نظرة جديدة في مسألة جواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ

المستخلص

من المباحث التي خضعت لدراسة العلماء في علم الأصول منذ القدم وحتى يومنا هذا، مسألة جواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ. ولكن بعد مرور قرون، لم يتوصل علماء هذا الفن بعد إلى رأي موحد في هذا الموضوع، حيث ذهب فريق إلى إمكانه، بينما ذهب فريق آخر إلى استحالته. استند القائلون بالاستحالة غالبًا إلى أن حقيقة الاستعمال هي فناء اللفظ في المعنى لإثبات رأيهم، وفي المقابل، لم يكتفِ القائلون بالجواز بردّ نظرية فناء اللفظ في عدة معانٍ واعتبروها ممكنة عقلاً فحسب، بل أثبتوا وقوعها بتقديم عدة شواهد. في هذا البحث الذي أُنجز بالمنهج الوصفي التحليلي، وباستخدام البيانات المكتبية، تم بحث ونقد أدلة الطرفين، وأُثبت أن طريقة طرح البحث في هذه المسألة لم تكن صحيحة، وأنه لا ينبغي حصر محل النزاع في استعمال اللفظ بلحاظ واحد وفي آن واحد. وبهذا التوصيف، يثبت الإمكان العقلي للمسألة بلا شك. كما ثبت من الناحية الأدبية أن استعمال اللفظ في عدة معانٍ ليس ممكنًا فحسب، بل توجد شواهد من النصوص الأدبية على وقوعه أيضًا، ولكن مثل هذا الاستعمال في القرآن والأحاديث خلاف الظاهر ويحتاج إلى قرينة.

مقدمة

تُعدّ مسألة جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى من المسائل القديمة في علم الأصول، والتي كانت محطّ نقاش منذ نشأة هذا العلم. أول عالم شيعي طرح هذه المسألة في مباحثه الأصولية هو السيد المرتضى في كتاب الذريعة. وقد قال بجواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ بعد بحثه للموضوع (علم الهدى، 1417هـ: 1/ 17).

بعده، خاض الشيخ الطوسي أيضًا في كتاب العدة في هذا المجال، وفي النهاية اتفق مع السيد المرتضى في الرأي (الطوسي، 1417هـ: 1/ 53). بعدهما، طرح المحقق الحلي والعلامة الحلي هذا البحث أيضًا في كتبهما الأصولية (المحقق الحلي، 1423هـ: 82؛ العلامة الحلي، 1380: 72).

كان العلماء المتقدمون حتى زمن صاحب المعالم وصاحب القوانين يطرحون هذه المسألة من منظور أدبي، ولكن منذ زمن الآخوند الخراساني فصاعدًا، تراجع البحث خطوة إلى الوراء وبُحث في مرحلة الإمكان أو الاستحالة العقلية. قال الآخوند الخراساني وبعض تلامذته البارزين باستحالة استعمال اللفظ في عدة معانٍ عقلاً (الخراساني، 1440هـ: 1/ 56-57؛ النائيني، 1352: 1/ 51).

في المقابل، ذهب بعض فقهاء مدرسة قم، ومنهم الشيخ عبد الكريم الحائري والمحقق البروجردي، إلى جواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ عقلاً، وقدموا شواهد من كلام العرب لإثبات وقوعه (الحائري، 1418هـ: 55؛ البروجردي، 1380: 59).

تعود جذور هذه الاختلافات إلى تفسيرهم لحقيقة الاستعمال. فالذين اعتبروا حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى قالوا بالاستحالة العقلية، والذين مالوا في حقيقة الاستعمال إلى مسلك العلامية أو التعهد قالوا بالجواز. وبالطبع، هناك فريق لا يرى تلازمًا بين نظرية الإفناء والامتناع، ولا بين نظرية العلامية والجواز.

وقد عُرضت عدة ثمرات فقهية لمسألة جواز استعمال اللفظ في معانٍ متعددة. بصرف النظر عن الإشكالات التي قد تكتنف هذه الثمرات، نشير إلى موردين منها:

  1. في بعض آيات القرآن الكريم، توجد ألفاظ يمكن أن يُفهم منها عدة معانٍ مختلفة. فإذا قلنا بجواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ، أمكن استفادة جميع تلك المعاني من الآية، وإلا فلا يُفهم منها إلا معنى واحد. مثلاً، يقول الله تعالى في الآية 223 من سورة البقرة: «نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ». في هذه الآية الكريمة، يمكن لكلمة «أَنَّىٰ» أن تحمل ثلاثة مفاهيم مختلفة: ظرف الزمان، وظرف المكان، والكيفية. إذا تبنينا نظرية إمكان الاستعمال في عدة معانٍ، يمكننا استنباط المعاني الثلاثة جميعها من الآية، أما إذا قلنا بالاستحالة، فلا يمكن استفادة سوى معنى واحد.
  2. من المباحث المطروحة في أحكام قراءة الصلاة، هل يمكن عند قراءة سورة الحمد والسورة قصد شيء آخر غير قصد القراءة؟ مثلاً، هل يمكن من عبارة «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» بالإضافة إلى قصد القراءة، قصد إنشاء الدعاء أيضًا؟ الفقهاء القائلون بجواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ يجيزون مثل هذا القصد.

في هذا التحقيق، وعلى خطى علماء الأصول المتأخرين، نعرض البحث في ثلاث مراحل. أولاً، نبحث المسألة في مرحلة الإمكان أو الاستحالة العقلية. ثم نتناول الترخيص الوضعي، وفي المرحلة الثالثة نبحث وقوعه.

ولكن قبل عرض الآراء وأدلتها، يجب تحديد محل النزاع بوضوح وتبيين نقاطه المبهمة.

تحرير محل النزاع

المقصود من استعمال اللفظ في أكثر من معنى هو أن يُستعمل لفظ واحد في معنيين مستقلين؛ بحيث يكون استعمال واحد في حكم استعمالين، ويُراد كل من المعنيين بشكل مستقل ومنفصل. بعبارة أخرى، أن يُستعمل لفظ واحد في عدة معانٍ؛ بحيث تكون خصوصيات وامتيازات كل معنى ملحوظة ومستقلة تمامًا عن المعنى الآخر؛ لا أن يُلاحظ معنى بانضمامه إلى معنى آخر، بل تُلاحظ خصوصيات كل معنى بشكل كامل، تمامًا كما لو استُعمل اللفظ في معنى واحد لَلُوحظت تلك الخصوصيات والامتيازات (الحكيم، 1414هـ: 1/ 140).

على سبيل المثال، إذا قيل: «رأيت عينًا وعينًا»، وكان المقصود من العين الأولى «العين الباكية» ومن العين الثانية «العين الجارية»، ففي هذه الحالة تكون إرادتنا ولحاظنا لكل من المعنيين على نحو استقلالي؛ دون أن نتصور قدرًا جامعًا بين هذين المعنيين، أو نعتبر عنوانًا انتزاعيًا باسم «أحد المعنيين»، ودون أن يكون أحد المعنيين أصلاً والآخر تبعًا. استُعملت العين الأولى في «العين الباكية» دون أي ارتباط بالعين الثانية، واستُعملت العين الثانية في «العين الجارية» دون أي ارتباط بالعين الأولى، وكأن المعنيين متباينان تمامًا.

البحث الآن هو: هل يمكننا بدلاً من «رأيت عينًا وعينًا» أن نقول: «رأيت عينًا»، وفي هذا الاستعمال الواحد واللفظ الواحد نريد أن نستعمل كلمة «عين» في معنيين، بنفس الكيفية التي لُوحظت في «رأيت عينًا وعينًا»؛ أي أن يكون كل معنى ملحوظًا بشكل مستقل وغير مرتبط بالمعنى الآخر؟ (الفاضل اللنكراني، 1381: 2/ 290-291).

بهذا التوضيح، يتضح أن الموارد التالية خارجة عن محل البحث:

  1. استعمال اللفظ في مجموعة مركبة من المعاني التي لُوحظت لها وحدة اعتبارية؛ بحيث لا يُلحظ كل معنى على نحو استقلالي، بل على نحو تضمني. مثل لفظ «البيت» الذي يدل على مجموعة تتكون من الباب والجدار والسقف وسائر الأجزاء.
  2. استعمال اللفظ في القدر الجامع للمعاني؛ مثل لفظ «إنسان» الذي يدل على المعنى الجامع بين أفراد الإنسان، وهو «الحيوان الناطق» على سبيل المثال.
  3. استعمال اللفظ في أحد المعاني على نحو البدلية.
  4. استعمال اللفظ في معنى أصلي ومعنى تبعي.

والأمر الآخر الذي يجب التذكير به في تحرير محل النزاع هو أنه على الرغم من أن المراد من استعمال اللفظ في معانٍ متعددة هو المعاني الحقيقية، لتفرع هذا البحث على إثبات الاشتراك اللفظي، إلا أنه يمكن توسيع البحث ليشمل المعاني المجازية أيضًا؛ لأن مناط الجواز والمنع واحد، وبحثنا أعم من أن تكون المعاني المتعددة حقيقية أو مجازية، أو بعضها حقيقي وبعضها مجازي (العراقي، 1420هـ: 1/ 160-161).

الآراء حول حقيقة الوضع

لا شك في وجود علاقة بين اللفظ ومعناه، ولكن هناك اختلاف في الرأي حول منشأ هذه العلاقة. البعض اعتبرها علاقة ذاتية، ولكن هذه العلاقة الذاتية لا يمكن قبولها، سواء فُسرت على نحو العلية التامة أو على نحو الاقتضاء؛ لأنه لو كانت هذه العلاقة ذاتية لأدركها الجاهل باللغة أيضًا، وهو ما ليس كذلك بالوجدان (الإمام الخميني، 1415هـ: 1/ 55-56). لذا، يجب أن نعتبر هذه العلاقة وضعية واعتبارية. ولكن ما هي حقيقة هذا الوضع؟ لحقيقة الوضع تفسيرات متعددة، نشير إلى أهمها:

1. مسلك الاعتبار

وهو أن الواضع يوجد علاقة بين اللفظ والمعنى بعملية اعتبارية. ولعلماء الأصول في توضيح هذا الأمر الاعتباري أربعة آراء مختلفة:

1-1. النظرية الأولى

هذا الرأي للمرحوم الآخوند الخراساني، والوضع فيه عبارة عن «نحو من الاختصاص للفظ بالمعنى ناشئ عن التخصيص أو كثرة الاستعمال» (الخراساني، 1440هـ: 1/ 24). في نقد هذا التعريف، يجب القول إن هذا التعريف للوضع لا يمكن أن يكون صحيحًا؛ أولاً: لأن هذا التعريف في الواقع هو تعريف لأثر الوضع وليس للوضع نفسه؛ ثانيًا: هذا التعريف مبهم ولا يبين حقيقة الوضع.

1-2. النظرية الثانية

في رأي آخر، الوضع عبارة عن «إيجاد الهوية (التطابق) الاعتبارية بين اللفظ والمعنى»، بمعنى أنه عندما يضع الواضع لفظًا لمعنى، فإنه في الواقع يوجد اتحادًا اعتباريًا بين اللفظ والمعنى (الإيرواني، 1370: 7).

1-3. النظرية الثالثة

في الرأي الثالث، الوضع هو تعيين اللفظ في مقابل المعنى. الشاهد على هذا المعنى هو أنه عندما تظهر ظاهرة جديدة في العالم، يضع لها علماء اللغة لفظًا (السبحاني، 1432: 1/ 66). هذا التعريف، وإن أشار إلى هوية الوضع لا أثره، إلا أنه مجمل، ولم يحدد كيفية التعيين، وهو متوافق مع مبانٍ مختلفة.

1-4. النظرية الرابعة

الوضع في الرأي الرابع هو كون اللفظ علامة للمعنى. هذا الرأي يبدو صحيحًا؛ لأنه مطابق للوجدان والعرف (الخميني، 1409هـ: 1/ 85).

2. مسلك التعهد

الوضع وفقًا لهذا المسلك هو أن يتعهد الواضع بألا ينطق بلفظ معين إلا عندما يريد معنى ذلك اللفظ؛ مثلاً، يتعهد الواضع بأنه عندما يريد تفهيم معنى «الحيوان المفترس» يذكر لفظ «أسد» (الخوئي، 1422: 1/ 51). الإشكال الذي يتبادر إلى الذهن تجاه هذه النظرية هو أن التعهد والالتزام متأخر عن الوضع، أي أن الوضع يحدث أولاً ثم يحصل التعهد والالتزام به. بعبارة أخرى، التعهد ليس سوى الالتزام بالعمل وفق الوضع، وبالتالي فهو متأخر عن الوضع ولا يبين حقيقته.

3 و 4. مسلك القرن الأكيد والهوية

في شرح هذين المسلكين، قيل إن وضع اللفظ للمعنى له عدة مراحل:

المرحلة الأولى) تصور اللفظ والمعنى وجعل اللفظ للمعنى؛

المرحلة الثانية) إيجاد ارتباط وثيق ومقارنة شديدة بين اللفظ والمعنى بحيث ينتقل الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى. عامل هذا الاقتران يكون أحيانًا كيفيًا (وضع تعييني) وأحيانًا كميًا (وضع تعيني)؛

المرحلة الثالثة) فناء اللفظ في المعنى بحيث يكون لحاظ اللفظ آليًا ولحاظ المعنى استقلاليًا. في هذه الحالة، لا يبقى سوى صورة واحدة هي الصورة الفانية في المعنى؛ لذا، لا يوجد تعدد في الصورة للفظ والمعنى، بل تندمج صورة المعنى في صورة اللفظ وتتحول إلى صورة واحدة.

بناءً على مسلك «القرن الأكيد»، تكون حقيقة الوضع عبارة عن المرحلة الثانية (الصدر، 1417: 1/ 82-83)، وبناءً على مسلك الهوية، يكون الوضع عبارة عن المرحلة الثالثة (السيستاني، 1414هـ، ج1، ص 144).

في نقد مسلك القرن الأكيد، يمكن القول إن القائلين بهذه النظرية يعتقدون أن إنشاء الواضع هو مقدمة لأمر تكويني يسمى القرن الأكيد، ونتيجة القرن الأكيد هي الملازمة الذهنية، بينما في عالم التكوين لا يوجد بالوجدان واسطة بين إنشاء الواضع ونتيجته، أي الملازمة الذهنية؛ لذا، هذه النظرية مخالفة للوجدان.

نظرية الهوية أيضًا لا تخلو من إشكال؛ لأن الهوية تعني فناء اللفظ التصوري في المعنى، وهذه الحقيقة من نتائج رسوخ الوضع في الذهن ومتأخرة عن الوضع.

5. النظرية المختارة

بالنظر إلى ما قيل حول حقيقة الوضع ونقد الآراء المختلفة، نستنتج أن حقيقة الوضع هي «جعل اللفظ علامة للمعنى»، والنظريات الأخرى غير مقبولة.

الآراء حول حقيقة الاستعمال

الاستعمال في اللغة يعني طلب العمل، وعمل اللفظ بالنسبة لمعناه هو تحقيق غاية الوضع وداعي جعله. لذا، إذا اعتبرنا غاية الوضع هي تفهيم المعنى وإخطاره في الذهن، فإن الاستعمال سيكون عبارة عن إيجاد اللفظ بهدف إخطار المعنى. بعبارة أخرى، الاستعمال هو إلقاء اللفظ واستخدامه كوسيلة لتفهيم المعنى الموجود في نفس المتكلم. الاستعمال ليس سوى إعمال وإنفاذ للوضع وتفعيله وإنجازه؛ بحيث يُذكر اللفظ ويُشار به إلى المعنى. فما يحدث في الوضع هو قوة محضة، وفعليته تكون بواسطة الاستعمال (الإيرواني، 1422: 12). الفرق بين الاستعمال والدلالة هو أن الدلالة ترتبط بالسامع، بحيث ينتقل عند سماع اللفظ إلى المعنى بسبب العلقة الموجودة بين اللفظ والمعنى، أما الاستعمال فهو فعل المتكلم الذي يحضر المعنى في ذهن السامع باستخدام اللفظ بسبب العلاقة الموجودة بين اللفظ والمعنى؛ لذا، نقطة الاشتراك بين الاستعمال والدلالة هي أن كليهما مبني على الوضع. أما حقيقة الاستعمال، فهي موضوع نشأ حوله بحث ونقاش، وفي هذا المجال يوجد رأيان:

1. فناء اللفظ في المعنى

وفقًا لهذا الرأي، يكون المستعمل (اللفظ) فانيًا في المعنى؛ بحيث مع وجود الالتفات إلى المعنى لا يوجد أي التفات إلى اللفظ، ويكون مغفولاً عنه عند الاستعمال؛ مثل المرآة بالنسبة للصورة المنعكسة فيها. في هذه الحالة، الشيء الوحيد الذي يُلتفت إليه هو الصورة نفسها، ولا يوجد أي التفات إلى المرآة نفسها وخصائصها، وإذا التُفت إلى المرآة نفسها، غُفل عن الصورة. الشاهد على هذه النظرية هو أن حُسن وقُبح المعنى يسري إلى اللفظ (الخراساني، 1440: 1/ 56-57).

2. علامية اللفظ للمعنى

وفقًا لهذا الرأي، اللفظ علامة لإظهار المعنى؛ مثل العلامات التي توضع في الطرقات لبيان أن الطريق مغلق أو مفتوح، ومثل الإشارات التي يستخدمها من لا قدرة لهم على الكلام لتفهيم مرادهم. بناءً على هذا المبدأ، ليس من الضروري أن يُلحظ اللفظ بشكل آلي، بل يمكن تصوره بشكل مستقل وفي نفس الوقت نقل المعنى المراد. الشاهد على هذا المعنى هو أن الخطباء والشعراء عند إلقاء خطبة أو قصيدة بليغة ينظرون إلى الألفاظ وتركيبها بشكل استقلالي ويلتفتون إليها (الخوئي، 1407: 1/ 208). وقد اعترض البعض على هذه النظرية بقولهم إن دلالة الألفاظ تصورية، أي مجرد تصور اللفظ يوجب تصور المعنى، أما دلالة العلامات فتصديقية، أي وجود العلامة يدل على وجود ذي العلامة؛ لذا، لا يمكن أن تكون حقيقة الاستعمال علامية (روحاني، 1413: 1/ 69). في الرد على هذا الإشكال، يجب القول إن دلالة العلامة ليست دائمًا على نحو الدلالة التصديقية، بل تكون أحيانًا على نحو الدلالة التصورية، مثل العلامات التي يستخدمها فاقدو القدرة على الكلام لتفهيم مقاصدهم، والتي تعد دلالة تصورية. الفرق الوحيد بين دلالة الألفاظ ودلالة العلامات يكمن في شدة الأنس الذهني بها. عندما يتكلم شخص بلغته الأم، فإنه بسبب شدة الأنس الذي أقامه ذهنه بين الألفاظ ومعانيها، لا يلتفت إلى الألفاظ تفصيلاً، بل يكون التفاته إليها ارتكازيًا وإجماليًا.

3. التلازم بين حقيقة الوضع والاستعمال

قال البعض بالتلازم بين حقيقة الوضع وحقيقة الاستعمال؛ على سبيل المثال، قال المحقق الخوئي بوجود تلازم بين نظرية التعهد في باب الوضع ونظرية العلامية في باب الاستعمال (الخوئي، 1407: 1/ 207). ولكن يبدو أنه لا يوجد تلازم بينهما، بل يمكن القول إن حقيقة الاستعمال هي الفناء، وفي نفس الوقت اعتبار حقيقة الوضع هي التعهد؛ لأن محصول الوضع – بصرف النظر عن حقيقته – هو العلاقة والارتباط بين اللفظ والمعنى، وأن اللفظ يكتسب قابلية الكشف عن المعنى، ولكن في مرحلة الاستعمال، البحث يدور حول ما إذا كان اللفظ علامة أم مرآة؟ ولا فرق في حقيقة الوضع، ولا يوجد تلازم بين القول بالتعهد في الوضع والقول بالعلامية في الاستعمال. الشاهد على هذا المطلب هو أن البحث عن استعمال اللفظ في عدة معانٍ أعم من أن تكون تلك المعاني حقيقية أو مجازية، بينما بناءً على القول بالتلازم بين حقيقة الاستعمال وحقيقة الوضع، لا ينبغي أن يكون هناك نزاع في المعاني المجازية. مع الحفاظ على هذه المقدمات، نتناول دراسة الإمكان العقلي لاستعمال اللفظ في عدة معانٍ، ثم في المرحلة التالية ندرس إمكانه الأدبي، وفي المرحلة الأخيرة نتطرق إلى وقوعه.

الإمكان العقلي لاستعمال اللفظ في عدة معانٍ

فيما يتعلق بالإمكان العقلي لاستعمال اللفظ في معانٍ متعددة، ذهب البعض إلى الجواز والبعض الآخر إلى عدم الجواز. نعرض أولاً أدلة القائلين بالاستحالة ثم إشكالات المخالفين.

1. رأي الآخوند الخراساني

حقيقة الاستعمال ليست علامية اللفظ للمعنى حتى يقال إنه لا إشكال في علامية لفظ واحد لمعنيين، بل حقيقة الاستعمال هي أن يفنى اللفظ في المعنى ويصبح عنوانًا له؛ بحيث يبدو وكأن المعنى نفسه هو الذي أُلقي. لهذا السبب يسري حسن وقبح المعنى إلى اللفظ. ولحاظ اللفظ فنائيًا وعنوانيًا لمعنى واحد يتنافى مع فنائه في معنى آخر مع فرض وحدة اللحاظ؛ لأن لحاظ اللفظ الفنائي تابع للحاظ المعنى ويوجب فناء اللفظ في المعنى؛ كما يفنى الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون. مع هذه الأوصاف، كيف يمكن في استعمال واحد إرادة معنى آخر أيضًا من اللفظ، بينما لازم إرادة معنيين حصول لحاظ آخر؟ لذا، فناء لفظ واحد في معنيين في آن واحد غير ممكن عقلاً (الخراساني، 1440: 1/ 56-57). هذا الاستدلال فيه إبهام، ويمكن استخلاص ثلاثة برداشتات من كلامه:

1-1. البرداشت الأول

مدار كلامه في الاستعمال هو أن ماهية الاستعمال هي فناء اللفظ في المعنى، واللفظ بعد فنائه في المعنى الأول لا وجود له سوى وجود المعنى الأول، ولا يمكنه أن يفنى في معنى ثانٍ. يرد على هذا البرداشت ثلاثة نقود: الأول) على الرغم من أن اللفظ عنوان تبعي بالنسبة للمعنى، إلا أن ماهية الاستعمال ليست فناء اللفظ في المعنى، ولو كانت نظرية الفناء صحيحة لما كان لحسن وقبح اللفظ دخل في إلقاء المعنى، بينما نلاحظ أن الخطيب يسعى في إلقاء مطالبه إلى استخدام ألفاظ جميلة، وهذا يدل على دخل حسن وقبح اللفظ في إلقاء المعنى. الثاني) اللفظ من مقولة الكيفيات المسموعة والمعنى من مقولة الجواهر، ولا يمكن أن يفنى اللفظ في المعنى، بينما هما من مقولتين متباينتين. الثالث) على فرض أن ماهية الاستعمال هي فناء اللفظ في المعنى، فلا مانع من فناء اللفظ في معنيين؛ لأن المعنيين في رتبة واحدة ولا يوجد تقدم وتأخر رتبي بينهما (الفاضل اللنكراني، 1430: 1/ 348-349).

1-2. البرداشت الثاني

يُلحظ المعنى عند الاستعمال لحاظًا استقلاليًا، وعندما يكون المعنى متعددًا، يكون اللحاظ الاستقلالي المتعلق به متعددًا أيضًا، ومن جهة أخرى، لحاظ اللفظ تابع للحاظ المعنى، وعندما يُستعمل اللفظ في معنيين، سيكون اللفظ تابعًا لهما، ويلزم أن يجتمع في لفظ واحد لحاظان آليان تبعيان، وهذا محال. هذا البرداشت، وإن كان أكثر انسجامًا مع كلام الآخوند الخراساني، إلا أنه غير مقبول؛ لأن لحاظ اللفظ والمعنى في نظر المتكلم يختلف عن لحاظهما في نظر السامع. فالمولى قبل إصدار الأمر يلاحظ المعنى ويلتفت إليه، ولكن التفاته إلى اللفظ يكون حين صدور الأمر وتفهيم المراد، ويلحظ اللفظ تبعًا للمعنى، ولا دليل على أن اللحاظ التبعي يتعدد أيضًا، بل يلحظ اللفظ بلحاظ تبعي واحد. لذا، يلحظ أولاً المعنيين ثم يلقيهما بلفظ واحد، وتعدد الملحوظ باللحاظ الاستقلالي لا يستلزم تعدد الملحوظ باللحاظ التبعي. أما السامع، فبخلاف المتكلم، ينتقل من اللفظ إلى المعنى؛ لأن لحاظ المعنى عنده تابع للحاظ اللفظ، وإذا كان اللفظ دالاً على معنيين، ينتقل من اللفظ إلى المعنيين، دون أن يلزم استحالة. لذا، لازم كون لحاظ اللفظ تبعيًا ليس اجتماع لحاظين في لفظ واحد (الإمام الخميني، 1415: 1/ 182).

1-3. البرداشت الثالث

مدار كلامه على أصل اللحاظ لا على استقلاليته و تبعيته؛ أي أن معيار تعدد اللحاظ في اللفظ هو تعدده في المعنى، وعندما يتعدد اللحاظ في جانب المعنى، يجب أن يتعدد اللحاظ في جانب اللفظ أيضًا. هذا البرداشت أيضًا لا يبدو صحيحًا؛ لأنه عندما يقال: «رأيت عينًا» والمقصود هو العين الباصرة، ثم بعد فترة يقال مرة أخرى: «رأيت عينًا» والمراد هو العين الباصرة أيضًا، ففي هذه الحالة، على الرغم من تعدد اللحاظ، إلا أن المعنى واحد. لذا، يجب أن نغير المعيار ونقول إن تعدد اللحاظ في جانب اللفظ تابع لتعدد الاستعمال، وعندما يكون الاستعمال واحدًا، يكفي لحاظ واحد، وإن كان المعنى متعددًا، وعندما يكون الاستعمال متعددًا، يكون اللحاظ متعددًا أيضًا (الفاضل اللنكراني، 1430: 1/ 350).

2. رأي المحقق النائيني

حقيقة الاستعمال ليست سوى إيجاد المعنى باللفظ وإلقائه إلى المخاطب في الخارج؛ ولهذا السبب لا يرى المخاطب شيئًا سوى المعنى؛ لأن المعنى ملحوظ أولاً وبالذات، أما اللفظ فملحوظ بالتبع وفانٍ في المعنى. لذا، لازم استعمال اللفظ في معنيين على نحو الاستقلال هو تعلق اللحاظ الاستقلالي في آن واحد بكل من المعنيين – كما لو استُعمل اللفظ في معنى واحد فقط – ومعلوم أن النفس لا تستطيع الجمع بين لحاظين مستقلين في آن واحد، ولا شك أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى يستلزم هذا المحذور، وما يكون لازمه محالاً فهو محال أيضًا (النائيني، 1352: 1/ 51). هذا البيان أيضًا لا يخلو من إشكال؛ لأن النفس جوهر بسيط ولها صفحة واسعة وقادرة على الجمع بين لحاظين مستقلين. ولهذا المطلب عدة شواهد: 1. بمراجعة أنفسنا نجد أن النفس قادرة على تصور عدة أمور متضادة أو متماثلة في آن واحد بشكل مستقل. 2. قدرة النفس على استخدام عدة قوى في آن واحد مثل السمع والبصر واللمس أمر لا يمكن إنكاره، ولا يمكن الادعاء بأن النفس لا تستطيع أن يكون لها عدة لحاظات مستقلة؛ لأن النفس لها قوة تفوق قوة الموجودات المادية (الخوئي، 1417: 1/ 206).

3. رأي المحقق الأصفهاني

وفقًا لهذا الرأي، يُتصور للمفاهيم والماهيات خمسة وجودات:

  1. الوجود العيني الخارجي؛
  2. الوجود الذهني؛
  3. الوجود الإنشائي (في المفاهيم الإنشائية)؛
  4. الوجود الكتبي؛
  5. الوجود اللفظي.

تحقق العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى يقتضي أن يكون اللفظ وجودًا تنزيليًا للمعنى. مثلاً، الوجود الخارجي لزيد هو مصداق واقعي لماهية الإنسان، أما لفظ «زيد» فهو وجود تنزيلي لتلك الماهية، وإن كان هذا اللفظ نفسه وجودًا خارجيًا ومصداقًا واقعيًا لماهية اللفظ؛ بعبارة أخرى، لا شك أن قضية «زيد إنسان» هي قضية حملية بالحمل الشائع الصناعي الذي ملاكه الاتحاد الوجودي بين الموضوع والمحمول.

كذلك قضية «زيد لفظ» التي موضوعها لفظ «زيد» هي قضية بالحمل الشائع الصناعي. في هذه القضية، لفظ «زيد» (الموضوع) عندما يُلحظ بالنسبة لماهية «اللفظ» (المحمول)، يتحقق بينهما اتحاد وجودي. إذن، هذا اللفظ مصداق واقعي لماهية اللفظ، كما أن معناه مصداق واقعي لماهية الإنسان، ولكن مع ذلك، لفظ «زيد» هو أيضًا مرتبة من مراتب معناه ووجود تنزيلي له.

اجتماع وجودين واقعيين في فرد واحد من المحالات؛ لأنه لا يمكن مثلاً أن يجتمع فردان من ماهية الإنسان في وجود واحد، لأن التعدد في الأفراد ملازم لتعدد الوجودات. عندما يكون حال الموجودات الحقيقية كذلك، يجب أن يكون حال الموجودات التنزيلية كذلك أيضًا، أي أن لفظًا واحدًا لا يمكن أن يكون وجودًا تنزيليًا لمعنيين؛ وبالتالي، استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى محال (الأصفهاني، 1429: 1/ 152).

يبدو أن هذا الرأي قابل للمناقشة من جهتين:

الأولى) تقسيم وجود الماهيات والمفاهيم إلى خمسة أقسام مذكورة لا دليل عقليًا ولا نقليًا عليه، وهو مجرد مطلب ذوقي في مقام الخيال والتصور، وبحسب الواقع والدقة العقلية لا إمكان له.

الثانية) على فرض أن اللفظ وجود تنزيلي للمعنى، فلا يوجد دليل على أن اجتماع وجودين تنزيليين في فرد واحد محال كاجتماع وجودين واقعيين في فرد واحد، ومساواة الوجود الواقعي بالوجود التنزيلي تحتاج إلى دليل، بينما لا يوجد دليل على هذا الأمر.

4. الرأي المختار

علينا أن نبحث جواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ في فرضين:

4-1. في الفرض الأول

فرض استعمال اللفظ في عدة معانٍ بلحاظ واحد وفي آن واحد. في هذا الفرض – الذي كان محل نزاع العلماء وبُحث في الكتب الأصولية – يمكن القول بجواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ لسببين: الأول) لإثبات الاستحالة، لا بد من اعتبار حقيقة الاستعمال هي فناء اللفظ في المعنى، بينما هذا المبنى خلاف الوجدان؛ لأنه لو كانت حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى، لكان يجب دائمًا أن تكون هناك حالة غفلة وعدم التفات إلى اللفظ، ولكننا نلاحظ بالوجدان أن اللفظ يُلتفت إليه تفصيلاً أو إجمالاً، وهذا لا يتوافق مع مبنى الفناء. وكما مر، القول الصحيح في حقيقة الاستعمال هو علامية اللفظ للمعنى، وبناءً على هذا المبنى، يُلتفت إلى اللفظ في بعض الاستعمالات تفصيلاً وفي بعضها الآخر إجمالاً، ولا يلزم أن يكون اللفظ ملحوظًا تفصيلاً دائمًا. الثاني) على فرض أننا نعتبر حقيقة الاستعمال هي فناء اللفظ في المعنى، فإن هذا الفناء ليس فناءً حقيقيًا، لأن اللفظ الحقيقي الذي يخرج من الفم ليس فانيًا بالوجدان؛ لذا، المقصود بالفناء هو الفناء الاعتباري، وفي هذه الحالة، لا استحالة في فناء اللفظ في عدة معانٍ؛ لأن الفناء اعتباري، واعتبار فناء اللفظ في عدة معانٍ لا محذور فيه؛ لأن الأمور الاعتبارية بيد المعتبر، ويمكنه بالاعتبار أن يفني لفظًا واحدًا في عدة معانٍ.

4-2. في الفرض الثاني

فرض استعمال اللفظ في عدة معانٍ بلحاظ متعدد أو في آنات متعددة. هذا الفرض، وإن كان خارجًا عن بحث العلماء والجميع متفق على جواز الاستعمال فيه، إلا أنه في اعتقادنا لا إشكال في طرح استعمال اللفظ في عدة معانٍ في هذا الفرض، ولا يوجد دليل على حصر البحث في الفرض الأول. أليس هدفنا في هذا البحث هو الإجابة على هذا السؤال: هل يمكن للمتكلم أن يريد من لفظ واحد معنيين؟ فما الدليل على تقييد البحث بلحاظ واحد وآن واحد؟ عندما يوجد هذا الإمكان بأن يريد المتكلم من لفظ واحد معنيين بلحاظين وفي آنين، يمكننا أن نحتمل في الألفاظ الواردة في كلام المتكلم أنه أراد من هذا اللفظ معنيين. بعبارة أخرى، في عالم الواقع، استعمال اللفظ في عدة معانٍ لا يقتصر على حالة وحدة اللحاظ ووحدة الزمان، بل في حالة تعدد اللحاظ وتعدد الزمان أيضًا يمكن استعمال اللفظ في عدة معانٍ. لذا، يمكن القول إن استعمال اللفظ في عدة معانٍ ممكن. بالإضافة إلى الأدلة التي قُدمت لإثبات الجواز، يمكن إضافة أن أفضل دليل على إمكان استعمال اللفظ في عدة معانٍ هو وجود شواهد في كلام العرب تدل على استعمال لفظ واحد في عدة معانٍ، وكما سيأتي، لا يرد إشكال على هذه الشواهد.

الإمكان اللغوي لاستعمال اللفظ في عدة معانٍ

لقد بحثنا حتى الآن مسألة استعمال اللفظ في أكثر من معنى من حيث الإمكان العقلي، وبيّنا أدلة القائلين بالاستحالة وإشكالات القائلين بالإمكان. لو توصلنا في المرحلة الأولى إلى أن هذه المسألة محالة عقلاً، لما وصلت النوبة إلى المرحلة الثانية، ولكن بما أننا قلنا بالجواز العقلي، يجب أن نتابع البحث في المرحلة الثانية أيضًا. في هذه المرحلة، يجب أن نثبت أن مثل هذا الاستعمال صحيح لغويًا أيضًا. بعبارة أخرى، يجب أن نجيب على هذا السؤال: هل أذن لنا الواضع بمثل هذا الاستعمال أم لا؟ يعتقد القائلون بالجواز الأدبي أن الواضع بعلم والتفات وضع لفظًا واحدًا بوضعين متعددين لمعانٍ متعددة، ولم يرد منه أي شرط أو تعهد يمنع من استعمال اللفظ في عدة معانٍ، بل إن نفس وضع الواضع للفظ لعدة معانٍ يقتضي جواز استعماله في عدة معانٍ (اللنكراني، 1430: 1/ 354). أما المحقق القمي فيعتقد أنه على الرغم من أن الواضع لم يضع اللفظ بشرط الوحدة وعدم اقترانه بشيء آخر، إلا أن الوضع قد تم في حالة الانفراد، وعلينا في استعمالاتنا أن نتبع هذا النهج من الواضع (القمي، 1378: 1/ 63-64). باعتقاده، ليس من الضروري أن يصرح الواضع عند الوضع بعدم جواز استعمال اللفظ في عدة معانٍ ويقول مثلاً: «لقد وضعت لفظ العين للنبع بقيد الوحدة، ووضعت هذا اللفظ للعين الباصرة بقيد الوحدة»، بل إن الواضع عند الوضع يلاحظ اللفظ والمعنى في حال الوحدة، وفي هذه الحالة يقوم بالوضع، وهذا المقدار كافٍ لعدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى؛ لأننا في الاستعمال يجب أن نكون تابعين للوضع، وكون المعاني ملحوظة بقيد الوحدة عند الوضع يقتضي أن نستعمل الألفاظ كذلك؛ ولهذا السبب، لا يجوز استعمال اللفظ في أكثر من معنى. ولكن يبدو أن كبرى استدلال المحقق القمي مخدوشة؛ لأنه على فرض أننا نقبل بأن المعنى عند الوضع كان في حال الوحدة، إلا أننا لا نقبل بأن جميع خصوصيات حال الوضع يجب أن تراعى في زمان الاستعمال أيضًا؛ لأنه لو كان الأمر كذلك، لكان يجب مراعاة جميع خصوصيات شخص الواضع وحالاته وزمان ومكان الوضع أيضًا؛ مثلاً، لو كان الواضع عند الوضع مستقبل القبلة، لكان يجب على المتكلم عند الاستعمال أن يكون مستقبلاً للقبلة أيضًا. لذا، عند الاستعمال يجب فقط مراعاة الأمور التي شرطها وقيدها الواضع، ومراعاة حالات الوضع والواضع ليست لازمة.

وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى

بعد أن ثبت أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا مانع منه عقليًا ولغويًا، يُطرح هذا السؤال: هل وقع مثل هذا الاستعمال أم لا؟ قبل الدخول في هذا البحث، يجب ذكر مطلب كمقدمة: التورية نوعان: 1. التورية البديعية: وهي إطلاق لفظ وإرادة عدة معانٍ متساوية في الظهور. مثل هذا البيت العربي: «خاط لي عمرو قباء * ليت عينيه سواء». في هذا البيت، ليس معلومًا ما إذا كان الشاعر يقصد المدح أم الذم، والمراد الجدي والاستعمالي متعدد. 2. التورية العرفية: وهي إطلاق لفظ له معنيان، أحدهما ظاهر والآخر خفي، والمراد الجدي هو المعنى الخفي، ولكن ما يتبادر إلى ذهن المخاطب هو المعنى الظاهر. مثلاً، حسب نقل تاريخي، طلب أحد الخوارج من أحد الشيعة أن يتبرأ من الإمام علي (ع) وعثمان، فقال ذلك الشيعي: «أنا من علي ومن عثمان بريء». الغرض من ذكر هذه المقدمة هو التذكير بأن ما يمكن أن يكون محلاً للاستشهاد في بحث استعمال اللفظ في عدة معانٍ هو الاصطلاح البديعي، ولا ينبغي الخلط بين هذين الاصطلاحين (السيستاني، 1414: 189). مع حفظ هذه المقدمة، نتابع بحثنا في مقامين: 1. كلمات الأدباء والشعراء؛ 2. في لسان القرآن والروايات.

1. في كلمات الأدباء والشعراء

ذكر القائلون بجواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى عدة شواهد لوقوع هذا النوع من الاستعمال: الأول) أنشد شاعر في مدح النبي المكرم (ص) قائلاً: المرتمي في دجى والمبتلى بعمى * والمشتكي ظمأ والمبتغي ديناً يأتون سدته من كل ناحية * ويستفيدون من نعمائه عيناً في هذا الشعر، استُخدم لفظ «عين» في أربعة معانٍ: 1. الشمس، وهو ما يناسب عبارة «المرتمي في دجى»؛ 2. النبع، وهو ما يناسب عبارة «المشتكي ظمأ»؛ 3. العين الباصرة، وهو ما يناسب عبارة «المبتلى بعمى»؛ 4. الفضة أو الذهب، وهو ما يناسب عبارة «المبتغي ديناً». ب) أنشد شاعر آخر قائلاً: أي المكان تروم ثم من الذي * تمضي له فأجبته المعشوقا الشاعر في جواب من يسأله إلى أين تذهب؟ يجيب: «إلى المعشوق». في هذا البيت، أُريد من كلمة «المعشوق» معنيان: 1. المعنى الاشتقاقي، وهو محبوبه؛ 2. المعنى الاسمي، وهو اسم قصر المتوكل في سامراء (النجفي الأصفهاني، 1413: 87). هذان المثالان وعبارات مشابهة أخرى تدل على أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا يمنعه مانع عقلي أو وضعي فحسب، بل هو موجود في كلمات أدباء العرب أيضًا.

1-1. نقد الاستشهادات الأدبية

اعترض البعض على هذه الاستشهادات وقالوا إن هذه الألفاظ التي تدعون أنها استُعملت في أكثر من معنى، هي في الحقيقة استُعملت في معنى واحد، وهناك احتمالان في هذا الصدد: 1. استُعملت في الجامع العنواني بين المعاني المتعددة؛ مثلاً، لفظ «عين» في المثال الأول استُعمل بمعنى «المسمى بالعين». 2. استُعملت في الجامع الاعتباري، أي مفهوم مجموع المعاني على نحو مركب. مع وجود هذين الاحتمالين، لن يكون الاستدلال على وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى مقبولاً؛ لأن هذين الاحتمالين خارجان عن محل النزاع وجوازهما متفق عليه.

1-2. الرد على نقد الاستشهادات الأدبية

يمكن الرد على هذا النقد بطريقتين: 1. ظاهر البيتين اللذين ذُكرا في مدح النبي (ص) هو في مقام بيان تعدد الطالب والطلب بالنسبة إليه، ومقتضى هذا التعدد هو التعدد في المطلوب، وحسب الذوق الأدبي ليس من الجميل أن يُراد معنى واحد فقط. بالإضافة إلى ذلك، ليس من الصحيح أن يكون مطلوب هؤلاء المحتاجين هو عنوان «المسمى بالعين»؛ لأن المعاني الواقعية لهذا اللفظ هي التي تقضي حاجاتهم. 2. على فرض أن الإشكال يرد على بعض الأمثلة، إلا أنه لا يمكن إيراده على بعض الأمثلة الأخرى. مثلاً، في جملة «قلب بهرام ما رهب»، لا يمكن بأي وجه القول إن كلمة «قلب» استُعملت في جامع عنواني أو جامع اعتباري.

2. في النصوص القرآنية والروائية

استعمال اللفظ في أكثر من معنى في القرآن والروايات بعيد؛ لأن هذا النوع من الاستعمالات أشبه بالمعمى منه بالكلام الجدي، وطريقة العقلاء عند بيان المطالب الإرشادية وجعل الأحكام هي استخدام كلمات تُفهم بسهولة ولا تكون معقدة وملتوية. ولو استخدم المرشد والمشرع استعمالات شبيهة بالمعمى، لكان ذلك خلاف الحكمة؛ لأنه يكون قد عمل خلاف غرضه وأوقع مخاطبيه في حيرة. بالطبع، لو أتى بقرينة واضحة وقطعية على مثل هذا الاستعمال، فلا إشكال عليه، ولكن في غير هذه الصورة، لا يمكننا حمل كلامه على استعمال اللفظ في أكثر من معنى، بل في مثل هذه الموارد يجب الحكم بالإجمال. مثلاً، في خصوص التيمم، أُمر بالتيمم على «صعيد». لو فرضنا أن هذا اللفظ مشترك لفظي بين التراب والحجر، فعلى الرغم من أنه يمكن، بالاستناد إلى عدم وجود قرينة على أحد المعنيين، الحكم بالاستعمال في كلا المعنيين، إلا أننا بمراجعة أشباه ونظائر هذه المسألة، وكذلك الارتكاز والوجدان، نجد أن الوظيفة في مثل هذه الموارد هي الحكم بالإجمال، لا الاستعمال في عدة معانٍ. فرضاً أن المولى أمر قائلاً: «اضرب ابني زيدًا»، بينما له ابنان باسم زيد. في مثل هذه الحالة، لا يُحكم بضرب كليهما، بل يُحكم بالتوقف (الخميني، 1418: 1/ 301).

النتيجة

افترض علماء الأصول في طرح مسألة الجواز العقلي لاستعمال اللفظ في عدة معانٍ، أن المسألة في حالة خاصة، وهي استعمال اللفظ في عدة معانٍ بلحاظ واحد وفي آن واحد. إذا أردنا بحث المسألة في هذه الصورة فقط، فسنقول بالجواز لدليلين؛ أولاً، لأن حقيقة الاستعمال ليست سوى كون اللفظ علامة للمعنى، ولفظ واحد يمكن أن يكون علامة لمعنيين. وثانيًا، على فرض قبول فناء اللفظ في المعنى عند الاستعمال، فإن هذا الفناء اعتباري، واعتبار فناء لفظ واحد في معنيين لا محذور فيه. بالإضافة إلى ذلك، نعتقد أن حصر صورة المسألة في استعمال اللفظ في عدة معانٍ بلحاظ واحد وفي آن واحد لا دليل عليه؛ لأن هدفنا من طرح هذا البحث هو: هل يمكن استنباط معنيين مستقلين من كلام المتكلم أم أن ذلك محال؟ وبما أن المتكلم يستطيع إرادة معنيين بلحاظين أو في آنين، فبالتالي يمكننا أن نطرح البحث في هذه الحالة أيضًا، وفي هذه الصورة، لا شك أن استعمال اللفظ في عدة معانٍ ممكن. ومن الناحية الأدبية، ثبت أيضًا أن استعمال اللفظ في معانٍ متعددة ليس ممكنًا فحسب، بل وقع أيضًا في الأشعار والنثر الأدبي. أما في القرآن والروايات، التي هي في مقام الإرشاد أو جعل الأحكام، فإن استخدام لفظ واحد في عدة معانٍ دون نصب قرينة يوجب نقض الغرض؛ لأن مثل هذه العبارات بدلاً من أن ترشد المخاطب إلى المطلوب، توقعه في الحيرة والارتباك. لذا، في الآيات والروايات التي يُحتمل فيها عدة معانٍ، إذا وُجدت قرينة على أحد المعاني، حُمل عليه، وفي غير هذه الصورة، يُحكم بالإجمال.

قائمة المصادر

القرآن الكريم

الأصفهاني، محمد حسين، نهاية الدراية في شرح الكفاية، بيروت، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الثانية، 1429هـ.

الإيرواني، علي، الأصول في علم الأصول، قم، دفتر التبليغات الإسلامي، الطبعة الأولى، 1422هـ.

ـــــ، نهاية النهاية في شرح الكفاية، قم، دفتر التبليغات الإسلامي، الطبعة الأولى، 1370ش.

البروجردي، حسين، نهاية الأصول، طهران، نشر تفكر، الطبعة الأولى، 1380ش.

الحائري، عبد الكريم، درر الفوائد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1418هـ.

الحكيم، محمد سعيد، المحكم في أصول الفقه، قم، مؤسسة المنار، الطبعة الأولى، 1414هـ.

الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة العاشرة، 1440هـ.

الخميني، السيد روح الله، جواهر الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1376ش.

ـــــ، مناهج الوصول، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1415هـ.

الخميني، السيد مصطفى، تحريرات في الأصول، قم، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، الطبعة الأولى، 1418هـ.

الخوئي، السيد أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، قم، دار الهادي للمطبوعات، الطبعة الرابعة، 1417هـ.

ـــــ، مصباح الأصول، قم، مكتبة الداوري، الطبعة الأولى، 1422هـ.

الروحاني، السيد محمد، منتقى الأصول، قم، مكتب آية الله السيد محمد الروحاني، الطبعة الأولى، 1413هـ.

السبحاني، جعفر، المبسوط في أصول الفقه، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، الطبعة الأولى، 1432هـ.

السيستاني، السيد علي، الرافد في علم الأصول، قم، ليتوغرافيا حميد، الطبعة الأولى، 1414هـ.

الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة دائرة المعارف الفقه الإسلامي، الطبعة الثالثة، 1417هـ.

صنقور، محمد، المعجم الأصولي، قم، منشورات الطيار، الطبعة الثانية، 1428هـ.

الطوسي، محمد بن حسن، العدة في أصول الفقه، قم، محمد تقي علاقبنديان، الطبعة الأولى، 1417هـ.

العراقي، ضياء الدين، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1420هـ.

العلامة الحلي، حسن بن يوسف، تهذيب الوصول إلى علم الأصول، لندن، مؤسسة إمام علي (ع)، الطبعة الأولى، 1380ش.

ـــــ، مبادئ الوصول إلى علم الأصول، قم، مطبعة العلمية، الطبعة الأولى، 1404هـ.

علم الهدى، علي بن الحسين، الذريعة إلى أصول الشيعة، طهران، جامعة طهران، الطبعة الأولى، 1376ش.

الفاضل اللنكراني، محمد، أصول فقه الشيعة، قم، مركز فقهي أئمة أطهار (ع)، الطبعة الأولى، 1381ش.

ـــــ، دراسات في الأصول، قم، مركز فقهي أئمة أطهار (ع)، الطبعة الأولى، 1430هـ.

ـــــ، سيري كامل در أصول فقه، قم، فيضية، الطبعة الأولى، 1377ش.

القديري، محمد حسن، رسالة في حقيقة الوضع والاستعمال، قم، منظمة الحج والأوقاف، الطبعة الأولى، 1409هـ.

القمي، أبو القاسم، قوانين الأصول، طهران، مكتبة العلمية الإسلامية، الطبعة الثانية، 1378ق.

المحقق الحلي، جعفر بن حسن، معارج الأصول، لندن، مؤسسة إمام علي (ع)، الطبعة الأولى، 1423هـ.

النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، قم، مطبعة العرفان، الطبعة الأولى، 1352ش.

النجفي الأصفهاني، محمد رضا، وقاية الأذهان، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، الطبعة الأولى، 1413هـ.

Scroll to Top