛ تماماً كما أن مباحث الأصول العملية من مسائل علم الأصول، وفي نفس الوقت لا تستخدم في كبرى قياس الاستنباط (الخميني، ١٤٢٣: ج ٢، ص ٢٨٩). ويرى المحقق البروجردي أيضاً أن حجية القطع جزء من المسائل الأصولية؛ لأنها تبين تعيين مصداق الحجة (البروجردي، ١٤١٥: ص ١٦). في خلاصة هذه الآراء، يجب القول إن التتبع التاريخي لهذه المسألة يعتمد كلياً على المبنى المعتمد في كون مسألة ما أصولية.

لمسألة حجية القطع ارتباط وثيق بعلم الفقه أيضاً؛ فمن ناحية، وفقاً لرأي ذاتية الحجية للقطع، لا يوجد إمكان للردع عن القطع من قبل الشارع، ولكن في المباحث الفقهية، توجد حالات تخالف العلم التفصيلي المتولد من العلم الإجمالي وتتعارض مع حجية القطع الذاتية؛ مثل الحكم بجواز ارتكاب جميع الأطراف في الشبهة المحصورة أو الحكم بصحة اقتداء شخص رأى المني في لباسه المشترك مع إمام الجماعة، وحالات أخرى تُطرح في المباحث الفقهية (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٧٩؛ عبد الساتر، ١٩٩٦م: ج ٨، ص ٣٦٤؛ الأنصاري الأراكي، ١٤١٥ق: ص ٢٦٣).

هذه الفروع الفقهية بمثابة تحدٍ في مسألة حجية القطع الذاتية وتحتاج إلى حلول. من ناحية أخرى، إحدى طرق استكشاف الأحكام الشرعية هي القطع بها، مما يبين فعالية مسألة حجية القطع في علم الفقه؛ ومن ناحية أخرى، بناءً على رأي ذاتية المعذرية والمنجزية للقطع، فإن وجوب العمل بمتعلق القطع لا ينفك عن القطع، وفي جميع موارد ثبوت القطع، يوجد أيضاً وجوب فقهي للعمل بمتعلقه. بالإضافة إلى كل هذا، تقع مسألة حجية القطع وفقاً للرأي الأصولي في طريق استنباط الأحكام الشرعية، مما يبين دورها في المسائل الفقهية.

في مسألة حجية القطع، تُطرح مسائل، من أهمها كيفية ثبوت الحجية للقطع، والتي كانت محل خلاف بين علماء علم الأصول. تتناول هذه المقالة هذه المسألة بأسلوب وصفي-تحليلي.

تبيين مسألة حجية القطع الذاتية

يمكن تبيين هذه المسألة في ضوء شرح مفرداتها، أي الحجية، والذاتية، والقطع.

أ) دراسة مفهوم الحجية

الحجة في اللغة تعني البرهان والدليل الذي يوضح المقصود أو كلام الخصم وينقض كلام المقابل (ابن منظور، ١٤١٤: ج ٢، ص ٢٢٨؛ الراغب الأصفهاني، ١٤١٢: ج ١، ص ٢١٩). المعنى الجامع للحجة في اللغة هو «ما يُحتج به على الغير». وبناءً على ذلك، فإن الحجية تعني صلاحية الاحتجاج. أما «الحجة» و«الحجية» في علم المنطق وعلم الأصول، فلهما معانٍ متعددة، وشرحها كما يلي:

أولاً: الحجة في علم المنطق هي المعلوم التصديقي الذي له صلاحية إثبات المجهول التصديقي. وتُطلق «الحجة» على المعلوم التصوري الذي يوصل إلى المجهول التصوري «القول الشارح»، وعلى المعلوم التصديقي الذي يوصل إلى المجهول التصديقي (الطوسي، ١٣٧٥: ج ١، ص ٢٥-٢٦).

ثانياً: الحجة هي خصوص «الحد الأوسط» الذي يتولى دور إثبات الحد الأكبر للحد الأصغر. هذا المعنى، بالإضافة إلى استخدامه في علم المنطق، استُخدم أيضاً في علم الأصول (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٢٩؛ المظفر، ١٤٢١: ج ٢، ص ١٢).

وقد فسر الشهيد الصدر الحجية المنطقية بـ«حقانية القطع» (الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٢٧). ومقصوده من «حقانية القطع» هو مطابقة القطع للواقع وكاشفيته عنه، ولكن هذه المسألة لا تختص بالقطع وتُطرح في جميع الإدراكات، إلا أن الحجة في اصطلاح علم المنطق ليست بهذا المعنى، بل بالمعنيين المذكورين أعلاه. ومسألة مطابقة الواقع ليست جزءاً من المسائل المنطقية، بل هي جزء من مسائل نظرية المعرفة وتوضح القيمة المعرفية للإدراكات؛ كما تطرق هو نفسه إليها في مباحث نظرية المعرفة في كتابه فلسفتنا (الشهيد الصدر، ١٤٢٤: ص ١٢٥).

ثالثاً: الطريقية إلى الواقع والكاشفية عنه. هذا المعنى هو نفس مطابقة القطع للواقع الذي أشار إليه الشهيد الصدر في معنى الحجية المنطقية (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٥؛ الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٢٧؛ الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ١٨؛ المظفر، ١٤٢١: ج ٢، ص ١٢).

رابعاً: المعذرية والمنجزية (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٥؛ الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٢٧). هذا المعنى يبين ارتباط العبد بالمولى في مقام الامتثال. المنجزية هي ثبوت المسؤولية على عاتق المكلف، والمعذرية هي رفع المسؤولية عن عاتق المكلف.

خامساً: وجوب المتابعة (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٢٩؛ الخراساني، ١٤٣٠: ج ٢، ص ٢٣٣).

سادساً: المحركية التكوينية نحو متعلقه. اعتبر الشهيد الصدر المحركية التكوينية معنى للحجية التكوينية (الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٢٧).

سابعاً: الحجية في باب الأمارات. في تفسير الحجية في باب الأمارات، توجد ثلاثة آراء: الرأي الأول: جعل الحكم المماثل. وفقاً لهذا الرأي، معنى حجية الأمارات هو أن الشارع يجعل أحكاماً ظاهرية مماثلة لمؤدى الأمارات؛ مثلاً، إذا كان مؤدى الأمارة وجوب صلاة الجمعة، فإن الله يجعل وجوباً ظاهرياً ومماثلاً لمؤدى الأمارة لصلاة الجمعة (الأصفهاني، ١٤١٦: ص ٥٢؛ هو نفسه، ١٤٢٩: ج ٥، ص ١١٨؛ الشهيد الصدر، ١٤٢٦: ص ٢٧-٢٨؛ الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٧٨). مبنى هذا الرأي هو انتزاع الحكم الوضعي للحجية من الحكم التكليفي والمجعولية المجازية للأحكام الوضعية. يرى المحقق الأصفهاني أن حجية خبر الواحد تعني أن الشارع جعل خبر الواحد واسطة للوصول إلى الواقع ومؤداه بمنزلة الواقع. الحجية بهذا المعنى ليس لها جعل استقلالي؛ لأنه بناءً على مسلك جعل الحكم المماثل، تكون الحجية وصفاً لخبر الواحد الذي هو واسطة في إثبات الواقع، وبجعل الحكم المماثل، تُجعل الحجية أيضاً ولا حاجة لجعل استقلالي (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٥، ص ١١٨ وج ٣، ص ٥٥؛ هو نفسه، ١٤١٦: ص ٥٢). الرأي الثاني: تتميم الكاشفية والطريقية. وفقاً لهذا الرأي، معنى حجية الأمارات هو أن الشارع يعتبر الكاشفية والعلمية الناقصة للأمارات تامة، وبإلغاء احتمال الخلاف، يجعل الأمارات علماً تعبداً. وقد تبنى المحقق النائيني والمحقق الخوئي هذا الرأي (النائيني، ١٣٧٦: ج ٣، ص ١٠٨؛ الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ٤٣). مبنى هذا الرأي هو الجعل الاستقلالي للأحكام الوضعية (النائيني، ١٣٧٦: ج ٣، ص ١٠٥). الرأي الثالث: المعذرية والمنجزية. وفقاً لهذا الرأي، معنى حجية الأمارات هو مجرد جعل المعذرية والمنجزية لها، وليس جعل حكم مماثل لمؤداها، ولا تتميم كاشفيتها الناقصة. وقد تبنى المحقق الخراساني هذا الرأي (الخراساني، ١٤٣٠: ج ٢، ص ٢٨٢؛ الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ٤٢).

وفقاً للرأي الثاني، تعود الحجية في الأمارات إلى المعنى الثالث من معاني الحجية، ووفقاً للرأي الثالث، تعود إلى المعنى الرابع، أما وفقاً للرأي الأول، فتكتسب الحجية معنى جديداً.

ب) دراسة مفهوم الذاتي

«الذاتي» في المنطق والفلسفة له اصطلاحات متعددة. ما يرتبط بمسألة حجية القطع الذاتية هو اصطلاحان للذاتي في باب إيساغوجي وباب البرهان، وتبيينهما كما يلي:

أولاً: الذاتي في باب إيساغوجي أو الكليات الخمس. الذاتي هنا بمعنى «مقوّم الذات» ويشمل النوع والجنس والفصل. المفاهيم المعتبرة في الماهيات والتي تقوم بها الماهيات تسمى مفاهيم ذاتية. هذه المفاهيم تؤخذ في الحدود التامة للماهيات، وتزول الماهيات بزوالها (الطوسي، ١٣٧٥: ج ١، ص ٥٧؛ السبزواري، ١٣٨٤: ج ١، ص ١٧٩؛ الطباطبائي، ١٣٨٥: ج ١، ص ٢٨٥).

ثانياً: الذاتي في باب البرهان. الذاتي في باب البرهان هو المحمول الذي لا ينفك عن الذات، سواء كان داخلاً في الذات أو خارجاً عنها وملازماً لها. وفقاً لهذا التعريف، يشمل الذاتي في باب البرهان الذاتي في باب إيساغوجي والعرض اللازم؛ لأن السمة المشتركة بين الذاتي والعرض اللازم هي عدم الانفكاك عن الذات. لذلك، العرضي في باب البرهان أخص من العرضي في باب إيساغوجي (الطوسي، ١٣٧٥: ج ١، ص ٥٨؛ الحلّي، ١٣٧١: ص ٢٠٩).

ج) دراسة مفهوم القطع

القطع واليقين في تقسيم منطقي ينقسمان إلى القطع واليقين بالمعنى الأعم والقطع واليقين بالمعنى الأخص. توضيح ذلك أنه في المركب الخبري، إما أن يكون طرفا الحكم متساويين أو أن يكون لأحدهما رجحان على الآخر. الأول (تساوي الطرفين) هو الشك. وفي الثاني، إما أن يكون للطرف المرجوح رجحان أو للطرف الراجح رجحان. رجحان الطرف المرجوح هو الوهم، أما رجحان الطرف الراجح، فإما أن يكون مصحوباً بحكم بامتناع الطرف المرجوح أو لا. الثاني هو الظن والأول هو الجزم. رجحان الطرف الراجح المصحوب بحكم بامتناع الطرف المرجوح، إما أن يكون مطابقاً للواقع أو غير مطابق للواقع. الثاني هو الجهل المركب والأول، إما أن يكون ثابتاً ولا يستطيع الحاكم أن يحكم بخلافه أو غير ثابت ويمكنه أن يحكم بخلافه. إذا كان ثابتاً، فهو اليقين بالمعنى الأخص، وإذا كان غير ثابت، فهو التقليد. اليقين بالمعنى الأعم هو التصديق الجازم الذي يشمل الجهل المركب والتقليد واليقين بالمعنى الأخص. أما اليقين بالمعنى الأخص فهو التصديق الجازم المطابق للواقع والثابت (الطوسي، ١٣٧٥: ج ١، ص ١٢-١٣؛ الرازي، ١٣٨٤: ج ١، ص ١٢).

القطع في تقسيم أصولي ينقسم إلى طريقي وموضوعي. القطع الطريقي هو القطع الذي لم يؤخذ في موضوع الخطاب الشرعي؛ أي أن الحكم الشرعي يترتب على نفس الموضوع، والقطع مجرد طريق لإحراز موضوع الحكم، دون أن يكون قيداً للموضوع. القطع الموضوعي هو القطع الذي أُخذ في موضوع الخطاب الشرعي وله دور في ثبوت الحكم الشرعي؛ بحيث إذا لم يكن هناك قطع وعلم، فلا يوجد حكم (الخراساني، ١٤٣٠: ج ٢، ص ٢٤٥؛ الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ٣٧).

الآراء في كيفية حجية القطع

وفقاً للتوضيحات المذكورة أعلاه، للحجة والحجية ثمانية معانٍ. من بين هذه المعاني، بعضها فقط هو موضع البحث في مسألة حجية القطع: المعنى الأول لا يُطرح في مسألة حجية القطع؛ لأن المعلوم التصديقي الذي له صلاحية إثبات المجهول التصديقي هو متعلق القطع، لا القطع نفسه. المعنى الخامس (وجوب المتابعة) يعود إلى المعنى الرابع، ووجوب المتابعة من لوازم المعذرية والمنجزية. ولكن يرى المحقق الخوئي أن وجوب المتابعة هو تعبير آخر عن نفس المعذرية والمنجزية (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٩). المعنى السادس (المحركية التكوينية) هو أيضاً من لوازم المعنى الثالث؛ لأن المحركية التكوينية تُطرح في أعقاب الطريقية إلى الواقع والكاشفية عنه. المعنى السابع يختص بالأمارات ولا يُطرح في مورد القطع. لذلك، من بين معاني الحجة والحجية، ثلاثة معانٍ فقط هي الثاني والثالث والرابع تحتاج إلى دراسة، وسيتم تناولها في ثلاثة محاور.

المقصود بالذاتي في مسألة حجية القطع الذاتية هو أحياناً المعنى الأول وأحياناً المعنى الثاني؛ من هذا المنطلق، لا بد من دراسة كلا المعنيين.

المقصود بالقطع في هذه المسألة هو القطع واليقين بالمعنى الأعم الذي يشمل الجهل المركب والتقليد واليقين بالمعنى الأخص. بشكل عام، المقصود بالقطع في علم الأصول هو هذا القطع الذي هو عبارة عن التصديق الجازم. كما أن المقصود بالقطع في هذه المسألة هو القطع الطريقي، لا القطع الموضوعي.

محاور مسألة حجية القطع

بناءً على ذلك، تُطرح مسألة حجية القطع في ثلاثة محاور: المحور الأول: وقوع القطع حداً أوسط؛ المحور الثاني: الكاشفية والطريقية؛ المحور الثالث: المعذرية والمنجزية. تبيين هذه المحاور الثلاثة كما يلي:

المحور الأول: وقوع القطع حداً أوسط

لا يتصف القطع بالحجية بهذا المعنى. لذلك، ستكون ذاتية الحجية بهذا المعنى للقطع سالبة بانتفاء الموضوع. وقد طرح الشيخ الأنصاري هذا الادعاء، وتبيينه كما يلي:

رأي الشيخ الأنصاري

في فكر الشيخ الأنصاري، لا يتصف القطع بالحجية بمعنى كونه حداً أوسط. وقد أقام دليلين لإثبات هذا الادعاء:

الدليل الأول: في القطع الطريقي، ليس للقطع نفسه أي تدخل في ثبوت الحكم الشرعي لموضوعه؛ بينما لو وقع القطع حداً أوسط، للزم أن يكون الحكم الشرعي ثابتاً للموضوع بوصفه مقطوعاً به، وأن يكون للقطع تدخل في ثبوت الحكم الشرعي. يرى الشيخ الأنصاري أن هناك فرقاً بين القطع والظن في كونهما حداً أوسط. فالقطع لا يقع حداً أوسط ولا يُقال: هذا الشيء مقطوع الخمرية وكل مقطوع الخمرية حرام؛ لأن الحرمة ثابتة للخمر نفسها. أما الظن فيقع حداً أوسط ويُقال: «هذا الشيء مظنون الخمرية وكل مظنون الخمرية حرام» (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٢٩).

الدليل الثاني: لو أُطلقت الحجية بهذا المعنى على القطع، للزم أن يكون القطع سبباً لنفسه. توضيح ذلك أن الحجة بهذا المعنى هي حد أوسط يكون واسطة لثبوت الأكبر للأصغر. بناءً على ذلك، الحجة هي سبب للقطع بثبوت الأكبر للأصغر. الآن إذا أُطلقت الحجة على القطع نفسه ووقع القطع نفسه حداً أوسط، للزم أن يكون القطع حداً أوسط وعلة للقطع بثبوت الأكبر للأصغر؛ أي أن يكون القطع علة ومعلولاً في آن واحد، وأن يكون سبباً لنفسه (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٣٠).

نقد ودراسة

ادعاء الشيخ الأنصاري صحيح، لكن دليليه ليسا تامين:

الدليل الأول مقبول من حيث إن لازم إطلاق الحجة على القطع هو تدخل القطع الطريقي في ثبوت الحكم الشرعي، لكنه غير مقبول من حيث التفريق بين القطع والظن؛ لأنه كما أن الأحكام الشرعية ثابتة لذات موضوعاتها والقطع الطريقي ليس له دور في ثبوتها، كذلك الظن ليس له دور في ثبوتها.

الدليل الثاني أيضاً غير مقبول؛ لأنه في قياس «هذا الشيء مقطوع الخمرية وكل مقطوع الخمرية حرام؛ إذن هذا الشيء حرام»، متعلق القطع في الحد الأوسط هو الخمرية، أما في النتيجة، فلا يوجد قطع، والقطع الذي يتعلق بالخمرية لا يأتي في النتيجة؛ لأن الحد الأوسط يُحذف في النتيجة. وحتى لو قبلنا بتسامح أن نتيجة هذا القياس هي أننا نجد قطعاً بثبوت الحرمة للخمر، فإن متعلق هذا القطع يختلف عن متعلق القطع في الحد الأوسط؛ لأن متعلق القطع في الحد الأوسط هو الخمرية؛ بينما متعلق القطع في النتيجة هو ثبوت الحرمة للخمر. لذلك، لا تُطرح علية وسببية القطع لنفسه.

لقد ظن بعض شراح الرسائل أن الدليل الثاني للشيخ الأنصاري يعود إلى نفس الإشكال المعروف الذي يرد على الشكل الأول المنطقي، وهو أن الكبرى الكلية متضمنة لحكم هذه الصغرى قبل الاستنتاج، والاستدلال لا يأتي بنتيجة جديدة (المحمدي، ١٣٨٧: ج ١، ص ١٧)، لكن هذا الظن ليس صحيحاً؛ لأن الإشكال المذكور ينظر إلى أن النتيجة ضمن الكبرى الكلية، أما كلام الشيخ الأنصاري فينظر إلى أن القطع بالحد الأوسط سبب لنفسه (القطع بالنتيجة).

المحور الثاني: كاشفية القطع وطريقيته

أصل اتصاف القطع بالكاشفية والطريقية وكيفية هذا الاتصاف محل خلاف. لقد قبل مشهور الأصوليين اتصاف القطع بالكاشفية والطريقية واعتبروه ذاتياً للقطع، لكنهم اختلفوا في تفسير الذاتية. ولكن بعض الأصوليين لم يقبلوا أصل اتصاف القطع بالكاشفية والطريقية. تبيين هذين الرأيين كما يلي:

الرأي الأول: ذاتية الكاشفية للقطع

الرأي المشهور بين الأصوليين هو أن اتصاف القطع بالكاشفية والطريقية صحيح وذاتي للقطع. فالشخص القاطع لا يرى حجاباً بينه وبين الواقع، وقطعه مرآة لعرض الواقع. لذلك، القطع كاشف عن الواقع وطريق لإظهار الواقع.

ولكن الأصوليين يختلفون في تفسير الذاتية؛ فالبعض يرى أن ذاتية الكاشفية للقطع من سنخ الذاتي في باب إيساغوجي وأن الكاشفية مقوّمة لحقيقة القطع، بينما يرى آخرون أنها ليست من سنخ الذاتي في باب إيساغوجي وليست مقوّمة لحقيقة القطع، بل الكاشفية لازمة للقطع ويرونها من سنخ الذاتي في باب البرهان الذي يشمل لوازم الذات أيضاً. لذلك، يوجد هنا رأيان. ولكن أنصار الرأي الأول أيضاً ينقسمون إلى فئتين: فئة تعتبر الكاشفية ذاتية للقطع، وفئة أخرى تعتبرها عين ذات القطع. لذلك، مع فرض قبول اتصاف القطع بالكاشفية، توجد ثلاثة آراء فرعية:

الرأي الأول: أن الكاشفية والطريقية مقوّمة لحقيقة القطع ومن سنخ الذاتي في باب إيساغوجي، وهي جزء ذاتي للقطع.

الرأي الثاني: أن الكاشفية والطريقية مقوّمة لحقيقة القطع ومن سنخ الذاتي في باب إيساغوجي، ولكنها تشكل تمام حقيقة القطع، لا أنها جزء ذاتي للقطع.

الرأي الثالث: أن الكاشفية والطريقية ليست مقوّمة لحقيقة القطع، بل هي من لوازم القطع ومن سنخ الذاتي في باب البرهان.

يعتبر الشيخ الأنصاري القطع بنفسه طريقاً إلى الواقع، ويمكن استظهار الرأي الثاني من ذلك (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٢٩).

وقد اختار المحقق الأصفهاني الرأي الثاني وانتقد الرأيين الآخرين. يعتقد أن حقيقة القطع هي النورانية وليست شيئاً سوى الطريقية والكاشفية؛ لأن كل وصف اشتقاقي ينتزع من مرتبة ذات شيء ما، فإن مبدأ ذلك الوصف ينتزع من ذلك الشيء نفسه. وهنا أيضاً الوصف الاشتقاقي «طريق» ينتزع من ذات القطع؛ لذلك، الطريقية أيضاً تنتزع من ذات القطع نفسه. وبتعبير آخر، المشتق دائماً ليس بمعنى «ذات ثبت له المبدأ»، بل في مورد المبادئ نفسها يكون بمعنى «ذات هو المبدأ». لذلك، الطريقية هي عين ذات القطع، لا أنها ذاتية أو لازمة عقلية للقطع (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ١٨).

وقد قبل المحقق الخوئي الرأي الثاني واعتبر حقيقة القطع هي الانكشاف (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٨). واختار المحقق الخراساني الرأي الثالث واعتبر الكاشفية من لوازم ذات القطع (الخراساني، ١٤١٠: ص ٤٨٤). واعتبر المحقق النائيني أحياناً الطريقية ذاتية للقطع وأحياناً لازمة لذات القطع؛ مثل الزوجية للأربعة، وأحياناً ارتقى واعتبرها عين القطع (النائيني، ١٣٧٦: ج ٣، ص ٦).

النقطة المشتركة بين هذه الآراء الثلاثة هي قبول ثلاث نقاط:

النقطة الأولى: أن اتصاف القطع بالكاشفية والطريقية صحيح.

النقطة الثانية: أن الكاشفية والطريقية ذاتية للقطع. بالطبع، مع أن هذه الآراء تشترك في أصل ذاتية الكاشفية للقطع، فإنها تختلف في كيفية الذاتية، كما مر توضيحه.

النقطة الثالثة: أن الجعل التشريعي للطريقية للقطع ليس صحيحاً؛ لأن الذاتي لا يحتاج إلى جعل تركيبي، والجعل التركيبي غير ممكن له.

الرأي الثاني: إنكار كاشفية القطع

في مقابل الرأي المشهور للأصوليين، لم يقبل بعضهم الآخر أصل اتصاف القطع بالكاشفية والطريقية وانتقدوا الآراء الثلاثة الفرعية. تبيين أهم استدلالات هذا الرأي في نقد الرأي الأول كما يلي:

الدليل الأول: حقيقة القطع هي ماهية القطع، وبناءً على رأي أصالة الوجود، الماهية اعتبارية ولا يمكنها دون عروض الوجود عليها أن تكون عين الطريقية والكاشفية. لذلك، الكاشفية تعرض على الماهية تبعاً لعروض الوجود وتكون هي نفسها ماهية القطع، كيفاً نفسانياً ومن الأعراض (الخميني، ١٤١٨: ج ٦، ص ٢٠-٢١).

الدليل الثاني: المقصود بكاشفية القطع إما الكاشفية عن الواقع أو الكاشفية عن المعلوم بالعرض في نظر القاطع. إذا كان المقصود الكاشفية عن الواقع، فهو باطل؛ لأنه في موارد الجهل المركب، لا توجد كاشفية عن الواقع. إذن، الكاشفية عن الواقع ليست ذاتية للقطع. وإذا كان المقصود الكاشفية عن المعلوم بالعرض في نظر القاطع نفسه، فهذا أيضاً باطل؛ لأنه في بعض الموارد، لا يوجد معلوم بالعرض أصلاً ووجوده ممتنع؛ مثل امتناع اجتماع النقيضين. لذلك، وصف القطع بالكاشفية ليس صحيحاً (الخميني، ١٤١٨: ج ٦، ص ٢١).

الدليل الثالث: لو كانت الطريقية والكاشفية ذاتية للقطع، سواء من باب الذاتي في باب إيساغوجي أو الذاتي في باب البرهان، فإن الطريقية والكاشفية لا تنفصلان عن القطع؛ بينما القطع أحياناً يكون مطابقاً للواقع وأحياناً مخالفاً للواقع. أما إذا اعتبرها شخص ما ذاتية في نظر القاطع نفسه، فهذا الرأي أيضاً غير مقبول؛ لأن الذاتي لا يقبل الاختلاف، وباختلاف الآراء لا يختلف (الخميني، ١٤٢٣: ج ٢، ص ٢٩٤).

نقد ودراسة

في تحليل ودراسة الرأيين المذكورين أعلاه، يلزم الانتباه إلى النقاط التالية:

النقطة الأولى: الرأي الأول، كما مر، يتشعب إلى ثلاثة آراء فرعية. من بين هذه الآراء الثلاثة، الرأي الأول غير مقبول؛ لأن الذاتي في باب إيساغوجي يبين مقومات الماهية. والجزء المقوم للماهية، وهو الجنس والفصل، يوجد فقط في الماهيات المركبة؛ ولكن بما أن القطع أمر بسيط وفاقد للجنس والفصل، فلا يمكن اعتبار الكاشفية جزءاً مقوماً للقطع، أي جنساً أو فصلاً له.

قد يُطرح هذا السؤال: إن الجنس والفصل لا يختصان بالماهيات المركبة، بل يُطرحان في الماهيات البسيطة أيضاً. توضيح ذلك أن الجنس والفصل الحقيقيين خاصان بالماهيات المركبة، ولكن بالنسبة للماهيات البسيطة أيضاً يمكن اعتبار جنس وفصل، بأن نعتبر «ما به الاشتراك» بمنزلة الجنس و«ما به الاختلاف» بمنزلة الفصل (الطباطبائي، ١٣٨٥: ج ٤، ص ١٠٦). لذلك، في مورد القطع أيضاً يمكن طرح الجنس والفصل؟ الجواب هو أن الجنس المذكور وفقاً لهذا التحليل ليس جنساً حقيقياً وهو جنس اعتباري؛ بينما الأصوليون يعتبرون الطريقية والكاشفية ذاتية للقطع حقيقة، لا أنهم يعتبرونها جزءاً ذاتياً للقطع اعتباراً.

النقطة الثانية: الدليل الأول للرأي الثاني غير مقبول؛ لأنه:

أولاً، بناءً على رأي أصالة الوجود، حقيقة القطع هي وجود القطع، لا ماهيته. يمكن لحاظ المفاهيم الذهنية بنحوين: أ) كوجودات ذهنية؛ ب) كصور حاكية عن حقائق خارجية. المفاهيم الذهنية باللحاظ الأول وجودات ذهنية، وباللحاظ الثاني هي علم (السبزواري، ١٣٨٤: ج ٥، ص ٤٧؛ يزدان پناه، ١٣٨٩: ج ١، ص ٥٦). يجب التفريق بين أحكام هذين اللحاظين. في هذا الدليل، خُلط بين حيثية وجود المفاهيم نفسها وحيثية حكايتها: فالقطع باللحاظ الأول كيف نفساني، ولكن باللحاظ الثاني هو عين الكاشفية عن الواقع.

ثانياً، في هذا الدليل خُلط بين الواسطة في الثبوت والواسطة في العروض. توضيح ذلك أنه وفقاً لرأي أصالة الوجود، الماهية تحتاج إلى واسطة في الثبوت وجميع محمولات الماهية أيضاً تثبت بواسطة وجودها؛ ولكن ثبوت الذاتي للذات لا يحتاج إلى واسطة في العروض (الطباطبائي، ١٣٨٥: ج ١، ص ٥٣). ذاتية الكاشفية للقطع تبين نفي الواسطة في العروض، لا نفي الواسطة في الثبوت لكي تتعارض مع أصالة الوجود.

النقطة الثالثة: الدليل الثاني والثالث للرأي الثاني أيضاً غير مقبولين؛ لأنه:

أولاً، هذا الادعاء بأن في بعض الموارد لا يوجد معلوم بالعرض، مثل امتناع اجتماع النقيضين، غير مقبول؛ لأنه وإن كان اجتماع النقيضين ليس له وجود خارجي، إلا أن له تحققاً وثبوتاً نفس أمرياً، ودائرة نفس الأمر أوسع من دائرة الوجود الخارجي. هذه المسألة مبينة جيداً في المباحث الفلسفية في مسألة نفس الأمر (الطباطبائي، ١٣٨٥: ج ١، ص ٦٩).

ثانياً، كاشفية القطع تُطرح في مورد المعلوم بالذات وفي مورد المعلوم بالعرض. كاشفية القطع عن المعلوم بالذات واضحة، ولكن في كاشفية القطع عن المعلوم بالعرض، طُرح هذا السؤال: إن القطع أحياناً يكون مطابقاً للواقع وأحياناً مخالفاً له، وإذا اعتبره شخص ما ذاتياً في نظر القاطع نفسه، يُطرح هذا الإشكال: إن الذاتي لا يقبل الاختلاف (الخميني، ١٤٢٣: ج ٢، ص ٢٩٤). وقد أُجيب على هذا السؤال بأجوبة متعددة (الخميني، ١٤١٨: ج ٦، ص ٢١؛ الحيدري، ١٤٢٧: ص ١٢٢). لكن الجواب الذي يقبله الكاتب هو أن كاشفية القطع عن المعلوم بالعرض في نظر القاطع نفسه ثابتة دائماً للقطع. هذا يعني أن الكاشفية لا تنفصل عن القطع؛ لأنه في نظر القاطع نفسه الذي حصل له القطع، توجد هذه الكاشفية أيضاً. أما بالنسبة للشخص الذي يعتبر قطع القاطع جهلاً مركباً، فمع أن الكاشفية عن المعلوم بالعرض لا تُطرح، إلا أنه لم يحصل له قطع أيضاً. لذلك، في نظر القاطع نفسه الذي يوجد له قطع، توجد كاشفية المعلوم بالعرض أيضاً، وفي نظر شخص آخر يعتبر قطعه جهلاً مركباً وليس له كاشفية، فليس له قطع أيضاً حتى يُطرح ادعاء الانفكاك بين القطع والكاشفية.

المحور الثالث: معذّرية القطع ومنجّزيته

اتصاف القطع بالمعذرية والمنجزية وكيفية هذا الاتصاف محل خلاف، وقد عُرضت خمسة آراء في هذا الصدد:

الرأي الأول: ذاتية المعذرية والمنجزية

الرأي المشهور بين الأصوليين هو أن المعذرية والمنجزية ذاتية للقطع. يذكر الشيخ الأنصاري في إثبات هذا الادعاء أنه لا إشكال في وجوب متابعة القطع؛ لأن القطع بذاته له طريقية، وطريقيته غير قابلة للجعل التشريعي (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٢٩). كما مر، يرى المحقق الخوئي أن وجوب المتابعة هو تعبير آخر عن نفس المعذرية والمنجزية (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٩).

النقطة المهمة في هذا الرأي هي عدم التوافق بين الدليل والمدعى. فمدعى الشيخ الأنصاري هو وجوب متابعة القطع؛ بينما دليله هو طريقية وكاشفية القطع. تحليل ودراسة هذه المسألة سيأتي في قسم النقد والدراسة.

الرأي الثاني: اللزوم الذاتي للمعذرية والمنجزية

في فكر بعض الأصوليين، المعذرية والمنجزية من اللوازم الذاتية للقطع. اللازم الذاتي لا ينفصل عن ذات الملزوم وليس داخلاً في ذات الملزوم؛ مثل الإمكان للإنسان الذي ليس مقوماً للإنسان، ولكنه لا ينفصل عن ذات الإنسان. وفقاً لهذا الرأي، المعذرية والمنجزية بالنسبة للقطع من سنخ الذاتي في باب البرهان.

وقد اختار المحقق الخراساني هذا الرأي (الخراساني، ١٤٣٠: ج ٢، ص ٢٣٣). وفقاً لهذا الرأي، دور العقل الذي يدرك التلازم بين القطع والمعذرية والمنجزية هو دور إدراكي، وليس له حاكمية وبعثية.

الرأي الثالث: الحكم العقلي بالمعذرية والمنجزية

في فكر بعض الأصوليين، المعذرية والمنجزية من الأحكام العقلية للقطع. الفرق بين هذا الرأي والرأي السابق هو أنه وفقاً للرأي السابق، المعذرية والمنجزية ثابتة للعقل؛ كما أن الزوجية ثابتة للعدد أربعة ودور العقل ليس سوى إدراك هذا التلازم. أما وفقاً لهذا الرأي، فالمعذرية والمنجزية من الأحكام العقلية للقطع، والعقل الإنساني يحكم بها. لذلك، دور العقل فيها ليس دور المدرِك، بل دور الحاكم والباعث. إذن، هذا الرأي مبني على قبول شأنية الحاكمية والباعثية للعقل.

ينسب المحقق الخوئي هذا الرأي إلى المحقق الخراساني (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٨)، لكن هذه النسبة محل تأمل؛ لأن المحقق الخراساني في إثبات مدعاه يستفيد من استحالة «الجعل التركيبي بين اللازم والملزوم» (الخراساني، ١٤٣٠: ج ٢، ص ٢٣٣). وهذا الدليل يبين أنه يعتبر المعذرية والمنجزية من اللوازم الذاتية للقطع ويدرك دور العقل.

الرأي الرابع: اعتبارية المعذرية والمنجزية

لا يعتبر المحقق الأصفهاني المعذرية والمنجزية ذاتية للقطع، بل يعتبرها تابعة لبناء واعتبار العقلاء. رأي سماحته في كيفية معذرية ومنجزية القطع يتشكل في ضوء رأيه في تحديد سنخ قضايا الحسن والقبح. يعتبر سماحته قضايا حسن العدل وقبح الظلم من سنخ القضايا المشهورة بالمعنى الأخص. تبيين رأي سماحته في كيفية معذرية ومنجزية القطع يُعرض في ضوء النقاط التالية:

النقطة الأولى: أن حجية القطع هي معذرية ومنجزية القطع. يعتقد أن حكم العقل بالمعذرية والمنجزية للقطع هو نفس إدراك المعذرية والمنجزية بواسطة العقل، لا أن يكون للعقل حاكمية وبعثية (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ١٧-١٨). وقد تشكل هذا الرأي في ضوء رأيه في تفسير العقل النظري والعملي. العقل النظري والعقل العملي في فكره ليسا قوتين مستقلتين، بل هما قوة واحدة من قوى النفس الإنسانية تختلف باختلاف مدركاتها: فإذا كانت المدركات من سنخ الأمور المرتبطة بمقام العمل، فإن القوة المدركة لها تسمى العقل العملي، وإذا كانت من سنخ الأمور المرتبطة بمقام النظر، فإن القوة المدركة لها تسمى العقل النظري. وقد قُبل هذا الرأي من قبل الفارابي وبعض تعابير الشيخ الرئيس والمحقق الأصفهاني وبعض المفكرين المعاصرين (الفارابي، ١٤٠٥: ص ٢٩؛ ابن سينا، ١٣٧٩: ص ٢٦٣؛ الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٣٣؛ المظفر، ١٤٢١: ج ١، ص ١٩٣؛ الشهيد الصدر، ١٤٢٦: ص ٣٠٥؛ المحسني، ١٤٢٨: ج ٢، ص ١٤٧). هذا الرأي يقابل رأياً آخر مفاده أن العقل النظري والعقل العملي قوتان مستقلتان من قوى النفس الإنسانية. العقل النظري يتعلق بدائرة إدراكات الإنسان، سواء كانت الإدراكات مرتبطة بمقام العمل أو بمقام النظر. والعقل العملي لا يتعلق بالإدراكات، بل يتعلق بالبعث والتحريك ومقام الفعل. وقد قُبل هذا الرأي من قبل ابن سينا في بعض كلماته، وبهمنيار، وقطب الدين صاحب المحاكمات، والحكيم النراقي وبعض المعاصرين (ابن سينا، ١٣٧٩: ص ١٦٤؛ بهمنيار، ١٣٧٥: ص ٧٨٩؛ الرازي، ١٣٧٥: ج ٢، ص ٣٥٢).

النقطة الثانية: أن معنى معذرية ومنجزية القطع هو ترتب استحقاق العقاب على ارتكاب المعصية. في فكر المحقق الأصفهاني، استحقاق العقاب ليس من الآثار القهرية واللوازم الذاتية لمخالفة التكليف، بل هو من اللوازم الاعتبارية له؛ لأن استحقاق العقاب يترتب على مخالفة تكاليف المولى من حيث إن هذه المخالفة هتك لحرمة المولى، والمخالفة الوحيدة التي تبين هتك حرمة المولى هي مخالفة التكليف المعلوم، أما مخالفة التكليف المجهول، فلا تستلزم هتك حرمة المولى. لذلك، استحقاق العقاب من آثار مخالفة التكاليف المقطوع بها، وللقطع دور في استحقاق العقاب (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٢٢).

النقطة الثالثة: أن استحقاق العقاب داخل في معنى مورد النزاع في مسألة الحسن والقبح ويعود إلى استحقاق المدح والذم. توضيح ذلك أنه يرى المحقق الأصفهاني أن المعنى موضع البحث في مسألة الحسن والقبح هو «استحقاق المدح والذم». وقد عبّر أحياناً بـ«صحة المدح والذم» (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٣٥)، وأحياناً بـ«استحقاق المدح والذم» (نفسه، ج ٣، ص ٣٣٩)، وأحياناً بـ«المدح والذم» (نفسه، ج ٣، ص ٣٣٦)، ولكن مقصوده من كل هذا هو «استحقاق المدح والذم». ويرى أن المدح والذم العقلائيين يشملان الثواب والعقاب أيضاً (نفسه، ج ٣، ص ٣٤٥-٣٤٦). لذلك، يعود استحقاق الثواب والعقاب إلى حسن العدل وقبح الظلم.

النقطة الرابعة: أن في فكر المحقق الأصفهاني، قضايا حسن العدل وقبح الظلم من سنخ القضايا المشهورة بالمعنى الأخص. المشهورات هي جزء من مبادئ الاستدلال القياسي وتستخدم بمعنيين: المشهورات بالمعنى الأعم والمشهورات بالمعنى الأخص. القسم الأول هو قضايا اشتهرت بين العقلاء، سواء كان منشأ شهرتها أوليتها أو شيء آخر. أما المشهورات بالمعنى الأخص فهي قضايا اشتهرت بين العقلاء ومنشأ شهرتها هو تطابق آراء العقلاء فقط (راجع: الطوسي، ١٣٧٥: ج ١، ص ٢٢٠؛ الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٤٨). في فكر المحقق الأصفهاني، قضايا الحسن والقبح من سنخ القضايا المشهورة بالمعنى الأخص. وقد قبل ابن سينا والمحقق الطوسي وأتباعهما هذا الرأي (راجع: ابن سينا، ١٣٧٩: ص ١١٨-١١٩؛ الطوسي، ١٣٧٥: ج ١، ص ٢١٩-٢٢٠؛ الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٣٦). وفقاً لهذا الرأي، ليس لقضايا الحسن والقبح سند سوى تطابق آراء العقلاء.

في ضوء هذه النقاط الثلاث، نوضح رأي المحقق الأصفهاني:

حجية القطع هي معذرية ومنجزية القطع. معنى كون القطع منجزاً للمعصية هو أن استحقاق العقاب يترتب على ارتكاب المعصية. لذلك، معنى حجية القطع هو استحقاق العقاب على ارتكاب المعصية، ولكن في ترتب استحقاق العقاب على المعصية، للقطع أيضاً دور كبير، وما لم يكن لدينا قطع بالمعصية، لا يترتب استحقاق العقاب على ارتكابها، ولأن استحقاق العقاب حكم عقلائي ومن المشهورات، فإن حجية القطع أيضاً من الأحكام العقلائية ومن المشهورات بالمعنى الأخص.

وبتعبير آخر، الكبرى الكلية «ارتكاب المعصية الحقيقية يستحق العقوبة» في فكر سماحته هي من القضايا المشهورة التي ليس لها واقع سوى توافق العقلاء. كما أوضحنا، للقطع أيضاً دور في استحقاق العقاب، وما لم يكن لدينا قطع بالمعصية، لا يترتب استحقاق العقاب على ارتكاب المعصية. لذلك، القطع بالمعصية يوفر صغرى هذه الكبرى الكلية ويتشكل قياس كالتالي: لدينا قطع بالعمل الفلاني، وهو معصية، وارتكاب المعصية يستحق العقاب. من ناحية أخرى، معنى حجية القطع هو معذرية ومنجزية القطع، ولأن معنى معذرية ومنجزية القطع هو استحقاق العقاب على ارتكاب المعصية، واستحقاق العقاب هو من القضايا المشهورة بالمعنى الأخص، إذن الحجية هي من القضايا المشهورة بالمعنى الأخص التي يعتبرها العقلاء ويجعلونها (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٢٢).

الرأي الخامس: تبعية المعذرية والمنجزية لمولوية المولى

طرح الشهيد الصدر في المعذرية والمنجزية للقطع رأياً جديداً، مفاده أن المعذرية والمنجزية للقطع تابعة لمولوية المولى؛ أي أن القطع بتكليف أي شخص ليس له معذرية ومنجزية، بل فقط القطع بتكاليف المولى له معذرية ومنجزية. لذلك، القطع بما هو قطع ليس منجزاً ومعذراً، بل المعذرية والمنجزية تابعة لمولوية المولى. ومن هنا يُطرح بحث مولوية المولى ودائرتها (الشهيد الصدر، ١٤٢٦: ص ٤٨؛ الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٢٨).

قد يُقال إن مقصود الأصوليين من معذرية ومنجزية القطع ليس أي قطع، بل القطع بتكاليف المولى. لذلك، لم يطرح الشهيد الصدر شيئاً جديداً. الجواب هو أنه إذا كان مقصود الأصوليين أيضاً هو خصوص القطع بالتكاليف، ففي هذه الحالة، المعذرية والمنجزية ليست ثابتة لذات القطع، والقطع ليس له دور في ثبوت المعذرية والمنجزية، بل ما هو الأصل هو مولوية المولى. ووفقاً لهذا المبنى، يعتبر الشهيد الصدر حتى التكاليف الاحتمالية حجة (الشهيد الصدر، ١٤٢٦: ص ٤٧).

نقد ودراسة

في تحليل ودراسة الآراء المتقدمة، يلزم الانتباه إلى النقاط التالية:

في رأي الشيخ الأنصاري، يوجد عدم توافق بين الدليل والمدعى. فمدعى سماحته هو وجوب متابعة القطع؛ بينما دليله هو طريقية وكاشفية القطع. وقد سعى المرحوم المظفر للدفاع عن رأي الشيخ الأنصاري وذكر أن وجوب متابعة القطع وطريقية القطع شيء واحد. هذان يختلفان في الظنون، لكنهما واحد في القطع (المظفر، ١٤٢١: ج ٢، ص ٢١). لكن هذا الدفاع غير مقبول؛ لأن طريقية القطع التي تشكل حقيقة القطع تختلف عن وجوب متابعة القطع الذي هو حكم عقلي. وجوب متابعة القطع من الأحكام العقلية للقطع، وليس عين القطع. بالإضافة إلى أن طريقية القطع ليست دائماً مصحوبة بوجوب متابعة القطع؛ كما تم تبيينه في الرأي الخامس. النقطة الجديرة بالاهتمام هي أن الإشكال الذي طُرح في نقد ودراسة رأي ذاتية الكاشفية للقطع، يُطرح هنا أيضاً.

نقطة أخرى هي أن ظاهر عبارات المحقق الخوئي، كما مر، هو قبول الرأي الثالث القائم على الحكم العقلي بالمعذرية والمنجزية (الخوئي، ١٤١٧: ج ١، ص ١٨)، لكن هذا الرأي لم يُقبل من سماحته؛ لأن سماحته وضع رأي الحكم العقلي بالمعذرية والمنجزية في مقابل رأي اللزوم الذاتي للمعذرية والمنجزية، واعتبر رأي الحكم العقلي مستلزماً لقبول شأنية الحاكمية والباعثية للعقل، ثم انتقد هذا الرأي. لذلك، مقصود سماحته من قبول رأي «الحكم العقلي بالمعذرية والمنجزية» هو نفس الرأي الثاني الذي يعتبر المعذرية والمنجزية من اللوازم الذاتية للقطع ويعتبر دور العقل هو إدراكها؛ لأن سماحته يصرح بأن العقل ليس له شأن سوى الإدراك. لذلك، الحكم العقلي بالمعذرية والمنجزية هو من باب الإدراك العقلي، والعقل يدرك حسن العمل بالقطع وقبح المخالفة للقطع.

الرأي الثالث أيضاً غير مقبول؛ لأنه كما مر في الرأي الخامس، القطع بتكليف أي شخص ليس له معذرية ومنجزية، بل فقط القطع بتكاليف المولى له معذرية ومنجزية. لذلك، العقل لا يحكم بثبوت المعذرية والمنجزية لكل قطع.

الرأي الرابع أيضاً لا يمكن قبوله؛ لأن جذور هذا الرأي هي الرأي المشهوري في قضايا الحسن والقبح، لكن الرأي المشهوري في قضايا الحسن والقبح غير مقبول؛ لأنه:

أولاً، هذا الرأي لا يتوافق مع بعض كلمات سماحته. على سبيل المثال، يربط المحقق الأصفهاني بين الحسن والقبح بمعنى «استحقاق المدح والذم العقلائي» و«المصلحة العامة» ويعتبر الثاني هو العلة الأولى (راجع: الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٣٥-٣٣٦). هذه المصلحة المأخوذة من النظام الاجتماعي العقلائي لا بد أن تكون ذات واقعية ولن تكون أمراً اعتبارياً؛ لأنه لو كانت اعتبارية، لأمكن تأمينها من غير طريق «استحقاق المدح والذم العقلائي» ولا حاجة لرسم حل سماحته. الآن بما أن المصلحة المذكورة لها واقعية، فلا بد أن يكون سببها أيضاً ذا واقعية؛ لأن الأمر الاعتباري لا يمكن أن يكون علة لأمر واقعي. لذلك، الأفعال الحسنة والقبيحة التي تؤمن المصلحة المذكورة لها واقعية والعلاقة بينهما علاقة واقعية وحقيقية علية ومعلولية.

ثانياً، يرى سماحته أنه بوجود المدح والذم العقلائي والحكم العقلي العملي بالحسن والقبح، لا يبقى مكان لحكم المولى الشارع؛ لأنه يرى أن المدح والذم العقلائي يشمل الثواب والعقاب، وبوجود المدح والذم العقلائي، لا يبقى مكان لحكم المولى (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٤٥-٣٤٦)، ولكن الحسن والقبح اللذين يشملان الثواب والعقاب هما من الأمور الواقعية والحقيقية التي لها جذور في التكوين. لذلك، قضايا الحسن والقبح ستكون قضايا نفس الأمرية.

ثالثاً، الرأي المشهوري في قضايا الحسن والقبح يستلزم عدم قابلية هذه القضايا للصدق والكذب؛ لأن مؤشر قابلية الصدق والكذب هو حكاية القضية عن نفس الأمر والواقع، وفي الحالة التي نعتبر فيها قضايا الحسن والقبح مجرد تعبير عن توافق العقلاء، فإن هذه القضايا لا تحكي عن نفس الأمر والواقع وليست قابلة للصدق والكذب (الأصفهاني، ١٤٢٩: ج ٣، ص ٣٣٣-٣٣٤).

رابعاً، الرأي المشهوري في قضايا الحسن والقبح يستلزم فقدان معيار لمعقولية الأحكام الأخلاقية؛ لأننا إذا لم نتمكن من فتح باب الاستدلال والبرهان للأخلاقيات، فلن نتمكن من تقييم المذاهب والآراء الأخلاقية وتبيينها بشكل عقلاني. أساس هذه الميزة هو عدم قابلية الإدراكات الاعتبارية للحد والبرهان (الطباطبائي، ١٣٨٥: ج ٤، ص ١٠١٠)؛ ولكن هذا الادعاء غير مقبول ويجري فقط في الاعتباريات المتغيرة. الاعتباريات الثابتة هي اعتباريات لا بد من تحققها ولها جذور في الأمور الحقيقية ونفس الأمر. قضايا الحسن والقبح هي أيضاً من الاعتباريات الثابتة ولها جذور في نفس الأمر.

خامساً، التعددية الأخلاقية هي أحد لوازم الرأي المشهوري في قضايا الحسن والقبح؛ لأنه وفقاً لهذا الرأي، المعيار الوحيد للقضايا الأخلاقية هو توافق العقلاء، ولأن توافق العقلاء يختلف في المجتمعات المختلفة وباختلاف الأزمنة، فإن مسألة التعددية الأخلاقية تُعترف بها رسمياً في هذا الرأي.

سادساً، النسبية الأخلاقية هي أحد لوازم هذا الرأي الأخرى التي هي من لوازم جعل توافق العقلاء معياراً؛ لأنه عندما تكون الأحكام الأخلاقية تابعة للأهواء الفردية أو الميول الاجتماعية وليس لها أي جذور في الواقعيات الخارجية، فبطبيعة الحال بتغير ميول وأذواق الأفراد أو التوجهات الاجتماعية، ستخضع أحكامهم الأخلاقية أيضاً للتغيير والتحول. قد يُعتبر العمل الذي يعتبرونه جيداً اليوم سيئاً مع التغيرات والتحولات الاجتماعية، أو العكس، العمل الذي يعتبرونه سيئاً في ظروف فكرية واجتماعية معينة، يُعتبر جيداً مع حدوث تغير في تلك الظروف (مصباح يزدي، ١٣٨٧: ص ٣٣-٣٤؛ هو نفسه، ١٣٨١: ص ٩٥-١٠٠؛ الإسماعيلي، ١٣٩٥: ص ١٠٦).

وقد قال الشهيد الصدر في نقد رأي المحقق الأصفهاني إن الاستدلال على حجية القطع باستخدام قاعدة حسن العدل وقبح الظلم ليس صحيحاً؛ لأن قضيتي «العدل حسن» و«الظلم قبيح» هما من القضايا الضرورية بشرط المحمول. توضيح ذلك أنه في فكر الشهيد الصدر، المحمول في هاتين القضيتين مأخوذ في جانب موضوع القضية. في قضية «الظلم قبيح»، الظلم يعني سلب الحق من صاحبه، فيجب أن يكون هناك حق قبل أن تقول «الظلم قبيح». الآن من الذي يدرك هذا الحق ومن الذي وضعه؟ هل هذا الحق جعلي وتعاقدي أم واقعي؟

هنا يوجد احتمالان: الاحتمال الأول أن هذا الحق تعاقدي وقد وضعه الشرع أو القانون أو عقلاء العالم والعقل لا يدركه. في هذه الحالة، لا يمكن أن يكون هذا ملاكاً واحداً لنا؛ لأنه في بعض القوانين والمجتمعات البشرية، شيء ما هو حق، وفي مجتمعات أخرى ليس حقاً. بالإضافة إلى أنه وفقاً لهذا الاحتمال، العقل لا يحكم بقبح الظلم؛ لأنه عندما لا يدرك هذا الحق بنفسه، فإنه لا يحكم بقبح أخذه أيضاً.

الاحتمال الثاني أن العقل نفسه يدرك هذا الحق. وفقاً لهذا الاحتمال، قضية «الظلم قبيح» هي من قبيل القضايا الضرورية بشرط المحمول؛ لأنه عندما يدرك العقل حق شخص ما، فإن إدراك الحق هذا بواسطة العقل يعني أن أخذ هذا الحق من صاحبه قبيح. لذلك، معنى الحق هو قبح الأخذ وعدم استحقاق الأخذ. لذلك، القبح مأخوذ في الظلم نفسه ووضعه في جانب المحمول يجعل القضية المذكورة ضرورية بشرط المحمول (الحائري، ١٤٣٠: ج ١، ص ٢٥١-٢٥٢؛ عبد الساتر، ١٩٩٦م: ج ٨، ص ٨٧؛ الشاهرودي، ١٤١٧: ج ٤، ص ٢٨).

ولكن هذا النقد للشهيد الصدر غير وارد؛ لأن هذه المسألة وهي أن الظلم بمعنى أخذ الحق من صاحب الحق صحيحة ومقبولة، لكن معنى الحق ليس «قبح الأخذ»؛ لأننا ندرك بالوجدان أن تعبيري «هذا حق فلان» و«أخذ هذا من فلان قبيح» ليسا من قبيل التعبيرين المترادفين، بل هما تعبيران منفصلان تماماً عن بعضهما ولكل منهما معناه الخاص. ولكن هذه المسألة مقبولة وهي أنه عندما يقبل الإنسان شيئاً كحق لشخص ما، فإنه يحكم بديهياً بقبح أخذ ذلك الشيء منه. لذلك، يدرك العقل الإنساني أن أخذ الحق من صاحب الحق قبيح؛ ولكن هناك فرق بين هذه المسألة وتلك. فالأولى حكم بديهي يصدر من العقل الإنساني بشكل واضح وفي أعقاب تشخيص الحق. ويبدو أن منشأ المغالطة في كلام الشهيد الصدر هو وضوح هذا الحكم العقلي. وضوح الحكم العقلي بقبح أخذ الحق أدى إلى طرح احتمال أن معنى الحق أساساً هو قبح أخذه من صاحبه؛ بينما هما منفصلان تماماً، لكن الحكم العقلي المذكور يصدر بشكل واضح في أعقاب تشخيص الحق (الإسماعيلي، ١٣٩٤: ص ٥٥).

بناءً على النقاط المذكورة أعلاه، يبدو أنه من بين الآراء الخمسة المذكورة، يمكن قبول الرأي الخامس الذي مفاده أن الحجية بمعنى المعذرية والمنجزية ليست ذاتية للقطع، بل هي تابعة لمولوية المولى.

النتيجة

حجية القطع من المسائل التي تُطرح في علم الأصول قبل مباحث حجية الأمارات. ولمسألة حجية القطع ارتباط وثيق بعلم الفقه؛ فمن ناحية، وفقاً لرأي ذاتية الحجية للقطع، لا يوجد إمكان للردع عن القطع من قبل الشارع، ولكن في المباحث الفقهية توجد حالات تخالف العلم التفصيلي المتولد من العلم الإجمالي وتتعارض مع حجية القطع الذاتية؛ مثل الحكم بجواز ارتكاب جميع الأطراف في الشبهة المحصورة أو الحكم بصحة اقتداء شخص رأى المني في لباسه المشترك مع إمام الجماعة أو حالات أخرى تُطرح في المباحث الفقهية (الأنصاري، ١٤٢٨: ج ١، ص ٧٩؛ عبد الساتر، ١٩٩٦م: ج ٨، ص ٣٦٤؛ الأنصاري الأراكي، ١٤١٥ق: ص ٢٦٣). وهذه الفروع الفقهية بمثابة تحدٍ في مسألة حجية القطع الذاتية وتحتاج إلى حلول.

من ناحية أخرى، إحدى طرق استكشاف الأحكام الشرعية هي القطع بها، مما يبين فعالية مسألة حجية القطع في علم الفقه. ومن ناحية أخرى، بناءً على رأي ذاتية المعذرية والمنجزية للقطع، فإن وجوب العمل بمتعلق القطع لا ينفك عن القطع، وفي جميع موارد ثبوت القطع، يوجد أيضاً وجوب فقهي للعمل بمتعلقه. بالإضافة إلى كل هذا، تقع مسألة حجية القطع وفقاً للرأي الأصولي في طريق استنباط الأحكام الشرعية، مما يبين دورها في المسائل الفقهية.

من بين معاني الحجية، تُطرح ثلاثة معانٍ في مسألة حجية القطع: أ) وقوعه حداً أوسط؛ ب) الكاشفية والطريقية؛ ج) المعذرية والمنجزية. فيما يتعلق بالمعنى الأول، فإن رأي الشيخ الأنصاري القائم على عدم صحة اتصاف القطع بهذا المعنى من الحجية صحيح، لكن دليليه ليسا تامين. وفيما يتعلق بالمعنى الثاني، فإن رأي ذاتية الكاشفية للقطع صحيح وأدلة الرأي المقابل ليست تامة. وفيما يتعلق بالمعنى الثالث، فإن الرأي الخامس مقبول، والمعذرية والمنجزية تابعة لمولوية المولى.

قائمة المصادر

1. ابن سينا، الحسين بن عبد الله (١٣٧٩ ش)، النجاة، منشورات جامعة طهران، الطبعة الثانية.

2. ابن منظور، جمال الدين (١٤١٤ق)، لسان العرب، دار الصادر، بيروت، الطبعة الثالثة.

3. الإسماعيلي، محمد علي (١٣٩٤ش)، «دراسة الحسن والقبح في فكر الشهيد الصدر»، مجلة علمية بحثية في الكلام الإسلامي، العدد ٩٠، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، قم.

4. ــــــــــــــــــــــ (١٣٩٥ش)، «دراسة نقدية للحسن والقبح في فكر المحقق الأصفهاني»، مجلة معرفت الشهرية، العدد ٢٢١ (خاص بالفلسفة)، مؤسسة الإمام الخميني، قم.

5. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٦ق)، بحوث في الأصول، دفتر النشر الإسلامي، قم، الطبعة الثانية.

6. ــــــــــــــــــــــ (١٤٢٩ق)، نهاية الدراية، مؤسسة آل البيت (ع)، بيروت، الطبعة الثانية.

7. الأنصاري الأراكي، محمد إبراهيم (١٤١٥ق)، جواهر الأصول: تقريرات درس الشهيد محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى.

8. الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (١٤٢٨ق)، فرائد الأصول، مجمع الفكر الإسلامي، قم، الطبعة التاسعة.

9. البروجردي، حسين (١٤١٥ق)، نهاية الأصول، نشر تفكر، طهران، الطبعة الأولى.

10. بهمنيار بن مرزبان (١٣٧٥ش)، التحصيل، منشورات جامعة طهران، الطبعة الثانية.

11. الحائري، السيد كاظم (١٤٣٠ق)، مباحث الأصول، دار البشير، قم، الطبعة الأولى.

12. الحكيم، محسن (١٤٠٨ق)، حقائق الأصول، بصيرتي، قم، الطبعة الخامسة.

13. الحلي، الحسن بن يوسف (١٣٧١ش)، الجوهر النضيد، بيدار، قم، الطبعة الخامسة.

14. الحيدري، السيد كمال (١٤٢٧ق)، القطع، دار فراقد، قم، الطبعة الأولى.

15. الخراساني، محمد كاظم (١٤١٠ق)، درر الفوائد في الحاشية على الفرائد، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران، الطبعة الأولى.

16. الخراساني، محمد كاظم (١٤٣٠ق)، كفاية الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة الأولى.

17. الخميني، روح الله (١٤١٥ق)، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران، الطبعة الثانية.

18. ــــــــــــــــــــــ (١٤٢٣ق)، تهذيب الأصول، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، طهران، الطبعة الأولى.

19. الخميني، السيد مصطفى (١٤١٨ق)، تحريرات في الأصول، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (ره)، قم، الطبعة الأولى.

20. الخوئي، السيد أبو القاسم (١٤١٧ق)، مصباح الأصول، نشر الفقاهة، قم، الطبعة الأولى.

21. الرازي، فخر الدين (١٣٨٤ش)، شرح الإشارات والتنبيهات، جمعية الآثار والمفاخر الثقافية، طهران، الطبعة الأولى.

22. الرازي، قطب الدين (١٣٧٥ش)، المحاكمات بين شرحي الإشارات، نشر البلاغة، قم، الطبعة الأولى.

23. الراغب الأصفهاني، حسين (١٤١٢ق)، مفردات ألفاظ القرآن الكريم، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى.

24. السبزواري، الملا هادي (١٣٨٤ش)، شرح المنظومة، نشر ناب، طهران، الطبعة الثالثة.

25. الشاهرودي، السيد محمود (١٤١٧ق)، بحوث في علم الأصول، مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي، قم، الطبعة الثالثة.

26. الشهيد الصدر، محمد باقر (١٤٢٦ق)، دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، قم، الطبعة الثالثة.

27. الشهيد الصدر، محمد باقر (١٤٢٧ق)، فلسفتنا، مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر، قم، الطبعة الثانية.

28. الطباطبائي، السيد محمد حسين (١٣٨٥ش)، نهاية الحكمة، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية، قم، الطبعة الثالثة.

29. الطوسي، نصير الدين (١٣٧٥ش)، شرح الإشارات والتنبيهات، نشر البلاغة، قم، الطبعة الأولى.

30. عبد الساتر، حسن (١٩٩٦م)، بحوث في علم الأصول، الدار الإسلامية، بيروت، الطبعة الأولى.

31. الفارابي، أبو نصر (١٤٠٥ق)، فصول منتزعة، مكتبة الزهراء (ع)، طهران، الطبعة الثانية.

32. المحسني، محمد آصف (١٤٢٨ق)، صراط الحق، ذوي القربى، قم، الطبعة الأولى.

33. المحمدي، علي (١٣٨٧ش)، شرح رسائل، دار الفكر، قم، الطبعة السابعة.

34. مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٨١ش)، فلسفة الأخلاق، چاپ ونشر بين الملل، طهران، الطبعة الأولى.

35. مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٨٧ش)، نقد ودراسة المذاهب الأخلاقية، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، قم، الطبعة الثانية.

36. المظفر، محمد رضا (١٤٢١ق)، أصول الفقه، إسماعيليان، قم، الطبعة العاشرة.

37. النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش)، فوائد الأصول، جامعة مدرسي الحوزة العلمية، قم، الطبعة الأولى.

38. يزدان پناه، السيد يد الله (١٣٨٩ش)، حكمة الإشراق (تقرير وشرح وتقييم لجهاز السهروردي الفلسفي)، تحقيق وكتابة: مهدي عليپور، معهد الحوزة والجامعة، قم، الطبعة الأولى.

الهوامش

1. باحث وخريج المرحلة الرابعة من جامعة المصطفى العالمية (الكاتب المسؤول) mali.esm91@yahoo.com

2. أستاذ مساعد في جامعة آزاد الإسلامية فرع قم dr.mh.ahmadi@gmail.com

Scroll to Top