دراسة حجية الظواهر

الملخص

إنّ حجية الظواهر أو عدمها تعدّ من المباحث الهامة في علم الأصول. ومجرى هذا البحث هو الأدلة الشرعية اللفظية، ولا يجري في الأدلة العقلية، والإجماع، والسيرة، والشهرة، وغيرها من الأدلة التي يُعبّر عنها بالدليل اللُّبّي أو غير اللفظي ولا صلة لها بالألفاظ. وفي بحث حجية الظواهر، تُطرح ثلاث نظريات مهمة بعد المباحث التمهيدية. يرى صاحب القوانين أن الظواهر حجة فقط لمن خُوطبوا بها؛ أما الذين لم تتم مخاطبتهم، فبسبب عدم علمهم بالقرائن المقالية والحالية، لا تكون ظواهر الكلام حجة لهم. وأهم دليل له على هذا الرأي هو أن كون الشخص مخاطبًا يصاحبه قرائن، فلو لم يكن الشخص مخاطبًا، فمن المؤكد أنه لا يعلم بتلك القرائن. بناءً على هذا، فإن ظواهر الكلام حجة فقط للشخص أو الأشخاص المخاطبين بالقول، أما غير المخاطبين فلا حجية لظواهر الكلام عليهم. وقد فرّقت جماعة من الأخباريين بين ظواهر الروايات وظواهر القرآن؛ حيث اعتبروا ظواهر الروايات حجة وظواهر القرآن غير حجة. وأهم دليل لهم على هذا الرأي هو أن القرآن صدر من مقام عالٍ جدًا، وفهم كلامه غير ممكن لأي شخص سوى المعصومين؛ لذا، فإن فهم القرآن لا يمكن تفسيره إلا في ضوء روايات المعصومين، ولا يستطيع أحد أن يستنبط شيئًا من ظاهر القرآن.

المقدمة

علم الأصول هو العلم بالقواعد العامة التي تستخدم في عملية استنباط الأحكام الشرعية. (الصدر، ١٤١٢هـ، ص ١٧). وهذه القواعد العامة هي التي تشكل موضوع علم الأصول. (الخراساني، ١٤٢٣هـ، ص ٢٢). قسّم الأصوليون عادةً مباحث الأصول إلى ثلاث فئات رئيسية: ١. الأدلة المُحرِزة؛ ٢. الأدلة غير المُحرِزة (الأصول العملية)؛ ٣. تعارض الأدلة. يُطلق مصطلح الأدلة المحرزة على الأدلة التي تُحرِز لنا الحكم الشرعي الواقعي، وهي تنقسم بدورها إلى قسمين: الأدلة الشرعية اللفظية والأدلة العقلية. أما الأدلة غير المحرزة، أي الأصول العملية، فهي التي تحدد الوظيفة العملية للإنسان في مقام الشك، دون أن تكشف شيئًا عن الواقع؛ وبتعبير آخر، تنقذ الأصول العملية الإنسان من حالة الحيرة وتوضح وظيفته في حالة الشك؛ ولكنها تسكت عن بيان الحكم الشرعي الواقعي. وفي باب تعارض الأدلة، تتضح مسألة أنه إذا تعارض دليلان، فأيهما يقدم على الآخر. والأدلة المحرزة بدورها قسمان: أ) الأدلة المحرزة التي تؤدي إلى القطع؛ ب) الأدلة المحرزة التي لا تؤدي إلى القطع.

الأدلة المحرزة التي توجب قطع الفقيه بالحكم، تكون حجة له؛ لأن القطع حجيته ذاتية؛ أما الأدلة المحرزة التي لا توجب القطع، فإن حجيتها منوطة بتأييد الشارع؛ ولذا توجد القاعدة المعروفة بين الأصوليين القائلة: الأصل في الظن عدم الحجية ما لم يقم دليل على خروجه من هذا الأصل (نفس المصدر: ٢/ ٣٢٢). الأدلة المحرزة، سواء أوجبت القطع أم لم توجبه، كما سبقت الإشارة، تنقسم إلى أدلة شرعية وعقلية، والأدلة الشرعية تنقسم بدورها إلى أدلة شرعية لفظية وغير لفظية. تشمل الأدلة الشرعية اللفظية كلام الشارع؛ أي القرآن والحديث؛ أما الدليل الشرعي غير اللفظي فيشمل فعل المعصوم وتقريره. وفي الدليل الشرعي اللفظي، توجد ثلاثة مباحث رئيسية: أ. دلالة الدليل الشرعي وأن الظهور العرفي على أي شيء يدل؛ ب. حجية دلالة الدليل وظهوره وهل هذا الظهور معتبر أم لا؟ ج. إثبات صدور الدليل من الشارع. في بحث دلالة الدليل، تُناقش موضوعات مثل معنى الوضع، والاستعمال، والحقيقة والمجاز، والمعاني الاسمية والحرفية، والجملة التامة والناقصة، والمدلول اللغوي والتصديقي، والجملة الخبرية والإنشائية. كما تعد الدلالات من المباحث الرئيسية في هذا الباب، حيث تُبحث تحت عناوين مثل صيغة الأمر، وصيغة النهي، والإطلاق، وأدوات العموم، وأدوات الشرط، وغيرها. في إثبات صدور الدليل من الشارع، يُطرح هذا البحث: بأي الطرق يمكننا تحصيل الحكم الشرعي؟ بالطبع، القول بأننا نستطيع تحصيل الحكم الشرعي يجد معناه فقط في الأدلة المحرزة؛ لأنه في الأدلة المحرزة، تُطرح مسألة كشف الحكم الشرعي الواقعي؛ أما في الأصول العملية، فالبحث يقتصر على تعيين الوظيفة العملية لا تحصيل الحكم الشرعي الواقعي. لإثبات صدور الدليل من الشارع، هناك طريقان: ١. الإثبات الوجداني؛ ٢. الإثبات التعبدي.

١. بيان المسألة

بعد أن يُحرَز أصل الدلالة في الدليل الشرعي اللفظي ويثبت أن الدليل الشرعي اللفظي يدل على ظهور عرفي، يُطرح بحث حجية هذه الدلالة، وهو: هل دلالة هذا الدليل أو ظهوره العرفي له حجية شرعية أم لا؟ توضيح ذلك أن قسماً كبيراً من أحكام الشارع قد وصل إلينا عن طريق الألفاظ، وكما أشير، تسمى هذه بالأدلة الشرعية اللفظية، وفي الدليل الشرعي اللفظي، الأمر المهم هو فهم مراد الشارع. على سبيل المثال، بيّن لنا الشارع حكماً في مسألة معينة عن طريق الآيات أو الروايات، والآيات والروايات تشتمل على ألفاظ، وللألفاظ نوعان من الدلالة؛ إحداهما الدلالة التصورية والأخرى الدلالة التصديقية. المراد من الدلالة التصورية هو دلالة اللفظ على معناه اللغوي، والمراد من الدلالة التصديقية هو دلالة اللفظ على مراد المتكلم. بناءً على ذلك، لكل لفظ نوعان من الظهور: ١. الظهور التصوري؛ بمعنى أن كل لفظ ظاهر في معناه اللغوي. ٢. الظهور التصديقي أو ظهور حال المتكلم؛ بمعنى أن ظهور كل لفظ هو في نفس معناه اللغوي. ومعنى حجية الظهور هو أن كل متكلم يقصد من اللفظ أقرب معنى إلى المعنى اللغوي. ولهذا السبب يُعبَّر عن «حجية الظهور» بـ«أصالة الظهور» أيضاً (الصدر، ١٤٢٠هـ: ١٤٢-١٤٤). بناءً على هذا، إذا شككنا في أي معنى قصده المتكلم من اللفظ، فإن حجية الظهور تحكم بأن نقول إن المتكلم قد اختار نفس المعنى اللغوي أو الدلالة التصورية. وهذا هو ما يُعبَّر عنه في علم الأصول بحجية الظواهر.

٢. خلفية المسألة

كما هو معلوم، في علم الأصول تُبحث العناصر والقواعد المشتركة بين جميع المسائل الفقهية؛ أما في علم الفقه، فتُدرس العناصر والقواعد الخاصة بكل مسألة. وعلى هذا الأساس، يُعتبر علم الأصول منطق الفقه (الصدر، ١٤١٢هـ: ١٤٥). من جانب آخر، علم الأصول وليد علم الفقه، كما أن علم الفقه وُلد في حضن علم الحديث. وبناءً على ذلك، لم يكن علم الأصول في البداية منفصلاً عن علم الفقه؛ لكن عوامل مثل البعد الزمني عن عصر التشريع، ووضع الأحاديث، وظروف مثل التقية في عصر الأئمة (ع)، وتوسع أبواب ومسائل الفقه، وظهور مسائل مستحدثة، أدت إلى أن يُعتبر علم الأصول علماً واسعاً ومنفصلاً في نفس الوقت عن علم الفقه (نفس المصدر: ١٤٠). وبناءً على هذا البيان، يشهد التاريخ أن علم الأصول قد تشكّل في فقه أهل السنة قبل أن يظهر في فقه الشيعة، وسبب ذلك هو انقطاع صلة أهل السنة بالأحاديث منذ وفاة النبي الأكرم (ص)؛ أما من وجهة نظر أهل التشيع، فقد استمر هذا الخط متصلاً حتى زمن الأئمة المعصومين (ع) (نفس المصدر: ١٥٠). بالطبع، لا يعني هذا البيان أن المسائل الأصولية لم تكن موجودة في زمن الأئمة (ع)؛ بل إن أساس علم الأصول قد أُرسِيَ في زمن الإمام الباقر والإمام الصادق (ع)، وبعض الأسئلة التي كانت تُطرح على الإمام الصادق (ع) حول المسائل الأصولية، مثل علاج تعارض النصوص، وكان الإمام يجيب عليها، تدل على أن المسائل الأصولية كانت مطروحة في زمانهم (نفس المصدر: ١٥١). باختصار، يمكن القول إن المسائل الأصولية، مثل بحث حجية الظواهر، لها تاريخ طويل، وقد طُرحت في كتب الأصول منذ القدم. علاوة على ذلك، فإن أهم دليل على حجية الظواهر هو سيرة المتشرعة التي كانت مؤيدة من قبل المعصومين (ع) في زمانهم. وهذا يدل أيضاً على أن بحث حجية الظواهر كان مطروحاً في زمن المعصومين (ع).

٣. نوع المسألة

بحث حجية الظواهر، أي نوع من البحوث هو؟ هل هو بحث منطقي أم أصولي أم أن بحث حجية الظواهر هو في الأساس بحث لغوي يتعلق بأهل اللغة؟ في البداية، يمكن القول إن بحث الظهور وما يمكن أن يكون المعنى المراد من لفظ ما، هو بحث منطقي وأصولي ويمكن أن يكون بحثاً لغوياً؛ لأنه في المنطق يُبحث في دلالات الألفاظ، ومثالها الدلالات المطابقية والتضمنية والالتزامية. كما تُطرح في علم اللغة مسألة ظهور اللفظ واستعمال لفظ بمعنى ما. وفي الأصول أيضاً، عندما يُبحث في الدليل الشرعي اللفظي، تُطرح هذه المسألة: هل ظهور ألفاظ الشارع في معنى ما حجة لنا أم لا؟ بالطبع، في المباحث المنطقية واللغوية، عندما تُطرح مسألة ظهور اللفظ، لا يكون البحث عن الحجية؛ بل يُقصد فيهما مجرد دلالة اللفظ على معنى ما؛ على سبيل المثال، في علم اللغة يُبحث في المعنى الحقيقي والمجازي، وفي علم المنطق يُبحث في كيفية دلالات الألفاظ؛ أما في علم الأصول، عندما يُبحث في ظهور الألفاظ، تكون مسألة الحجية الشرعية هي المقصودة؛ وبتعبير آخر، في علم الأصول عندما نقول إن ظهور الألفاظ حجة؛ فمعناه أن الشارع قد جعل ظهور الألفاظ حجة شرعية لنا؛ بحيث إذا فهمنا معنى من ألفاظ الشارع، وبناءً عليه استنبطنا حكم الشارع وعملنا به، فإن الشارع لا يحتج علينا؛ بل على فرض أننا درسنا القرائن ولم نصل إلى نتيجة، وبالتالي عملنا بناءً على الظواهر وكان هذا الظهور مخالفاً للواقع، فإننا نحتج على الشارع بأننا عملنا بظاهر ألفاظه، وإذا كان الشارع قد قصد خلاف الظاهر، كان عليه أن يبيّن قرينة يُستفاد منها معنى خلاف الظاهر. بالنظر إلى البيان أعلاه، فإن بحث حجية الظواهر هو بحث أصولي وليس منطقياً أو لغوياً؛ لأن في المباحث المنطقية واللغوية، ليست مسألة الحجية الشرعية هي المقصودة؛ بل يُطرح فقط معنى ومدلول الألفاظ؛ أما في الأصول، فإن حجية وعدم حجية الظواهر هي محل البحث. ولهذا السبب، لم يورد الأصوليون مسألة حجية الظواهر في باب الألفاظ؛ بل ذكروها ضمن مباحث الأمارات والحجج.

٤. أسئلة البحث

الآن، بالنظر إلى تبيين المسألة وبيان نوعها، تُطرح هنا عدة أسئلة: أولاً؛ هل الظواهر حجة؟ ثانياً؛ على فرض إيجابية الجواب على السؤال الأول، هل كل الظواهر حجة؟ ثالثاً: هل هناك أدلة على حجية الظواهر؟

٥. فرضيات البحث

تُبيّن الفرضيات بناءً على الأسئلة المطروحة: أ) الظواهر لها حجية شرعية. ب) الظواهر حجة في ألفاظ الأدلة الشرعية وكذلك في الألفاظ العادية. في الأدلة الشرعية، حجيتها شرعية؛ أما في الألفاظ العادية، فحجيتها عادية. ج) قُدّمت أدلة على حجية الظواهر سيتم بيانها لاحقاً.

٦. دراسة المفاهيم

الحجة

لكي يتضح مفهوم الحجة، لا بد من توضيح معناه اللغوي والاصطلاحي.

أ) المعنى اللغوي للحجة

تأتي الحجة في اللغة بمعنى الدليل والبرهان. (ابن منظور، ١٤١٤هـ: ٢/ ٢٢٨). وقد اعتبر البعض الغلبة وقت الخصومة، التي هي من لوازم البرهان، من معاني الحجة أيضاً (الفراهيدي، ١٤١٠هـ: ٢/ ١٠). ومن هنا، عرّف أهل اللغة «احتج» الذي هو فعل متعدٍ للحجة، بمعنى «ادعى بدليل وبرهان» (مهيار، ١٤١٠هـ: ٢٠).

ب) المعنى الاصطلاحي للحجة

المعنى الاصطلاحي للحجة هو نفسه المعنى اللغوي، أي الحجة والدليل. بالطبع، في علم الأصول، معنى الحجة أخص؛ لأنه في الأصول عندما يُطرح الحديث عن الحجة، تُطرح مسألة العبد والخالق. وبما أن العبد يجب أن يتبع أوامر مولاه، أي الله، فإذا قيل: لله حجة على عباده؛ فمعناه أنه بيّن لهم طريق الوصول إلى المقصود، ولا يُقبل عذر العباد؛ أما عندما يُطرح الحديث عن حجة العباد على الله، فمعناه أن البيان والدليل لم يكتمل للعباد، ويمكنهم الاحتجاج على الله في مسألة لم يرد فيها دليل واضح، بعدم إتيانهم بها، وأن يقولوا لأنه لم يخبرنا الله بالتكليف، لا نستطيع أداء التكليف الإلهي، وأصلاً التكليف بدون بيان قبيح.

الظهور

للظهور أيضاً معنى لغوي واصطلاحي سيتم توضيحه هنا.

أ) المعنى اللغوي للظهور

الظهور، جمع ظَهْر. والظَّهْر في اللغة بمعنى خلاف البطن، كما يُقال للأماكن المرتفعة من الأرض، ظَهْر الأرض (الفراهيدي، ١٤١٠هـ: ٤/ ٣٧).

ب) المعنى الاصطلاحي للظهور

الظهور في اصطلاح الأصوليين يأتي بنفس معناه اللغوي؛ أي الظاهر والواضح؛ لأنه في علم الأصول كلما قيل: هذا اللفظ ظاهر في هذا المعنى، فمفهومه أن معنى هذا اللفظ ليس خفياً؛ بل هو ظاهر وواضح.

النص والظهور والمجمل

هذه الكلمات الثلاث التي تستخدم لحالات الألفاظ، بينها فروق من حيث المعنى والمصداق، نشير إليها أدناه: أ) النص: أحياناً الألفاظ المستخدمة في الدليل لا تحمل من حيث اللغة أكثر من معنى واحد، ومن الناحية العرفية أيضاً لا يوجد احتمال لمعنى آخر. في هذه الحالة، يوصل اللفظ معناه الأصلي بشكل صريح وبدون إجمال، وهو حجة من الناحية الشرعية. في هذه الحالة، يُقال إن اللفظ ظاهر في معناه الأصلي. ب) الإجمال: في بعض الحالات، اللفظ المستخدم في الدليل له معانٍ متعددة وفي نفس الوقت علاقة اللفظ بتلك المعاني متساوية؛ مثل المشترك اللفظي. في هذه الحالة، بما أن أياً من المعاني ليس أقرب إلى اللفظ؛ لذا يكتنف اللفظ الإبهام، ويصبح الدليل في هذه الحالة مجملاً وغير قابل للاعتماد عليه؛ مثل كلمة «عين» التي لها في اللغة العربية عدة معانٍ مختلفة. بناءً على ذلك، استخدام كلمة «عين» لأي من معانيها هو على نحو الاشتراك اللفظي، واستخدام «عين» في تلك المعاني مجمل، ولا يوجد أي معنى قريب من اللفظ أو بعيد عنه. ج) الظهور: أحياناً يكون للفظ معانٍ متعددة؛ لكن أحد تلك المعاني أقرب إلى اللفظ؛ مثل كلمة «بحر» التي لها معنى حقيقي وقريب من اللفظ وهو «بحر من الماء»؛ ولكن لها معنى مجازي بعيد أيضاً وهو «بحر من العلم». بناءً على ذلك، إذا استخدم شخص كلمة «بحر» في جملة، فبأي طريقة يمكننا أن نفهم مقصود المتكلم، هل مراده من كلمة «بحر»، ماء البحر أم بحر من العلم؟ وظيفتنا في هذه الحالة هي أن ندرس القرائن اللفظية والحالية في هذا المورد، فإذا حددت القرائن معنى، أخذنا به؛ أما إذا لم نحصل على شيء من القرائن، فيجب في هذه الحالة حمل اللفظ على معناه اللغوي، ونقول إن مقصود المتكلم هو نفس المعنى اللغوي للفظ. وهذا هو ما يُعبّر عنه بحجية الظهور (الصدر، ١٤١٢هـ: ٢١٣-٢١٤).

٧. الأقوال في المسألة

بعد بيان المسألة، وتوضيح مفهوم الظهور والحجة، والفرق بين الظهور والنص والإجمال وغيرها، يجب ذكر الأقوال في المسألة ودراستها. كما ذُكر سابقاً، لكل لفظ نوعان من الدلالة، إحداهما الدلالة التصورية والأخرى الدلالة التصديقية. في الدلالة التصورية، يُراد فقط المعنى اللغوي للفظ، وهو ما يُعبَّر عنه بالظهور التصوري للفظ، ومعناه أن كل لفظ ظاهر في معناه اللغوي. أما في الدلالة التصديقية، فإن فهم مراد المتكلم من اللفظ مهم، وهو ما يُعبَّر عنه أحياناً بالظهور الحالي، ومعناه هل الظهور التصوري للفظ هو مراد ومقصود المتكلم أم لا؟ بحث الظهور التصوري وأن اللفظ ظاهر في معناه اللغوي هو بحث صغروي؛ لأنه يُطرح على النحو التالي: هل اللفظ ظاهر في معناه اللغوي أم لا؟ أما بحث الظهور الحالي أو التصديقي فهو بحث كبروي، يُطرح على النحو التالي: هل نفس الظهور التصوري للفظ هو مراد المتكلم أم لا؟

أ) الظهور التصوري

الظهور التصوري الذي هو بحث صغروي يتعلق بوضع اللغة؛ لأنه يبحث في إثبات المعنى اللغوي للفظ عن طريق بيان أهل اللغة؛ وبتعبير آخر، هل كلام أهل اللغة في بيان وضع الألفاظ حجة لنا أم لا، وقد بحث الأصوليون حجية قول اللغوي بشكل منفصل، واعتبروه من الظنون الخارجة عن حكم مطلق الظن. وقد أرجع المرحوم الشيخ الأنصاري حجية قول اللغوي إلى باب الشهادة، وقال إن قول أهل اللغة مقبول من باب الشهادة؛ بمعنى أنه إذا توفرت شروط الشهادة أو البينة الشرعية (وهي البلوغ، والعقل، والعدالة، والعدد)، كان قول اللغوي حجة مطلقاً؛ أما إذا لم تتوفر فيه شروط الشهادة، فيكون قول اللغوي مقبولاً في ثلاثة موارد: ١. قول اللغوي في مورد يعلم فيه الإنسان معنى اللفظ من لغوي واحد أو عدة لغويين، وفي هذه الحالة، يكون قول أهل اللغة مقبولاً. ٢. أن يكون بيان أهل اللغة في مسائل قابلة للتسامح؛ مثل تفسير خطبة لا تتعلق بالأحكام الشرعية، ففي هذه الحالة أيضاً يكون قول اللغوي حجة. ٣. أن يكون قول اللغوي في موضع باب العلم فيه منسد. في هذه الحالة، من باب العمل بمطلق الظن، تكون له حجية (الأنصاري، ١٣٧٥هـ: ٩٠).

ب) الظهور التصديقي

الظهور التصديقي الذي هو محل البحث حالياً والذي ستُدرس الأقوال فيه، هو بحث كبروي؛ بمعنى هل ظهور حال المتكلم أو ما يفهمه العرف من ظاهر اللفظ وحال المتكلم، حجة أم لا؟ بالطبع، كما أشير سابقاً، المراد من الحجية هو الحجية الشرعية؛ أي أن ما يفهمه العرف من ظاهر ألفاظ الدليل الشرعي، هل هو حجة لهم أم لا؟

الأقوال في المسألة

بعد بيان المباحث التمهيدية والتوضيحات المتعلقة بمفاهيم الظهور والحجية، وما هو مرادنا هنا، يجب التطرق إلى أصل البحث وهو آراء العلماء حول حجية الظهور، وبيان أدلة ومستندات كل قول، ثم اختيار القول المختار مع دليل مؤيد له.

أ) رأي المشهور

يعتقد مشهور العلماء أن ظواهر كلام الشارع في تعيين مراده في الجملة؛ أي بصورة قضية موجبة جزئية، حجة. وحجية الظواهر مطلقة، بمعنى أن ظواهر القرآن وظواهر الأحاديث كلاهما حجة. وكذلك، حجية الظهور ليست مشروطة بإفادة الظن؛ مع هذا التوضيح أن الظهور حجة سواء أفاد الظن أم لم يفده. علاوة على ذلك، إذا وُجد ظن بخلاف الظهور، فإن الظهور حجة وحجيته مطلقة. كما أن حجية الظواهر لا تختص بمن قُصد إفهامه بالخطاب؛ بل تشمل غير المقصود بالإفهام أيضاً. بشكل عام، ترتبط حجية الظواهر بأصل النص؛ أما ما قصده صاحب النص، فهو خارج عن النص. من ناحية أخرى، كل كاتب ملزم بصياغة نصه بطريقة يفهم منها كل شخص مقصود الكاتب. بالإضافة إلى ما ذُكر، تجري حجية الظواهر في جميع الأدلة اللفظية للشارع؛ وبعبارة أخرى، جميع الأدلة الشرعية التي وردت في القرآن أو في أحاديث المعصومين (ع)، لها حجية شرعية للناس، والناس مكلفون بالعمل بظواهر الكتاب والأحاديث (الخراساني، ١٤٢٣هـ: ٢/ ٣٢٣-٣٢٤).

بيان الاستدلال

للقول المشهور القائل بحجية الظواهر مطلقاً، يمكن الاستدلال عن طريق السيرة، والاستدلال بالسيرة يمكن بيانه بطريقتين:

أ) السيرة العقلائية

كيفية الاستدلال بالسيرة العقلائية هي أن سيرة العقلاء قائمة على أنهم يعتبرون الظهور وسيلة كافية لمعرفة مقاصد المتكلم، وبناءً على نفس الظهور، يرتبون الآثار التكوينية والتشريعية. من ناحية أخرى، كانت هذه السيرة العقلائية جارية في زمن المعصومين (ع)، وهم لم ينهوا عن هذه الطريقة العقلائية؛ بل التزموا الصمت. من جانب آخر، المعصومون (ع) مكلفون ببيان الأحكام، وإذا انحرف الناس في مكان ما عن الحكم الشرعي، فوظيفتهم هي توعية الناس بالأحكام. وبما أن هذه السيرة العقلائية قد اقترنت بصمت المعصومين وعدم نهيهم عنها، فهذا كاشف عن رضاهم بها. ونتيجة لذلك، فإن ظهور الكتاب والسنة حجة شرعية مطلقاً؛ أي أن الشارع قد أجاز لنا العمل بظواهر الأدلة الشرعية؛ مثل ظواهر الألفاظ العادية والعرفية (الصدر، ١٤١٢هـ: ١٨١). بالطبع، يجب إضافة هذه النقطة في الاستدلال أيضاً، وهي أن الشارع قد تحدث مع الناس بلغتهم، ومن هذا الجانب لا يوجد فرق بين الألفاظ الشرعية الواردة في الكتاب والسنة والألفاظ الرائجة بين الناس (الأنصاري، ١٣٧٥هـ: ١/ ٦٦).

ب) سيرة المتشرّعة

لإثبات حجية الظواهر، استُدل أيضاً بسيرة المتشرعة التي كانت شائعة بين أصحاب الأئمة (ع). طريقة الاستدلال هي أننا لا نشك في أن عمل الأصحاب بظواهر الكتاب والسنة كان في حضور الأئمة (ع)، وهم لم ينهوا عن هذا العمل من الأصحاب. هذا العدم للنهي يكشف عن إمضائهم له على نحو (كشف المعلول عن العلة)، ويثبت رضاهم بالعمل بالظواهر (الصدر، ١٤١٢هـ: ١٨٢). بيان نقطة: يوجد فرق اعتباري بين السيرة العقلائية والمتشرعة؛ لأن عقلاء العصر المعاصر للمعصوم كانوا أحياناً يتبعون مساراً أو طريقة بوصفهم عقلاء؛ مثل أنهم كانوا يعتبرون الحيازة إحدى طرق التملك، وهذه المسألة تُعتبر سيرة عقلائية. لكنهم أحياناً لم يكونوا يقومون بعمل ما بوصفهم عاقلين؛ مثل «مسح القدمين» الذي هو طريقة لا يقوم بها العقلاء بوصفهم عقلاء؛ بل يقومون بهذا العمل من منطلق كونهم تابعين للشرع ومتبعين للشريعة؛ وبتعبير آخر، «مسح القدمين» هو أمر شرعي وليس عقلائياً. بناءً على ذلك، تكون السيرة العقلائية كاشفة عن أمر الشارع عندما تقترن بصمت المعصوم الذي يدل على إمضائه له؛ أما سيرة المتشرعة فلا تحتاج إلى إمضاء الشارع؛ بل إن سيرة المتشرعة وحدها كاشفة عن الدليل الشرعي؛ لأن أهل الشرع أو المتشرعة عندما يقومون بعمل ما أو يتبعون طريقة خاصة، فمن المؤكد أنهم أخذوا ذلك العمل أو تلك الطريقة الخاصة من الشارع (نفس المصدر: ١٥٣-١٥٤).

ب) رأي الأخباريين

يرى جماعة من الأخباريين أن حجية الظواهر مقيدة. فهم يقولون إن ظواهر الروايات حجة؛ أما آيات القرآن فلا يمكن التمسك بظاهرها، وبالتالي لا يمكن إثبات حكم شرعي بها. يقولون إن آيات القرآن إما نص لا يحتاج إلى بيان، أو غير نص يحتاج إلى كشف وتفسير، وتفسير آيات القرآن ممكن فقط في ضوء روايات المعصومين (ع)، ونحن بدون الرجوع إلى الروايات لا نستطيع حمل الآيات على ظاهرها (الأنصاري، ١٣٧٥هـ: ١/ ٦٦-٦٧؛ الصدر، ١٤١٢هـ، ١٨٤).

بيان الاستدلال

ذكر الأخباريون أدلة لإثبات مدعاهم، نشير إلى أهمها.

١. الدليل الأول

دليلهم الأول هو الآية الشريفة التالية: «هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله» (آل عمران: ٧).

جواب الدليل الأول

أُجيب على الدليل الأول بعدة أجوبة. ١. أولاً، الظاهر غير المتشابه؛ لأن المتشابه هو ما يحتمل عدة معانٍ على السواء بالنسبة للفظ، بينما الظاهر ليس كذلك؛ بل في مسألة الظاهر، يكون معنى واحد واضحاً. ٢. الجواب الثاني هو أنه على فرض قبولنا بأن الظواهر من المتشابهات، فإن الآية المذكورة لا تنهى عن جميع المتشابهات بشكل مطلق؛ بل الآية في صدد ذم أولئك الذين يفصلون المتشابهات عن المحكمات لغرض خاص، ليثيروا بها الفتنة. بناءً على ذلك، إذا كانت مسألة إثارة الفتنة واردة، فلا يمكن حتى التمسك بالنص. ٣. الجواب الثالث هو أنكم إذا أردتم الاستدلال بهذه الآية على نفي حجية الظواهر، فإن هذه الآية نفسها ليست نصاً؛ بل هي ظاهر. بناءً على ذلك، إذا لم تكن للظواهر حجية، فإن عدم الحجية يشمل هذه الآية نفسها، وبالتالي، تسقط الآية نفسها من الحجية (الصدر، ١٤١٢هـ: ٢/ ١٨٥)، وبما أن للآية حجية، فلا يمكن الاستدلال بها على نفي حجية الظواهر.

٢. الدليل الثاني

الدليل الثاني على عدم حجية الظواهر هو الروايات التي تنهى عن الرجوع إلى ظاهر القرآن الكريم. روايات تقول إن ظاهر القرآن مبهم، ولا أحد غير المعصومين لديه القدرة على فهمه.

جواب الدليل الثاني

أُجيب على هذا النوع من الروايات بجوابين. الأول أن الروايات المذكورة ضعيفة السند؛ بل أكثر من ذلك، يطمئن الإنسان بكذبها. بالإضافة إلى ذلك، لو سقطت حجية ظواهر القرآن من الاعتبار، لكان يجب على الأئمة (ع) أن يبيّنوا شيئاً في هذا المجال، بينما لم يشر أي من الفقهاء إلى رواية أو روايات تسقط حجية ظواهر القرآن. الثاني، على فرض وجود مثل هذه الروايات، فإنها تتعارض مع القرآن نفسه؛ لأن القرآن قد عرّف نفسه بأنه بيان. بناءً على ذلك، إذا تعارضت الروايات مع القرآن، فلن تشملها حجية خبر الواحد (نفس المصدر: ١٨٦-١٨٧). المجموعة الثانية من الروايات هي التي تقول إن الاستقلال في فهم القرآن غير جائز؛ بل يجب أن نفهم القرآن بمساعدة الحجة، وهي روايات المعصومين (ع). جواب هذا الدليل أيضاً هو أن هذا النوع من الروايات لا يدل على عدم جواز التمسك بظاهر القرآن بعد الفحص عن قرينة مخالفة؛ لأن الذين يعتبرون ظاهر القرآن حجة، يلزمون أيضاً بالفحص عن المخصص، والتقييد، وما إلى ذلك (نفس المصدر: ١٨٧). المجموعة الثالثة من الروايات هي التي تنهى عن تفسير القرآن بالرأي الشخصي، وأن من فسّر القرآن برأيه ونظره، فقد كفر (الأنصاري، ١٣٧٥هـ: ١/ ٧٠-٧٤). جواب هذا النوع من الروايات هو أن حمل اللفظ على ظاهره لا يُعد تفسيراً؛ لأن التفسير هو كشف القناع، بينما في الظاهر، لا يوجد أي قناع أو حجاب؛ بل كما هو واضح من اسمه، هو ظاهر (نفس المصدر: ٦٩). الظاهر أن هذا الجواب ليس كاملاً؛ لأنه في بعض الآيات، إثبات الظهور يحتاج إلى دقة أكبر. ولذا، يُرى أن الفقهاء يختلفون أحياناً في فهم دليل واحد، وهذا دليل على أن معنى الآية لم يكن ظاهراً وإلا لما حدث اختلاف. أما الجواب الصحيح على هذا النوع من الروايات التي تنهى عن تفسير القرآن بالرأي، فهو أحد الجوابين التاليين: ١. كلمة «الرأي» بناءً على ما يُعرف من ظروف وأوضاع عصر النص، هي «الحدس» و«الاستحسان»، وليست الرأي المبتني على طبيعة العرف العام. بناءً على ذلك، إذا كانت الروايات تنهى عن التفسير بالرأي، فإن المقصود هو الحدس والاستحسان؛ أي ليس لكم الحق في التمسك بهذين الأمرين فيما يتعلق بالقرآن. ٢. لقد أثبتنا سابقاً حجية الظواهر بالسيرة العقلائية والمتشرعة. بناءً على ذلك، هذه الروايات لا تملك القدرة على مواجهة السيرة؛ لأن الروايات ليست واضحة إلى درجة أن تلغي سيرة ثابتة (الصدر، ١٤١٢هـ: ٢/ ١٨٨).

٣. الدليل الثالث

الدليل الثالث للأخباريين هو أن القرآن يشتمل على مضامين عالية؛ بناءً على ذلك، من الطبيعي أن يكون إدراك تلك المفاهيم خارج متناول عامة الناس؛ كما أن فهم كلمات العظماء، الذين هم خلق الله، يكون أحياناً بعيداً عن فهم العامة (الخراساني، ١٤٢٣هـ: ٢/ ٣٢٥).

جواب الدليل الثالث

كون القرآن ذا مضامين عالية أمر لا شك فيه؛ لكن هل تعقيد المطالب يسبب عدم قدرتنا على التمسك بظواهر القرآن؟ ليس الأمر كذلك؛ أي رغم أن القرآن يحتوي على مضامين سامية جداً؛ لكنه ليس بطريقة تخرج فهم ظواهره عن متناول عامة الناس (نفس المصدر: ٣٢٦). بناءً على ذلك، كلام الأخباريين القائل بأن حجية الظواهر تختص بالروايات، ليس صحيحاً؛ بل كل الظواهر الشرعية حجة لنا.

نظر صاحب القوانين

صاحب القوانين، مثل الأخباريين، قائل بالتفصيل؛ بالطبع تفصيله يختلف كثيراً عن تفصيل الأخباريين. رأيه هو أنه يجب علينا أن نفرق في حجية الظواهر بين متعلق الخطاب وعدم متعلقه. ظواهر الخطاب الصادر لمن كان مقصوداً بالخطاب، حجة؛ أما لمن لم يكن مقصوداً بالخطاب، فظواهره ليست حجة.

دليل هذا الرأي

دليل صاحب القوانين هو أن حجية الظهور من باب حجية الظن المطلق بسبب انسداد باب العلم. إذا كان المتكلم يقصد إفهام المخاطب، فيجب أن يلقي كلامه بطريقة لا يقع المخاطب في خطأ من حيث كيفية البيان، وإذا وقع المخاطب في خطأ على سبيل الفرض، إما بسبب غفلة المخاطب نفسه عن قرائن الكلام أو بسبب عدم انتباه المتكلم في إلقاء الكلام. أما في محل بحثنا، فكلا الاحتمالين منفي؛ لأن أولاً، متكلمنا هو المعصوم، وثانياً، سيرة العقلاء قائمة على عدم الاعتناء بهذا النوع من الغفلة الذي يكون احتماله نادراً جداً. أما بالنسبة لمن ليس مقصوداً بإفهام الكلام، فإن طرق الخطأ كثيرة؛ لأنه من الممكن أن يكون المتكلم قد قال أشياء ضمن الكلام لمخاطبه المقصود بالإفهام، بينما غير المقصود بالإفهام ليس لديه أي اطلاع على تلك الأمور، ونتيجة لذلك، فإن احتمال وقوع المخاطب الأصلي للكلام في الخطأ إما لا وجود له أصلاً أو نادر جداً بحيث لا يلتفت إليه العقلاء. لكن احتمال خطأ غير المخاطب كبير جداً؛ لأنه ليس مخاطباً ليكون على دراية بجميع كيفيات الخطاب؛ لذا، في النتيجة، الظهور حجة للمخاطب الأصلي للكلام؛ أما لغير المخاطب، فليس بحجة؛ لأن الحجية من حيث كيفية تقديم الخطاب لم تتم له (الميرزا القمي، ١٣٧٨هـ: ١/ ٣٤٦).

جواب دليل صاحب القوانين

في حجية الظواهر، لا فرق بين المخاطب وغير المخاطب؛ بل كما أن الظواهر حجة للمخاطبين بالكلام، فهي حجة لغير المخاطبين أيضاً. هذا عدم الفرق قابل للدراسة في مجالين. ١. من الناحية العرفية: في العرف، العادة جارية على أنه إذا قيل كلام، تُدرس أولاً القرائن التي تصرف الكلام عن معناه الأصلي، فإذا لم توجد قرائن؛ وبعبارة أخرى، لم توجد قرائن صارفة، يُحمل الكلام على ظاهره. بناءً على ذلك، في محل البحث أيضاً، هذه السيرة العرفية جارية؛ أي أن ما يقال بأن الظواهر حجة مطلقاً، يكون بعد دراسة القرائن، وإلا فلا أحد يحمل الكلام على ظاهره بدون دراسة القرائن، وفي هذا المورد لا فرق بين المخاطب وغير المخاطب؛ بل الظهور حجة للجميع. على سبيل المثال، إذا أرسل شخص رسالة لصديقه وذكر فيها أموراً عامة أيضاً، ووقعت هذه الرسالة بالصدفة في يد شخص آخر وقرأها، فإن هذا الشخص يفهم مطالب الرسالة بنفس الصورة التي يفهمها صاحب الرسالة، وإذا طُرحت في تلك الرسالة مسائل مهمة هي وظيفة الجميع، وقال هذا الشخص لأنه لم تكن الرسالة موجهة إلي، فليس لي وظيفة، فإن هذا الكلام غير مقبول منه؛ لأن الظهور حجة للجميع. ٢. من الناحية العلمية: من هذه الجهة أيضاً، للعلماء أصل يسمى «أصالة الحقيقة»، وهو أنه كلما قيل كلام وشككنا في أن المراد هو معناه الحقيقي أم غير الحقيقي، فإن الأصل المذكور يحكم بأن المراد هو نفس المعنى الحقيقي وليس المجازي. بناءً على ذلك، إذا كانت أصالة الحقيقة حجة، فهي حجة للمخاطب ولغير المخاطب، ولا فرق بينهما في هذا. في محل بحثنا أيضاً، الذي هو الحديث عن حجية الظواهر الشرعية، إذا صدر حكم شرعي من طرف الشارع، فلا أحد يتأمل في أن الخطاب يشملني أيضاً أم لا؛ بل يتوجه جميع المكلفين إلى نفس الظواهر ويعملون بها (نفس المصدر: ٨٢-٨٣). بناءً على ذلك، الظواهر من الناحية العرفية والعلمية لها حجية مطلقة.

النتيجة

في هذا التحقيق، بعد بيان المسائل التمهيدية، مثل بيان المسألة، وخلفية المسألة، ونوع المسألة، وأسئلة المسألة، والفرضيات، ودراسة المفاهيم، والفرق بين النص والظهور والإجمال، تم التطرق إلى دراسة الأقوال حول حجية الظواهر. وفي مجال حجية الظواهر، طُرحت ثلاث نظريات رئيسية. ١. نظرية المشهور: يرى المشهور أن جميع الظواهر حجة، ولا فرق في ذلك بين ظواهر القرآن والروايات. كما لا يوجد فرق بين المخاطب وغير المخاطب في حجية الظواهر. ٢. نظرية الأخباريين: يعتقد الأخباريون أن ظواهر الروايات حجة؛ أما ظواهر القرآن فلا يمكن اعتبارها حجة؛ لأن القرآن يحتوي على محتوى عالٍ بعيد عن فهم البشر العاديين؛ لذا، لفهم القرآن يجب علينا الرجوع إلى روايات المعصومين (ع). ٣. نظرية صاحب القوانين: يرى صاحب القوانين أنه في حجية الظواهر يجب أن نفرق بين المخاطب وغير المخاطب، ونقول إن الظواهر حجة للمخاطب؛ أما لغير المخاطب فليست بحجة. النظريتان الثانية والثالثة تواجهان إشكالات رئيسية لا يمكن تجاوزها بسهولة؛ لأنه بالإضافة إلى الإشكالات المذكورة، بما أن الشارع يتحدث مع عباده باللغة العادية وليس بلغة أخرى، وكذلك الروايات قطعية الصدور من حيث الحجية لا تختلف عن القرآن؛ لذا، فإن التفريق بين ظاهر القرآن والروايات غير مبرر بأي وجه. كما أن التفريق في حجية الظواهر بين المخاطب وغير المخاطب مع تساوي الظواهر غير مقبول. حجية الظواهر المطلقة التي طُرحت في النظرية الأولى، ثبتت بأدلة محكمة، واتضح أن الظواهر بعد دراسة القرائن الدالة على خلاف الظواهر، لها حجية شرعية، وفي حجية الظواهر لا فرق بين القرآن والروايات والمخاطب وغير المخاطب. بناءً على ذلك، الظواهر حجة مطلقاً.

المصادر والمراجع

ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، الطبعة الثالثة، ١٤١٤هـ.

الأنصاري، الشيخ مرتضى، فرائد الأصول، قم، اسماعيليان، الطبعة الأولى، ١٣٧٥ش.

الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السابعة، ١٤٢٣هـ.

رضا، مهيار، فرهنگ ابجدى (معجم أبجدي)، طهران، انتشارات إسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٠هـ.

الصدر، السيد محمد باقر، المعالم الجديدة، النجف، مكتبة النجاح، ١٣٩٥هـ.

________، دروس في علم الأصول، قم، مؤسسة اسماعيليان، الطبعة الأولى، ١٤١٢هـ.

الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم، منشورات الهجرة، الطبعة الثانية، ١٤١٠هـ.

الميرزا القمي، قوانين الأصول، طهران، انتشارات علميه إسلاميه، الطبعة الأولى، ١٣٧٨هـ.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: ١٥/ ١١/ ١٤٠٢هـ، تاريخ القبول: ٣٠/ ٠٥/ ١٤٠٣هـ.

2. طالب دكتوراه في الفقه القضائي، جامعة المصطفى العالمية (miborhani57@gmail.com).

3. طالب السطح الرابع، جامعة المصطفى العالمية.

Scroll to Top