الاستصحاب التعليقي وفقاً لمبنى الإمام الخميني

الملخص

الاستصحاب التعليقي هو الحكم ببقاء الحكم التعليقي بعد الشك في تغير حالات موضوعه. يرى بعض الفقهاء، مثل الآخوند، حجية الاستصحاب في الأمور التعليقية كما هو الحال في الأمور المنجزة. بينما يرى النائيني والخوئي، بناءً على مبناهما في إعادة قيود الحكم إلى الموضوع وتفكيك حقيقة الحكم إلى مرحلتي الجعل والمجعول، عدم جريان الاستصحاب التعليقي مطلقاً في هذا النوع من الأحكام. وذهبت طائفة أخرى إلى التفصيل، فجوّزت استصحاب الحكم التعليقي في الموارد التي ترجع فيها قيود القضية إلى الحكم. يهدف هذا المقال إلى دراسة الاستصحاب التعليقي وفقاً لمبنى الإمام الخميني (قدس سره)، حيث يقبل الإمام الاستصحاب التعليقي. من وجهة نظره، ليس محل النزاع في الاستصحاب التعليقي هو تعليق الموضوع أو تعليق الحكم، بل إن الاستصحاب التعليقي المذكور في لسان الدليل الشرعي (الآيات والروايات) هو تعليق الحكم. يستصحب الاستصحابُ التعليقيُّ الحكمَ المعلق، لا التعليق المدرَك بالفهم العقلي، ولا التعليق الذي يُبيّنه الدليل بصيغة القضية الشرطية.

المقدمة

الاستصحاب هو أحد الأصول العملية الأربعة، ويُستخدم كأحد الطرق العامة لحسم الشكوك في المواضع التي لا يوجد فيها دليل. أصل الاستصحاب هو الحكم ببقاء شيء كان اليقين بوجوده سابقاً. كلما واجه المكلف حيرة في مقام العمل، فإنه يخرج من حالة الحيرة بالتمسك به. الاستصحاب هو «إبقاء ما كان». (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۹/۲) هذا التعريف هو الأكثر إحكاماً وإيجازاً، أي الحكم ببقاء ما كان موجوداً من قبل.

«هو السير على طبق السابقة الموجودة في صورة الشك في بقائها» (جعفري لنكرودي، ۱۳۸۲: ۴۹). عندما نتيقن بوجود شيء في زمن ما، ثم نشك في زمن لاحق في وجوده أو عدمه، نرجح اليقين السابق ونفترض وجود ذلك الشيء. بناءً على هذا الأصل، يبقى ما كان موجوداً قبل الزمن الحاضر على حاله حتى يُعثر على دليل قاطع يزيل الحالة السابقة.

قال الإمام الخميني في تعريف الاستصحاب: «ليس أي من تعاريف الاستصحاب خالياً من الإشكال، بل إن كلام عظماء علم الأصول في هذا الباب لا يخلو من الاضطراب، وصدر كلامهم وذيله لا يخلوان من المناقشة». (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/۱) للاستصحاب أركان تقوم عليها حقيقته وقوامه. عناصر الاستصحاب هي:

۱. اليقين السابق: أي ما نريد استصحابه يجب أن نكون على قطع ويقين بوجوده في الزمن الماضي.

۲. الشك اللاحق: أي أن الشيء الذي كنا على يقين به قد أصبح الآن موضع شك.

۳. وحدة المتيقن والمشكوك (وحدة الموضوع): ما تيقنا به يُسمى المتيقن، وما هو موضع الشك والتردد يُسمى المشكوك. لإمكان الاستصحاب، يجب أن يكون المتيقن والمشكوك واحداً، وبعبارة أخرى، يجب أن يكون متعلق اليقين والشك واحداً. (المظفر، ۲/ ۲۴۹؛ الآخوند الخراساني، ۳۸۴/۱)

٤. «تعدد زمان المتيقن والمشكوك»: يجب التفريق بين الشك واليقين، وبين المشكوك والمتيقن. الشك واليقين صفتان للإنسان، أما المشكوك والمتيقن فهو الشيء الذي تتعلق به هاتان الصفتان. وهما صفتان متضادتان، ويجب أن يكون متعلقهما متعدداً. وبما أن الركن الثالث للاستصحاب هو وحدة المتيقن والمشكوك، فلا بد أن يكون زمانهما متعدداً ليتمكن من أن يكون متعلقاً لصفتين متضادتين. (محمدي، ۱۳۷۵: ۳۱۸)

٥. «تقدم زمان المتيقن على زمان المشكوك»: يجب أن يكون زمان المتيقن متقدماً على زمان المشكوك.

٦. وحدة زمان الشك واليقين: في الزمن الحاضر، يجب أن يكون لدينا شك ويقين معاً. بالطبع اليقين بوجود شيء في الماضي والشك في بقائه حتى الآن. وهذه صفة شخصية لمن يريد تطبيق الاستصحاب.

٧. فعلية اليقين والشك: أن يكون الشخص ملتفتاً ومتوجهاً إلى هذه الحالة والوضعية التي هو عليها، وهذا الشرط يمكن أن يكون له أثر أكبر في العبادات. (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۲/ ۵۴۸)

ينقسم الاستصحاب من حيث الحكم المستصحب إلى نوعين:

۱. الاستصحاب التنجيزي: وهو الاستصحاب الذي يكون حكمه المستصحب حكماً تنجيزياً (حكماً موجوداً بالفعل). لا يوجد خلاف بشأن الاستصحاب التنجيزي؛ فمتى كان بقاء الحكم، سواء كان وضعياً أو تكليفياً، مشكوكاً فيه، يجري الاستصحاب.

۲. الاستصحاب التعليقي: وهو الاستصحاب الذي يكون مستصحبه حكماً تعليقياً؛ (حكم يوجد بفرض وجود أمر آخر). هنا، التعليقي بودن (كونه تعليقياً) هو في الواقع وصف للحكم (المستصحب)، وقد أصبح صفة للاستصحاب مجازاً. مثلاً: العنب إذا غلى يحرم، فالحكم بالتحريم على فرض الغليان يسمى حكماً تعليقياً، فإذا غلى الزبيب، جرى استصحاب حرمة العنب الذي غلى.

«أول من تمسك بالاستصحاب التعليقي هو المرحوم بحر العلوم (۱۲۱۲هـ.ق.). يرى أنه إذا جُفف العنب ثم غلى، فله حكم العنب نفسه. ولكن المثال الذي يذكره بحر العلوم ليس صحيحاً، إذ يقول: العنب إذا غلى يحرم، أي إذا تحول إلى زبيب ثم غلى فإنه يحرم». (الشيخ الطوسي، ۱۴۳۲ق: ۱۶۹/۴) المثال الذي يذكره الشيخ الأنصاري والمحقق الخراساني في الكفاية غالباً ما يكون حول العنب والزبيب. (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۲۲۱/۳؛ الآخوند الخراساني، نفسه: ۴۱۱/۱). هناك قولان في الاستصحاب التعليقي: المشهور يجيزونه، وبعضهم يقول بعدم جوازه لعدم وجود حالة سابقة. وقد فصّل الإمام بين أن يقول الشارع «العنب المغلي حرام»، فلا يجري استصحاب الحكم التعليقي، وبين أن يقول «العنب يحرم إذا غلى» أو «العنب إذا غلى يحرم»، فيجري استصحاب الحكم التعليقي، لأن «إذا غلى يحرم» بنفسها تصبح حكماً شرعياً مترتباً على وجود العنب، فكل عنب محكوم بهذا الحكم وهو أنه يحرم إذا غلى. في هذا المقال، سندرس مبنى الإمام حول الاستصحاب التعليقي.

۱. دراسة مفهوم الاستصحاب التعليقي

الحكم إما منجز أو معلق. الحكم المنجز كوجوب صلاة الظهر بعد الزوال، والحكم التعليقي كحرمة عصير العنب عند الغليان. الاستصحاب التعليقي هو الحكم ببقاء الحكم التعليقي بعد الشك في تغير حالات موضوعه.

الاستصحاب التعليقي هو استصحاب يكون فيه وجود شيء معلقاً على وجود شيء آخر. بعبارة أخرى، في الشريعة، «قد يتعلق حكم بموضوع بشكل مشروط، ثم تحدث تغييرات في الموضوع وتعرض عليه حالات، وإن كانت لا تؤدي إلى تغيير الموضوع، لكنها تثير الشك حول ما إذا كان الحكم التعليقي لا يزال مترتباً على هذا الموضوع مع تلك التغييرات أم لا». مثلاً، ورد في بعض الروايات: «العنب إذا غلى يحرم»، أي أن حكم الحرمة التعليقي المشروط بالغليان قد ثبت للعنب. فإذا تحول العنب إلى زبيب، على فرض أن كون الموضوع عنباً أو زبيباً من حالات الموضوع ولا يغير الموضوع عرفاً، فالسؤال هو: إذا تحول العنب إلى زبيب قبل الغليان، فهل حكم الحرمة التعليقي (الحرمة المعلقة على الغليان) الذي كان ثابتاً للعنب، يثبت للزبيب أيضاً أم لا؟ في هذا المورد، يرى البعض جريان الاستصحاب التعليقي. (المشكيني، ۱۳۷۱: ۳۴؛ الخميني، ۱۴۱۰: ۱۵۴ و ۱۶۴)

يعتقد الآخوند الخراساني أن «المقصود بالاستصحاب التعليقي هو أن حكماً قد ثبت في الشريعة على موضوع بشكل مشروط ومعلق، ثم طرأ تغيير على ذلك الموضوع وعرضت عليه بعض الحالات، لكن عروض تلك الحالة أو الحالات لم يؤد إلى تغيير الموضوع، ولكنه أثار لدينا الشك والتردد فيما إذا كان الحكم التعليقي باقياً مع لحاظ تغيير الحالة أم لا». (الآخوند الخراساني، ۴۱۱/۱)

عرّف الشيخ الأنصاري الاستصحاب التعليقي بأنه «قضية تعليقية، وهي قضية شرطية يُحكم فيها بوجود حكم، كالحرمة، على فرض وجود أمر آخر كالغليان». (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۲۲۱/۳)

ويعتقد الإمام أن «الاستصحاب التعليقي يجري إذا كان الموضوع مطلقاً والحكم مجعولاً بصورة تعليقية. وهذا المطلب يصدق في مورد «العنب يحرم إذا غلى»؛ لأن تعبير «يحرم إذا غلى» هو الحكم، ففي فرض الشك يجري استصحاب الحكم التعليقي. في الاستصحاب التعليقي نستصحب حكم «يحرم»، فإذا كان في موضوع الحكم قيد أو تعليق، فلا يلازم أن يكون في الحكم أيضاً تعليق. الحكم هنا هو «يحرم». (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۲). استصحاب الحكم التعليقي يعني أن بعض قيود الحكم كانت متحققة ولكن البعض الآخر لم يتحقق، ففي «العنب المغلي حرام» قيدان، أحدهما أن يكون عنباً والآخر أن يكون مغلياً. فالعنب عندما كان عنباً لم يغل، ثم صار زبيباً وغُلي، فأصبح «الزبيب المغلي». ظاهر كلام الإمام هو أن استصحاب «العنب المغلي حرام» لا يجري، ولكن في «العنب يحرم إذا غلى» بما أن الشارع نفسه جعل الحكم تعليقياً فهو ليس مجرد انتزاع عقلي منا، فيجري استصحاب الحكم التعليقي. يرى المشهور أننا نستصحب الحكم التعليقي للعنب. خلاصة القول في الاستصحاب التعليقي أن المفروض فيه أن موضوع الاستصحاب ومستعلقه واحد – مثلاً الزبيب هو العنب عرفاً – وفقط طرأ تبدل حال، لا أن الموضوع قد تغير في الاستصحاب التعليقي. كان عنباً سابقاً، والآن هو زبيب. الزبيب عرفاً هو العنب نفسه.

من وجهة نظر الإمام، «محل النزاع في الاستصحاب التعليقي ليس الموضوع الجزئي أو الموصوف والصفة مثل «العنب المغلي»، بصورة تعليق في الموضوع وفي الحكم. محل النزاع في الاستصحاب التعليقي يتعلق بالحكم، ونحن نستصحب الحكم التعليقي. الاستصحاب التعليقي في لسان الدليل الشرعي (الآية والرواية) هو حكم تعليقي، وهو تعليق الحكم». (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۲) مثل «إن جاءك زيد فأكرمه»، فمجيء زيد معلق عليه وجوب الإكرام، والمعلق عليه هو الهيئة الموجودة في «أكرمه». وهذا يعني «هذا الوجود معلق على مجيء زيد»، أو بتعبير آخر «الحكم معلق على مجيء زيد»، أي أننا نستصحب الحكم المعلق. يُبيَّن التعليق بصورة قضية شرطية (واجب مشروط أو حرمة مشروطة). مجيء زيد معلق عليه وجوب الإكرام، وهو استصحاب تعليقي. مثلاً في الروايات، عبارة «العنب يحرم إذا غلى»، فـ«إذا غلى» تتعلق بالحرمة. الحرمة معلقة على الغليان، والموضوع هو الزبيب، لكن حكم العنب، أي حكم الحرمة، إنما يعرض على العنب إذا تحقق الغليان.

۲. حجية الاستصحاب التعليقي

بعد إثبات حجية أصل الاستصحاب عند الأصوليين، طُرح بحث دراسة حجية أو عدم حجية مصاديق وأنواع الاستصحاب. وبالنظر إلى الأقوال والاحتمالات، توجد أربعة أقوال في المسألة:

الأول: الاستصحاب التعليقي يجري مطلقاً. (العراقي، ۱۴۲۰: ۴۰۱/۲)

الثاني: الاستصحاب التعليقي لا يجري مطلقاً. (الكاظمي، ۱۴۱۷: ۴/ ۶۴)

الثالث: التفصيل بين ما إذا كان التعليق مرتبطاً بالحكم فيجري الاستصحاب، وما إذا كان مرتبطاً بالموضوع فلا يجري. (الفاضل اللنكراني، ۱۳۸۰: ۱۵/ ۸۵-۱۶؛ الآخوند الخراساني، ۴۱۱/۱؛ المشكيني، ۱۳۷۱: ۳۴)

الرابع: إذا كان التعليق في لسان الدليل الشرعي، وبعبارة أخرى كان تعليقاً شرعياً، يجري الاستصحاب فيه، أما إذا كان التعليق مستفاداً من غير الدليل الشرعي فلا يجري. (الخوئي، ۱۴۲۲: ۱۶۱/۲) وذلك لعدم وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة في الموضوعات.

وقد فصّل الإمام في ذلك. لذا، فإن عظماء علم الأصول قد قبلوا هذا الاستصحاب التعليقي إما مطلقاً أو مع التفصيل. (الخميني، ۱۴۱۰: ۱/ ۱۵۴ و ۱۶۴)

۱-۲. القائلون بحجية الاستصحاب التعليقي

يوجد خلاف في حجية الاستصحاب التعليقي: الشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني قائلان بحجية الاستصحاب التعليقي. وكذلك الآقا ضياء العراقي والسيد بحر العلوم يعتبران الاستصحاب التعليقي صحيحاً. (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۳/ ۲۲۱؛ الآخوند الخراساني، ۴۱۱/۱؛ العراقي، ۱۴۲۰: ۴۰۱/۲؛ الخوئي، ۱۴۲۲: ۲/ ۱۶۲؛ الفاضل اللنكراني، ۱۳۸۹: ۵ / ۴۰۷-۴۰۶)

القائلون بحجية الاستصحاب التعليقي يختلفون أيضاً في ما إذا كان الاستصحاب يجري في تعليق الموضوعات فقط أم في تعليق الأحكام أيضاً. (الخميني، ۸/ ۵۵۴؛ الطباطبائي القمي، ۱۳۷۲: ۸۱/۳؛ الأنصاري، ۱۴۱۹: ۳/ ۲۲۱؛ الخوئي، ۱۴۲۲: ۲/ ۱۶۲)

أدلة القائلين بحجية الاستصحاب التعليقي هي: أركان الاستصحاب كاملة. لدينا يقين سابق وشك لاحق، والموضوع باقٍ عرفاً، على فرض وجود أمر آخر. يقول الآخوند:

«الاستصحاب التعليقي جارٍ، لأن أركان الاستصحاب من اليقين السابق والشك اللاحق موجودة. وحيثما وجدت أركان الاستصحاب، جرى الاستصحاب. الحكم المعلق له نحو من الوجود، فلا يمكننا القول بأنه لا شيء قبل الغليان، بل هو شيء ما، لكنه نوع من الوجود، وهو وجود تقديري وتعليقي». (الآخوند الخراساني، ۴۱۱/۱)

۲-۲. القائلون بعدم حجية الاستصحاب التعليقي

النائيني لم يكن قائلاً بالاستصحاب التعليقي ولم يعتبره حجة. (الكاظمي، ۱۴۱۷: ۴/ ۶۴) إلا إذا عاد الاستصحاب التعليقي إلى استصحاب تنجيزي. هذا الإنكار مبني على المشهور في حقيقة الحكم، حيث يرى النائيني أن حقيقة الحكم هي البعث والتحريك والإيجاب، وفي هذه الحالة، ليس لدينا في ناحية المجعول قبل تحقق الغليان زجر أو حرمة لنستصحبها.

الخوئي (الخوئي، ۱۴۲۲: ۲ / ۱۶۷) وبعض تلامذته مثل صاحب المنتقى لا يقبلون الاستصحاب التعليقي. (الحكيم، ۱۴۱۳: ۲۰۴/۶)

الإشكال الذي أورده الأصوليون في تفصيلهم في الاستصحاب التعليقي بأن حلول الحكم في الموضوع يرجع إليه؛ قال المرحوم الخوئي والنائيني إن هذا الإشكال شاق، ولا يجري الاستصحاب التعليقي. بناءً على مبنى النائيني، القيود وإن كانت بحسب الظاهر في لسان التشريع قيداً للحكم، لكنها في الواقع قيد للموضوع. (الكاظمي، ۱۴۱۷: ۴/ ۴۶۰). يقول النائيني: في الاستصحاب نحتاج إلى صدق نقض اليقين بالشك. وعنوان نقض اليقين بالشك يكون في الموضع الذي نعلم فيه أن هذه الخصوصية الواردة في لسان الدليل ليست عنواناً مقوماً؛ أما إذا علمنا أنها مقومة، أو شككنا، فلا مجال للاستصحاب. دليل هذه المجموعة القائلة بعدم جواز الاستصحاب هو أن الحكم يجب أن يكون موجوداً في السابق، وهذا الشرط غير موجود في الاستصحاب التعليقي، لأن حرمة العنب لم تكن موجودة بعد الغليان، فالشرط في الاستصحاب التعليقي منتفٍ. (الخوئي، ۱۴۲۲: ۲/ ۱۶۷؛ الكاظمي، ۱۴۱۷: ۴/ ۴۶۰)

وقد خالف المرحوم النائيني المرحوم الآخوند ولم يقبل الاستصحاب التعليقي. في توضيح مدعاهما يقول: لدينا حكم جزئي وحكم كلي. بينهما فرق من حيث التعريف ومن حيث تصور الشك. الشك في الحكم الجزئي هو دائماً شبهة موضوعية، وفي الحكم الكلي له ثلاثة معانٍ. في النوعين الأول والثاني يجري الاستصحاب، ولكن في النوع الثالث لا يجري. (النائيني، ۴/ ۴۶۲). وقد حصر مثال الاستصحاب التعليقي في ما إذا تعلق حكم بموضوع مركب، وتحقق أحد أجزاء المركب ولم يتحقق الجزء الآخر؛ لأن النسبة بين الحكم والموضوع هي نسبة المعلول إلى العلة؛ فلا يعقل وجود الحكم قبل تحقق الجزء الآخر. الإشكال الرئيسي للمرحوم النائيني هو أنه في الاستصحاب التعليقي، ليس لدينا متيقن سابق، وقبل أن يوجد المعلق عليه في العالم الخارجي، ليس لدينا مجعول لنستصحبه.

۳. حقيقة الحكم والاستصحاب التعليقي وفقاً لمبنى الإمام

في بحث حقيقة الحكم، توجد أربعة مبانٍ معروفة إجمالاً.

المبنى الأول: للمرحوم العراقي الذي اعتبر حقيقة الحكم أمراً تكوينياً غير جعلي، أي أنه الإرادة نفسها. (العراقي، ۱۴۱۷: ۳/ ۱۶۲)

المبنى الثاني: للمرحوم الأصفهاني الذي قال إن حقيقة الحكم إنشاء، ولكن إنشاء بداعي جعل الداعي. (الأصفهاني، ۱۳۷۴: ۳/ ۱۲۲)

المبنى الثالث: الحكم اعتبار نفساني يعتبره المولى. هذا هو رأي الخوئي. المولى يعتبر ثبوت الحكم على ذمة المكلف، أو حرمان المكلف من الفعل. (الخوئي، ۱۴۱۰: ۲/ ۲۶۴)

بناءً على هذه المباني الثلاثة (العراقي، الأصفهاني، والخوئي)، لا توجد مشكلة في الاستصحاب التعليقي. قبل تحقق المعلق عليه في العالم الخارجي، لدينا شيء اسمه الحكم. كون الحكم تعليقياً لا يضر بالاستصحاب وجريان أدلته. (الخوئي، ۱۴۲۲: ۱۶۱/۲؛ الأصفهاني، ۱۳۷۴: ۳/ ۲۰۳)

المبنى الرابع: هو مبنى مشهور الأصوليين ومنهم المرحوم النائيني الذين يعتبرون الحكم إنشاءً. (الكاظمي، ۱۴۱۷: ۱/ ۱۷۵)

تنقسم هذه الفئة إلى مجموعتين:

مجموعة: قائلة بالانفكاك بين الجعل والمجعول. وقد أنكر النائيني الاستصحاب التعليقي. يعتقد البعض أن هذا الإنكار مبني على المشهور في حقيقة الحكم، فالمشهور ومنهم النائيني يعتبرون حقيقة الحكم هي البعث والتحريك والإيجاب، وفي هذه الحالة ليس لدينا في ناحية المجعول قبل الغليان زجر وحرمة لنستصحبهما. (الكاظمي، ۱۴۱۷: ۳۹۳/۴)

مجموعة أخرى: يقولون لا انفكاك بين الجعل والمجعول، بل حقيقة الحكم هي نفس البعث ونفس الخطاب.

بناءً على المبنى القائل بالانفكاك، لا حاجة لقبول مبنى الإمام. مجرد أن نكون قائلين بجعل الحكم، يكون الحكم ثابتاً في ناحية المجعول أيضاً.

على مبنى المشهور الذي يقول به الإمام والمرحوم البروجردي، الحكم هو نفس البعث والإنشاء.

مدعى الإمام هو أن الله تعالى في حين جعل القانون والتشريع، لا يلحظ الأشخاص، ولكي لا يكون القانون لغواً، يجب أن تكون هناك جماعة تمتثل له، لكن الشارع في حين جعل القانون يلتفت فقط إلى جانب القانونية. أما أن يكون بالغاً، عاقلاً، مسلماً، كافراً، امرأة أو رجلاً… فلا يلتفت إليه. (الخميني، ۱۴۱۵: ۱/ ۳۵۳؛ البروجردي، ۱۴۱۲: ۱/ ۱۶۷)

يرى المشهور من المتأخرين أن العلم شرط للتنجيز، ولا علاقة له بالفعلية. وهم يعتبرون العقل والقدرة شرطين للفعلية. وفي مرحلة التنجيز، أوردوا العلم وقالوا: «الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل»، والمقصود الأحكام الفعلية. كان القدماء يقولون: «الأحكام مشتركة» أي الأحكام الإنشائية مشتركة بين العالم والجاهل.

الحكم الشرعي تارة يكون تنجيزياً ولا يوجد فيه شرط مثل «الكلب نجس» و«الغنم حلال». وتارة يكون الحكم معلقاً، مثل قول الشارع: «إن استطعت، فحج». وجوب الحج ليس مطلقاً بل معلق على الاستطاعة. والتعليق نفسه قسمان: تارة يكون على شكل قضية إنشائية مثل المثال السابق أو «اجتنب عن العصير العنبي إذا غلى»، وتارة خبرية مثل: «العصير العنبي إذا غلى يحرم».

يقول الإمام إن الحكم نوعان: حكم إنشائي وحكم فعلي. الإنشائي والفعلي الذي يعنيه الإمام يختلف عن الإنشائي والفعلي الذي يعنيه باقي الفقهاء. الحكم الإنشائي عند الإمام هو أن المولى لا يهتم بالقيود والمخصصات والمقيدات ويقول بصورة كلية: «أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ». (الخميني، ۱۴۱۵: ۱/ ۱۹)

من وجهة نظر الإمام، مرحلة الإنشاء هي نفسها مرحلة الإبراز قبل التنفيذ. المشرّع يجعل القانون أولاً، ولكنه لم يُنفذ بعد، لأن خصوصياته ومقيداته لم تأتِ بعد ولم يحن وقت العمل بالحكم. يقول الإمام: لدينا أحكام في اللوح المحفوظ لم يحن وقت تنفيذها ولم تُبيَّن خصوصياتها (وقت العمل بها هو زمن ظهور حضرة الحجة)، وتسمى أحكاماً إنشائية. لأن القوانين التي يقرها المجلس، يجب لإجرائها أن تضاف إليها خصوصيات وميزات. في حال بيان الخصوصيات والمقيدات لحكم ما، يصبح حكماً فعلياً.

في الحقيقة، الإمام لا يقول إن الحكم له مرحلتان، بل يعتقد أن لدينا نوعين من الحكم: الإنشائي والفعلي. بعضهم، مثل الآخوند، يعتقد أن للحكم مرحلة واحدة هي الإنشاء، وهناك مسافة حتى مرحلة الفعلية. (الآخوند الخراساني، ۴۱۱/۱؛ الخوئي، ۱۴۱۰: ۲/ ۲۶۴)

٤. الإشكالات الواردة على جريان الاستصحاب التعليقي

يطرح الإمام الخميني في رسالة الاستصحاب إشكالات على المرحوم النائيني. الشك تارة يكون في بقاء الحكم الشرعي، وتارة في بقاء موضوع الحكم. توجد ثلاث مشاكل أساسية في جريان الاستصحاب التعليقي:

١-٤. عدم وجود الحكم التعليقي

الشك تارة يكون في بقاء الحكم الشرعي. الحكم التعليقي ليس له وجود أصلاً ليُراد استصحابه. ركن الاستصحاب هو أن يكون أمر ما (موضوع أو حكم) ثابتاً في الزمن السابق، والشك في بقائه. بالنظر إلى هذا الإشكال، فإن الحكم التعليقي لا يقبل الاستصحاب أصلاً.

في صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي، يكون المشكوك إما كلياً أو جزئياً. منشأ الشك في الحالة الأولى (كون الحكم الكلي مشكوكاً) إما احتمال النسخ، أو تغير بعض حالات الموضوع، أو تغير جزء من أجزاء موضوع الحكم. محل جريان الاستصحاب التعليقي هو كون الحكم الجزئي مشكوكاً، والمثال المعروف له هو جملة «العصير العنبي إذا غلى يحرم».

إشكال الإمام على المرحوم النائيني هو أن «الحكم المعلق ليس عدماً محضاً». يقول الإمام: الحكم المعلق ليس عدماً محضاً. في جوابه للنائيني الذي يعتقد أنه عندما لا يأتي المعلق عليه، لا يوجد المعلق؛ يقول: «وإن كان المعلق لا يوجد، فهل هذا يعني أنه عدم محض؟ لأنه تعلق به الجعل واليقين معاً؛ قبل الغليان كان لدي يقين بالحرمة، فمعلوم أن هذا الحكم المعلق له قابلية تعلق الجعل واليقين به». إشكالات الإمام على المرحوم النائيني تتلخص في عدة نقاط؛ أولاً: في الاستصحاب التعليقي ليس لدينا حكم عدمي محض. لو كان عدماً محضاً لما كانت له قابلية الاستصحاب. ثانياً: لو فرضنا أن له عنواناً عدمياً محضاً، فبما أنه يترتب عليه أثر في مرحلة الشك، والاستصحاب يجري فيه، هذه الملازمة والترتب ليست ملازمة عقلية؛ بل هي ملازمة شرعية، والشارع هو من بيّن كلا الطرفين. لو فُرض أن المعلق حرمة تعليقية هو عدم محض؛ ففي باب الاستصحاب لا نحتاج إلى أكثر من اليقين السابق والشك اللاحق. في الاستصحاب، يُعتبر فقط الأثر الشرعي في الزمن اللاحق. مقصود الإمام هو أن الحكم التعليقي له ثبوت ما في عالم الاعتبار والنفس الأمر، تماماً كما نجري الاستصحاب في العدميات، مع أنها ليس لها ثبوت خارجي. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۶)

«إذا قبلنا إشكال الإمام، يمكننا إثبات أن الاستصحاب مطلق، سواء علمنا قيود الحكم المتعلقة بالموضوع أم لم نعلم، وسواء اعتبرنا الحقيقة بناءً على المشهور مركبة من الجعل والمجعول وكنا قائلين بانفكاك الجعل عن المجعول، أو قبلنا نظرية أخرى، فإن الاستصحاب التعليقي قائم. لأن غاية الإشكال هي أن الحكم غير المتحقق في العالم الخارجي لا يقبل الاستصحاب، وبيان الإمام يثبت أن هذا الحكم نفسه له نحو من الثبوت، وأدلة الاستصحاب تشمله أيضاً». (حسن بور، ۱۳۹۷: ۱۲۳)

إذا كان المستصحب عدماً محضاً، فقد تعلق به اليقين، وإن لم يترتب عليه أثر، فما يعتبر في الاستصحاب هو ترتب الأثر في زمان الشك؛ فإذا ترتب الأثر في زمان الشك – بعد الغليان – زمان الشك – فالزبيب حرام ونجس. هذا المقدار كافٍ في الاستصحاب. إذن، أولاً: في الاستصحاب، يجب أن يكون للمستصحب وجود. ثانياً: في الزمان اللاحق، أن يترتب عليه أثر، فهذا كافٍ.

٢-٤. عدم بقاء الموضوع

الإشكال الآخر الذي طُرح هو أن الموضوع في هذا الاستصحاب لا يبقى، لأن عنوان الزبيب عرفاً غير عنوان العنب. في استصحاب الحرمة التعليقية لعصير العنب، الزبيب والعنب شيئان مختلفان، والموضوع السابق لا يبقى. مثل الكلب الذي يتحول إلى ملح، ففي نظر العرف، الملح بقاء للكلب لا يُحسب. في نظر العرف، العنب والزبيب شيئان مختلفان.

هذا الإشكال ورد في الرسائل والكفاية، ولم يُتناول. حاصل الإشكال أن الشارع المقدس قد حمل الحكم على العنب، والعنب في اللغة غير الزبيب، وحمل حكم العنب على الزبيب قياس. في العرف، لو قال شخص إنه يريد عنباً وأحضر له شخص زبيباً، لما قبله. ولهذا السبب يرى الملا أمين الاسترآبادي أن الاستصحاب في الأحكام الكلية ليس حجة، فمثلاً حكم النجاسة ورد على الماء المتغير، ولكن لو زال تغيره بنفسه، فهذا يوجب تبدل الموضوع، ولا يمكن حمل الحكم الأول على هذا. (الاسترآبادي، ۱۴۲۶: ۲/ ۲۸۵) بناءً على هذا الإشكال، قال المرحوم الخوئي إن الاستصحاب المذكور ليس حجة. (الخوئي، ۱۴۲۲: ۲/ ۱۷۰)

وقد حل الإمام، تبعاً لآية الله الحائري، الإشكال على هذا النحو، بتركيب صغرى وكبرى: هذا عنب، وكل عنب إذا غلى يحرم، والنتيجة أن هذا إذا غلى يحرم. إذن، الموضوع في الاستصحاب هو «هذا» وليس «العنب». لو كان الموضوع هو العنب لربما ورد الإشكال، لأن الزبيب غير العنب، ولكن إذا كان الموضوع هو «هذا»، فهو قابل للاستصحاب عرفاً. إذن، نحن لا نتبع العناوين، بل نتبع الشيء الموجود أمامنا. إذا تحول العنب إلى زبيب عرفاً، يُقال إن هذا هو ذاك، وفقط ماؤه قد جف، وبالتالي فهو قابل للاستصحاب. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۶)

قال الإمام عن الاستصحاب التعليقي في الموضوع: الاستصحاب التعليقي يجري إذا كان الموضوع مطلقاً والحكم مجعولاً بصورة تعليقية. ويصدق ذلك في «العنب يحرم إذا غلى»؛ لأن تعبير «يحرم إذا غلى» هو الحكم، وفي فرض الشك يجري استصحاب الحكم التعليقي. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۴۰)

٣-٤. وجود المعارض

على فرض صحة استصحاب الحكم التعليقي، يعارضه استصحاب آخر. مثلاً، في حالة ماء الزبيب، كما أن استصحاب بقاء حرمة العنب التعليقية (الحرمة المعلقة على الغليان) يثبت حرمة الشرب، فإن استصحاب بقاء إباحة ماء الزبيب (الإباحة التي كانت يقينية قبل الغليان) يثبت إباحة الشرب.

يُطلق على التعارض بين الاستصحاب التعليقي والتنجيزي تنافي مدلوليهما. على سبيل المثال؛ استصحاب حرمة الزبيب في فرض الغليان مع مدلول استصحاب الحكم التنجيزي مثل: استصحاب حلية الزبيب قبل الغليان؛ مثلاً، إذا قيل: «العنب إذا غلى يحرم»، وتحول العنب إلى زبيب (استصحاب الحكم التعليقي، يتعارض مع استصحاب بقاء الحلية قبل الغليان في مورد الزبيب)، فبينما لم يحدث الغليان بعد، يُحكم بحليته، وهذه الحلية هي حلية فعلية ومنجزة، ولكن إذا حدث الغليان، ينشأ التردد: هل تلك الحلية المنجزة قد زالت أم بقيت؟ في هذه الحالة، من جهة يقول الاستصحاب التعليقي: هذا الشيء، عندما كان عنباً، لو غلى لحرم، والآن بعد أن أصبح زبيباً إذا غلى يحرم. ومن جهة أخرى، يقول الاستصحاب التنجيزي: الزبيب قبل الغليان كان حلالاً، والآن بعد أن غلى، يُستصحب حليته. إذن، لازم الاستصحاب التعليقي الحرمة بعد الغليان، ولازم الاستصحاب التنجيزي الحلية بعد الغليان، وهذان الاستصحابان يتعارضان.

لا شك أنه لا فرق بين المتيقن التنجيزي والتعليقي في الاستصحاب. ما يحتاجه الاستصحاب هو متيقن سابق وشك لاحق، وهذا المتيقن السابق والشك اللاحق متحققان في كلتا الصورتين. المقصود بالاستصحاب التعليقي هو أن يكون حكمنا السابق موجوداً على نحو مشروط ومعلق. مثلاً، لو قلنا «الحج واجب لمن استطاع إليه سبيلاً»، فهو حكم قطعي، والمتيقن موجود أيضاً. في الزمن اللاحق إذا نشأ شك في وجود مانع الآن أو أن الظروف الأخرى غير مواتية أو أن هناك مخاطر أخرى في الطريق، ونشك في أن ذلك الحكم المعلق باقٍ أم لا، نستصحب نفس الحكم السابق وهو أن «الحج واجب لمن استطاع»، وهذا الفرد الآن مستطيع، وذلك الحكم المعلق يُستصحب. إذن، أصل الاستصحاب التعليقي لا إشكال فيه حتى الآن. (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۲۲۱/۳)

بناءً على ذلك، الاستصحاب التعليقي هو استصحاب الحكم المعلّق على وصف ما، مثل «العنب يحرم إذا غلى»، أي حرمة عصير العنب مشروطة بغليانه. الاستصحاب التعليقي يقابل الاستصحاب التنجيزي. حكم استمرار الحكم التعليقي في موارد الشك في بقائه، بسبب التغيرات التي طرأت على حالات موضوعه.

يرى بعض الأصوليين أن إجراء الاستصحاب التعليقي لا ثمرة له أبداً، لأنه إلى جانب هذا الاستصحاب، يوجد استصحاب تنجيزي، فيتعارضان ويتساقطان. ويجيب الآخوند الخراساني: الاستصحاب التنجيزي ليس فقط لا يعارض الاستصحاب التعليقي، بل يُعتبر داعماً له ويزيده إحكاماً. (الفاضل اللنكراني، ۱۳۸۰: ۵/ ۴۱۲-۴۱۸؛ وج ۸۳/۱۵؛ الآخوند الخراساني، ۴۱۱)

قال المرحوم الشيخ في الرسائل: «لا أقبل المعارضة، لأن الاستصحاب التعليقي حاكم على الاستصحاب التنجيزي. لو كانا في عرض واحد، لتحققت المعارضة. مع حكومة الاستصحاب التعليقي على الاستصحاب التنجيزي، ومع وجود الاستصحاب التعليقي، لا تصل النوبة إلى الاستصحاب التنجيزي المعارض». (الأنصاري، ۱۴۱۹: ۳/ ۲۲۳)

الإمام في هذا الباب قائل بالحكومة، وأساس بيانه يتكون من مطلبين: الأول أن الشارع لديه حكم تعليقي وحرمة معلقة على الغليان، فما هو مستند إلى الشارع ابتداءً وبلا واسطة، هو الحكم التعليقي. حكمه هو حرمة فعلية. الحرمة الفعلية التي تتحقق بعد الغليان، شرعية؛ أي أن مفاد «العنب يحرم إذا غلى» ابتداءً، هو حرمة تعليقية شرعية. بعد أن يتحقق الغليان، توجد حرمة فعلية شرعية؛ بعد أن يغلي العنب، الحرمة الفعلية بعد الغليان شرعية أيضاً. ترتب الحرمة الفعلية بعد الغليان على تلك الحرمة التعليقية، هو مفاد «العنب يحرم إذا غلى». هذا الترتب شرعي أيضاً؛ العقل لا مدخلية له. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱۴۰/۱)

المقدمة الأخرى هي أنه تارة يكون الشك في الحلية والحرمة، أو الشك في الطهارة والنجاسة، أو الشك في الحلال والحرام، أي ثلاثة تعابير مطروحة. أي أن الشك يتوجه إلى وجود وعدم الحلية، وتارة يتوجه الشك إلى الحرمة وعدم الحرمة، أو الشك في الحلال والحرام. ثلاثة أنواع من الإضافة. الشك له طرفان، إضافة إلى شيئين. تارة يكون الشك مضافاً إلى وجود وعدم الحلية، وتارة مضافاً إلى وجود وعدم الحرمة، وتارة يجعل أحد طرفي الإضافة الحلية والطرف الآخر الحرمة.

في الحقيقة، ليست هناك أكثر من حالة تردد واحدة. ولكن هذه الحالة الواحدة من التردد يمكن أن تنعكس بثلاث طرق، وتطرح بثلاث إضافات. هذا التعدد في الإضافات والتعابير ليس دليلاً على وجود حالات تردد متعددة، بل هي حالة شك وتردد واحدة في شرب التبغ من حيث الحلية والحرمة. كل التعابير الثلاثة صحيحة، بعبارات مختلفة في التردد لإثبات نوع واحد من التردد. تتضح لنا حالة التردد حتى يجري الاستصحاب على فرض حالة التردد. استصحاب «لا تنقض اليقين بالشك» يجب أن تكون فيه حالة التردد والشك محفوظة، حتى يجري «لا تنقض اليقين بالشك». إذن، بالإضافة إلى مسألة السببية والمسببية، في تقدم الأصل السببي على المسببي، يجب أن يكون جريان الأصل في السبب بحيث يزيل حالة الشك والتردد في المسبب في عالم التعبد والشرع. في مسألة الاستصحاب التنجيزي المعارض للاستصحاب التعليقي، أصل السببية والمسببية هو المرحلة الأولى من الحكومة، وفي أصل السببية والمسببية لا يمكن أن يكون هناك تردد.

٥. استصحاب بقاء السببية مع كون السبب مجعولاً شرعياً وشبهة المثبتية من وجهة نظر الإمام

يقول الإمام إن الحكومة لها شرطان:

الشرط الأول: أن تكون بينهما نسبة سببية ومسببية. الشك فيما إذا كان حلالاً أم حراماً بعد الغليان، مسبب عن كون الحرمة التعليقية باقية استصحاباً أم لا. مسألة السببية والمسببية يقبلها الإمام. يقول الإمام: الأصل الجاري في السبب يحكم على الأصل الجاري في المسبب في حال كان نفي المسبب من الآثار الشرعية للسبب. وبعبارة أخرى، عندما نجري الأصل في السبب تعبداً، تكون مسألة نفي المسبب قائمة. بهذه العبارة: «أنه لابد في الحكومة من أن الأصل الجاري في السبب يرفع الشك تعبداً عن المسبب»، أما إذا كان الأصل الجاري في السبب يريد عقلاً أن يزيل المسبب، فإن نفي المسبب إذا كان من الآثار العقلية للسبب، فلا حكومة. المثال المعروف للأصل السببي والمسببي هو أننا نغسل ثوباً نجساً بماء كان يقيناً كراً. أثناء الغسل نشك: هل بقيت الكرية أم لا؟ في الحال الحاضر لدينا شك في طهارة ونجاسة الثوب، وشك في كون الماء كراً وعدمه. نستصحب بقاء الكرية. الأثر الشرعي لهذا الاستصحاب ليس طهارة الثوب، بل «التعبد بأن الثوب طاهر». هذا الأثر الشرعي هو استصحاب بقاء الكرية. بين كون الماء كراً واستصحاب النجاسة لا يوجد تعارض وتضاد في نفسه. لذا، الأصل السببي حاكم على الأصل المسببي.

الشرط الثاني: إذا أجرينا الأصل في السبب، فإن نفي المسبب يجب أن يكون من الآثار الشرعية لهذا الأصل الجاري في السبب. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۴۲)

بناءً على هذا المبنى القائل بأن السببية أمر مجعول شرعي، كما أن الشارع جعل الوجوب للصلاة والصوم، والحرمة لشرب الخمر، وجعل السببية للبيع والنكاح، فتلك سببية للملكية وهذه سببية للزوجية. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۴۲)

على هذا المبنى، نستصحب بقاء السببية، بشرط أن تكون سببية شرعية مفاد الدليل. من سببية «إن جاءك زيد فأكرمه» بصورة قضية تعليقية، يُستفاد أنها سببية شرعية. أي أن التعليق هو السببية. إذا كانت هناك سببية شرعية، وقصدنا إجراء استصحاب السببية الشرعية، فلا مانع من استصحاب السببية الشرعية. استصحاب السببية الشرعية لترتب المسبب «عند وجود السبب». ترتب المسبب «عند وجود السبب» مسألة عقلية. ونتيجة لذلك، يكون استصحاب السببية مثبتاً دائماً، وبسبب كونه مثبتاً فهو بلا فائدة، أم لا.

يقول الإمام في شأن الشبهة المثبتية: «الشارع جعل السببية وهي مجعول شرعي. لا يمكن القول إن «فالمسبب حاصل عند وجود السبب» مسألة عقلية. المستصحب مجعول شرعي، وتترتب عليه آثار عقلية. في هذه المسألة لا تترتب الآثار العقلية، والآثار الشرعية لا تُحمل بواسطة الآثار العقلية، إذا لم يكن المستصحب مجعولاً شرعياً. إذا كان المستصحب شرعياً، فإن الآثار العقلية تُحمل عليه. عندما يجري استصحاب السببية الشرعية، طبقاً لـ«لا تنقض اليقين بالشك»، في زمان الشك تكون السببية الشرعية متحققة، وعندما تتحقق هذه السببية، فـ«عند وجود السبب»، يترتب المسبب عقلاً. حكم العقل على موضوع السببية الشرعية. السببية الشرعية استُصحبت، لذا لا يبدو أنه إذا كنا قائلين بالجعل الاستقلالي في باب السببية وأجرينا استصحاب السببية، فإن هذا الاستصحاب يكون مثبتاً. نتيجة الاستصحاب هي أنه «عند وجود السبب»، يترتب المسبب». (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۴۲)

٦. إحالة قيد الحكم إلى العرف

إشكال الإمام على النائيني هو أن الشارع بيّن الملازمة، أي ترتب الحرمة على العنب المغلي شرعي، فلماذا قلتم إنه عقلي؟ أنتم بنيتم المسألة على كونها مركبة؛ الموضوع والعقل يقولان: المركب إذا تحقق أحد أجزائه، فلترتب الأثر يجب أن يتحقق الجزء الآخر، بينما لدينا موضوع واحد (العنب) وحكم واحد (الحرمة). الشارع أقام الملازمة بينهما في فرض الغليان، فليس الموضوع مركباً هنا أصلاً، موضوعنا هو ذات العنب. الإمام لا يقبل تحويل وإرجاع قيد الحكم لباً وواقعاً إلى قيد الموضوع بحسب العقل. لأن العقل لا مجال له في فهم الأدلة. الشارع يقول «العنب إذا غلى يحرم»، وظهور الجملة هو أن الغليان قيد لـ«يحرم». لو قيل «العنب يحرم إذا غلى»، فظهوره أنه لا مجال للعقل.

الإمام يحيل المسألة إلى العرف. العرف يقول: الموضوع له قيود، والحكم له قيود أخرى. القيود في الحكم واسطة لثبوت الحكم للموضوع؛ ولا وجه لإرجاع قيد الحكم لباً وواقعاً إلى الموضوع. هذا إشكال الإمام على المرحوم النائيني. ببيان آخر، رأي الإمام هو أننا نتبع فهم العرف، لأن تشخيص المصاديق منوط بالعرف. ونتيجة لذلك، ينشأ الاختلاف من هنا. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۶)

مثلاً، في البحوث جاء: «تشخيص المصاديق منوط بنا، نأخذ المفهوم من العرف، فإذا قال العقل إن هذا محال أن يكون مصداقاً للحكم المجعول، فلا يمكن إجراء الاستصحاب». (الصدر، ۱۴۰۸: ۱/ ۱۴۷)

تارة يكون الحكم وتارة الموضوع مقيداً، ولا وجه لوضع قيد الحكم بجانب الموضوع. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱۳۶/۱) العرف في الموارد التي يكون الحكم فيها مقيداً، يعتبر القيد واسطة لثبوت الحكم للموضوع. ثبوتاً، إذا أراد الحكم أن يثبت للموضوع، فهو يحتاج إلى قيد. ما هو واسطة لثبوت الحكم، هو من شؤون الحكم. الحكم وشؤونه لا يمكن أن تكون قيداً للموضوع.

الإمام في نقده للمرحوم النائيني غيّر مثال الاستصحاب التعليقي، وجعل الموضوع مركباً، ثم أجرى القانون العقلي في هذا المركب، وأشكل قائلاً: مثال موضوع الحرمة هو ذات العنب بقيد الغليان. المرحوم النائيني غيّر ذلك، فجعل الحرمة مشروطة بالغليان؛ وضع الشرط بجانب الموضوع، وجعل الموضوع مركباً، ثم أدخل العقل؛ إذا تحقق جزء من المركب، فإن الأثر يتحقق في صورة تحقق الجزء الآخر. يقولون هذه ملازمة عقلية وحكم عقلي. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۶) على فرض أننا جعلنا الاستصحاب التعليقي مركباً، «يكفي في الاستصحاب كون الشيء جزءاً لموضوع مركب». العنب جزء لموضوع مركب والموضوع. لكي يقع الحكم كجزء للموضوع، يكفي في الاستصحاب، ولو كانت الملازمة عقلية، والعقل يقول إذا جاء الجزء الآخر، يأتي هذا الحكم. لكن هذا لا يمنع استصحاب الحكم المتعلق بذلك الجزء الأول.

المسألة هي أن الشارع، بين العنب والغليان والحرمة، أقام ملازمة وترتباً. فإذا حدث الغليان، فبين العنب المغلي والحرمة ملازمة. الشارع بيّن الملازمة، ترتب، ترتب الحرمة على العنب المغلي، شرعي. أنتم اعتبرتم صورة المسألة مركبة؛ الموضوع والعقل يقولان في المركب إذا تحقق أحد الأجزاء فلترتب الأثر يجب أن يتحقق الجزء الآخر. نحن هنا لدينا موضوع واحد (العنب) وحكم واحد (الحرمة). الشارع في فرض الغليان أقام ملازمة بين هذين. إذن ليس لدينا موضوع مركب، موضوعنا هو ذات العنب.

بينما الموضوع هو «ذات العنب» والحكم له قيد. عندما نرجع إلى العرف، لا يرجع العرف القيود المتعلقة بالحكم إلى الموضوع؛ بل القيود المتعلقة بالحكم، مرتبطة بالحكم نفسه، وهذا لا علاقة له بالموضوع. الملاك لدينا في هذه المسألة هو العرف.

في توضيح مبنى الإمام يجب القول: الاختلاف بين قيود الحكم وقيود الموضوع هو أن قيود الحكم دخيلة في أصل تحقق المصلحة والمفسدة. إذا أرادت المصلحة أن تتحقق أو المفسدة أن تقع، فهذه القيود لها مدخلية. أما قيود الموضوع فهي دخيلة في تحقق ما فيه مصلحة، دخيلة في تحقق ما فيه مفسدة، أي أن شيئاً ما مصلحته ومفسدته مفروغ عنها، وإذا أراد أن يأتي إلى عالم الوجود، فهذه القيود الموضوعية لها مدخلية فيه. على سبيل المثال، الحج متعلق الوجوب، والاستطاعة قيد للوجوب. بناءً على هذا الفرض، أن نجعله قيد حكم، فإذا لم تأتِ الاستطاعة، فالحج أصلاً لا مصلحة فيه. (العراقي، ۱۴۱۷: ۶۲/۴)

هذا الإشكال طُرح في بحث الاستصحاب التعليقي، وهو أن استخدام تعبير «العنب المغلي حرام» يختلف عن فرض تعبير «العنب يحرم إذا غلى»؛ كما قال الإمام: الاستصحاب التعليقي يجري إذا كان الموضوع مطلقاً والحكم مجعولاً بصورة تعليقية، وهذا المطلب يصدق في مورد «العنب يحرم إذا غلى»؛ تعبير «يحرم إذا غلى» هو الحكم، وفي فرض الشك يجري استصحاب الحكم التعليقي. في صورة جريان حجية الاستصحاب، يجب أن يكون هناك علم بوجود جعل الشارع بصورة «أحد الخبرين حجة لو أخذت به»، فبسبب العلم بالحجية التعليقية، بعد الأخذ بأحد الخبرين، يجري استصحاب حجية الخبر الثاني. بينما هذا العلم غير موجود، ويُحتمل أن الشارع أخذ القيد في الموضوع، وبيّنه بصورة «الخبر المأخوذ من المتعارضين حجة»، كما في «العنب المغلي حرام». ونتيجة لذلك، لن يجري الاستصحاب التعليقي؛ لأنه في الموضوعات المركبة، الحكم بأن الحكم يثبت من انضمام الجزء الأول إلى الجزء الثاني ليس إنشاءً شرعياً، بل هو انتزاع عقلي، واستصحاب الأمر العقلي لإثبات الأمر الشرعي أصل مثبت.

۷. تركّب الاستصحاب التعليقي

في جملة «العنب المغلي حرام»، الحكم (الحرمة) وموضوع الحكم، مركب من جزأين: عصير العنب (ماء العنب) والغليان (الجوشان). إذا تحول العنب إلى زبيب قبل الغليان، فلإثبات حرمة الزبيب في حالة الغليان، يُتمسك بالاستصحاب التعليقي.

على فرض أننا جعلنا الاستصحاب التعليقي مركباً، «يكفي في الاستصحاب كون الشيء جزءاً لموضوع مركب». كون العنب جزءاً من موضوع مركب وموضوع الحكم كجزء للموضوع قد وقع، ويكفي ذلك في الاستصحاب، ولو كانت الملازمة عقلية. العقل يقول إذا جاء الجزء الآخر، يأتي الحكم، وهذا لا يمنع استصحاب الحكم المتعلق بالجزء الأول. الزبيب عندما كان عنباً، على فرض الغليان، كان عصارته حراماً، والآن بعد أن تحول إلى زبيب، تُستصحب الحرمة التعليقية المشروطة بالغليان.

يعتقد النائيني أن الملازمة عقلية، فلا يجري فيها الاستصحاب. يقول الإمام للمرحوم النائيني: أنتم منعتم استصحاب موضوع مركب، بينما الجزء المركب هو على نحو (الخميني، ۱۳۸۵: ۱۳۸/۱) أنه إذا انضم إليه جزء آخر، يترتب عليه الأثر.

قال الإمام إن الترتب ليس ترتباً عقلياً. عندما يكون الحاكم هو الشارع، والترتب بين الموضوع والحكم، هو من الشارع؛ ولو فرضنا أن الموضوع مركب، أو أن قيد الحكم يرجع إلى الموضوع. الحاكم بالترتب بين المركب وحكم الحرمة، هو الشارع. النائيني صعّب الأمر بأن الموضوع مركب. المركب بمعنى أنه إذا وجد جزء منه، فلترتب الأثر عقلاً يجب أن يوجد الجزء الآخر أيضاً. هذا لا علاقة له بترتب الحكم على الموضوع المركب، فترتب الحكم على الموضوع المركب هو ترتب شرعي وليس عقلياً. أنتم تغيرون المثال وتجعلون الموضوع مركباً ثم تريدون إجراء القانون العقلي في هذا المركب. الموضوع هو «ذات العنب» والحكم له قيد. بينما بالرجوع إلى العرف، لا تُرجع القيود المتعلقة بالحكم إلى الموضوع؛ بل القيود المتعلقة بالحكم، مرتبطة بالحكم نفسه، وهذا لا علاقة له بالموضوع. الملاك في هذه المسألة هو العرف. (الخميني، ۱۳۸۵: ۱/ ۱۳۶)

الخاتمة

الاستصحاب التعليقي هو الحكم ببقاء الحكم التعليقي بعد الشك في تغير حالات موضوعه. الاستصحاب التعليقي هو استصحاب يكون فيه وجود شيء معلقاً على وجود شيء آخر. يرى الإمام أن محل النزاع في الاستصحاب التعليقي يتعلق بالحكم، ويستصحب الحكم التعليقي. سواء علمنا قيود الحكم الراجعة إلى الموضوع أم لم نعلم، وسواء اعتبرنا الحقيقة بناءً على المشهور مركبة من الجعل والمجعول وكنا قائلين بانفكاك الجعل عن المجعول أو قبلنا نظرية أخرى، فإن الاستصحاب التعليقي قائم. قال الإمام عن الاستصحاب التعليقي في الموضوع: الاستصحاب التعليقي يجري إذا كان الموضوع مطلقاً والحكم مجعولاً بصورة تعليقية.

إشكالات الإمام على المرحوم النائيني ذُكرت في عدة موارد: في الاستصحاب التعليقي ليس لدينا حكم عدمي محض. لو كان عدماً محضاً لما كانت له قابلية الاستصحاب. وعلى فرض أن له عنواناً عدمياً محضاً، فبما أنه يترتب عليه أثر في مرحلة الشك، يجري الاستصحاب. هذه الملازمة والترتب ليست ملازمة عقلية؛ بل هي ملازمة شرعية، والشارع بيّن لنا كلا الطرفين. في الحقيقة، قال للمرحوم النائيني: أنتم غيرتم المثال وجعلتم الموضوع مركباً ثم أ جريتم القانون العقلي في هذا المركب، بينما الموضوع هو «ذات العنب» والحكم له قيد. بالرجوع إلى العرف، لا يرجع العرف القيود المتعلقة بالحكم إلى الموضوع؛ بل القيود المتعلقة بالحكم، مرتبطة بالحكم نفسه، ولا علاقة لها بالموضوع. الملاك في هذه المسألة هو العرف. تحويل وإرجاع قيد الحكم لباً وواقعاً إلى قيد الموضوع بحسب العقل غير مقبول. الإمام يحيل المسألة إلى العرف. العرف يقول: الموضوع له قيود، والحكم له قيود أخرى. القيود في الحكم واسطة لثبوت الحكم للموضوع؛ ولا وجه لإرجاع قيد الحكم لباً وواقعاً إلى الموضوع.

هو يعتبر الاستصحاب التعليقي حاكماً على الاستصحاب التنجيزي. بناءً على مطلبين: الأول أن الشارع لديه حكم تعليقي وحرمة معلقة على الغليان، فما هو مستند إلى الشارع ابتداءً وبلا واسطة، هو الحكم التعليقي. حكمه هو حرمة فعلية. الحرمة الفعلية التي تتحقق بعد الغليان، شرعية. أن تكون بينهما نسبة سببية ومسببية. الشك فيما إذا كان حلالاً أم حراماً بعد الغليان، مسبب عن كون الحرمة التعليقية باقية استصحاباً أم لا. مسألة السببية والمسببية يقبلها الإمام. الأصل الجاري في السبب يحكم على الأصل الجاري في المسبب في حال كان نفي المسبب من الآثار الشرعية للسبب، وبعبارة أخرى، عندما نجري الأصل في السبب تعبداً، تكون مسألة نفي المسبب قائمة.

قائمة المصادر

الآخوند الخراساني، محمد كاظم (د.ت)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

الاسترآبادي، محمد أمين (۱۴۲۶)، الفوائد المدنية وبذيله الشواهد المكية، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.

الأصفهاني، محمد حسين (۱۳۷۴)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم: مؤسسة سيد الشهداء الاسترآبادي.

الأنصاري، مرتضى (۱۴۱۹)، فرائد الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي.

البروجردي، سيد حسين (۱۴۱۲)، حاشية على الكفاية الأصول، قم: انصاريان.

جعفري لنكرودي، محمد جعفر (۱۳۸۲)، بررسي مكاتب حقوقي در حقوق اسلام، كنج دانش.

حسن پور، مهدي (۱۳۹۷)، «بررسي تطبيق دليل حجيت استصحاب بر حكم تعليقي»، نشريه فقيهانه، شماره ۶، ۱۱۲-۱۲۷.

الحكيم، سيد عبد صاحب (۱۴۱۳)، منتقى الأصول، قم: مطبعة الأمير.

الخميني، روح الله (۱۳۸۵)، استصحاب، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني.

ـــــــــــــــ (۱۴۱۰)، الرسائل، قم: اسماعيليان.

ـــــــــــــــ (۱۴۱۵)، مناهج الوصول الى علم الاصول، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني(ره).

الخميني، مصطفى، تحريرات فى الأصول، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني.

الخوئي، ابو القاسم (۱۴۱۰)، محاضرات في الاصول، قم: انصاريان.

ـــــــــــــــ (۱۴۲۲)، مصباح الأصول، قم: مؤسسة إحياء آثار السيد الخوئي.

الشيخ الطوسي، محمد بن حسن (۱۴۳۲)، المبسوط في أصول الفقه، قم: مؤسسه امام صادق عليه السلام.

الصدر، محمد باقر (۱۴۰۸)، بحوث في شرح العروة الوثقى، قم: مجمع الشهيد آيت الله الصدر العلمي.

الطباطبائي الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى، دار إحياء التراث العربي.

الطباطبائي القمي، تقي (۱۳۷۲)، آراؤنا في اصول الفقه، قم: محلاتي.

العراقي، آقا ضياء الدين (۱۴۲۰)، مقالات الاصول، مجمع الفكر الاسلامي.

ـــــــــــــــ (۱۴۱۷)، نهاية الافكار، قم: مؤسسه النشر الاسلامي.

الغروي الأصفهاني، محمد حسين (۱۳۷۴)، نهاية الدراية، انتشارات سيد الشهداء.

الفاضل اللنكراني، محمد (۱۳۸۰)، سيري كامل در اصول فقه، قم، مؤسسه روزنامه فيضيه.

ـــــــــــــــ (۱۳۸۹)، ايضاح الكفاية درسهاي متن كفاية الاصول، قم: انتشارات فقهی مرکز ائمه اطهار عليهم السلام.

الكاظمي، محمد علي (۱۴۱۷)، فوائد الاصول للناييني، قم: دفتر انتشارات اسلامی.

محمدي، ابوالحسن (۱۳۷۵)، مبانى استنباط حقوق اسلامى، تهران: انتشارات دانشگاه تهران.

المشكيني، علي (۱۳۷۱)، اصطلاحات الأصول و معظم أبحاثها، نشر الهادي.

الهوامش

1. تاريخ الوصول: ١٠/٢/١٤٠٢؛ تاريخ القبول: ٣٠/٥/١٤٠٢.

2. دكتوراه تخصصية وعضو الهيئة العلمية وأستاذ مساعد في قسم المعارف بالجامعة الإسلامية الحرة فرع سيرجان. (Balvardit@gmail.com)

Scroll to Top