دراسة مفهوم الارتكاز وتبيين وظائفه

الملخص

يعد مفهوم الارتكاز أحد المفاهيم التي خضع تأثيرها في إثبات الأحكام الشرعية في العصور المتأخرة لدراسة بعض الأعلام. الارتكاز هو رؤية فكرية وأساس ذهني لدى الإنسان تجاه مسألة ما، وهو ذو حالة كامنة لا يمكن التخلي عنها بسهولة. إن تمييز مفهوم الارتكاز عن سائر المفاهيم المشابهة له أمر مهم لتحديد مفهومه، وفي ظل هذا التحديد المفهومي يمكن تبيين وظائف الارتكاز على نحو صحيح. تسعى هذه المقالة من خلال تبيين مفهوم الارتكاز من وجهة نظر بعض الأعلام إلى تمييزه عن مفاهيم أخرى مثل السيرة، ومن ثم تتناول بالبحث بعض وظائفه المهمة. يمكن ذكر وظائف الارتكاز في ثلاثة أقسام كلية، وهي: الوظيفة في استنباط الأحكام الشرعية بصورة غير مستقلة كتضييق الحكم أو تعميمه، ووظيفة الارتكاز في استنباط الأحكام الشرعية بصورة مستقلة، ووظيفة الارتكاز في إثبات المسائل الأصولية، وقد تم بيان تطبيقات لكل من هذه الوظائف في هذه المقالة.

المقدمة

في علم أصول الفقه، بوصفه علماً يبحث في القواعد اللازمة لاستنباط الأحكام الشرعية، تُبحث الأحكام ضمن فئتين من الأدلة: الأدلة اللفظية والأدلة غير اللفظية. تشمل الأدلة اللفظية القرآن الكريم وروايات المعصومين (عليهم السلام)، حيث تُبحث أحكامها في إطار مباحث حجية الظواهر وحجية خبر الواحد. أما الأدلة غير اللفظية، فتضم موارد مثل سيرة العقلاء والمتشرعة والعقل والإجماع، وقد بُحثت حجيتها أيضاً في علم أصول الفقه. ورغم أن الفقهاء يعتمدون غالباً على الأدلة اللفظية لاستنباط الأحكام الشرعية، فإنه ينبغي الالتفات إلى أن للأدلة غير اللفظية، كالسيرة، مكانة خاصة، لا سيما في استنباط الأحكام المستحدثة. ومن هنا، يبرز بحث ماهية أمور كالارتكاز ووظائفه ضرورته، إذ يمكن من خلال المعرفة الدقيقة بمكانة الارتكاز وأمثاله في الموضوعات التي قد لا يتوفر فيها دليل لفظي من آيات وروايات، الاستفادة منه في استنباط الأحكام الشرعية بواسطة أو بدون واسطة. بمراجعة كلمات الفقهاء، وخاصة المعاصرين، نواجه مصطلحاً جديداً باسم الارتكاز، والذي استُخدم في كلماتهم خلال القرنين الأخيرين، بل وتمسكوا به في بعض الموارد بصورة مستقلة. ورغم وجود بحوث حول مفهوم الارتكاز في آثار بعض الفقهاء المتأخرين، كالشهيد الصدر وآية الله السيستاني، إلا أنه بناءً على استقراء كاتب هذا البحث، لا يوجد بيان منسجم أولاً لتحديد مفهوم الارتكاز، وثانياً لوظائفه المختلفة لدى هؤلاء الأعلام، وخاصة أن تطبيقات الارتكاز المتنوعة في كلماتهم لم تنعكس بصورة كاملة. وفيما يتعلق ببحث الارتكاز، نُشرت مقالات أيضاً، نشير إلى أسمائها وأوجه تميزها عن المقالة الحاضرة: 1. مقالة “مكانة الارتكاز في فهم الأحكام الشرعية” (حسين عندليب)؛ ما كان محط النظر في هذه المقالة بشكل أكبر هو دراسة العلاقة بين الارتكاز والانصراف والقياس وتنقيح المناط، أما فيما يتعلق بدراسة العلاقة بين الارتكاز وبعض المفاهيم المتقاربة كالسيرة التي تناولها البحث الحاضر، فلم يُبحث في تلك المقالة. 2. مقالة “قرينة الارتكاز وفعاليتها في حل المسائل الفقهية الجديدة” (رضا إسلامي)؛ في هذه المقالة كان محور البحث قرينية الارتكاز، وتم تطبيق وظيفته غير الاستقلالية في موارد مختلفة. 3. مقالة “بحث في مفهوم وحجية ارتكاز المتشرعة في بيان فقهاء الشيعة” (قلعه جوقي)؛ في هذه المقالة كان محور البحث ارتكاز المتشرعة، وقد بيّنت بشكل متناثر بعض موارد الاستناد إلى الارتكاز. ما تم بحثه في هذا البحث ويميزه عن سائر المقالات في هذا المجال ويُعدّ من إبداعات هذه المقالة هو أولاً، أن مفهوم الارتكاز قد خضع للتحليل الدقيق وبُيّنت وجوه تمييزه عن سائر المفاهيم المتقاربة كالسيرة ومذاق الشريعة. وثانياً، تم تصنيف وظائف الارتكاز في ثلاثة محاور، هي: الوظيفة الاستقلالية في استنباط الأحكام الشرعية، والوظائف غير الاستنباطية والأصولية، مع ذكر أمثلة متعددة لكل من هذه الموارد الثلاثة، بينما في المقالات المشار إليها لم تُبحث وظائف الارتكاز بصورة تجميعية ومصحوبة بأمثلة متعددة، ولم يتم التصنيف بهذه الصورة في الكلمات أساساً. بالنظر إلى النقاط المذكورة أعلاه، سيتم في القسم الأول من المقالة بيان مفهوم الارتكاز، وفي القسم الثاني، سيُبحث الفرق بينه وبين بعض المفاهيم المتقاربة، وفي النهاية، سيتم تبيين وظائف الارتكاز المختلفة مع ذكر مصاديق متعددة.

1. دراسة مفهوم الارتكاز

1-1. المعنى اللغوي للارتكاز

الارتكاز من جذر “رَكَزَ” بمعنى غرس الشيء عمودياً، مثل غرس الرمح في الأرض بحيث يمكن الاعتماد عليه. (الفراهيدي، 1410: 5/20؛ الجوهري، 1410: 1/880؛ ابن منظور، 1414: 5/355). في بعض كتب اللغة، فُسّر “رَكَزَ” بالدفن أيضاً، وقالوا: “رَكَزَه رَكْزاً إِذا دَفَنَه، أَنَّه مَرْكُوزٌ في الأرض أى ثابتٌ ومَدْفُون”، وبناءً على هذا الفهم فُسّرت جملة “إِنَّه مَرْكُوز في العُقُول”. (الواسطي، 1414: 8/71). بالنظر إلى المعاني المذكورة، يمكن القول إن “ركز شيئاً في شيء” يعني وضع شيء في شيء آخر (لأن الدفن هو أيضاً وضع شيء خاص في الأرض)، فإذا ثبت شيء واستقر في شيء آخر، استُخدمت هذه الكلمة.

1-2. الارتكاز في الاصطلاح

رغم الإشارة إلى توضيح مفهوم الارتكاز في بعض المباحث كالحقيقة والمجاز في كتب مثل “كفاية الأصول” (الآخوند الخراساني، 1409: 18) وبعض شروحها (البروجردي، 1412: 1/57)، فإن مفهوم الارتكاز لم يُنقَّح كما ينبغي في كلمات الأصوليين. بالطبع، أولى بعض الأعلام المعاصرين اهتماماً أكبر بهذا الموضوع وقدموا تعريفات وتوضيحات في سبيل إزالة الإبهام عن هذا المفهوم. يعرّف آية الله السيستاني الارتكاز بقوله: “المراد بالارتكاز الفكرة الثابتة في الذهن الراسخة في عمقه بحيث يصعب رفع اليد عنه إحساساً، وإن اطلع على دليل على خلافه”. (الحسيني السيستاني، بيتا: 250). المراد بالارتكاز – طبقاً لهذا التعريف – هو معنى ثابت وراسخ في عمق الذهن، بحيث يكون قبول الشواهد المخالفة ورفع اليد عن الارتكاز أمراً صعباً جداً على الفرد حتى في حال ظهور علائم الخلاف. بعبارة أخرى، تتمتع المعارف الارتكازية بنوع من الاستقرار والثبات، وتقاوم الشواهد المخالفة لها بصورة نسبية. كذلك، يرى بعض المعاصرين أن الارتكاز هو رسوخ مفهوم خاص في ذهن جماعة أو أكثرية الناس أو جميعهم. (الشاهرودي، 1426: 345).

وقد قال البعض أيضاً في توضيح هذه المفردة: إن الارتكاز هو نوع من الشعور والإدراك لنوع الحكم، بحيث لا يعرف العقلاء أو المتشرعة منشأه ومصدره بصورة دقيقة وواضحة. (الحكيم، 1418: 194). بناءً على التعريفات السابقة، يجب القول في توضيح الارتكاز: إن المعلومات التصورية والتصديقية تكون أحياناً ذات حالة إجمالية (شبه خفية) وأحياناً تفصيلية. في النوع الأول، يعلم الإنسان بحقيقة ما، لكن المعلوم ليس واضحاً أو مشخصاً، لأن المعلومات الذهنية قد ترسخت في خزائن نفس الإنسان بشكل مبهم ومجمل. لهذا النوع من التصديقات خصائص؛ أولاً، نظراً لتمتعها بالاستحكام والرسوخ، فإنها تقاوم الموانع. ثانياً، إن عدم شفافيتها مقول بالتشكيك؛ أي أن خفاءها (بالنسبة للقضية) يقل أو يكثر، ومن جهة أخرى، يختلف مقدار عدم الوضوح باختلاف الأفراد. في النوع الثاني (الحالة التفصيلية)، توجد الإذعانات والتصديقات بصورة واضحة وشفافة في عالم الذهن. المراد بالارتكاز في الحقيقة هو المعرفة والمدركات التي تتصف بنوع من الإبهام وحالة الخفاء. الارتكاز هو تلك المدركات الذهنية التي تكون ثابتة ومستقرة نسبياً، وخفية ومجملة نسبياً. تكشف المعلومات الارتكازية عن حقيقة، وبسبب إبهامها وإجمالها، فإن تحويلها إلى علم تفصيلي يتطلب دقة وتركيزاً. يمكن للذهن الدقيق والمركز أن يستخرج من هذه الخزانة المتشابكة المليئة بالأمور الارتكازية، قيوداً ومسائل مختلفة ويجعلها شفافة. (الأعرافي، درس خارج، 99/12/24).

1-3. تقسيمات الارتكاز

1-3-1. الارتكازات العقلية

علومنا الارتكازية، سواء كانت تصورات أو تصديقات (التصديقات هي الأكثر أهمية ومحط النظر)، تكون أحياناً ارتكازات عقلية، والمراد بها المعارف المستندة إلى استدلالات نظرية وعقلية كامنة في نفس الإنسان. مستندات هذه الارتكازات العقلية قد تكون استدلالات عقلية واضحة، وقد تكون استدلالات نظرية وغير واضحة. الكثير من الاستدلالات المستخدمة في الفلسفة والرياضيات مبنية على هذا القسم من الارتكازات.

1-3-2. الارتكازات العلمية

المراد بالارتكازات العلمية هي الارتكازات الموجودة في مجالات الطبيعيات، والنجوم، والهيئة وأمثالها، والتي لا تندرج ضمن مباحث عقلية ونظرية مثل الرياضيات أو الفلسفة. (الأعرافي، درس خارج، 99/12/24).

1-3-3. الارتكازات العقلائية العامة والعرف العام

ارتكاز العرف العام هو نوع من الإدراك والشعور اللاواعي بمعلومات ترسخت في عمق أذهان أهل العرف، بحيث لا يكون منشأ ظهورها واضحاً لديهم؛ سواء تشكّل سلوك عملي في الخارج وفقاً لهذا الارتكاز العرفي أم لم يتشكل. يؤدي الارتكاز العرفي إلى نشوء عرف وعادة واحدة. (الصدر، 1417: 2/19؛ الفيض، 1426: 224). بعبارة أخرى، ارتكاز العقلاء هو علم بمعلومات تراكمت في أذهانهم دون أن يلتفتوا إليها، وربما يكون هذا العلم والشعور اللاواعي منشأً لكثير من الأفعال عند العقلاء، دون أن يكون سببه واضحاً لهم أنفسهم. (الحكيم، 1418: 200).

1-3-4. ارتكازات الأعراف الخاصة

الارتكازات المتعلقة بقوم معين، أو ثقافة معينة، أو أمة خاصة في زمان أو مكان أو ظروف خاصة، تُسمى ارتكازات الأعراف الخاصة. لا شك أن التفاوت في الارتكازات الخاصة أمر طبيعي. فأتباع عقيدة معينة وأناس يشاركون في ثقافة مشتركة، يُظهرون في حادثة ما سلوكاً موحداً أو أحكاماً خاصة تختلف عن الآخرين. ومن خلال هذا التفاوت ندرك أن ذلك السلوك أو الحكم نابع من ثقافتهم الخاصة. يعتمد تفاوت الارتكازات الخاصة على مجموعة من العوامل والعناصر التي تشكل في الواقع حضارة وثقافة ذلك القوم أو تلك الأمة. ويؤدي تنوع تلك العوامل والعناصر إلى ظهور سلوكيات مختلفة ووجود أحكام متفاوتة. التقسيم المذكور أعلاه مبني على مضمون ومنبع تشكل الارتكاز؛ فإذا كان منبع ومنشأ تشكل الارتكاز أموراً عقلية واستدلالات أو بديهيات عقلية، سُمّي ارتكازات عقلية. وإذا كان منشؤه من قبيل ما يُطرح في العلوم الطبيعية، سُمّي ارتكازات علمية. وإذا كان منبعه أموراً عقلائية تُستخدم لتنظيم شؤون الحياة ومسائل المعاش والمعيشة، سُمّي ارتكازاً عقلائياً. وإذا كان منشؤه أموراً تتعلق بقوم معين، أو ثقافة معينة، أو أمة خاصة في زمان أو مكان أو ظروف خاصة، سُمّي ارتكاز الأعراف الخاصة. (الأعرافي، درس خارج، 99/12/24).

2. الفرق بين الارتكاز والمفاهيم المشابهة

في هذا الفصل، وبهدف تدقيق مفهوم الارتكاز أكثر والتعرف على المفاهيم المشابهة له لاستخدامه في المسائل الفقهية والأصولية، نتناول الفرق بين الارتكاز وبعض المفاهيم المشابهة:

2-1. الفرق بين الارتكاز والسيرة

السيرة في الاصطلاح تعني استمرار طريقة وأسلوب عملي مستمر بين الناس في فعل شيء أو تركه. (المظفر، 1430: 2/159). سيرة العقلاء تعني الطريقة والأسلوب العملي المستمر لجميع عقلاء العالم (بما هم عقلاء) في فعل أو ترك عمل ما. أما سيرة المتشرعة، فتعني استمرار الطريقة والأسلوب العملي المستمر بين أتباع دين أو مذهب أو جماعة خاصة في فعل أو ترك عمل ما. بناءً على ذلك، إذا كان جميع المسلمين أو أتباع مذهب خاص من المسلمين (مثل الإمامية) لديهم بناء عملي على فعل أو ترك عمل ما، يُطلق عليه سيرة المسلمين أو سيرة المتشرعة. مثال ذلك جواز مسح القدم ببعض الكف في الوضوء. (الصدر، 1425: 201/2).

والآن، مع الأخذ في الاعتبار التوضيح الموجز للسيرة، نتناول الفروق بينها وبين الارتكاز:

الفرق الأول
سيرة العقلاء أو المتشرعة، من حيث إنها فعل أو ترك، لا لسان لها، وهي مجملة من حيث تعيين نوع الحكم (وإن كانت السيرة على الفعل تدل على الجواز بالمعنى الأعم، والسيرة على الترك تدل على عدم وجوب الفعل)، لكن الارتكاز، كما سيأتي، يمكنه في بعض الموارد أن يعيّن نوع الحكم (الوجوب، الحرمة، …). (الحكيم، 1418: 194).

الفرق الثاني
من الواضح في رأي المشهور أن السيرة تكون حجة إذا ثبت تحققها في زمن المعصوم واتصالها به، وعليه فإن سكوت الشارع عن السيرة، إذا لم يكن في مقام التقية، يعني إمضاءها؛ أما سكوت الشارع مقابل الارتكاز، فلا دلالة له على الإمضاء. على سبيل المثال، الارتكاز العقلائي يدل على وجود حق لعمل الإنسان، وقد سكت الشارع عنه؛ لكن هذا السكوت لا دلالة له على إمضاء الارتكاز العقلائي، وعليه لا يمكن اعتبار الارتكاز دليلاً مستقلاً لاستنباط الحكم الشرعي بقبول هذا الفرق. بالطبع، خالف الشهيد الصدر رأي المشهور واعتبر السكوت عن الارتكاز في بعض الموارد ظاهراً في الإمضاء. قال: “إذا كان هناك ارتكاز له مصاديق عديدة وتحقق أحد مصاديقه في عصر الشارع ووصل إلى مرحلة العمل، فإن سكوت الشارع عن هذا المصداق يعد إمضاءً لجميع المصاديق. بعبارة أخرى، في هذه الموارد، يكون كل الارتكاز قد أُمضي. وقد ضرب مثالاً وهو أن «حق التأليف» هو صغرى لاحترام عمل الإنسان، ومصاديق أخرى لاحترام عمل الإنسان هي «حق الحيازة» و«حق الإحياء». في زمن الشارع، لم يكن هناك مؤلفون (لأن صناعة الطباعة لم تكن موجودة)، لكن الصيد والحيازة كانا موجودين. وقد سكت الشارع مقابل الحيازة والصيد، لذا يُستفاد أن الشارع قد أمضى كل الارتكاز العقلائي باحترام عمل الإنسان، وأن «حق التأليف» داخل في هذا الإمضاء أيضاً”. بعبارة أخرى، من وجهة نظر الشهيد الصدر، بالإضافة إلى أن السكوت مقابل «السيرة» هو إمضاء، فإن السكوت مقابل الارتكاز هو إمضاء أيضاً بشرط أن يكون أحد مصاديقه قد تجسد خارجياً في عصر الشارع. (المددي، درس خارج 96/6/15).

الفرق الثالث
كما قيل، الارتكاز أمر ذهني ويعني التصديقات المرتكزة في أذهان العقلاء، أما «السيرة» فهي سلوك عملي. لهذا السبب، هناك تباين مفهومي بين «سيرة العقلاء» و«ارتكاز العقلاء»؛ لكن موردياً، الارتكاز أعم، أي قد لا توجد سيرة ولكن يوجد ارتكاز. (المددي، درس خارج 96/6/15). لتوضيح هذا الفرق ووجه عمومية الارتكاز عن السيرة، نبيّن أنواع الارتكاز باعتبار اقترانه وعدم اقترانه بالسيرة:

النوع الأول
الارتكاز المقترن بسيرة خاصة، بمعنى أن تكون السيرة العملية متداخلة مع ارتكاز ما، مثل السيرة على العمل بخبر الواحد الثقة المقترنة بارتكاز. فالعقلاء يعتبرون خبر الثقة ذا كاشفية متعارفة، يمكن الاعتماد عليه لتسهيل الأمور، وهذا الارتكاز هو سند السيرة العملية للعقلاء. عادة ما تكون السير العقلائية مقترنة بارتكازات عقلائية هي سندها.

النوع الثاني
الارتكاز المقترن بسيرة خاصة، لكن الارتكاز أعم من السيرة ويمكن أن يشمل موارد أخرى لم تتجسد خارجياً بعد. على سبيل المثال، في زمن المعصوم، كانت القرعة تُجرى في موضوع خاص مثل تشخيص جنس الخنثى، وكانت لها سيرة. هذه السيرة مقترنة بارتكاز أوسع من السيرة (إجراء القرعة في موضوع خاص)، وهو أن الإنسان في حالة الحيرة وعدم التشخيص، لتعيين موقفه العملي، يمكنه استخدام القرعة بشكل عام. هذا النوع من الارتكاز، بضوابط معينة، يمكن أن يكون له تطبيق في المصاديق المستحدثة؛ والأهم من ذلك هو إثبات أن السيرة في ذلك العصر كانت مبنية على هذا الارتكاز العام، وأن تأييد الإمام، وإن كان ظاهراً متعلقاً بسيرة خاصة، فإننا نطمئن بأنه في الحقيقة قد أمضى الارتكاز العام. إذا لم يثبت لنا هذا الأمر بأي دليل، لا يمكن الاستفادة من السيرة الخاصة في المسائل المستحدثة، لأن السيرة دليل لبي ويُكتفى فيه بالقدر المتيقن.

النوع الثالث
الارتكاز الذي لا يقترن بسيرة، والمقصود به الارتكاز الذي لم يكن له مصداق وتجسد خارجي في زمن المعصوم، وهذا الأمر يرجع إلى عدم قابلية طرح ذلك المصداق في العصور القديمة، بحيث لو طُرح ذلك المصداق في ذلك الزمان، لعمل العقلاء وفقاً للارتكاز الموجود، ولظهر هذا الارتكاز وبرز. على سبيل المثال، وجود شركات مختلفة وظهور الشخصية الحقوقية لهذه الشركات لم يكن مطروحاً في ذلك الزمان، ولكن لو تُصوّرت هذه المسألة في ذلك الزمان، لحكم العقلاء بارتكازهم بملكية الشخصية الحقوقية وترتب آثارها. في هذا القسم الثالث، يجب إثبات تأييد الشارع للارتكاز الموجود في الأذهان (ولكنه لم يصل إلى مقام العمل). إثبات هذا الأمر صعب جداً ومشكل، لأن الشارع قد يتخذ موقفاً تجاه الأمور الواقعة في الخارج، لكنه لا يتخذ موقفاً تجاه الأشياء المرتكزة في الأذهان والتي لم تجد مصداقاً بعد. (الأعرافي، درس خارج، 99/12/24).

2-2. الفرق بين الارتكاز والمذاق

في الفصول السابقة، اتضح مفهوم الارتكاز إلى حد ما، لكن فيما يتعلق بمفهوم “المذاق”، قال بعض الفقهاء، مثل المرحوم كاشف الغطاء: “مذاق الشرع، فهم وإدراك جديد يصل إليه الفقيه بالاستعانة بالذوق السليم والفهم المنضبط، بعد البحث في مجموع الأدلة”. (كشف الغطاء، بيتا: 188/1). مذاق الشريعة يُكتسب من خلال مراجعة مجموعة من تعاليم الشرع والنظر الجمعي والمنظومي إليها، والمذاق مستند إلى استنتاج عقلي أو عقلائي أو جمعي من الروايات والمصادر الدينية.

الفرق بين الارتكاز العقلائي والمذاق
كما أشرنا، الارتكاز العقلائي هو نوع من الإدراك والشعور اللاواعي لدى العقلاء. تشكل هذا الإدراك والشعور لدى العقلاء لا يعتمد على الشريعة المقدسة، وبتعبير أدق، لا تلعب الشريعة أي دور في إيجاد هذا الإدراك. بالنظر إلى هذه النقطة، يتضح وجه التمايز بين هذين المفهومين؛ لأن تشكل المذاق يعتمد كلياً على الأدلة الشرعية، وبدون النظر إلى الأدلة، لا يمكن للفقيه أن يصل إلى مذاق.

الفرق بين الارتكاز المتشرعي والمذاق
في مقام الفرق بين ارتكاز المتشرعة والمذاق، يجب القول: في ارتكاز المتشرعة، قد تترسخ قضية في ذهن المتشرعة دون أن يمكن استنباط تلك القضية من كلية الشرع، وإذا لم يوجد هذا الرسوخ في هذه المسألة الخاصة، فإننا بمراجعة كلية الشريعة (مذاق الشريعة) لا نستطيع الوصول إلى هذا الارتكاز. على سبيل المثال، ارتكاز المتشرعة هو أن المكلف يمكنه أن يصلي الصلوات الخمس اليومية جمعاً أو فرادى (مثلاً يصلي الظهر في وقت فضيلتها والعصر بعدها أو في وقت فضيلتها). في حال عدم وجود روايات، لا يُستفاد جواز الجمع من مذاق الشريعة بأن نقول إن الحكم يُستفاد بمراجعة كلية الشريعة. من ناحية أخرى، قد لا يوجد ارتكاز أحياناً لأن الموضوع جديد، لكن عندما ننظر إلى مذاق الشرع، نرى أن له اقتضاءً خاصاً. على سبيل المثال، موضوع جديد مثل بناء الشقق السكنية الذي لم يكن له سابقة، لذا لا يوجد ارتكاز هناك، ولا يمكننا القول إن الارتكاز الشرعي يقتضي حسنه أو قبحه، لكن قد يستظهر فقيه من مجموع الأحكام الشرعية أن هذا العمل ليس ممدوحاً ولا مناسباً، وبهذه النظرة والمنهجية الشرعية يصل إلى هذا المذاق الشرعي. (راجع: الحر العاملي، 1409: 6/ أبواب المساكن). ونتيجة لذلك، يمكن القول إن العلاقة بين هذين المفهومين هي العموم والخصوص من وجه، وهناك موارد افتراق واضحة. الجدير بالذكر أن هناك فرقاً آخر يمكن بيانه بين المذاق ومطلق الارتكاز، وهو أن المذاق حالة استنباطية وعمل استنباطي للمجتهد، أما الارتكاز فهو واقع موجود في الأذهان، بمعنى أن المجتهد لا يتدخل في إيجاده، بل يعرفه فقط ويمكنه استخدامه لاستنباط الأحكام الشرعية. في المذاق، نرجع مباشرة إلى الأدلة، أما في الارتكاز، فهناك واسطة للوصول إلى الحكم، وهي الأذهان، والأذهان تلعب دوراً غير مباشر في الاستنباط. (الأعرافي، درس خارج، 99/12/24).

3. وظائف الارتكاز

يبدو أن الارتكاز يمكن أن يكون منشأ أثر في سياقات مختلفة، وفيما يلي نشير إلى بعضها:

3-1. الوظيفة الأولى للارتكاز (الوظيفة غير الاستقلالية)

المقصود بالوظيفة غير الاستقلالية هو أن الارتكاز لا يكون منشأً مباشراً لاستنباط الحكم الشرعي، ولكنه يمكن أن يكون محدداً لظهور اللفظ، على سبيل المثال، في جانب موضوع الحكم من حيث تضييقه أو تعميمه.

الارتكاز الدخيل في تضييق الموضوع
رغم أن العقلاء والمتشرعة بطبيعتهم لا يمكنهم التدخل في الحكم، إلا أنهم في ناحية موضوع الحكم يمكنهم أن يكونوا نوعاً من القرينة المتصلة التي يأخذها الشارع في الاعتبار عند مخاطبتهم. فإذا أصدر خطاباً كان موضوعه مطلقاً أو عاماً، فإن هذا الإطلاق والعموم يكون معتبراً ما لم يوجد ارتكاز على التقييد والتخصيص، ولكن إذا وجد الارتكاز، ينعقد الظهور من البداية وفقاً لقرينية الارتكاز. (الإسلامي، 1400: 13). وقد صرح الشهيد الصدر أيضاً بهذا المطلب قائلاً: “ارتكاز العقلاء صارف للإطلاق”. بمعنى أن ارتكاز العقلاء يمنع من تشكل الإطلاق. (الصدر، 1408: 4/432). على سبيل المثال، تقديم الأهم على المهم في التزاحم أمر مرتكز. فإذا قال أب لابنه: “لا تكذب أبداً لتفلح في حياتك”، وفي اليوم التالي سأله لص: “أين أموال أبيك؟”، فإن هذا الابن يفهم أنه يجب أن يكذب. نفس ارتكاز تقديم الأهم يمنع من انعقاد الإطلاق في “لا تكذب أبداً”. وبالتالي، فإن الابن بكذبه لم يخالف أمر أبيه، بل فهم أن أمر الأب لا يشمل هذا المورد. كذلك في المباحث الشرعية مثل الغيبة، فإن ارتكاز تقديم الأهم يمنع انعقاد الإطلاق، ولذا لا يُعد جواز الغيبة في أمر الزواج تقييداً لهذه الأدلة. (المددي، درس خارج 96/6/15). لتنقيح هذه الوظيفة بشكل أفضل، يُبيّن المثال التالي الذي انعكس في كلمات بعض الفقهاء بصورة مفصلة: في مسألة مقطوع اليد، في فرض أن اليد قُطعت من فوق المرفق، هل يمكن للمكلف أن يغسل عضده بدلاً من يده؟ المعروف والمشهور بين الأصحاب هو عدم وجوب غسل العضد في هذا الفرض. ولم يُرَ خلاف في هذا الحكم بين كلمات الأصحاب، لذا فالحكم بلا خلاف. ومع أن ظاهر بعض الروايات قد يكون فيه إطلاق لغسل اليد، فإن بعض الفقهاء كالمرحوم الخوئي، استناداً إلى الارتكاز، قالوا إنه لا يمكن الاستناد إلى إطلاق غسل اليد، ولذا فغسل اليد غير واجب. توضيح المطلب هو أنه لإثبات وجوب غسل العضد يمكن الاستناد إلى روايات مثل الروايات التالية. الرواية الأولى: إطلاق رواية محمد بن مسلم: “عَلِي بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْأَقْطَعِ الْيَدِ وَ الرِّجْلِ قَالَ يَغْسِلُهُمَا”. (الكليني، 1407: 29/3). سأل محمد بن مسلم الإمام الباقر (عليه السلام) عن وظيفة الشخص الذي قُطعت يده ورجله في الوضوء، فأمر الإمام بغسل اليد والرجل للشخص مقطوع اليد. تقريب الاستدلال: الإمام في حكمه بغسل اليد لم يتعرض لكون هذا الوجوب فقط للمقدار المتبقي من اليد ولا يشمل العضد، لذا يمكن الاستفادة من إطلاق كلام الإمام والقول بأن إطلاق كلام الإمام يقتضي وجوب غسل العضد للشخص مقطوع اليد. الدليل الثاني: إطلاق صحيحة رفاعة: “مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِي بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَبَّاسِ يَعْنِي ابْنَ مَعْرُوفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْأَقْطَعِ الْيَدِ وَ الرِّجْلِ – كَيفَ يَتَوَضَّأُ قَالَ يَغْسِلُ ذَلِكَ الْمَكَانَ الَّذِي قُطِعَ مِنْهُ”. (الطوسي، 1407: 1/359؛ الحر العاملي، 1409: 1/480). يقول الإمام في جواب سؤال رفاعة إنه يجب غسل المقدار المتبقي من اليد. الإمام في هذه الرواية يأمر بغسل المقدار المتبقي من اليد (مقطوع منه)، وقطعاً ليس مراده غسل العضو المقطوع. إطلاق هذه الرواية يشمل صورتنا، ببيان أن الإمام أمر بغسل ذلك المقدار المتبقي من اليد، وفيما نحن فيه أيضاً المقدار المتبقي هو العضد، الذي يجب غسله بإطلاق حكم الإمام. جواب المرحوم الخوئي على كلتا الروايتين هو أنه بالنسبة لكلتيهما، توجد قرينة ارتكازية قطعية تمنع من انعقاد الإطلاق، لذا يبقى الاستدلال بأصالة الإطلاق غير تام. الارتكاز المذكور هو أن هاتين الروايتين في صدد بيان إثبات وجوب الغسل لموضع كان غسله واجباً في فرض عدم الانفصال، ولذا فإن إطلاق الرواية أيضاً في هذا المورد يدل على وجوب الغسل. وبناءً على أنه في ما نحن فيه غسل العضد ليس واجباً بصورة عادية، وفي فرض عدم الانفصال ليس واجباً، لذا لا يمكن لإطلاق كلام الإمام أن يشمل هذا الفرض. وهذا الارتكاز كقرينة متصلة يمنع من انعقاد الإطلاق. (الخوئي، 1418: 101/4).

الارتكاز الدخيل في تعميم الموضوع
يمكن للارتكاز أن يكون قرينة على تعميم موضوع الحكم أيضاً، ورغم أن موضوع الخطاب خاص ومقيد، فإنه يسبب إثبات الإطلاق والشمول. من الموارد التي أشار فيها بعض المحققين إلى قرينية الارتكاز هو أنه عندما يقول الشارع مثلاً “إذا سافرت فقصّر”، فإن ارتكاز المتشرعة هو أن المخاطب الخاص مثل زيد وعمرو ليس دخيلاً في الحكم، بل نوع المكلف هو المقصود. لذلك، يُكشف من ظاهر القضية بقرينة الارتكاز عن كون القضية حقيقية. (الصدر، 1408: 4/432؛ القائيني، 1430: 33/1).

3-2. الوظيفة الثانية للارتكاز

المراد بالوظيفة الاستقلالية للارتكاز هو أن يؤسس الارتكاز نفسه حكماً جديداً أو ينفي حكماً دون وجود دليل آخر في المسألة. يمكن أن تشمل هذه الوظيفة الارتكاز العقلائي وكذلك ارتكاز المتشرعة. على سبيل المثال، إذا لم يكن هناك دليل خاص على جواز الجمع أو التفريق في الصلوات اليومية، ففي حال وجود ارتكاز متشرعي على التفريق والجمع في الصلوات اليومية، يمكن اعتباره دليلاً على الجواز في هذه المسألة. كذلك في موارد مثل حق التأليف، التي قد لا يوجد لها مصداق، ولكن بالنظر إلى النقطة التي مرت في قسم الفرق بين السيرة والارتكاز، إذا قُبل أنه بإمضاء الشارع لمصداق واحد، فإن كل الارتكاز (الكبرى) المتمثل في احترام عمل المسلم قد أُمضي، فيمكن في مورد حق التأليف أيضاً تطبيق نفس حكم حق الحيازة. (الأعرافي، درس خارج، 99/12/24). هنا نشير إلى بعض الموارد الأخرى التي يمكن أن تُطرح كوظيفة استقلالية للارتكاز وانعكست في كلمات الفقهاء. يرى السيد اليزدي صاحب كتاب العروة الوثقى أن أول واجب في الإحرام هو النية وقصد هذا العمل. ويطرح في ذيل مسائل النية فرعاً: يجب على الشخص في النية أن يحدد نوع إحرامه، مثلاً يعيّن أن إحرامه لحجة الإسلام أو حج ندبي وعمرة، لنفسه أو نيابة عن الغير. فإذا أحرم الشخص دون تعيين النية وقصد الإحرام، فعمله باطل. يقول المرحوم السيد الحكيم في حاشيته على علة هذا الحكم (اعتبار تعيين النية) إن العمدة في المدعى هو ارتكاز المتشرعة، ولا يوجد دليل آخر على المدعى. (الحكيم، 1416: 11/363). مثال آخر هو أن المشهور قد اختاروا القول بطهارة أبوال الحيوانات مثل البغل والحمار والدواب. من الأدلة التي يمكن إقامتها لقولهم هو ارتكاز المتشرعة على طهارة هذه الأبوال. بتقريب أن هذه المسألة كانت محل ابتلاء كثير من المتشرعين في عصر الأئمة (عليهم السلام)، وحكم هذه الأبوال كان واضحاً لديهم بالتأكيد. والآن نقول إن الحكم الذي كان واضحاً لديهم و ثابتاً في ارتكازهم هو الطهارة أو النجاسة… إذا كانت الطهارة مرتكزة لديهم، وهو المطلوب من الاستدلال، يتحقق. وإذا كانت النجاسة أمراً مرتكزاً لديهم، فكيف حكم مشهور فقهاء الإمامية بالطهارة مع وجود هذا الارتكاز وبعض الروايات. بناءً على أن احتمال ذهاب المشهور خلاف ارتكاز المتشرعة بعيد جداً، يحصل للإنسان ظن قوي بأن ارتكاز المتشرعة كان على طهارة هذه الأبوال. على أي حال، إذا حصل اطمئنان ووثوق بانعقاد الارتكاز الشرعي، يمكن ذكره كدليل على المدعى والقول بوظيفته الاستقلالية في هذا المورد. أما إذا كان انعقاد الارتكاز مجرد احتمال، فيمكن أن تكون له وظيفة غير استقلالية. بأن نقول إن احتمال وجود ارتكاز الطهارة يمكن أن يوجب إجمال أدلة النجاسة، لأن الارتكاز المذكور يمكن أن يعمل كقرينة لبّية متصلة ويحمل الأخبار الآمرة بالغسل على الاستحباب. (الصدر، 1408: 3/33).

3-3. الوظيفة الثالثة

يمكن للارتكاز أن يكون مؤثراً في بعض المسائل الأصولية كدليل على تلك المسألة، ونشير إليه هنا:

بحث الضد
أحد المباحث المتداولة في كتب الأصول ضمن مباحث الأوامر والنواهي هو بحث اقتضاء الأمر بالشيء والنهي عن ضده. يطرح الأصوليون عادة هذا السؤال: “هل الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده؟”. ثم لتبيين المسألة، يقسمون الضد إلى نوعين: ضد عام وضد خاص، ولكن في كيفية هذا الاقتضاء، دارت بحوث مختلفة. كذلك في الضد الخاص، طرحوا بحث التلازم والمقدمية وأجروا بحوثاً كثيرة حوله؛ ومن خلال هذا المبحث، ظهر بحث الترتّب الذي هو نفسه معركة آراء. بالنظر إلى قاعدة الارتكاز، يمكن طرح البحث بطريقة أخرى واعتبار الارتكاز دليلاً على اقتضاء الأمر بالشيء بالنسبة للنهي عن ضده العام والخاص. بيان المطلب هو أن جميع الناس يذعنون لهذه النقطة، وهي أن من يأمر شخصاً آخر بشيء، فإنه بالتأكيد غير راضٍ بتركه، وينتظر من المأمور أن ينجز ذلك العمل. في الواقع، هذا ارتكاز عام بأن الآمر لا يرضى أبداً بترك المأمور به، بل إن هذه الرضا تنافي أصل الأمر؛ ولهذا السبب، يبذل المأمور كل جهده لإنجاز المأمور به على أفضل وجه ويزيل موانع إتيانه. كذلك يوجد هذا الارتكاز بأنه لا ينبغي ترك إتيان المأمور به بأي وجه، سواء بترك العمل نفسه وعدم إنجازه (الضد العام) أو بالانشغال بعمل مخالف له (الضد الخاص). في فضاء الشريعة أيضاً، يوجد هذا الارتكاز بالضبط، حيث يعلم الناس أن ترك وعدم إتيان المأمور به مبغوض للشارع، سواء كان هذا الترك بترك العمل نفسه أو عن طريق إنجاز ضده الخاص؛ في الواقع، لا يوجد فرق في النتيجة، وكلا الشخصين يُعاقبان.

حجية قول اللغوي
أحد الارتكازات العامة للناس هو أنهم فيما لا يعلمونه وفي المجال الذي لا تخصص لهم فيه، يراجعون المتخصص والخبير في ذلك الفرع. وعلماء اللغة هم في الواقع خبراء هذا العلم الذين يستحقون أن يُرجع إليهم للسؤال عن معنى اللفظ. ومن جهة أخرى، لم يرد ردع ومنع من الرجوع إلى قول اللغوي. بناءً على ذلك، فإن وجود هذا الارتكاز العام (الرجوع إلى أهل الخبرة) وإن لم تكن السيرة العملية ثابتة في هذا المصداق (الرجوع إلى قول اللغوي)، فبالنظر إلى ما مر في الفصول السابقة، يمكن إثبات حجية قول اللغوي، ولا حاجة بعد ذلك إلى إيجاد دليل خاص على حجية قول اللغوي. يعتقد آية الله نجم آبادي في تقريرات دروس السيد النائيني والسيد ضياء العراقي، بالتصريح بوجود ارتكاز العقلاء في مراجعة المتخصصين، ومنه الرجوع إلى قول اللغوي، قائلاً: في هذه الأمور لا مفر من الرجوع إلى أهل الخبرة، وارتكاز العقلاء هو أنهم في حل مشكلاتهم يراجعون أهلها، وليس بعيداً أن يكون مناط حجية قول المجتهد للمقلد هو نفس هذا الارتكاز. (نجم آبادي، 1380: 2/156؛ عندليب، 1395: 25).

النتيجة

من خلال المباحث السابقة يتضح:
1. المراد بالارتكاز هو المعنى الثابت والراسخ في عمق الذهن، الذي له حالة خفية، بحيث يكون قبول الشواهد المخالفة ورفع اليد عن الارتكاز أمراً صعباً جداً على الفرد حتى في حال ظهور علائم الخلاف.
2. هذا المفهوم يختلف عن سائر المفاهيم المشابهة كالسيرة والمذاق من حيث المفهوم، ومن حيث المصداق أيضاً، فإن موارد الاستناد إلى الارتكاز تختلف عن موارد الاستناد إلى المذاق. كذلك، فإن الارتكاز بالنسبة للسيرة أعم مصداقاً، ويوجد بينهما فرق من ثلاث جهات على الأقل.
3. للارتكاز من حيث الوظيفة في استنباط الأحكام الشرعية أثر بصورة غير مستقلة، كتضييق أو تعميم دائرة موضوع الحكم، وحتى بصورة مستقلة. كذلك، للارتكاز فعالية في إثبات بعض المسائل الأصولية، ويمكن أن يكون منشأ أثر لإثبات تلك المسائل.

المراجع

ابن منظور، محمد بن مکرم، لسان العرب، بيروت، نشر الادب و الحوزه، ۱۴۰۵ق.
استر آبادی امین الفوائد المدنيه تبریز نشر مشهدی اسدآقا، ۱۳۲۱ق.
اسفندیاری (اسلامی رضا قرینه ارتکاز و کارایی آن در حل مسائل فقهی، جستارهای فقهی اصولی، ش۲۵، ۱۴۰۰.
اصفهانی، حسین بن محمد بن راغب مفردات الفاظ قرآن، لبنان، دارالعلم، ۱۴۱۲ق.
اعرافی، علیرضا، درس خارج، ۹۹/۱۲/۲۴
بروجردی، محمدتقی الاجتهاد و التقليد، قم، دفتر انتشارات اسلامی، بیتا.
جوهری، اسماعیل بن حماد الصحاح تاج اللغه و صحاح العربيه، تحقیق از احمد بن عبدالغفور عطار، بيروت، دارالعلم للملايين، ۱۴۰۷ق.
حر عاملی، محمد بن حسن تفصيل وسائل الشيعه الى تحصيل مسائل الشريعه، قم، مؤسسه آل البيت ، ۱۴۰۹ق.
حسینی سیستانی، علی قاعده لا ضرر و لا ضرار، قم، بی تا.
حکیم، محمدتقی بن محمد سعيد، الاصول العامه فى الفقه المقارن، قم، مجمع جهانی اهل بیت . ۱۴۱۸ق
حکیم، سید محسن طباطبایی، مستمسک العروه الوثقى، قم، مؤسسه دار التفسیر، ۱۴۱۶ق.
خمینی، روح الله، الاجتهاد والتقليد، تهران، مؤسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی، ۱۴۲۶ق.
الاستصحاب، قم، مؤسسه تنظیم و نشر امام خمینی ، ۱۳۸۱.
خوئی، ابوالقاسم التنقيح فى شرح العروه الوثقى، قم، تحت اشراف آقای لطفی، ۱۴۱۸ق.
سبحانی تبریزی، جعفر، الوسیط فی اصول الفقه، قم، مؤسسه امام صادق(ع)، ۱۴۳۰ق.
شاهرودی، سید محمود همراه با جمعی از پژوهشگران، فرهنگ فقه مطابق مذهب اهل بيت، قم، مؤسسه دائرة المعارف فقه اسلامی بر مذهب اهل بیت ، ۱۴۲۶ق.
صدر، محمدباقر، بحوث في شرح العروه الوثقى، قم، مجمع الشهيد آيه الصدر العلمی، ۱۴۰۸ق.
مباحث الاصول، قم، مطبعه مركز النشر، ۱۴۰۸ق.
بحوث في علم الاصول، قم، ۱۴۱۷ق.
دروس في علم الاصول، بيروت، دار إحياء التراث العربی، ۱۴۲۵ق.
طوسی، محمد بن حسن، تهذيب الاحكام، تهران، دار الكتب الاسلاميه، ۱۴۰۷ق.
فیض، علیرضا، مبادی فقه و اصول ،تهران دانشگاه تهران، ۱۳۸۴.
قائنی، محمد، المبسوط في فقه المسائل المعاصره، قم، مركز فقه الائمه الاطهار، ۱۳۹۵
کلینی، محمد بن یعقوب، الكافي، قم، دار الكتب الاسلاميه، ۱۴۰۷ق.
مددی، سید محمود، درس خارج ۹۶/۶/۱۵
مظفر، محمدرضا، اصول الفقه، قم، مؤسسه النشر الاسلامى التابعه لجماعه المدرسين بقم، ۱۴۳۰ق.
منتظری حسین علی نهاية الاصول ،تهران، نشر تفکر، ۱۴۱۵ق.
نجفی، کاشف الغطاء، جعفر بن خضر ،مالکی کشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغرا، اصفهان انتشارات مهدوی، ۱۴۱۴ق.
واسطی، زبیدی و.، تاج العروس من جواهر القاموس، بيروت، دارالفكر للطباعه و النشرو التوزيع، ۱۴۱۴ق.

الهوامش

 

4. المراد هو جواب المرحوم الآخوند على إشكال الدور في بحث التبادر (وهو موقوف على العلم الإجمالي الارتكازي).

5. تجدر الإشارة إلى أن المرحوم الآخوند يقسم الأدلة اللبية إلى قسمين: بديهي ونظري، ويعتبر الدليل اللبي البديهي كالمخصص المتصل، والنظري كالمخصص المنفصل. وعليه، في مصاديق الارتكاز، يجب النظر؛ فإذا كان الارتكاز بديهيًا، كانت وظيفته واضحة، وإذا كان كالمخصص المنفصل، فإنه لا يتدخل في الظهور ولا يمنع من انعقاد الإرادة الجدية طبقًا للعموم. (راجع: الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، ص 222).

6. فيما يتعلق بارتكاز المتشرعة، حيثما وجد ارتكاز للمتشرعة، فلا بد أن السنة قد وصلت إليهم، وعليه فالمراد من تأسيس الحكم هو في مقام الإثبات.

Scroll to Top