الملخص
يعدّ كون الأئمة (ع) مشرّعين من المباحث الهامة والمثيرة للخلاف بين فقهاء وأصوليي الإمامية. وقد سعى كل فريق من الأصوليين إلى تقديم الأدلة لردّ هذا القول أو تأييده، مما أدى إلى تشكيل جماعتين: المؤيدين والمعارضين. يقوم المنهج المنطقي لهذا البحث على أساس دراسة آراء أصحاب المفهوم أولاً، ثم ينتقل إلى بيان نظريات المؤيدين لكون الأئمة مشرّعين، وكذلك تحليل آراء المخالفين. وبعد دراسة آراء الموافقين والمخالفين للتشريع، يتناول البحث أدلة ومستندات كون الأئمة مشرّعين.
مقدمة
الشريعة هي السنن التي وضعها الله في إطار الدين وأمر بها؛ مثل الصلاة والصوم والحج وأعمال الخير. ببيان واضح «شَرَعَ»؛ أي الدين الذي أوضحه الله وأظهره لعباده.
الشارع في الاستخدامات العلمية، وخاصة في كتب الفقه والأصول والكلام، هو الله من حيث كونه مؤسس الشرع، وهو وحده الشارع الحقيقي. الله تعالى هو الشارع أو المشرّع الذي وضع أصل الدين لهداية البشر، وبما أنه خالق الإنسان والطبيعة والعلاقة بين الإنسان والطبيعة، فقد أنشأ واعتبر القوانين والأحكام لسعادته.
وردت في القرآن الكريم آيات تثبت حصر التشريع بالله أولاً وبالذات، أي أن التشريع وسن القوانين لا يليق إلا بالله؛ لأنه مالك الإنسان وعالم به وحكيم، وهو رحيم بهم أيضاً. بالطبع، وكّل الله مهمة التشريع إلى النبي الأكرم (ص) بناءً على مصالح، ولكن كون النبي (ص) شارعاً ليس في موازاة كون الله شارعاً، بل هو في طوله.
نسب القرآن الكريم في بعض الموارد الحكم، وخاصة الحكم التشريعي، إلى غير الله أيضاً، ومن ذلك: قوله عن رسول الله (ص): «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ»، «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا». وكذلك، بناءً على روايات متعددة، فإن مقام التشريع ووضع القوانين، الذي يعبَّر عنه بالولاية التشريعية، قد أُعطي من الله لرسوله (ص).
ولكن حول كون الأئمة المعصومين (ع) شارعين، يوجد اختلاف في الآراء. إحدى وجهات النظر هي أن الأئمة الأطهار (ع) لهم ولاية تشريعية على الأحكام الشرعية وهم بمنزلة الشارع، ولإثبات ذلك استدلوا بأننا من جهة أخرى لدينا روايات مستفيضة في خصوص الأئمة الأطهار (ع) في هذا المجال؛ فعندما يتصف الأئمة الأطهار (ع) بجهتي العصمة والعلم الإلهي، فلا يوجد أي بعد يمنع الله تعالى من أن يأذن لأولئك العظماء بالتصرف في أحكامه التي هي سلسلة من الاعتبارات.
لقد بيّن فقهاء وأصوليو الشيعة آراء مختلفة حول كون النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام مشرّعين، فبعض العلماء يعتبرونهم مشرّعين، وبعضهم لا يعتبرونهم كذلك. بالنظر إلى الروايات الموجودة في هذا المجال وتبيين الروايات المخالفة لمقام التشريع، يمكن القول إنه من منظور المعارف الدينية، يتمتع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والأئمة المعصومون عليهم السلام بمقام التشريع.
١. دراسة المفهوم
١/١ الشارع
أ: الشارع في اللغة من جذر «شرع». وكلمة «شرع» في اللغة تعني إظهار الطريق الواضح، والفتح، وتعريف السبيل (الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ١٤١٢: ٤٥٠؛ الطريحي، مجمع البحرين، ١٣٧٥: ٤ / ٣٥٢).
ب: الشرع و«الشريعة» هما السنن التي جعلها الله في قالب الدين وأمر بها؛ مثل الصلاة، والصوم، وأعمال الخير (الواسطي الزبيدي، محب الدين، تاج العروس من جواهر القاموس، ١٤١٤: ١١ / ٢٣٧). وبعبارة أخرى، الشرع هو الدين الذي أوضحه الله وأظهره لعباده. (فرهنگ فارسى عميد، كلمة «شرع»). يأتي الشارع بمعانٍ مثل الطريق الواسع (الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية، ١٤٠٣: ٣ / ١٢٣٦).
ج: استُخدم الشارع بمعنى العالم الرباني وواضع القانون (تاج العروس، نفسه: ١١ / ٢٤٠). بستاني، فرهنگ ابجدي عربي – فارسي، مترجم، مهيار رضا، ١٣٧٥: / ٥١٠).
د: يأتي الفعل «شرع» لازماً ومتعدياً، والشارع بمعنى المشرّع وسانّ القانون، وكذلك بمعنى الظاهر والواضح. في الآية الكريمة، «شُرَّعًا» جمع «شارع» وبمعنى الظهور، أي في يوم السبت كانت أسماكهم تظهر وتطفو على سطح الماء، وفي غير يوم السبت لم تكن تظهر (القريشي، قاموس قرآن، ١٤١٢: ٤ / ١٦).
خلاصة
في مجمل الدراسة التي أُجريت للمعنى اللغوي لكلمة «الشارع»، يتوافق المعنى الثاني بشكل أكبر مع موضوع البحث.
٢/١ الشرع في الاصطلاح
واضع القانون؛ الله والنبي هما الشارع أو المشرّع الإسلامي، وهو الذي خلق أصل الدين لهداية البشر، وبما أنه خالق الإنسان والطبيعة والعلاقة بينهما، فقد شرع واعتبر القوانين والأحكام لسعادته. جاء في القرآن الكريم: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»، أي أن التشريع وسن القوانين لا يليق إلا بالله، لأنه هو مالك الإنسان والعالم به والحكيم، وهو بهم رؤوف. بالطبع، وكّل الله مهمة التشريع إلى الأنبياء لمصالح معينة، ولكن كون الله شارعًا هو بالأصالة والذات، بينما كون الأنبياء شارعين هو في طول كون الله شارعًا، ولهذا السبب يوجد في الإسلام «فرض الله» و«فرض الرسول». وحول كون الأئمة المعصومين (عليهم السلام) شارعين، هناك خلاف. إحدى وجهات النظر هي أن الأئمة الأطهار (ع) لهم ولاية تشريعية على الأحكام الشرعية وهم بمنزلة الشارع. (عبد البر، محمد زكي، تقنين أصول الفقه، د.ت:/٢٨؛ فاضل التوني، الوافية في أصول الفقه، ١٤١٥: ٥٩؛ مغنية، علم أصول الفقه في ثوبه الجديد، ١٩٧٥: ٨٣؛ فرهنگ نامه أصول فقه، ١٣٨٩: ٤٩٧).
التفويض في اللغة
التفويض في اللغة، كما ورد في الصحاح ومقاييس اللغة والنهاية وسائر كتب اللغة، يعني: تفويض أمرٍ إلى آخر. (الجوهري، الصحاح ٣ / ١٠٩٩؛ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ٤ / ٤٦٠؛ ابن الأثير، النهاية، ٣ / ٤٧٩). يضيف ابن الأثير وابن منظور والزبيدي: أي جعله حاكماً في ذلك الأمر، بمعنى أنه عندما يُفوَّض أمرٌ إلى شخص آخر، يمكن لذلك الشخص أن يتصرف فيه ويكون له سلطة عليه. (ابن الأثير، النهاية ٣ / ٤٧٩؛ ابن منظور، لسان العرب ٢١٠ / ٧١٠؛ الزبيدي، تاج العروس ١٠ / ١). لذا يكتب الفيومي: «فوض أمره إليه تفويضاً سلم أمره إليه». أي سلّم إليه أمره. من مصدر تفويض، أي سلّم إليه عمله (الفيومي، نفسه). في القرآن الكريم، جاءت هذه الكلمة في الآية ٤٤ من سورة غافر بمعنى تفويض الأمر إلى الله: «وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ». وفي الأحاديث الشريفة أيضاً، استُخدمت بمعنى تفويض الأمور.
التفويض في الاصطلاح
التفويض في اصطلاح الحديث والكلام متشابه جداً ومتقارب. هذه المعاني هي: تفويض الأمور إلى الله وجعل إرادته التشريعية متسلطة على النفس، وتفويض بعض أمور الدين والشريعة؛ مثلاً، زيادة عدد ركعات الصلاة أو تحديد الفرائض للنبي الأكرم وأهل البيت، وتفويض أمور مثل خلق العالم ورزق المخلوقات وإماتتها وإحيائها إلى النبي والأئمة، وتفويض الله التشريعي للإنسان (برنجكار، دانشنامه جهان إسلام، مدخل تفويض ٧ / ٧٥٠-٧٥٢). وهذا المعنى الأخير هو نفسه التفويض في مقابل الجبر. يقول الشيخ المفيد في تعريف هذا النوع من التفويض: «التفويض يعني رفع المنع عن سلوك الناس ليفعلوا ما يشاؤون» (الشيخ المفيد، تصحيح اعتقادات الإمامية، هـ: ٤٧ «التفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم ما شاءوا من الأعمال وهذا قول الزنادقة وأصحاب الإباحات…»). المراد بالتفويض في هذا البحث هو تفويض بمعنى إيكال أمر الدين والشريعة إلى النبي والأئمة، وهو نفسه اختيار جعل الأحكام. وهذا المعنى، كما ذُكر، هو أحد المعاني الاصطلاحية في علم الكلام والحديث.
قبل الدخول في استدلالات آراء الموافقين والمخالفين لموضوع البحث، من الأفضل أن نلقي نظرة موجزة على معنى كون الأئمة (ع) مبلّغين ومبيّنين ومشرّعين، ونوضح بعض النقاط حول هذه الألفاظ ليستخدمها الباحثون بشكل أفضل.
أ: كون الأئمة (ع) مبيّنين ومبلّغين
عندما يُقال عن الأئمة (ع) إن لهم حق التشريع، فهل يعني ذلك أنهم يأخذون الأحكام من الله استقلالاً ويبيّنونها للناس؟ أم أن الأئمة لهم فقط حق تبيين كلام النبي؟ هنا، يعتقد معظم المفكرين الإسلاميين أن الأئمة المعصومين (ع) ليس لهم حق التشريع المستقل، بل هم فقط مبيّنون للأحكام التي نزلت على النبي، وسنذكر بعضها. من مباني هذا القول أننا نعتبر الأئمة مصدراً للتشريع، وبهذه الحالة يصبحون جميعاً واحداً. وفي هذا الصدد، توجد روايات تعتبر الأئمة نوراً واحداً. كونهم مبلّغين يعني أنه إذا بيّن أمير المؤمنين (ع) مسألة أو حكماً فقهياً، فإنه يفعله نقلاً عن رسول الله (ص)، ورسول الله أيضاً يبيّنه بصفته مبلّغاً ومبيّناً. يتمسك القائلون بهذا المبدأ بآية «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» (الأنعام/٥٧). وفقاً لهذه النظرية، يُوحى بالحكم من الله تعالى إلى النبي عن طريق جبرائيل، والنبي بدوره يبيّن الحكم. بالنسبة للأئمة، يُستخدم تعبير «المحدَّث» وفقاً لهذا المبدأ. وبناءً على هذا المبدأ، ذكر بعض الأعلام في تفسير بعض الروايات، وقالوا بوحدة التشريع، قائلين: «لا مشرّع إلا الله».
ب: كون الأئمة (ع) مشرّعين
أما إذا كان رسول الله بعد الله تبارك وتعالى في الدرجة الأولى، ثم الأئمة أصحاب الولاية في القضاء والحكومة، مصدراً للتشريع أيضاً، وهو ما يُعبّر عنه بالولاية في التشريع، فإن المسألة تختلف. ويبدو أن هذا المبدأ الذي أسسه المرحوم الآخوند هو مبدأ محكم.
٢. آراء الفقهاء والأصوليين الموافقين لكون الأئمة (ع) مشرّعين
يعتقد كثير من فقهاء وأصوليي الإمامية أن الأئمة (ع) مشرّعون من قبل الله، ولتأييد آرائهم استندوا إلى أدلة متقنة مثل القرآن الكريم والأحاديث الشريفة. ويتناول هذا البحث الأقوال وفقاً للتسلسل التاريخي لفقه الشيعة.
الشيخ الصدوق
يعتقد أن المراد بالتفويض هو أن الله لما أوصل نبيه إلى مرتبة الكمال، فإنه لا يقبل إلا ما يوافق الحق ولا يخالف مشيئته، وفي هذه الحالة، ولإظهار شرف النبي وكرامته، فوّض إليه تعيين بعض الأمور مثل إضافة بعض الركعات وتعيين الصلوات والصيام المستحب، وأكّد هذا التفويض بوحي من عنده. مثل هذا التفويض لا فساد فيه لا من الناحية العقلية ولا النقلية، بل ورد في كثير من الأخبار بيانات، وهذا النوع من التفويض لا يختص بالنبي (ص)، بل هو جارٍ وسارٍ في حق الأئمة (ع). (الصدوق، ترجمة من لا يحضره الفقيه، ١٣٧٨: ٦ / ٥٧٦). من الآراء المطروحة أن الأئمة الأطهار (ع) لهم أيضاً ولاية تشريعية على الأحكام الشرعية وهم بمنزلة الشارع. صاحب الحدائق من الفقهاء الذين يرون وجوب الخمس من تشريعات الأئمة. يكتب: «بعض الروايات تدل على أنه كما فُوّض حق التشريع إلى رسول الله، فقد فُوّض إلى الأئمة أيضاً (قد فوض إليهم كما فوض إلى رسول الله (ص))» (البحراني، الحدائق الناضرة، ١٤٠٥: ١٢ / ٣٥٧).
رأي المرحوم الشيخ الأنصاري
يقول المرحوم الشيخ في بيان أصل النظرية إن العمومات الواردة في القرآن أو سنة النبي كحكم ظاهري، والمقيدات والمخصصات التي وردت لاحقاً في كلام الصادقين هي الحكم الواقعي، بمعنى أنه على الرغم من أن الله تبارك وتعالى والنبي أرادا الخصوص واقعاً، إلا أنهما لم يورداه بشكل متصل، بل إن علم هذه المخصصات نُقل من النبي إلى أمير المؤمنين، ومن أمير المؤمنين إلى الوصي الذي بعده حتى خاتم الأوصياء (ع). يضيف المرحوم الشيخ الأنصاري في تتمة كلامه: من خلال تتبع الأخبار نصل إلى نتيجة مفادها أن العمومات والإطلاقات بحسب الظاهر خالية من القرينة المتصلة، وبالتالي فإن وظيفة تبيين هذه العمومات وسائر المسائل قد أودعت من النبي إلى الوصي الذي بعده، ومن الوصي الذي بعده إلى سائر الأوصياء. وفي المرحلة التالية، بيّن الأوصياء ما كان بيانه في مصلحة، وأخفوا ما كانت المصلحة في إخفائه. (فرائد الأصول، ١٤٢٨: ٤ / ٩٦).
في عبارة الشيخ احتمالان: الأول، أن علم كل المخصصات والمقيدات قد أُعطي من النبي لأمير المؤمنين (ع)، وأنه قال إن خاص هذا العام هو الأمر الفلاني. الثاني، أن الأئمة (ع) بقوة أودعها الله تعالى فيهم يستطيعون أن يفهموا ما هو مخصص هذا العام، ومراد الشيخ من عبارة «أودعه علم ذلك» هو هذه القوة والقدرة والتمكن في الفهم. ويبدو أن هذا الاحتمال هو الأقوى.
لتوضيح المطلب، يجب أن نقول في خصوص عمومات وإطلاقات القرآن الكريم، ورد عن أمير المؤمنين (ع) أنه عند نزول كل آية، كان النبي الأكرم (ص) يوضح لي شأن نزولها وزمانه وسائر خصوصياتها. كل هذا تحت عنوان «مصحف أمير المؤمنين» الذي جُمع بعد النبي ونُظم على يديه. أما في مورد إطلاقات وعمومات صدرت عن النبي، فليس لدينا مثل هذا الكلام من أمير المؤمنين. إلا أن يقول قائل بقياس المساواة أو الأولوية أو بحسب ظاهر الحال، بما أن النبي قد أوضح القرآن بهذه الطريقة، فقد استمر على هذا المنوال في كلامه هو أيضاً. في مقابل هذا الادعاء، يجب القول إن معنى أن النبي علّم أمير المؤمنين ألف باب من العلم يُفتح من كل باب منها ألف باب (الصفار القمي، بصائر الدرجات، ١٤٠٤: ١ / ٣٠٣) ليس أن النبي علّم أمير المؤمنين كل باب على حدة، بل معناه أن تلك القوة القدسية الإلهية التي وضعها الله في نفس النبي كانت موجودة أيضاً في أمير المؤمنين وسائر الأئمة، وببركة تلك القوة ومصحف أمير المؤمنين، كان علم الكتاب، أي علم ظاهر الكتاب وتفسيره وباطنه، موجوداً عند الأئمة.
ضمن هذا، فإن بيان كل باب على حدة لم يقع أولاً، وثانياً هو خلاف المتعارف وظاهر الحال. المتعارف وظاهر الحال من تعليم ألف باب من العلم هو أن هذه القوة قد أُعطيت بعناية النبي. العطاء بعناية النبي سببه الحفاظ على شؤون النبي والإمام وعدم تساويهما؛ لأنهم أوصياء النبي. فالنبي هو الواسطة في الثبوت لإيداع هذه القوة في نفوس الأئمة المعصومين (ع). هذا هو ما نسميه بالتفويض، وهذا المطلب وارد في الروايات التي تشتمل على تفويض التشريع للأئمة (ع) مثل النبي. ولم يكن هناك شيء غير ذلك. روايات باب الحجة تثبت مسألة التفويض في التشريع للأئمة، والنبي هو الواسطة في ثبوت هذا المقام. لذا يقول الشيخ: «النبي (ص) جعل الوصي عليه السلام مبيناً لجميع ما أطلقه وأطلق في كتاب الله، وأودعه علم ذلك وغيره» (الأنصاري، نفسه).
يبدو أنه يُستفاد من عبارة المرحوم الشيخ التفويض، وقوله «المستفاد من التتبع في الأخبار» يعني الأخبار المتعلقة بشؤون الأئمة، لا أن المراد هو الأخبار التي وردت عن الصادقين، لأن المخصص والمقيد في كلمات الصادقين وروايات المطلق في كلمات النبي لا تحتاج إلى تتبع، وهو أصلاً ليس عنوان المسألة محل البحث.
الشاهد الرئيسي لدينا هو في ذيل عبارة الشيخ حيث يقول: «فبينوا ما رأوا فيه المصلحة»، أي أن تشخيص المصلحة في البيان والإظهار كان في اختيارهم، لا أن النبي قد أمر أمير المؤمنين بأن هذا المخصص المتعلق بكلامي المطلق الفلاني يجب أن تبينه أنت أو أولادك في الزمن الفلاني، لأنه في هذه الحالة لا معنى لمراعاة المصلحة. الأئمة بسبب وجود قوة أودعها الله فيهم، شخصوا زمان وجود المصلحة لبيان المخصص وبيّنوه في ذلك الزمان. وعليه، يوجد احتمال أن بعض المقيدات والمخصصات لم تُذكر بعد، وأن حضرة الحجة (عج) سيبيّنها. (جواد فاضل لنكراني، خارج أصول مبحث تعادل وتراجيح، ١٣٩٧: ج ٨٢).
نقد رأي الشيخ من قبل الإمام الخميني (قدس سرهما)
يقول الإمام الخميني في نقد بيان الشيخ: «إن رأي الشيخ الشريف هو أن رسول الله (ص) أودع جميع المخصصات والقرائن واحدة تلو الأخرى عند أمير المؤمنين، وهو بدوره أودعها لدى الوصي الذي بعده، وهكذا دواليك. في شرح كلام الشيخ، يقولون: إذا أثار أحدهم إشكال تأخير البيان عن وقت الحاجة، نقول في الجواب: بما أن هناك مصلحة أهم، فلا قبح في ذلك». يرى المرحوم الإمام إشكالين في كلام المرحوم الشيخ.
الإشكال الأول: بداية، يقول إن كون النبي قد أودع جميع المخصصات والمقيدات عند أمير المؤمنين وأخفاها عن الناس هو في غاية البعد، ويستطرد قائلاً: إنه واضح البطلان، لأن هذا العمل لا يتوافق مع منصب النبي كمبلّغ يجب عليه بيان الأحكام لجميع الناس. قد يقول قائل إن إخفاء الأحكام عن الناس وذكر الخصوصيات لأمير المؤمنين كان يشتمل على مصلحة. يجيب سماحته: أي مصلحة تقتضي أن تكون أنواع الأحكام معطلة وغير معمول بها؟ نعم، لو ذُكرت العمومات بدون مخصصات في مورد أو موردين أو حتى أكثر، لربما كان مقبولاً، ولكن إذا ذُكرت في خمسمائة مورد عمومات ولكن لم تُذكر المخصصات التي هي بيان للحكم الواقعي، فأي مصلحة تقتضي ألا يُبيَّن هذا الحجم من الأحكام وتبقى معطلة؟
الإشكال الثاني: رأي الشيخ لا يتوافق مع ما قاله النبي في حجة الوداع، لأنه عندما قال النبي: «ما من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد بينته لكم»، فلا معنى لأن نقول إنه بيّن الكثير من الأحكام الواقعية فقط لأمير المؤمنين. (الخميني، الرسائل، د.ت: ٢ / ٢٦).
مناقشة في كلام الإمام (ره)
لاحظتم كلام الإمام الخميني (ره). يبدو أن هناك عدة مناقشات ترد على كلامه. أولاً، الاستنباط الذي استنبطه الإمام من عبارة الشيخ، أي القول بأن مقصود الشيخ هو أن النبي الأكرم (ص) قد بيّن جميع المخصصات والمقيدات لأمير المؤمنين ولكن لم يبيّنها لسائر الناس، وأن أمير المؤمنين فعل الشيء نفسه للوصي الذي بعده وهكذا حتى النهاية، لا يبدو صحيحاً. لقد اتضح أنه يُستفاد من عبارة الشيخ «أودع علمه إلى الوصي» أن علمهم موجود لدى الوصي، لا أنه بيّن كل واحد منهم على حدة، ولذلك فإن تعبير الشيخ «فبيّنوا ما رأوا فيه المصلحة» يؤيد المسألة التي نقول بها، ومن عبارة الشيخ نريد أن نستفيد من هذا الأمر نفسه. يبدو أن مشرعية الأئمة تقع في طول مشرعية رسول الله.
ثانياً، ذكر سماحته طريقين، وفي الطريق الأول قال إن النبي بيّن المخصصات والمقيدات للجميع، لا لشخص خاص، ولكن في ذلك الزمان لم تكن دواعي الحفظ في صدر الشريعة وأول بدء الإسلام قوية، لم يضبط جميعها بخصوصياتها إلا من هو بطانته وأهل بيته. المناقشة في هذا المطلب واضحة، لأن قوله بأن دواعي الحفظ في أول الإسلام لم تكن قوية ليس صحيحاً، بل المطلب الصحيح هو عكس ذلك، بمعنى أن الدواعي لضبط القرائن والمخصصات المتصلة وكلام النبي كانت كثيرة، ولذلك نشأت مسألة منع تدوين الحديث.
بيان النائيني (ره)
الفرق بين هذا الطريق وبيان النائيني هو أن النائيني يقول إن النبي ذكر المخصصات للجميع، والآخرون كان لديهم دافع للحفظ، لذا حفظوا، ولكن هذا الحفظ كان قليلاً وكثيراً، أي أن الجزء الأكبر منه كان في حوزة أمير المؤمنين، وجزء منه في حوزة الآخرين. ومع بروز مسألة منع تدوين الحديث، لم يعد هؤلاء يجرؤون على بيانه. في المقابل، يقول المرحوم الإمام: «لم يضبط إلا أمير المؤمنين». في الطريق الثاني، يقول إن الأئمة كان لهم امتياز ذاتي على سائر الناس في فهم القرآن والسنة، أي أن علم كل ما في القرآن من أصول كلية وتفريعاتها، وكذلك من عمومات ومخصصاتها، كان عند الأئمة، وهذا الاحتمال له ظهور في نفس المشرعية. طبقاً لهذا الطريق، كان الأئمة، بقوة قدسية إلهية، يستطيعون أن يفهموا هل هذا العام له مخصص أم لا؟ وبالتالي، لم تكن هناك حاجة لبيان من الله تعالى أو النبي في ذلك المورد الخاص. بعبارة أخرى، ادعاؤنا في مسألة المشرعية هو أنه حتى لو لم يبين النبي المخصص أو المقيد، فإنهم كانوا يملكون القدرة على فهم المقيد والمخصص ببركة ذلك العلم أو القوة الذاتية. لذا، حتى لو استُخدم حكم من باطن القرآن من قبلهم، فإنه يقع تحت مصداق التشريع.
نعم، صحيح أنه ورد في الروايات أن الأئمة قالوا: عندنا الجفر، والجامعة، ومصحف علي، ومصحف فاطمة، إلخ… ولكن لا ينافي ذلك أن يكون لديهم تلك القوة القدسية أيضاً، لأن تلك القوة القدسية والامتياز الذاتي لهذه الذوات المقدسة ساعدتهم في فهم الكتاب والسنة، بل ربما يمكن الادعاء بأنهم لم يكونوا بحاجة إلى الرجوع إلى مصحف علي مثلاً. هذه المسألة، وإن كانت جارية في كل الموضوعات، إلا أنها موجودة بشكل خاص في باب الأحكام.
عدم استخدام الأئمة للعلم الغيبي
من ناحية أخرى، كان الأئمة أحياناً لا يستخدمون علمهم. مثلاً، كان الإمام الصادق يدخل المنزل ويسأل: أين فلان؟ بعض الجهلاء الذين لا قوة علمية لديهم يقولون: إذن الإمام كان مثل الناس العاديين، لأننا أيضاً عندما ندخل المنزل نسأل أين فلان. لو كان الإمام يعلم الغيب لما كان ينبغي له أن يسأل! هذا الكلام وهذا الاستنتاج غير صحيح، لأنه لم يكن الأمر أن الأئمة كانوا يريدون استخدام علم الغيب في كل مكان. في كثير من الأحيان، أو في بعض الأحيان، كانوا يتعاملون بالطريقة العادية في أسئلتهم. أحد أسباب ذلك هو أنهم لو أرادوا استخدام علم الغيب باستمرار، مثلاً أن يقولوا لهذا الصحابي الذي جاء اليوم: لقد أكلت البارحة كذا وكذا، أو ابنك قال كذا وكذا، لقال الناس بألوهيتهم. لذا، كانوا أحياناً يتصرفون بشكل طبيعي لتجنب هذه المشاكل. مثلاً، في قضية حرمان المرأة من إرث الأرض، وردت رواية أن الإمام الباقر (عليه السلام) استند في هذا المورد إلى كتاب علي وقال: «هَذَا وَاللَّهِ خَطُّ عَلِيٍّ بِيَدِهِ وَإِمْلَاءُ رَسُولِ اللَّهِ (ص)». يبدو أن قبول هذا المطلب في ذلك الزمان كان صعباً جداً حتى على الشيعة أنفسهم. يمكن أن نشبّه تشبيهاً ناقصاً بأن الإنسان أحياناً يحفظ شيئاً، وإذا ضغط على نفسه قليلاً، يأتيه ذلك الشيء إلى ذهنه، ولكنه مع ذلك يفتح الكتاب. من الواضح أنه في مثل هذه الحالات، لا يوجد تنافٍ بين فتح الكتاب وكون الشيء محفوظاً. الروايات أيضاً تؤيد هذا المطلب، وهو أن الأئمة لو أرادوا أن يعلموا شيئاً، لعلموه.
نقطة أخرى هي توافق الطريقين اللذين قدمهما الإمام مع أصل المسألة. توافق الطريق الأول مع «ما من شيء يقربكم» واضح، ويُستفاد أيضاً من ذيل عبارته أن ميله لحل المسألة بسبب هذا الطريق كان أكبر بكثير. لكن الإمام ليس لديه مطلب حول توافق الطريق الثاني مع «ما من شيء يقربكم». يبدو أن التوافق يكمن في أن الرجوع إلى أصل الإمامة هو من أهم المسائل التي يجب مراعاتها في التقرب إلى الجنة والابتعاد عن النار. والإمام بالتأكيد قائل بأهمية مكانة الإمامة في التقرب إلى الجنة والابتعاد عن النار.
وفقاً للطريق الثاني، أفضل عمل هو إثبات عنوان «المشرّع» للأئمة، وبالتالي فإن المعنى الذي بيّنه الإمام لعبارة المرحوم الشيخ ليس ضرورياً، وإشكالاته على المرحوم الشيخ لا ترد أيضاً. ولكن إذا أردنا أن نمضي وفقاً لظاهر عبارة الإمام ونقول إن الإمام لا يريد طرح مسألة التشريع، فيجب أن نرى ما الذي كان الإمام يقصده؟ ربما يجب أن نقول إن الإمام يريد أن يقول إنه بناءً على الامتياز الذاتي الذي يملكونه، فهموا بأنفسهم أن النبي قد أتى بمثل هذا المخصص والمقيد، وليس من الضروري أن يودعه النبي لدى أمير المؤمنين، وأمير المؤمنين لدى الوصي الذي بعده، وهكذا. (لنكراني، نفس الجلسة ٨٢).
آقا ضياء العراقي
آقا ضياء العراقي من الأصوليين الذين يقولون بكون أئمة الهدى مشرّعين. وقد توصل في كتاب الاجتهاد والتقليد إلى نتيجة مفادها أن مسألة العصمة هي مرتبة عليا فوق مراتب العدالة، تشمل الأئمة بجميع مراتبها. العصمة صفة قدسية أفاضها الله على الأنبياء وأئمة الدين عليهم السلام، حتى فكرهم وخيالهم معصوم، وهي عصمة مطلقة خاصة بالمعصوم، لا يوجد فيهم خطأ ولا زلل ولا سهو ولا نسيان؛ لأن فيهم قوة إلهية ربانية، ولهم ولاية تكوينية يستطيعون بها التصرف في عالم الخلق، بالإضافة إلى ذلك، لهم ولاية تشريعية، يستطيعون التدخل في الأوامر والنواهي الدينية. بالإضافة إلى المحقق العراقي، فإن الآخوند الخراساني والمرحوم المظفر هم أيضاً من الموافقين لكون الأئمة مشرّعين. (العراقي، الاجتهاد والتقليد، ١٣٨٨: ٢٥٥/٢٥٦). وكذلك المحقق الأصفهاني في حاشية المكاسب (المحقق الأصفهاني، حاشية المكاسب، ١٤١٨: ٢/٣٧٨)، والمرحوم المظفر في أصول الفقه (المظفر، أصول الفقه، د.ت: ٣/٦٥)، والمرحوم الشيخ جواد التبريزي في مسائل علم الأصول (التبريزي، دروس في مسائل علم الأصول، ١٣٨٧: ٥، ٩٤). لقد قبلوا هذه الرؤية.
نُقل عن المرحوم السيد الخوئي في الأصول أنه قال عن الأئمة: هم مبيّنون لا مشرّعون (مصباح الأصول، ج ٢، ص: ٤٦٣). ولكن في صراط النجاة، وهو كتاب استفتاءات جيد جداً وعليه حاشية للمرحوم التبريزي، ذُكر أن سماحته (المرحوم السيد الخوئي) في جواب شخص سأل عن روايات تفويض الكافي، يقول: «التفويض في التشريع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في الشريعة أمر ثابت في الجملة، وسنن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في الدين أمر معروف». لقد فهم سماحته أيضاً من سنن رسول الله، وشريعة رسول الله، لذا يقول إن سنن النبي أمر ثابت ومعروف. ثم يضرب مثالاً بغسل الجمعة الذي هو من تشريعات النبي. ويستطرد قائلاً: لا يظن أحد أن مقصود هذه الروايات هو التكوين، لأن لدينا تفويضاً باطلاً، وهو أن نقول إن الله تبارك وتعالى خلق السماء والأرض والبشر والموجودات ثم عزل نفسه عن التأثير وأعطى كل التأثير للنبي والأئمة. المراد من التفويض المردود في علم الكلام هو هذا القسم. أما نحن فنعتقد أنه في عين أن أئمتنا لهم ولاية تكوينية ويستطيعون التصرف في العالم، فإن كل هذا هو في ظل الولاية المطلقة الإلهية، ولو أراد في أي لحظة، يستطيع أن يقطع ولايته عن أي شخص شاء. (صراط النجاة (المحشى للخوئي)، ج ٣، ص: ٤٤٩ و ٤٥٠).
بعض الفقهاء المعاصرين الآخرين يعتقدون أيضاً أن هناك روايات وردت بخصوص تفويض الأحكام، وأن الأئمة بمنزلة النبي الأكرم في هذا الجانب (الولاية على التشريع). من هذا المنطلق، يقول: «للأئمة إذن من الله تعالى أن يشرّعوا حكماً بأنفسهم». من مجموع هذه العبارات، يتضح أن المعتقدين بالتفويض ينظرون إلى تفويض أعلى من مجرد الكشف وإزاحة الستار عن الأحكام الإلهية، وينسبون بصراحة تعيين حكم من الأحكام إلى النبي أو الإمام، ويقصدون التفويض الحقيقي؛ أي أنهم بالضبط في مقام إثبات نفس ما كان ينكره المنكرون للتفويض. (الميلاني، مع أئمة الهدى، ١/٣٨٠/٣٨٢). (السبحاني، الولاية التشريعية والتكوينية من وجهة نظر العلم والفلسفة، ١٣٨٢: ٨٢).
رأي آية الله جواد فاضل لنكراني
لقد طرح سماحته رأياً مهماً حول كون الأئمة (ع) مشرّعين، ولإثبات نظريته، استدل بالآيات والروايات كأدلة، وقام بتجزئتها وتحليلها ببيان واضح، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن الله قد منح منصب التشريع لرسوله الكريم والأئمة. ويقول: من ثمرات المبدأ المختار لدينا، هو القول بمنصب التشريع بعد الله تبارك وتعالى لرسوله الأكرم والأئمة المعصومين بإذن الله. كثير من الأحكام التي بيّنها هؤلاء، والتي يُعبّر عنها بـ «أنال وأنال وأنال»، وليست موجودة بحسب ظاهر القرآن، هي شاهد على هذا المدعى. بالإضافة إلى ذلك، وردت روايات حول أحكام يوم عيد الأضحى لم يُنقل تاريخياً أن النبي جلس حتى نزل جبرائيل، بل قال في الجواب فوراً: «لا حرج، لا حرج، لا حرج»، أي لا مانع. (الكافي (ط – الإسلامية)، ج ٤، ص: ٥٠٤). يعتقد بعض الأعلام أولاً أن تشريع النبي في الأحكام محدود، وثانياً، بعد تشريع النبي، أيّده الله تبارك وتعالى، وبما أن الله أيّده، فهذا التشريع صحيح؛ بينما أولاً، تشريعات النبي لا تقتصر على إضافة ركعتين في الصلاة الرباعية، وثانياً، التأييد الإلهي هو لترسيخ مقام تشريع النبي، لا أن النبي (نعوذ بالله) فعل شيئاً فضولياً ثم أمضاه الله تعالى مثل العقد الفضولي.
المؤيد الآخر لوجود مقام التشريع هو الروايات التي فوّض فيها الله أمر الدين (التشريع) والدنيا (الحكومة) إليهم. الباحثون الذين يبحثون عن دليل على وجود حكومة في الإسلام أم لا، من أفضل أدلتهم هو تعبير «فوض إليه أمر الدين والدنيا». (لنكراني، نفس الجلسة، ٨٤).
٣. آراء المخالفين
لمشرعية الأئمة (ع) مخالفون أيضاً. السيد المرتضى علم الهدى من جملة المخالفين لمشرعية الأئمة. وهو يعتقد أن حق التشريع يختص بالله ولا يتمتع به أحد حتى النبي. خصص السيد المرتضى في كتابه فصلاً لبحث التفويض، وعنوان الفصل يدل على أنه لا يقبل التفويض التشريعي لا للأئمة ولا حتى للنبي. (فصل في أنه لا يجوز أن يفوّض الله تعالى إلى النبي عليه السلام أو العالم أن يحكم في الشرعيات بما شاء إذا علم أنه لا يختار إلا الصواب). (علم الهدى، الذريعة إلى أصول الشريعة، ١٣٧٦: ٢/١٨٢). صاحب منقى الجمان، الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، يعتقد أيضاً: وظيفة الإمام هي فقط تبليغ وتبيين الشريعة، لا التشريع. (العاملي، منتقى الجمان، ١٣٦٤: ٢/٤٣٩). من بين المخالفين لتشريع الأئمة، العلامة الطباطبائي. هذا المفسر الكبير يعتقد أن ما يليق الاهتمام به في هذا المقام هو وجود أدلة كثيرة على إكمال الدين قبل وفاة النبي (ص). لازم هذا الإكمال هو أن الكتاب والسنة يشملان جميع الأحكام الشرعية… ومن ناحية أخرى، ثبت في محله أن الإمام (ع) وظيفته فقط بيان الأحكام لا التشريع. (الطباطبائي، حاشية الكفاية، د.ت: ٩٨). قال العلامة الطباطبائي في جواب هذا السؤال الافتراضي، لماذا يُنسب كونهم مشرّعين إلى الأئمة: هذا يدل فقط على أن ما ينقله الإمام (ع) هو نفس ما قاله النبي (ص)، وتفسيره هو ما أتى به النبي (ص)، لا أكثر.
٣/٤ الشهيد الصدر (ره)
يقول في هذا الصدد: «وهكذا يتضح: أن تغير أحكام الشريعة عن طريق النسخ يكون أيضاً أحد العوامل المستوجبة للتعارض بين الأحاديث والنصوص. ولكن التعارض على أساس هذا العامل تنحصر دائرته في النصوص الصادرة عن النبي صلى الله عليه وآله، ولا تعم النصوص الصادرة عن الأئمة عليهم السلام لما ثبت في محله من انتهاء عصر التشريع بانتهاء عصر النبي صلى الله عليه وآله، وأن الأحاديث الصادرة عن الأئمة المعصومين ليست إلا بياناً لما شرعه النبي صلى الله عليه وآله من الأحكام وتفاصيلها». هذا التعارض والنص يقتصر على النصوص الصادرة عن النبي (ص) ولا يشمل النصوص الصادرة عن الأئمة؛ لأنه ثبت في محله أن عصر التشريع انتهى بوفاة النبي، وأن الأحاديث الصادرة عن الأئمة هي مجرد بيان وتفصيل للأحكام التي شرعها النبي، لا غير. (الصدر، سيد محمد باقر، بحوث في علم الأصول، ١٤١٧: ٧/٣٠). آية الله مكارم الشيرازي لا يعتبر الأئمة مشرّعين، بل يعتبر النبي فقط مشرّعاً. وهو يعتقد أن النبي له ولاية تشريعية ولكن الإمام ليس له ذلك. ويقول: «إلى غير ذلك مما في هذا المعنى، وهذه أيضاً تدل بأفصح بيان على أن الأئمة المعصومين عليهم السلام لم يشرعوا حكماً من الأحكام، وكلما قالوه فهي تشريعات إلهية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، فإذا كان حالهم كذلك فكيف بغيرهم من الفقهاء الأعلام؟!» (مكارم، أنوار الفقاهة، ١٤٢٥: ١/٥١٣).
من بيان هؤلاء المفكرين الإسلاميين، يمكن الاستنتاج أن عصر التشريع انتهى بختم النبوة، وأن الأئمة المعصومين هم مبيّنو كلام النبي (ص)، وليس لهم حق التشريع بمعنى سن القوانين.
٤. الأدلة
٤/١ الأدلة القرآنية
١. الدليل الأول على كون رسول الله والأئمة (عليهم السلام) مشرّعين هو آيات من القرآن الكريم. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (الحشر، ٧). من الواضح أن الآية في مقام بيان أصل هذا المطلب، وهو أنه يجب العمل بما يأمركم به النبي. في المرحلة التالية، يجب القول إن مراد الآية ليس أن ما يأمر به النبي هو تبليغ لأمر الله تعالى، بل المراد هو الأوامر التي يصدرها هو بنفسه، ويجب العمل بها. القدر المتيقن من هذه الأوامر هو في المسائل الفقهية والحلال والحرام. الأئمة أيضاً أشاروا في الروايات إلى هذه الآية لكون النبي مشرّعاً، وسنتناول هذه الروايات لاحقاً.
٤/١/٢ آية ٥٩ من سورة النساء
نحن نستدل بالآية الشريفة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» (النساء، ٥٩) على حضرات المعصومين؛ بالطبع مع هذا الافتراض والأصل الموضوعي بأن المراد بأولي الأمر هم المعصومون (ع). من المسلّم أن الأئمة كانوا أحياناً ينقلون كلاماً عن الله تعالى أو النبي، ولكن في هذه الآية يقول: أطيعوا ما يقوله الرسول والأئمة بأنفسهم، لا ما نقلوه عن الله. إذاً، نفس الطاعة التي يجب أن تُبذل للرسول، توجد أيضاً للأئمة. ضمن هذا، من المعروف أن تكرار لفظ «أطيعوا» يدل على أن الطاعة الأولى إرشادية والثانية مولوية. في هذه الحالة، إذا كان المراد هو تبليغ حكم الله تعالى من قبل الرسول والأئمة، فلا يتوافق مع كونها مولوية، وتكون إرشادية أيضاً، لأنها تعود إلى «أطيعوا الله». معنى كونها مولوية هو أن الله تبارك وتعالى يقول: طاعة ما يبيّنه الرسول أو أولي الأمر بأنفسهم واجبة. أي، في حق الله تعالى، يجب أن يقول العقل: أطيعوا الله، وإذا قال الله: أطيعوني، فهذا يؤدي إلى التسلسل. ولكن بالنسبة لـ«أطيعوا الرسول»، لا يمكن القول: أطيعوا ما يأتي به الرسول من عند الله، لأن هذه الطاعة هي طاعة الله، لا طاعة الرسول. يبدو أن «أطيعوا الرسول» عنوان مستقل، أي أطيعوا أوامر ونواهي الرسول كما تطيعون الله تعالى، وفي المرحلة التالية، «أولي الأمر» يجب أن يُطاعوا مثل الرسول. في هذه الآية، يجب الانتباه إلى عدة نقاط:
٤/١/٢/١ رأي فخر الرازي
يعترف فخر الرازي بأنه بما أن أولي الأمر قد وُضعوا إلى جانب الله والرسول، فيجب أن يكون لهم مقام العصمة، ببيان أن أولاً، أولي الأمر قد وُضعوا إلى جانب الله والرسول، وثانياً، طاعة الله والرسول مطلقة، إذاً طاعتهم أيضاً مطلقة، والطاعة المطلقة تكون حيث توجد العصمة. (مفاتيح الغيب، ج ١٠، ص: ١١٢ و ١١٣).
في أوائل الثورة، كانوا يقرؤون هذه الآية الشريفة ويطبّقون أولي الأمر على الإمام. الإمام إما كتب أو أمر بأن هذا لا علاقة له بنا، بل هو مرتبط بالمعصومين (عليهم السلام) فقط. لذا، لا يأتي بـ«أطيعوا» أخرى لأولي الأمر، لأن نفس «أطيعوا» الثانية تشملهم أيضاً، أي فيما يحلله ويحرمه أولو الأمر. إذا قلنا إن ذلك فقط في المسائل المتعلقة بالحكومة والحرب، فإن الله يقول: أطيعوا رسول الله، فهذا الأمر إرشادي أيضاً، لأن كل عقل ومجتمع يصل إلى نتيجة أنه يجب اتباع حاكمه. إذاً، إذا أردنا أن نجعل «أطيعوا» الثانية مولوية، فليس لدينا طريق غير هذا. إذا قال أحدهم: سلّمنا أن للنبي مقام التشريع ولكن الأئمة ليس لهم هذا المقام؛ نقول في الجواب: شاهدنا هو روايات التفويض، حيث يوجد في أصول الكافي باب بهذا العنوان. (الكافي (ط – الإسلامية)، ج ١، ص: ٢٦٥). في هذه الروايات، وردت كبرى كلية وهي: «فَمَا فَوَّضَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَقَدْ فَوَّضَهُ إِلَيْنَا». بالطبع، لدينا روايات أخرى تقول إن أمير المؤمنين والأئمة بعده كانوا يملكون جميع خصوصيات ومناصب النبي، إلا أنهم ليسوا أنبياء ولا رسلاً. (لنكراني، نفس الجلسة، ٨٤).
٤/١/٣ الآيات ٤-٥ من سورة النجم
دليل آخر على وجود تشريع الأئمة هو الآية الرابعة والخامسة من سورة النجم: «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (النجم/٤-٥). القسم الثاني من الآية يتعلق بآيات القرآن، لأن الكفار كانوا يسخرون من هذه الآيات؛ ولكن القسم الأول مرتبط بالقوة القدسية التي أُشير إليها في الروايات أيضاً.
٤/١/٤ الآيات ٤/آل عمران و ٥٤/النور و ٤٠/الرعد
المؤيد الآخر هو آية «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي» (آل عمران/٤). لا يقول أحد إن تعابير مثل «وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ» (النور/٥٤) أو «إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ» (الرعد/٤٠) تدل على أن النبي مجرد مبلّغ، لأن الحصر في هذه الآيات ليس حصراً حقيقياً، أي أن نقول إن كل ما يقوله النبي هو مجرد بلاغ. نعم، الآية في مقام بيان أن آيات القرآن ليست عنواناً غير الوحي، مثل السحر والهوى والهوس وأمثال ذلك.
٤/١/٤/١ وجود تنافٍ بين آيات سورة النجم والمدعى ودراسة الإشكالات الواردة والجواب عنها
حتى الآن، كان ادعاؤنا أن النبي والأئمة (ع) ليسوا فقط مبيّنين لجميع الأحكام، بل لهم أيضاً منصب التشريع في بعض الأحكام. ١. قد يقول قائل إن الله تعالى يقول في القرآن الكريم: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» (النجم/١-٤)، وهذه الآية تتنافى مع ادعائكم، لأن الله يقول إن كل ما يقوله النبي هو وحي، بينما تقولون إن بعض كلام النبي الذي هو حكم تشريعي صادر من عنده. بالطبع، إذا قبلنا مبدأ كون النبي مبيّناً، فإن هذه الآيات تتوافق تماماً مع ذلك المقام. (تفسير الصافي، ج ٥، ص: ٨٤).
لتوضيح الإشكال، يجب أن يُبيَّن أنه يمكن الاستدلال بفقرتين من الآيات الشريفة ضد هذا المدعى: أ- «ما ينطق عن الهوى»: مسلّماً، هذه الفقرة لا تنافي المدعى، لأن تشريع النبي لم يكن عن هوى النفس، فتشريع الواجبات والمحرمات والمكروهات وغيرها كان بسبب قوة إلهية تجعل النبي «كان مسدداً، موفقاً، مؤيداً بروح القدس». ضمن هذا، وجود القوة القدسية كان في جميع الأوقات واللحظات، ولم يكن مختصاً بزمن نزول الوحي. بعبارة أخرى، بما أن النبي شرّع ببركة القوة القدسية، فهو «لا ينطق عن الهوى». بلا تشبيه، إذا أصدر الحاكم الإسلامي (الولي الفقيه) حكماً بناءً على مصلحة، فلا يمكننا القول إن هذا الحكم صدر عن الهوى، لأن هذا الحكم صدر لمصلحة المجتمع الإسلامي. ب- «إن هو إلا وحي يوحى»: في مرجع الضمير «هو» ثلاثة احتمالات: أولاً، مرجع الضمير هو النطق المعين، أي أن النبي نصب أمير المؤمنين خليفة له ليس عن هوى، لأن صدر الآيات حول مسألة الولاية. ثانياً، مرجع الضمير هو القرآن، أي أن ما يقوله النبي كقرآن هو وحي فقط وليس شيئاً غيره. طبقاً لهذين الاحتمالين، لا تنافي الآية مدعانا. ثالثاً، مرجع الضمير هو «ما ينطق»، ويشمل كل ما يقوله النبي، أي أن كل كلام النبي هو وحي فقط وليس شيئاً غيره. هذا الاحتمال ليس صحيحاً من الناحية الأدبية أولاً، لأن «ما» ليست مصدرية بل نافية، وثانياً، استنباط النطق الكلي من الآية خلاف الظاهر، لأن استنباط المعنى الكلي يكون حيث لا يوجد لدينا أي طريق آخر، بينما هذا المورد ليس كذلك، والاحتمالان الأول والثاني أظهر. بالطبع، لا نقول إن هذا الاحتمال منتفٍ تماماً، بل نقول إن الاحتمالين الآخرين (خاصة الاحتمال الثاني الذي هو أيضاً خلاف الظاهر قليلاً) أقرب من هذا الاحتمال.
بصرف النظر عن هذين الإشكالين، نقول: سلّمنا أن الضمير يعود إلى مطلق نطق النبي، أي أن نطق النبي ليس إلا وحياً يوحى، ولكننا نتصرف في كلمة «وحي» ونقول في مسألة التشريع، إن كون النبي «كان مسدداً مؤيداً موفقاً» هو من مصاديق الوحي، لذا يستمر الله في القول: «عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى» (النجم/٥)، وهو ما فُسّر في التفاسير بجبرائيل. (مجمع البيان في تفسير القرآن، ج ٩، ص: ٢٦٢).
في التوضيح، يجب أن نقول إن إطلاق الوحي أحياناً يكون في المسائل التي تأتي من جبرائيل كقرآن، كما يقول الله في القرآن الكريم: «وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ» (الشورى/٥١). في هذه الآية، وُضعت كلمة «وحي» في مقابل «من وراء حجاب» والشق الثالث، ولكن في آية محل البحث، كلها مرتبطة بالله تبارك وتعالى، أي أن تشريع النبي لم يكن عن هوى، بل بواسطة قوة أودعها الله فيه.
الإشكال الثاني
ورد في القرآن الكريم: «مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي» (يونس/١٥)، وعندما تُتلى عليهم آياتنا بينات، قال الذين لا يرجون لقاءنا: «ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ»، قل: «مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ»، أو «وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا» (الكهف/٦٨). (مكارم، ترجمة قرآن، ١٣٧٣ / ٣٠١/٢١٠).
الجواب عن هذه الآيات
أولاً، تقول هذه الآيات إن النبي لم يكن له حق التصرف فيما يأتيه من الله تعالى وبواسطة جبرائيل. قول بعض المستنيرين بأن القرآن كتاب النبي وألفاظه من النبي لا يتوافق مع صريح هذه الآيات. لا شيء في القرآن، حتى إعرابه وتبديل كلماته، من النبي، لأنه يحمل عنوان المعجزة. ثانياً، إذا قال النبي في بعض الموارد «لا حرج لا حرج» وشرّع، فإن هذا لم يكن «من تلقاء نفسه». «من تلقاء نفسي» يعني أن أبيّن ما يميل إليه نفسي، بينما بيان الأحكام كان بسبب قوة أودعها الله في اختيار النبي.
الإشكال الثالث
الولاية في التشريع تعني أنهم يستطيعون العمل بشكل مستقل وتكون لهم إرادة مستقلة عن الله.
الجواب عن هذا الإشكال
ما ورد عن حضرة الزهراء (سلام الله عليها): «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ لِغَضَبِ فَاطِمَةَ وَيَرْضَى لِرِضَاهَا» (صحيفة الإمام الرضا (ع)، ص: ٤٥)، هو على هذا المبدأ، أن نقول عن الأئمة: «ما يريدون إلا ما أراد الله». الأئمة عليهم السلام في أمور الدين والشريعة لم يعملوا بهوى أنفسهم. ليس صحيحاً أن نقول عن حضرة الزهراء (سلام الله عليها) أن الأفراد كانوا يأتونها ويسألونها، وكانت تجيب عن كل شيء، فنقول إنها سألت هذه الأسئلة من قبل من أمير المؤمنين أو من النبي. خاصة بالنظر إلى الرواية التي تقول: «نحن حجج الله عليكم وأمنا فاطمة حجة الله علينا» (الانتصار، ج ٧، ص ٢٣٧). يتضح أن هذه القوة كانت في فاطمة الزهراء نفسها. نعم، حضرة الزهراء لم تكن لها ولاية في الحكومة والإمامة، ولكن بقطع النظر عن هذا الأمر، كانت لها سائر الأمور مثل العصمة. أحد معاني العصمة هو أنه إذا أجاب الفرد في الأحكام والمسائل الدينية، فجوابه صحيح. معنى آخر للعصمة هو أن كل ما يأخذه من الله يبيّنه بشكل صحيح، أي يمكن توسيع مسألة التشريع. في الرواية، أن أمير المؤمنين كان يذهب إلى النبي ويأخذ منه المطالب. بعد أن يأتي، كانت فاطمة تخبره أن أبي قال لك هذا. كان أمير المؤمنين يعرض على النبي ويقول: أنا أتعجب من أين تعرف فاطمة هذا؟ طبقاً لهذا الملاك، يمكن القول بوجود هذه القوة في حق حضرة زينب وحضرة معصومة (عليهما السلام) أيضاً. لماذا نقول إنهن كنّ جاهلات مثل الناس العاديين، وفي النهاية سمعن مسألة أو مسألتين من النبي وبيّنّها؟ هل هذه فضيلة؟ ما الإشكال في أن نقول إنهن موجودات خاصة، ومعنى «لا يقاس بنا أحد» هو هذا.
كون زيارة حضرة فاطمة المعصومة (ع) سبباً لوجوب الجنة ليس أمراً سطحياً وبسيطاً. أو أن الإمام الرضا يقول: «من زار أختي كمن زارني»، أي كمن زارني في الثواب؟ إذا كان في الثواب، فالسؤال هو: بأي ملاك يكون ثواب هذه الزيارة كثواب زيارة الإمام المعصوم؟ يتضح أن الله أعطاهم جلالة ذاتية وأراد ذلك، ونحن لا يحق لنا أن نقول لماذا جعل الله النبي نبياً والآخر ليس نبياً، هذا لا علاقة له بنا، الله أعطاهم هذه الجلالة الذاتية.
الإشكال الرابع
ما ورد في الآية الشريفة: «قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ» (الأنعام/٥٠)، يدل على أن الرسول، وبالتالي الأئمة، لم يكونوا مطلعين على اللوح المحفوظ وعلم الغيب، لذا لا معنى للتشريع بالنسبة لهم.
الجواب عن هذا النقد
أولاً، هذه التعابير هي لكي لا يقول الناس بألوهية النبي، وثانياً، لا شك في أن كل علم الله ليس عند أحد غير الله، ومن المؤكد أن سلسلة من العلوم، منها علم القيامة أو علم زمن الظهور، لا يعلمها أحد غير الله، حتى النبي الأكرم والإمام المهدي (عليه السلام)، لذا شُبّه الظهور في الروايات بالقيامة بأنه يأتي «بغتةً». أحد مصاديق خزائن الله المذكورة في الآية هو علم القيامة وعلم الظهور، ولا أحد يعلمهما. لذا، أهل السنة أو الوهابية لم يفهموا أصلاً ما تقوله الإمامية. نحن لا نقول إن النبي يعلم كل ما يعلمه الله. بجمع آيات القرآن، يتضح أن هناك سلسلة من العلوم مختصة بالله تبارك وتعالى. في المرحلة التالية، وضع الله دائرة واسعة من هذا العلم في اختيار النبي والأئمة، لم يضعها في اختيار أحد غيرهم.
الإشكال الخامس – هل يستطيع الفقيه أن يشرّع حكماً مؤقتاً أم لا؟
الأئمة مشرّعون، بهذا الفرق: أن الإمام (عليه السلام) يريد أن يشرّع حكماً دائماً وللجميع وإلى يوم القيامة، أي كما كان لرسول الله (ص) تشريع، فللإمام المعصوم أيضاً، وهنا نبحث هل يصل هذا المنصب إلى الفقيه أم لا؟ قطعاً، هذا المنصب لا يصل إلى الفقيه، لأن من مقومات المشرعية والشارعية أن يكون ذلك الشارع شارعاً لجميع الناس إلى يوم القيامة. في النهاية، من يريد أن يشرّع حكماً، يجب أن يكون له مثل هذا المنصب قبلاً. رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي خاتم، رسول لجميع الناس، «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ» إلى يوم القيامة، يستطيع أن يشرّع حكماً لجميع البشر حتى يوم القيامة كحكم دائم. أئمتنا عليهم السلام أيضاً كانت فيهم هذه الجهة، أي أن أمير المؤمنين إمام لجميع الناس حتى بعد الحياة إلى يوم القيامة، والإمام الحسن (عليه السلام) إمام لجميع الناس إلى يوم القيامة، هذا المنصب يقتضي أن يشرّع حكماً كحكم دائم، ولكن الفقيه ليس له هذه الخصوصية، بل الفقيه مرتبط بزمانه، وبعد زمانه، يمكن في بعض الظروف أن يُطرح بقاؤه على ما هو عليه. على أي حال، لا يستطيع الفقيه أن يكون لجميع الأمة إلى يوم القيامة ليشرّع حكماً دائماً. إذا شرّع الفقيه مثلاً وجوب الضرائب، غير بحث الخمس والزكاة، وقال: يجب على الناس دفع هذا القدر من الضرائب، فهذا أولاً حكمه مؤقت، أي ما يفعله الفقيه نقول إنه تشريع، ولكنه تشريع مؤقت، وثانياً، هو منوط بوجود المصلحة، ما دامت المصلحة موجودة، يجب القيام بهذا العمل. (جواد فاضل لنكراني، إمامت در قرآن، جلسه ١٨-٣٠ ارديبهشت ١٣٩٣).
٥. الأدلة الروائية
٥/١ روايات التفويض
أحد أدلة كون الأئمة (ع) مشرّعين هو روايات التفويض. ورد في هذه الروايات: «ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ الدِّينِ وَالْأُمَّةِ لِيَسُوسَ عِبَادَهُ» (الكليني، الكافي، د.ت: ١/٢٦٥). فوّض الله تبارك وتعالى أمر الدين، أي التشريع وبيان الأحكام من واجب وحرام ومستحب ومكروه، وأمر الأمة، أي مسألة الحكومة، إلى النبي. من الواضح أن التفويض لا معنى له في كونه واسطة بين الله تعالى والناس، لأن هذا العمل يندرج تحت عنوان «الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ» (الأحزاب، ٣٩)، بل التفويض هو مقام أعلى بكثير من التبليغ، وهو نفسه التشريع في الأحكام. المؤيد الآخر لوجود مقام التشريع هو الروايات التي فوّض فيها الله أمر الدين (التشريع) والدنيا (الحكومة) إليهم. الذين يبحثون عن دليل على وجود حكومة في الإسلام أم لا، من أفضل أدلتهم هو تعبير «فوض إليه أمر الدين والدنيا». بالطبع، لازم القول بمقام التشريع للنبي ليس أن نقول إن الله لم يكن له تشريع من البداية وقال: افعلوا ما تشاؤون. لا، الله شرّع أيضاً، ولكن الموارد التي رآها رسول الله ضرورية كنبي، حلّلها أو حرّمها. أحد التوجيهات الموجودة في رواية «حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (الصفار، بصائر الدرجات، د.ت: ١/١٤٩) هو أنه في حكم النبي، كما في الحكم الإلهي، لا يوجد أي تردد في أنه إلى يوم القيامة. بالطبع، المشهور يرجعون حلال محمد إلى ما بيّنه النبي من عند الله كحلال أو حرام، ولكن هذا الاحتمال خلاف الظاهر.
٥/١/١ إضافة ركعتين إلى الصلوات الرباعية
من الموارد الأخرى التي وردت في روايات التفويض، إضافة ركعتين إلى الصلوات الرباعية وغيرها من قبل النبي. بالطبع، الموارد كثيرة، لذا فإن كلام بعض الأعلام الذين يقولون إن هذا من قبيل مسألة التبليغ في الأحكام، ولو كان هناك مورد فهو محدود أولاً، وثانياً، الله تعالى أيّده لاحقاً.
نقد هذا البيان
آخرون في مقام الإشكال يقولون في تتمة الروايات التي أضاف فيها النبي ركعتين، قال: «فأجازه الله عز وجل ذلك»، أي ولو كان تشريعاً مستقلاً، فقد تم بإجازة من الله تعالى. الجواب هو أن «فأجازه الله» ليس تنفيذاً بل تأكيداً، لأنه عندما كان لديهم هذا الاختيار، لم يكونوا بحاجة إلى إجازة الله. الله أعطاهم اختياراً، وهم استخدموا اختيارهم. بحث الولاية في التشريع مثل الآيات التي تقول إن علم الغيب لله فقط. في مقابل ذلك، آيات أخرى تقول بإذن الله، الذين هم مرضيّون عند الله، لهم أيضاً علم الغيب، ومصداقه النبي والأئمة. هذا أيضاً كذلك.
٥/١/٢ إعطاء مقام «المسدَّد» للأئمة (ع)
تعبير آخر في روايات التفويض هو «فَمَا فَوَّضَ اللَّهُ إِلَى رَسُولِهِ ص فَقَدْ فَوَّضَهُ إِلَيْنَا»، أي أن مقام «المسدَّد» وقوة تشخيص الملاكات قد أعطيت من الله للأئمة أيضاً، لذا يستطيعون أن يفهموا ما هو حلال وما هو حرام، ما هو واجب وما هو مكروه، ما هو مستحب وما هو باطل. الروايات الكثيرة التي وصلتنا منهم وتشتمل على قاعدة فقهية أو حكم، هي على هذا الوزن. نعم، ورد في الروايات أن هذا الحكم أو القاعدة موجودة في القرآن أيضاً، ولكن هذا لا يعني أنهم كانوا مبلّغين لذلك الحكم، بل بسبب وجود قوة إدراك ملاك الحكم التي أعطاها الله لهم، كانوا يستطيعون أن يفهموا الملاك الموجود في الآيات مرتبط بأي حكم.
٥/١/٣ أمر ونهي رسول الله من حيث الملاك واحد مع أمر ونهي الله
تعبير آخر في روايات التفويض هو: «فَوَافَقَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ص أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَهْيُهُ نَهْيَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَوَجَبَ عَلَى الْعِبَادِ التَّسْلِيمُ لَهُ كَالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى». هذا التعبير يعني أن أمر ونهي رسول الله من حيث الملاك واحد مع أمر ونهي الله، فكما أن التسليم لأمر ونهي الله واجب، فإن التسليم لأمر ونهي الرسول مستقل أيضاً. إذا كان النبي مجرد مبيّن أو واسطة في إبلاغ الأحكام، فلا معنى للتسليم المستقل.
٥/٢ نفس النبي لها قوة قدسية
الرواية الثانية هي حديث مضمونه أن الله قد وضع قوة قدسية إلهية في نفس النبي المباركة، وهو لا يبتلى بالخطأ. «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ مُسَدَّدًا مُوَفَّقًا مُؤَيَّدًا بِرُوحِ الْقُدُسِ لَا يَزِلُّ وَلَا يُخْطِئُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِهِ الْخَلْقَ». أي أن الله تبارك وتعالى قد وضع قوة قدسية إلهية في نفس النبي المباركة، وهو لا يبتلى بالخطأ. بعبارة أخرى، وضع الله تعالى ما هو ملاك الأحكام عنده في نفس النبي المباركة، لأن «يسوس» أعم من الأحكام ومسائل الحكومة، أي تدبير الخلق هو أن يبيّن الأحكام في المعاملات، والعلاقات، أو الأمور الاجتماعية، لا أن تكون المسألة حكومة فقط. شاهد آخر على وجود هذا المنصب للنبي هو الآية ٧ من سورة الحشر. ورد في ذيل هذه الآية رواية عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لماذا لا ألعن من لعنه الله في القرآن، والمقصود الواشمة والمستوشمة (التي تضع الوشم) والواصلة والمستوصلة (التي تصل الشعر بشعر النساء). سمعت امرأة هذا الكلام من عبد الله بن مسعود وذهبت وقرأت القرآن كله مرة، ثم عادت إلى ابن مسعود وقالت: قرأت أمس القرآن كله ولكني لم أجد فيه لعن الواشمة. قال عبد الله بن مسعود: لو قرأتِ جيداً لوجدتِه. قالت: أين في القرآن؟ قال: القرآن يقول: «ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا»، ورسول الله قال إن الواشمة والمستوشمة ملعونة من الله. (مفاتيح الغيب، ج ١٢، ص: ٥٢٧). يبدو أن الآية ظاهرة في أن ما يبيّنه الرسول بنفسه يجب اتباعه، لا بصفته مبلّغاً عن الله.
تحليل ودراسة الرواية
من هذا الدليل يُستفاد أن التسديد ثابت للأئمة ولا يتعدى، أي لو قال فقيه مثل الإمام (رضوان الله تعالى عليه) بالولاية المطلقة للفقيه، ففي هذا المورد قطعاً يقولون إن هذا التأييد والتسديد مختص بالنبي ومختص بالأئمة المعصومين. نعم، في بعض الموارد كان الناس يسألون وكان حضرته يقول: اصبروا حتى ينزل الوحي. أولاً، هذه المسألة لم تكن شائعة في سيرته وحياته، وثانياً، كان ذلك لكي يعلم الناس أنه رسول من عند الله تعالى، وأنه يقول هذه المطالب حتى لا تحدث قضية حضرة عيسى. الله تعالى أيضاً يقول في القرآن الكريم: «وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ» (الأعراف، ١٨٨)، ليس لنفي علم الغيب، بل لأنه لو أراد النبي في كل مسألة أن يعمل بعلمه الغيبي، لقال الناس بألوهيته فوراً. أفضل مثال على عدم لزوم نزول الوحي في الأحكام هو قضية أعمال منى، حيث قال بعضهم: كان يجب أن نرمي أولاً ثم نضحي، وكان يجب أن نضحي أولاً ثم نحلق. فقال النبي فوراً: «لا حرج، لا حرج». المراد بـ «لا حرج» هنا ليس قاعدة «لا حرج»، بل المراد «لا بأس».
٥/٣ الرواية الثالثة
الرواية الثالثة من مؤيدي كون الأئمة مشرّعين هي حديث من الإمام الصادق (ع) أن محمد بن مسلم يقول: قلت للإمام الصادق: «إِنَّا نَجِدُ الشَّيْءَ مِنْ أَحَادِيثِنَا فِي أَيْدِي النَّاسِ». كأن هذا المورد كان محل تعجب محمد بن مسلم. يقول: أرى بعض الأحاديث الصادرة منكم في كلام أهل السنة وهم ينقلونها أيضاً. «فَقَالَ لِي: لَعَلَّكَ لَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَنَالَ وَأَنَالَ». قال: يا محمد بن مسلم، ألا تقبل أن النبي قد استطاع وبيّن المطالب بقوة وقدرة (أنال وأنال، وإن كان معناهما العطاء، ولكنه هنا كناية عن الكثرة)، ولم يكن بناء النبي على إخفاء هذه المقيدات والمخصصات عن عامة الناس. «ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ». هذه العبارة مثل أن أقول: هذا السيد يجيد الفلسفة، والهيئة، والفقه. بعبارة أخرى، المقصود هو أن النبي لم يترك شيئاً من الماضي والمستقبل واليمين واليسار، وبيّن الجميع. ولكن المسألة الأصلية هي أن حضرته يستطرد قائلاً: «وَإِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ عِنْدَنَا مَعَاقِلُ الْعِلْمِ». عندنا نحن أهل البيت معاقل العلم، أي العلم يركع عندنا. «وَضِيَاءُ الْأَمْرِ» مصباح الأمر بأيدينا، أي أي كلام صحيح وأي كلام خطأ، أي مطلب قاله النبي وأي مطلب لم يقله النبي هو بأيدينا. «وَفَصْلُ مَا بَيْنَ النَّاسِ» المراد بالفصل ليس فصل الخصومة، بل المقصود هو أننا نستطيع أن نفهم من بين الكلمات الشائعة بين الناس أيها كلام رسول الله وأيها ليس كلام رسول الله. (بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلى الله عليهم، ج ١، ص ٣٦٥؛ ومستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج ١٧، ص: ٣٣٩).
٥/٣/١ عدم بيان الأحكام في زمن النبي (صلوات الله عليه وآله) له عدة أسباب:
أ: الزمان، لم يقتضِ أن يبيّن النبي للناس جميع المطالب التي بيّنها أمير المؤمنين حتى الإمام العسكري (عليهم السلام)، لأن هذا الزمان بالمقارنة مع زمن حياة رسول الله زمان طويل جداً.
ب: في زمن النبي كانت مسألة الحروب مطروحة، ولكن في زمن الأئمة غالباً لم تكن هذه المسألة مطروحة.
ج: «أنال وأنال وأنال» كناية ولا تدل على أمر كلي، أي العبارة تقول إن النبي قد وهب من كلماته للناس الكثير، لا أنه بيّن كل شيء.
د: كثير من المطالب التي طرحها الأئمة كانت في جواب أسئلة يطرحها الرواة، وهذه الأسئلة لم تكن مطروحة في زمن النبي.
بالطبع، في خضم العمومات التي صدرت عن النبي، يمكننا القول إن النبي نفسه بيّن الكثير من المخصصات والمقيدات، ولكن مع ذلك لا يمكننا القول إن النبي بيّن كل المقيدات والمخصصات. على سبيل المثال، عندما نراجع بحث الحج، خاصة من منظور الفقه المقارن، نرى أولاً أن أحكام الحج وفقاً لمذهب أهل البيت قد بُيّنت من عصر الإمام الباقر وبعده في عصر الإمام الصادق (عليهما السلام)، وهي ليست موجودة في كلام النبي. [الشاهد على هذا المطلب رواية يقول فيها زرارة للإمام الصادق (عليه السلام): فداك نفسي، منذ أربعين سنة وأنا أسألك عن الحج وأنت تفتيني! فقال: يا زرارة، بيت كان يُحج إليه ويُزار قبل آدم عليه السلام بألفي عام، أتريد أن تنتهي مسائله في أربعين سنة؟ (من لا يحضره الفقيه، نفسه: ٢/٥١٩)]. ثانياً، يوجد اختلاف كبير في أحكام الحج بين فقهنا وفقه أهل السنة. ولكن المقصود مما ورد في رواية حجة الوداع أن النبي بيّن كل شيء هو أن إحدى الأمور الهامة هي مسألة الإمامة كبرى وصغرى، أي الاعتقاد بالإمامة والرجوع إليها من الأمور التي «يقربكم إلى الجنة ويبعدكم من النار».
ثمرات كون الأئمة (ع) مشرّعين
زيادة الدائرة المعرفية في الاعتقاد بالإمامة
من ثمرات كون الأئمة مشرّعين زيادة الدائرة المعرفية في الاعتقاد بإمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام). على الرغم من أن الولاية المعنوية لحضرات المعصومين (عليهم السلام) أمر مسلّم به، ولذا حصر بعض الأعلام والعلماء الدائرة المعرفية في هذه الولاية، فإن المعرفة بولاية الأئمة في الحكومة، أي أنهم المجموعة الوحيدة التي لها أهلية حكم البشر، هي مرتبة أعلى؛ لأن الحكومة في الأصل لله، وبعد الله تعالى بإذنه لرسول الله، ثم لأمير المؤمنين وسائر الأئمة المعصومين. (لنكراني، نفسه).
تساوي فهم الملاكات والأحكام عند الأئمة (ع)
الإمام الخميني (ره) أدخل الغدير بحق في باب الحكومة، ويبدو أنه مبتدع هذه المرتبة من الولاية للمعصومين. في زمن الغيبة أيضاً، نقول إن الأدلة تدل على أن الفقيه الجامع للشرائط يحل محل الإمام المعصوم في الحكومة. المرتبة الأخرى للاعتقاد بولاية الأئمة (ع) هي في التشريع، لا أنهم فقط مبيّنون للأحكام؛ أي نعتقد أنه من ناحية الله تعالى قد وُضعت تحت تصرفهم قوة قدسية إلهية كانت بها الأحكام وملاكاتها واضحة لهم. لذا، لو وجد تعارض ظاهري بين كلامين من المعصومين، لا نقول أبداً مثلاً بين قول أمير المؤمنين وقول الإمام الهادي (عليهما السلام) يوجد تهافت تبايني، أو أن قول أحدهما مقدم على قول الآخر، أو أن نقول لأن هذه الرواية من النبي الأكرم (ص) وتلك الرواية من الإمام المعصوم (ع)، فالرواية النبوية مقدمة على غيرها؛ لأن قوة إدراك الملاكات وبيان الأحكام قد وُضعت فيهم جميعاً على نحو متساوٍ. هذا المطلب من المعجزات أو الكرامات أو من خصائص الإمامية، أنه لا يوجد كلام متناقض بين الإمام الأول والإمام الأخير، لأن تلك القوة هي قوة واحدة مشتركة بينهم جميعاً.
الفرق بين كونهم مبلّغين ومشرّعين في المعرفة
بالإضافة إلى ذلك، إذا قلنا بالولاية في التشريع للإمام، فإن فرقاً كبيراً جداً من الناحية المعرفية يظهر مع الإمام الذي هو مجرد مبلّغ. ما ورد: «عرفني حجتك» أو «زار عارفاً بحقه» لا يعني أن نعرف اسم واسم والد ذلك الحجة ونعرف الحجة، بل أحد وجوه المعرفة هو الاعتقاد بولايتهم في التشريع. إذاً، ضمن أن هذه المسألة لها آثار كثيرة في الفقه والأصول، فهي من الناحية المعرفية مهمة جداً، وحقاً لو دقّق الإنسان وتأمل، لما وجد شيئاً أضر وأعلى من معرفة الإمام (عليه السلام).
ظهور معرفة الإمام في بحث الصراط يوم القيامة
أحد آثار المعرفة الصحيحة بالإمام يتجلى في المعتقدات. في مباحث القيامة وبحث الصراط، كل من له اختيار الصراط هو الإمامة. في الدنيا، التشريع في أيديهم، وكذلك في التكوين بإذن الله يستطيعون التصرف. في الآخرة، مسألة الميزان مرتبطة بهم. سر التأكيد الشديد على مسألة معرفة الإمام هو هذه المطالب، أي أن دنيا الإنسان ودينه وعقباه وآخرته مرتبطة بالأئمة، لذا كلما عرف الإنسان الإمام والإمامة، يصل إلى عمق أكبر من الدين. يجب الانتباه إلى أن هذه المسائل ليست على نحو أن نقول إن الله تشرّفاً وتفضّلاً قد قبل أولاد النبي كأئمة؛ بل هو بسبب الخصائص الذاتية التي وضعها الله فيهم، ولذا يقولون: «إنا أهل بيت لا يقاس بنا أحد» (الموسوي، تعليقة على معالم الأصول، ١٤٢٧: ٥/٤٤٩) (معاني الأخبار: ٥٦) (المجلسي، بحار الأنوار، د.ت: ٢٢/٤٠٧/٢٢)، أحد وجوهها هو هذا. هؤلاء لهم ولاية في الحكومة والتشريع والتكوين، والولاية في التكوين مقبولة تقريباً من جُلّ الأعلام والفقهاء والمفسرين الإمامية.
ثمرة كون الأئمة مشرّعين أو مبيّنين
بحث التفويض في التشريع، بقطع النظر عن الثمرات التي له في الفقه والأصول، هو بحث اعتقادي وكلامي مهم. قد يسأل أحدهم: كون الأئمة مشرّعين أو مبيّنين لا فرق لنا عملياً، لأن قولهم في كلتا الحالتين حجة لنا، وبالتالي يمكن أن يؤثر على الأدلة الأخرى. أولاً، في البحث الكلامي، يجب أن نشير إلى هذا الدعاء: «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي» (البروجردي، تفسير الصراط المستقيم، ١٤١٦: ٣/٢٨٣؛ المجلسي، بحار الأنوار، د.ت: ٥٢/١٤٦). على الرغم من أن معرفة الحجة بمعنى أن نعرف اسمه واسم والده، أو في أي تاريخ وُلد وفي أي تاريخ استشهد، أو بضع روايات لدينا عنه، هي جزء صغير من معرفة الحجة، ولكن الواقع هو أن معرفة الحجة نفسها لها موضوعية كبيرة، بمعنى أن نعرف أن الإمام الذي نعتقد به هو وجود شريف، إمام لا يذنب ولا يخطئ، يعلم الماضي والمستقبل، له القدرة والصلاحية للتشريع أيضاً. على الرغم من أن بعض الأصحاب كانوا يسألون الأئمة أحياناً: من أين في القرآن تقولون هذا المطلب؟ ولكن في معظم الموارد، لم يسأل أي راوٍ: من أين تقول هذا الكلام؟ في الروايات، لا نجد مكاناً واحداً يعرض فيه الراوي على الإمام ويقول: كلامك غير صحيح، أو أنه شك فيه. لهذا السبب، في معظم أو جُلّ الروايات ذات الموضوعات المختلفة، عندما كان الراوي يسأل سؤالاً ويجيب الإمام، كانوا يقبلون كلامه كالوحى، ومن هذا السلوك يمكن استنتاج عصمة الأئمة. لذا، قول البعض إن أئمتنا كانوا أناساً منزهين، ومسألة العصمة شيء نشأ بسبب الغلاة، لأن في الروايات أصلاً لم يُطرح القول بالعصمة من قبل الراوي لهم، هو كلام لا أساس له.
ثانياً، بناءً على هذا المبدأ، تترتب هذه الثمرة العملية، أنه لا يبقى مجال للدوران بين النسخ والتخصيص، ويجد كله عنوان المخصص أو المقيد؛ ببيان أن العام ورد في زمان، وبحسب الظاهر أُريد به، ولكن بحسب الواقع، المراد الجدي كان الخاص، وبسبب وجود مصلحة لم يُبيَّن من قبل الله تبارك وتعالى أو رسوله. في تتمة كلام الأئمة، يكون كاشفاً عن المراد الجدي لله تعالى والنبي، فلا ينافي أن الشارع لم يصرّح به من قبل، ومثلاً لم يُبيَّن لأمير المؤمنين، أو حتى بُيّن ولكنه ضاع لعلة ما. الأئمة بسبب وجود تلك القوة التي كانت في اختيارهم، كانوا في وقت خاص، يبادرون إلى بيان الأحكام. بالطبع، هذا المبدأ لا يتنافى مع عبارة «أنال وأنال وأنال» التي نُقلت عن النبي، لأن هذه العبارة تقول إن النبي قال ما استطاع، ولكنها لا تدل على أنه قال كل شيء، فمن الممكن أنه لم يقل الكثير من المقيدات. ولكن طبقاً للقانون الذي من المحتمل القوي أن المشهور يقولون به، إذا قلنا إن الأئمة مبيّنون، فيجب أن نقول إن كلامهم ورد قبل وقت العمل، فيجب القول بالنسخ، لأن في النسخ نقول إن هذا البيان هو انتهاء لزمن الحكم السابق. في هذه الحالة، النسخ غير قابل للالتزام، ووجود هذا القدر من النسخ غير صحيح. أو إذا قلنا إن الأئمة لهم دور المبيّن وكلامهم ورد بعد وقت العمل، فيكون كشفاً عن وجود هذه المقيدات والمخصصات في كلام الله أو النبي، التي ضاعت لأسباب ما. هذا الإشكال يبرز: أين ذهبت المخصصات الواردة في كلام النبي التي كانت مصاحبة للعمومات وبُيّنت من قبل؟ نعم، من الممكن لو كان هناك خمسمائة مقيد، أن يضيع مائة أو مائتان منها، ولكن لا يمكن الالتزام بأن نقول إن معظمها ذُكر ولكنه ضاع.
الرؤية المختارة
الآيات والروايات التي دلت على وجود منصب التشريع لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جانب منصب النبوة والحكومة والقضاء وبيان الأحكام، قد بُيّنت. تقول هذه الأدلة إن سماحته في علاقته بجميع الأحكام كان له مقام التبيين والإبلاغ، وبالنسبة لبعض الأحكام، كان له منصب التشريع الاستقلالي. بناءً على ما ورد في الروايات، كان منصب التشريع ببركة تلك القوة القدسية الإلهية التي كانت سبباً في تمكينه من إدراك ملاكات الأحكام بنفس الملاك الذي هو عند الله تبارك وتعالى، من وجوب واستحباب وكراهة وحرمة، وبالتالي كان يستطيع جعل الكثير من الأحكام (مثل حديث المناهي أو روايات من قبيل لا ضرر ولا ضرار في المعاملات). وعليه، فإن حصر تشريعات النبي في فرض النبي ليس صحيحاً. في المرحلة التالية، بنفس الأدلة المعتبرة أو بطرق أخرى مثل ضم الروايات التي قال فيها الأئمة: «ما فوض إلى النبي فهو مفوض إلينا»، يثبت مقام التشريع لهم أيضاً، أي أن الله تعالى جعل منشأ جعل الحكم والتشريع (إدراك الملاكات) في اختيار الأئمة أيضاً، لذا كان لهم صلاحية التشريع، وفي موارد كثيرة شرّعوا أيضاً.
الهوامش
- الأصفهاني، محمد حسين الكمباني، حاشية كتاب المكاسب، أنوار الهدى، قم – إيران، الطبعة الأولى، 1418 هـ.ق.
- الأصفهاني، حسين راغب، مفردات ألفاظ القرآن، دار العلم – الدار الشامية، لبنان – سوريا، الطبعة الأولى، 1412 هـ.ق.
- أحمد بن فارس بن زكريا، معجم مقاييس اللغة، دار الكتب العلمية، قم، د.ت.
- الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول – قم، الطبعة التاسعة، 1428 هـ.ق.
- البروجردي، حسين، تفسير الصراط المستقيم – إيران – قم، الطبعة الأولى، 1416 هـ.ق.
- التبريزي، ميرزا جواد، دروس في مسائل علم الأصول – قم، الطبعة الثانية، 1387 هـ.ش.
- التوني، عبد الله، الوافية في أصول الفقه – قم، الطبعة الثانية، 1415 هـ.ق.
- جمال الدين أحسن، منتقى الجمان، ط/ مؤسسة النشر الإسلامي – قم، سنة 1362 هـ.ش.
- الجوهري، إسماعيل، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1410 هـ.ق.
- الحسيني الميلاني، سيد علي، مع أئمة الهدى، الطبعة الأولى، مركز حقائق إسلامي، قم، د.ت.
- الخميني، روح الله، الرسائل – قم، الطبعة الأولى، 1410 هـ.ق.
- الخوئي، سيد أبو القاسم الموسوي، صراط النجاة، مكتب نشر المنتخب، قم – إيران، الطبعة الأولى، 1416 هـ.ق.
- ——–، مصباح الأصول – قم، الطبعة الخامسة، 1417 هـ.ق.
- زكي عبد البر، محمد، تقنين أصول الفقه، الطبعة الأولى، القاهرة، مكتبة دار التراث، 1409 هـ.ق.
- الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد صلّى الله عليهم، (مجلد)، مكتبة آية الله المرعشي النجفي – إيران؛ قم، الطبعة الثانية، 1404 هـ.ق.
- الصدر، سيد محمد باقر، بحوث في علم الأصول، الناشر: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي، 1417 هـ.ق.
- الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، ناصر خسرو – إيران – طهران، الطبعة الثالثة، 1372 هـ.ش.
- الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، كتابفروشي مرتضوي، طهران – إيران، الطبعة الثالثة، 1416 هـ.ق.
- الطباطبائي، محمد حسين، حاشية الكفاية – قم، الطبعة الأولى، د.ت.
- العراقي، ضياء الدين، الاجتهاد والتقليد – قم، الطبعة الأولى، 1388 هـ.ش.
- علم الهدى، علي بن حسين، الذريعة إلى أصول الشريعة – طهران، الطبعة الأولى، 1376 هـ.ش.
- فخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير (مفاتيح الغيب)، دار إحياء التراث العربي – لبنان – بيروت، الطبعة الثالثة، 1420 هـ.ق.
- فيض الكاشاني، محمد بن شاه مرتضى، تفسير الصافي، مكتبة الصدر – إيران – طهران، الطبعة الثانية، 1415 هـ.ق.
- القرشي، سيد علي أكبر، قاموس قرآن، دار الكتب الإسلامية، طهران – إيران، الطبعة السادسة، 1412 هـ.ق.
- القمي، صدوق، محمد بن علي بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، قم – إيران، الطبعة الثانية، 1413 هـ.ق.
- الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي (ط – الإسلامية)، دار الكتب الإسلامية – طهران، الطبعة الرابعة، 1407 هـ.ق.
- مكارم الشيرازي، ناصر، ترجمة قرآن، دفتر مطالعات تاريخ ومعارف إسلامي – إيران – قم، الطبعة الثانية، 1373 هـ.ش.
- مركز اطلاعات ومدارك إسلامي، فرهنگ نامه أصول فقه – قم، الطبعة الأولى، 1389 هـ.ش.
- المظفر، محمد رضا، أصول الفقه (مع تعليقة زارعي) – قم، الطبعة الخامسة، 1387 هـ.ش.
- المفيد، محمد بن محمد بن نعمان، تصحيح اعتقادات الإمامية، الطبعة الأولى، کنگره شيخ مفيد، قم، 1413 هـ.ق.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، دار إحياء التراث العربي – لبنان – بيروت، الطبعة الأولى، د.ت.
- الموسوي القزويني، علي، تعليقة على معالم الأصول – قم، الطبعة الأولى، 1427 هـ.ق.
- النوري، حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، مؤسسة آل البيت (ع) – قم، الطبعة الأولى، 1408 هـ.ق.
- الواسطي، الزبيدي، حنفي، محب الدين، سيد محمد مرتضى حسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1414 هـ.ق.