العرف ودوره الاستقلالي والآلي في الفقه والحقوق

الملخص

من المقولات التي كثر فيها البحث مقولة العرف، والتي لفهمها وتحديدها دور كبير في الاجتهاد وطريق الاستنباط. ولكن، كما هو الحال في العديد من الخطابات المطروحة في العلوم الإنسانية، سلك البعض فيها طريق الإفراط، فقالوا إنه لو ظهر النبي (ص) في عصرنا، لطلب من الناس، بقبوله لعرف الزمان، أن يوجهوا حياتهم نحو محور الدين. أو قالوا إن آية «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» لا تتعلق أصلاً بالتشريع الإلهي، بل بالقضاء النهائي في الحق والباطل، وهو غير القضاء الحقوقي. في المقابل، قال البعض إن نطاق العرف محدود جداً، وإن أحكام الرطب واليابس قد وردت في الكتاب والسنة، وإن العرف لا يملك حتى حق تحديد معاني الألفاظ المركبة، بل يمكنه فقط تحديد معنى الألفاظ المفردة مثل «إنسان» أو «حيوان»، وتحديد معنى لفظ «حيوان ناطق» ليس من شأن العرف أيضاً. في هذا البحث، تم رفض الدور الاستقلالي للعرف في الاستنباط وكونه سنداً للأحكام الشرعية، تماماً كما أن العقل مصدر، وتم قبول الاستعمال غير الاستقلالي للعرف كاستعمال آلي، وجرى بحث موارد متعددة لهذا الاستعمال الآلي.

المقدمة

الشريعة الإلهية محتاجة إلى علم الفقه، وعلم الفقه يحتاج إلى الاجتهاد. ومنذ زمن النبي (ص) والأئمة المعصومين (ع) – من خلال إرجاع الناس إلى أمثال أبان بن تغلب لأخذ الفتوى – كان ذلك دليلاً على قبول ووجود الاجتهاد منذ فجر الإسلام (الإمام الخميني، الاجتهاد والتقليد، ١٤١٧: ٧٠ – ٨١). الفقه هو نتاج الاجتهاد الذي يكشف عن الشريعة الإسلامية، ومن يعمل به فهو معافى من العقاب، لأنه يمتلك حجة على عمله. من بين العناصر التي يعتبرها المجتهد دائماً بتأييد من الشرع المقدس، «العرف»؛ بحيث إنه بحسب قول بعض فقهاء الشيعة (نفس المصدر: ٩) والسنة (ابن عابدين، نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف: ١٢٣/٢) و(ولي قوة، ١٤١٥)، فإن الأنس بالمحاورات وفهم الموضوعات العرفية من مقدمات الاجتهاد.

لقد اهتم الفقهاء السابقون، بسبب عزلة الفقه الحكومي، بالجوانب الفردية للفقه أكثر، وابتعدوا عن معالجة شؤون المجتمع وجانبه الاجتماعي؛ في حين أن الارتباط العميق بين الفقه والمجتمع أمر واضح لا يمكن إنكاره، واليوم مع قيام الحكومة الدينية، أصبح الخروج من مضائق الفقه الفردي والدخول إلى رحاب الفقه الاجتماعي أمراً لا مفر منه في كثير من الحالات. وتبعاً لهذه المسألة، فإن إعادة النظر في المباحث الفقهية السابقة وأساليب استنباطها، ومنها ظاهرة العرف التي هي من مصادر وعناصر الاستنباط، تبدو أمراً ضرورياً (گلباغي ماسوله، درآمدی بر عرف، ١٣٧٨: ١٦).

للعرف حقاً دور مهم وبنّاء في الفقه، وهو يفتح آفاقاً لحل كثير من المسائل الجديدة التي لا يوجد دليل ظاهر على عمومها في الكتاب والسنة. حتى في بعض الحالات، لا تكون عمومات وإطلاقات الكتاب والسنة قادرة على الإجابة عن المسائل الجديدة، ولو كانت كذلك، لكان البحث في الأصول العملية عديم الفائدة؛ لأن المسائل المستحدثة، إذا كانت قابلة للاستنباط من الإطلاقات والعمومات، لما كانت هناك حاجة للرجوع إلى الأصول العملية (فيض، عرف واجتهاد، ١٣٨٧: ٥١).

في هذا البحث، نسعى لبيان دور العرف وعلاقته بالفقه، ونجيب عن أسئلة من قبيل: هل يُستخدم العرف كمصدر مستقل إلى جانب العقل والإجماع، أم أنه يُستخدم كأداة في خدمة العقل لاستنباط الأحكام الشرعية. كما أن تطبيق المفاهيم بواسطة العرف ومقدار التعبد مقابل العرف وكفاءة العرف الخاص والعام ستكون من بين المباحث التي ستتم مناقشتها في هذه المقالة.

تاريخ حجية العرف

من حيث القِدَم، كان للقانون الروماني أثر لا يمكن إنكاره على قوانين جميع الدول المتحضرة، وخاصة الدول ذات القوانين المكتوبة، وأثره في القانون الفرنسي، لا سيما في قسم الالتزامات، لا يمكن إنكاره.

فكر أهل روما، قبل حوالي أربعة قرون من الميلاد، في تدوين الألواح الاثني عشر، وأرسلوا مأمورين إلى مدن اليونان لجمع الأعراف المحلية، ثم أضافوا لوائح حلت محل السنن والأعراف السابقة، فأنشأوا بذلك الألواح الاثني عشر. تضمنت هذه الألواح القوانين المكتوبة في روما. (سلجوقي، ١٣٤٧: ١٦-١٩).

في شبه الجزيرة العربية وبين العرب في الجاهلية، كان العرف والعادة يُقدَّران إلى حد التقديس، وكانت مخالفة العرف السائد تُعد أمراً قبيحاً (البقرة: ١٧٠). ظهر الإسلام في مثل هذه الظروف واعتبر أن التشريع من اختصاص الله وحده (المائدة: ٥). وعليه، لم يُؤخذ التشريع من العرف، واقتصر دور العرف على تفسير قانون الشرع، وكحد أقصى، تم قبوله ككاشف عن الشريعة وسند من أسناد الفقه. رفض الإسلام صراحةً بعض الأعراف، مثل عرف الصلاة مع التصفيق والتصفير (الأنفال: ٣٥)، وأبطل بعض المعاملات، مثل المعاملات الربوية (البقرة: ٢٧٥). وعليه، فإن مقولة العرف منذ البداية، كان لها دورها في الاجتهاد؛ «العرف الذي تتوفر فيه شروط الحجية هو حجة، ولا يجوز لأي فقيه، سواء كان في مسند الإفتاء أو في مسند القضاء، أن يتجاهل العادات ويجمد على ما نُقل من كتب الفقهاء» (مجمع الفقه الإسلامي ١٤٠٩: ٣٤٦٥).

وفي فقه الشيعة، استُخدمت مصطلحات مثل «أهل البلد» (المفيد، ١٤١٠: ٧٩٤)، و«التعارف» (الموسوي، الذريعة إلى أصول الشريعة ١٣٦٣: ٣٠٧/١)، و«عادة البلد» (ابن براج، المهذب ١٤٠٦: ٣٠٧/١)، و«عادة الناس» (نفس المصدر: ٣٦٣/١)، و«عادة» (علم الهدى، الانتصار ١٤١٥: ٩٣ و١٣٥).

شرط حجية العرف هو عدم مخالفته للشريعة، وشيوعه واستقراره، وفي المعاملات، عدم تصريح المتعاقدين بخلافه (مجمع الفقه الإسلامي: ٣٤٦٥). ويعتمد فقه أهل السنة على العرف بشكل أكبر، وفي كتاباتهم، تكثر عبارات مثل «العادة محكّمة» أو «المعروف عرفاً كالمشروط شرعاً» (نفس المصدر: ۳۳۸۷).

وقد ورد في شرح المجلة أيضاً أن «الحكم يكون بالعادة، سواء كانت عامة أو خاصة» (رستم باز، بي تا: ٣٤). وكان اعتماد العامة على العرف أكبر لثلاثة أسباب هي: ١. تعامل الإسلام مع العرف كطريق وسطي؛ ٢. عدم تمكن أهل السنة من الوصول إلى الأئمة المعصومين (ع) بمقدار ما تمكن الشيعة؛ ٣. كونهم مبسوطي اليد في أمر الحكومة، وهو ما كان سائداً ومعمولاً به في فقه أهل السنة.

في فقه الشيعة أيضاً، يمكن ملاحظة العديد من حالات الإرجاع إلى العرف، على سبيل المثال: قال صاحب الجواهر (ره): أحياناً يُعتبر العرف منشأ للحق (النجفي، جواهر الكلام ١٣٦٨: ٢٦٣/٢٣؛ الشهيد الصدر، دروس في علم الأصول ١٤١٢: ٢٨١/١). وقال الإمام الخميني (ره) أيضاً: كل ما لا يوجد شك فيه عند العرف، ولا يعتني العرف باحتمال خلافه، يجب قبوله (الإمام الخميني، استفتائات ۱۳۷۲: ٢٦٤/١).

القسم الأول: الكليات

أ. تعريف الفقه والعرف

١. تعريف الفقه

الفقه في اللغة يعني مطلق الفهم والعلم والإدراك (الجوهري، الصحاح ١٩٩٠: ٢٢٤/٣٦). أما في الاصطلاح، فيطلق الفقه على مجموعة من المسائل الكاشفة عن الحلال والحرام والاعتبارات الإلهية (العسكري، الفروق اللغوية: ٤٤٢/٤).

٢. تعريف العرف

العرف في اللغة يعني التابع، والاتصال، والتتابع، والقرار، والراحة، والسكون (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة ١٤٠٤: ٢٨١/٤). وأحياناً يُستخدم بمعنى الخلق والعادة (عميد، فرهنگ عميد ١٣٥٨: ٧٢٨).

في التعريف الاصطلاحي للعرف، ذُكرت تعريفات مختلفة، ربما يكون أفضلها كالتالي: «العرف هو عادة عامة أو خاصة لمجموعة من الناس يعيشون عليها. يمكن أن تتخذ هذه العادة شكل القول أو الفعل أو الترك» (مجمع الفقه الإسلامي: ٣٤٦٥).

في علم الحقوق، يمكن تعريف العرف على النحو التالي: عمل أو طريقة أو سلسلة من الأعمال والطرق التي أصبحت مع مرور الزمن، وبتكرارها، وبشكل تلقائي ودون تدخل من السلطة التشريعية، نتيجة للاحتياجات الاجتماعية، مقبولة ومتعارفاً عليها بين جميع أفراد المجتمع أو مجموعة منهم، كقاعدة ملزمة في تنظيم العلاقات الحقوقية بين أفراد المجتمع. هذه السلسلة من الأعمال والطرق لها سمتان: العمومية والإلزام (گلباغي، نفس المصدر: ٢٥).

ب. مبادئ العرف

المقصود هو منشأ ظهور العرف، والذي يمكن تعداد المصادر التالية كمبدأ لظهور العرف.

١. إدراك العقل

بعض الكتّاب عرّفوا إدراك العقل على أنه المصدر الوحيد أو أحد مصادر نشأة العرف (ابن نجيم، الأشباه والنظائر ١٩٨٦: ١٠١). وأولئك الذين ذكروا في تعريف العرف مطابقته للمصلحة، قد أولوا اهتماماً لهذا المصدر (جعفري لنگرودي، دانشنامه حقوقی ١٣٧٥: ٥٢/٢).

٢. الفطرة

قال المحقق النائيني: «طريقة وبناء العقلاء ينبع أحياناً من فطرة أودعها الله، بحكمته في حفظ النظام، في أذهان وطبائع العقلاء» (النائيني، فوائد الأصول ١٤١٤: ١٩٣/٣).

٣. الوحي وشبهه

يعتبر البعض أن منشأ تكوّن العرف هو الوحي الإلهي، وبالطبع فإن سيرة المتشرعة تدل قطعاً على مثل هذا العرف.

٤. سلطة الحكام

بناءً على قول المرحوم النائيني، أحياناً تخلق سلطة وإجبار الحكام عرفاً، وبعد ذلك يختاره العقلاء كمنهج لهم، حتى يترسخ في أذهانهم (نفس المصدر: ١٩٢/٣). ويبدو قول المرحوم النائيني مقبولاً من حيث إنه ليس من الضروري أن تكون جميع الأعراف التي يخلقها الحكام أعرافاً خاطئة وغير صحيحة.

٥. عوامل أخرى

أحياناً قد تكون أمور مثل النقل عن الأقدمين، والراحة، وغيرها، منشأ لنشوء عرف ما (الحائري، مباحث الأصول ١٤٠٨: ١٢٨/٢). وبناءً على ذلك، لا يمكن اعتبار كل عرف مقدساً ومنحه احتراماً ذاتياً (كاتوزيان، فلسفة الحقوق ١٣٨١: ٤٨/٢).

ج. تقسيمات العرف

ذُكرت تقسيمات للعرف؛ منها: العرف التسامحي والدقيق، العرف التخصصي وغير التخصصي، العرف المفهومي والتطبيقي، العرف اللفظي والعملي، العرف العام والخاص، العرف المسلّم والتعاقدي، العرف الموضوعي والحكمي، العرف الممضى والمردوع والمرسل، العرف الصحيح والفاسد وغيرها (گلباغي، نفس المصدر: ١٥٧ – ١٧١). إجمالاً، يمكن القول إن جميع الفقهاء يقبلون مرجعية العرف في تحديد مفهوم الموضوعات التي هي مورد الحكم الشرعي، ولكن مرجعية العرف في تطبيق المفاهيم على المصاديق ليست محل قبول جميع الفقهاء (عليدوست، فقه وعرف ١٣٨٦: ٧٣).

د. علاقة العرف والعادة

المقصود بالعادة هو الخلق والعمل الذي يعتاده الإنسان ويقوم به في وقت معين (زنجاني، فقه سیاسی ١٣٥٨: ٧٢٣). لكن البعض يعتبر العرف والعادة مترادفين ويرفضون اختصاص العادة بالأفعال والعرف بالأقوال (الزبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس ١٣٨٥: ٤٤٣/٨).

اعتبر البعض العادة أعم من العرف وقالوا إنه إذا كانت العادة شاملة لجميع الأقوام، فهي عرف عام، وإذا كانت خاصة بقوم معين، تسمى عرفاً خاصاً (رستم باز، نفس المصدر: ٣٥). وقد ذكر أحد الكتّاب ثلاثة فروق بين العرف والعادة: ١. العرف ملزم بين طرفي العقد، لكن العادة ليست معتبرة ما لم يتم الالتزام بها صراحة. ٢. يجب إثبات العادة المدعاة، ولكن العرف ليس كذلك. ٣. حكم القاضي خلافاً للعرف ليس له اعتبار، ولكن خلافاً للعادة له اعتبار (مجمع الفقه الإسلامي: ٣١٦٧). إجمالاً، لا يمكن التفريق بين العرف والعادة، خاصة عندما يُذكران معاً؛ على الرغم من أن المقصود بالعادة هو التكرار، إلا أنها تُستخدم كعرف.

ه. علاقة العرف وبناء العقلاء

يعتبر البعض العرف وبناء العقلاء شيئاً واحداً (زنجاني، نفس المصدر: ٢٢١/٢). كما اعتبر الشيخ الأنصاري في كثير من الحالات، العرف وبناء العقلاء شيئاً واحداً (الأنصاري، مطارح الأنظار ١٤٠٤: ١٥٠). لتحقق بناء العقلاء، تلزم أربعة شروط هي: عمل معين، تكرار العمل، شيوع (بحيث يكون غالباً)، وحسن وفائدة العمل، سواء كان ذلك العمل إرادياً أم غير إرادي (جعفري لنگرودي، نفس المصدر: ٩١). ولكن عاملي الحسن والفائدة والإرادية ليسا لازمين في تحقق العرف. والحقيقة أن العرف وبناء العقلاء متباينان من حيث المفهوم، لأن: بناء العقلاء له جانب مشروع لدى أصحاب العرف والعادة، ولكن العرف ليس له هذه الحالة. بناء العقلاء يتعلق بسلوك العقلاء، ولكن العرف يتعلق بفهم جماعي للناس قد لا يكون مرتبطاً بالسلوك؛ لذلك، من حيث المصداق، العلاقة بين لفظي العرف وبناء العقلاء هي العموم والخصوص من وجه.

و. علاقة العرف والقانون

أحياناً يظهر القانون في مواجهة العرف كعرف، وذلك في حالات تطابق نفسه (كاتوزيان، مقدمة علم حقوق ۱۳۷۹: ۱۲۰). باختصار، الفرق بين العرف والقانون هو كالتالي: العرف عادة ما يتكون تلقائياً وبدون خطة مسبقة وبشكل معين للناس، ولكن القانون ناتج عن إرادة معينة. علامة القانون هي التدوين، وعلامة العرف هي كونه غير مكتوب (جعفري لنگرودي، مبسوط في ترمينولوجي حقوق ١٣٧٨: ٢٥٢٣/٤). المصداق البارز لذلك هو القوانين الإلهية المكتوبة من عند الله، ولكن العرف يتشكل بين الناس.

يعتقد بعض علماء أهل السنة (حسب نقل العلامة مغنية) أنه «من المناسب في الأحكام الإسلامية، إدخال التعديل والتبديل». بالطبع، الحق هو أن نقول بالتفصيل ونقول إن بعض أحكام الشريعة تتوافق تماماً مع فطرة الإنسان، وقد شُرعت بالتناغم مع طبيعة الإنسان، وطبيعة الإنسان تحكم بها؛ مثل رفع التكليف عن كاهل الطفل، وهذا القانون لا يتغير. لكن بعض القوانين لم ترتبط بطبيعة وفطرة الإنسان، مثل «حريم الطريق سبعة أذرع». هذا المثال، على الرغم من كونه مضمون رواية نبوية، قد يتغير بسبب التطور الاجتماعي، لأنه مرتبط بالمجتمع. أي، بالنظر إلى أن الطرق اليوم تُقطع بالسيارات وليس بالدواب، يحدث تغيير في الحريم (فيض، نفس المصدر: ١٣٥-١٣٨).

القسم الثاني: استعمال العرف في الفقه والاستنباط

نبحث في هذه الاستعمالات في قسمين: استقلالي وغير استقلالي. هناك ثلاثة أنواع من الفهم ممكنة فيما يتعلق بالعرف والقانون والشريعة.

الفهم الأول: أن يكون العرف منشأ القانون والشريعة، أي أن يكون العرف مساوياً للإرادة الإلهية.

الفهم الثاني: أن يكون العرف سنداً ودليلاً كاشفاً عن القانون والشريعة. في هذه الحالة، يكون العرف طريقياً، لأنه يُعد من مدارك الاجتهاد لكشف حكم القانون والشريعة، مثل العقل والإجماع.

الفهم الثالث: أن يكون العرف أداة في خدمة أدلة الأحكام، يفسر المفاهيم المستخدمة فيها ويخضع للحكم.

وفقاً لأحد علماء الحقوق، يعتبر بعض الكتّاب العرف جزءاً من الكتاب أو السنة (جعفري لنگرودي، نفس المصدر: ٥٠). ولكن الحق هو أن العرف مجرد أداة لإيجاد أدلة الأحكام، ودوره غير استقلالي وآلي، وليس استقلالياً.

أ. القائلون بالدور الاستقلالي للعرف في الاستنباط

في هذا القسم، البحث يدور حول ما إذا كان العرف يمكن أن يكون مصدراً أو محوراً للقانون، وهل يمكن للناس أن يجعلوا فعل أو ترك عمل مستوجباً للثواب والعقاب. يوجد بين كتّاب الماضي والحاضر من يعتقدون أن العرف مصدر استقلالي في التشريع. «نحن اليوم يمكننا إحداث أقصى التغييرات الحقوقية والقانونية من أجل تأمين حقوق جميع البشر التي نؤمن بها في هذا العصر» (زنجاني، مقالة إصلاح طلبی غربی و فلسفه تجدد در ایران ۱۳۷۹: ٢٢٦/٢٤). ويقول آخر: إن القول بأن «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» (الأنعام: ٥٧) لا يتعلق بالتشريع الإلهي، بل يعني القضاء الإلهي النهائي بشأن الحق والباطل، وهو غير القضاء الحقوقي (مجتهد شبستري، نقدي بر قرائت رسمی از دین ۱۳۷۹: ٧٦). والبعض الآخر، بلهجة أكثر ليونة، يعتبر العرف المصدر الخامس لفقه الشيعة، إلى جانب العقل والإجماع (عميد زنجاني، نفس المصدر: ٢١٧/٢).

نقد هذا الرأي هو أن البشر لا يملكون حق التشريع لغيرهم، والعقل لا يجد دليلاً على متابعة مثل هذا القانون. العقل لا يرى منشأ للتشريع إلا الله؛ إلا أن يأمر الله نفسه بمتابعة شخص معين. في النصوص الدينية أيضاً، تم التأكيد على حصر هذا الأمر. مثلاً، بعض الآيات تصرح بهذا المطلب، مثل «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ» (الأنعام: ٥٧).

وقد أكد علي (ع) في نهج البلاغة مراراً على هذا المطلب (فيض الإسلام، نهج البلاغة: خ ١٨/ ٤٧).

المرحوم الشيخ الأنصاري، لأنه يرى أن منشأ كثير من الأعراف هو التسامح العرفي، يقول: بما أن هذه السير ناشئة من عدم مبالاة الناس في الأمور العبادية وغيرها، فهي غير قابلة للاعتماد (الأنصاري، المكاسب: ٨٣). لذلك، فإن قبول العرف كمصدر مستقل للاستنباط غير مقبول. العرف ليس دليلاً مستقلاً مثل العقل والإجماع، بل هو دائماً كاشف عن الحكم (ولي قوة، العرف ١٤١٥: ٢٢٥).

ب. العرف سند للأحكام كالعقل

يبدو أن محل النزاع الرئيسي بين الشيعة والسنة يتعلق بهذا القسم، وهو ما إذا كان العرف يمكن أن يكون بمفرده سنداً لكشف القانون والشريعة أم لا. لهذا السبب، قال البعض، مع التسليم بأن العرف رديف لسائر الأدلة الأربعة، إن هذا النزاع لفظي، أي لا يوجد شك في سندية العرف (مجمع الفقه الإسلامي: ٢٩٦٨). وقد جعل فريق آخر العرف جزءاً من المصادر التبعية والاحتياطية إلى جانب المصادر الأصلية مثل القرآن (الزرقا، المدخل الفقهي ١٩٦٧: صفحات مختلفة).

يعتقد بعض الكتاب المعاصرين أن ٩٩٪ من الأحكام الاجتماعية الإسلامية إمضائية (سروش، بسط تجربه نبوی ۱۳۷۸: ۲۹ – ۳۰). لذا، يمكن بسهولة تصور أنه لو ظهر النبي (ص) في عصرنا، لكان قد أوجد محوراً ومركزاً معنوياً جديداً لحياة الناس، دون المساس بالكثير من أشكال الحياة اليومية، بل إنه أصلاً، بقبوله لعرف الزمان، كان سيطلب من الناس أن يوجهوا حياتهم إلى محور الدين المعنوي (سروش، اخلاق خدایان ۱۳۸۰: ١٠٣).

في المقابل، قال البعض: «أحكام شرع ديننا لا تنحصر في الصلاة والصوم والعبادات، بل يجب أن تكون جميع أقوالنا وأفعالنا تحت أحد الأحكام الخمسة المدرجة؛ سواء كانت أموراً دولية وسياسية أو عبادات ومعاملات» (زرگری نژاد، رسائل مشروطیت ۱۳۷۷: ١٤٢).

حتى إن البعض لا يقبل نظرية منطقة الفراغ (الشهيد الصدر، اقتصادنا ١٤١١: ٣٧٨) أو إجراء العرف في الأمور غير المنصوصة (النائيني، تنبيه الأمة وتنزيه الملة: ٩٨٠)؛ بالطبع، الحق هو أن تدخل الشريعة في الأمور الجزئية الاجتماعية غير قابل للتصور. أي، كما ذكر الشهيد الصدر في بحث منطقة الفراغ أو كما قال الإمام الخميني (ره)، يجب تحديد صلاحيات لمجالات التشريع والتخطيط، والتأكيد على قبول الأحكام الحكومية والمؤسسات القانونية (صحيفه نور: ٤٩٢/١٦ و٤٩١/١٨ و٤٢٤/١٩).

على سبيل المثال، تأمين نفقة الزوجة واجب على الزوج، وبناءً على آية «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (البقرة: ٢٣٣)، لا يمكن قطعاً فهم هذا العرف على أنه متصل بزمن المعصوم. عرف المكان والزمان هو الدليل في هذا المجال، ولكن العرف نفسه لا يُعد سنداً مستقلاً لفهم الأحكام. تتبع كثير من الأعراف يؤدي إلى السيرة الشرعية أو المتشرعة، وحجيتها من هذا الباب (هاشمي شاهرودي، بحوث في علم الأصول ١٤٠٥: ٢٣٨ – ٢٤١)، لا أن يكون للعرف نفسه سندية خاصة.

في هذا الصدد، يجب القول: على الرغم من أنه لا توجد شريعة تستغني عن العرف، فإن البعض مثل صاحب الجواهر، يرى كفاءة العرف في حالة عدم وجود نص شرعي، منشأ للحق (النجفي، نفس المصدر: ٢٦٣/٢٣). حتى إن البعض قدم العرف المتجذر على البيان الظاهري للشرع (الأنصاري، المكاسب: ٣٦٧). بالطبع، هذا الأمر لا يعني استقلالية العرف في الأحكام؛ خلافاً للبعض الذين يرون دور العرف في الإسلام، مع مراعاة اختلاف النظامين، مماثلاً لدور العرف في القانون العام (ضيائي بيگدلي، ١٣٦٩: ٤١).

ج. الاستعمال غير الاستقلالي للعرف

هذا الاستعمال، الذي يُسمى أيضاً الاستعمال الآلي، يعني الاستفادة من العرف كأداة؛ دون قبول سنديته الاستقلالية. لا يمكن الحديث عن استعمال الاجتهاد والشريعة، مع عدم قبول الاستعمال الآلي للعرف (زنجاني، نفس المصدر: ١٠٢/٣). يمكن تعداد هذا الاستعمال في الصور التالية:

١. الرجوع إلى العرف في المفاهيم والمفردات والهيئات المستخدمة في الدليل

بما أن إرادة المشرع قابلة للإدراك بالنسبة لنا، وهذا الفهم حجة، والشرع لم يختر طريقاً خاصاً في تفهيم مقاصده، فإن الرجوع إلى العرف لا يمكن إنكاره. الرجوع لتفسير المفردات وكذلك الألفاظ المتحدة في الأدلة والأسناد الشرعية وتفسير مجموعة الجمل والهيئات التركيبية لازم. وقد استدل البعض لإثبات هذه المسألة بآية «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ» (إبراهيم: ٤) (التبريزي، أوثق الوسائل في شرح الرسائل: ٤٦٧).

لكن المحقق النائيني (ره) في هذا المورد، لا يرى للعرف مكانة، ويعتبر «ذهنية وارتكاز المتشرعة الخالص الذي وصل من السلف إلى الخلف» هو المرجع والحاكم للتشخيص.

الأستاذ المحقق وحيد الخراساني في تبيين ماهية الفعل الكثير، الذي يزيل صورة الصلاة، قال: يجب أن نرى «من هو الحاكم بمحو صورة الصلاة؟» ثم قال: «إذا اعتبرنا العرف حاكماً، نواجه هذه المعضلة وهي أن الصلاة ليست موضوعاً عرفياً، بل هي مركب شرعي، ورأي العرف في هذه الأمور ليس مرجعاً. من ناحية أخرى، لا يمكن أن يكون رأي الشارع مرجعاً، لأنه إذا كان رأي الشارع مرجعاً، فإن حقيقة القضية تصبح أن كل ما يمحو صورة الصلاة شرعاً، يكون قد محا صورة الصلاة» (درس خارج الفقه: جلسة ٨٩، ٦٩/٧٠). هذه المسألة ليست سوى أخذ الحكم في موضوعه نفسه. لهذا السبب، يرى المحقق النائيني أن الحاكم والمرجع في المحو هو «ذهنية وارتكاز المتشرعة الخالص الذي وصل من السلف إلى الخلف» (الآملي، الصلوة ١٤٠٣: ٢٧٢/٢).

الحق هو أن المحدد لمعنى كلمة المحو هو العرف. يجب البحث عن تحديد مصداق المحو من الشرع، حيث يمكن لذهنية المتشرعة أن تكون بياناً لسيرة المتشرعة في هذا المجال.

على هذا الأساس، قبل الشهيد الثاني مرجعية العرف في فهم وتشخيص وتعريف وتنقيح الموضوعات وأوكلها إلى العرف (الشهيد الثاني، الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: ٩٤/٢). ويتبنى فقهاء آخرون هذا الرأي أيضاً (الإمام الخميني، رسائل ١٣٨٧: ١٨٤/١؛ الهاشمي الشاهرودي، نفس المصدر: ٢٣٤/٤).

بما أننا قلنا إن تشخيص معنى الألفاظ يكون بالعرف، فقد تدخل بعض الفقهاء في هذا المجال وأوردوا عبارات بجانب العرف تشكك في عرفية اللفظ. على سبيل المثال، في بحث الغناء، تشخيص ما هو الغناء هو من عمل العرف، ولكن الشهيد الثاني تدخل في تعريف الغناء وقال: «الغناء هو مد الصوت بحيث يتردد الصوت في الحلق مصحوباً بهزة تدل على شدة الفرح أو الحزن، أو كل ما يسمى في العرف غناءً، أو كل ما يصاحبه هزة وطرب» (الشهيد الثاني، نفس المصدر: ٣٠٩/١). أحد الحقوقيين أيضاً في مرجعية العرف لتفسير ألفاظ مثل «المال، الاختلاس، والسرقفلية…» يقول: «التفاهم العرفي لا يمكنه أبداً تعريف هذه الألفاظ، ويجب التوجه إلى ‘العناصر العددية’ و’الاجتهاد وماهيات الحقوق’» (جعفري لنگرودي، مبسوط في ترمينولوجي حقوق: ١٣٦٠/٢ و٧٧٣/١).

٢. تبصرة: حدود استعمال المصطلح الشرعي

السؤال هو: إذا كان للشرع المقدس اصطلاح خاص في باب معين أو في مورد لفظ ما، فهل يُرجع في سائر الأبواب الفقهية في تحديد مفهوم ذلك اللفظ إلى العرف العام؟ مثل تفسير كلمة الوجه والصورة عند الغسل للوضوء، فهل هو نفس الحدود في بحث النظر إلى غير المحرم أم لا؟ (الحر العاملي، وسائل الشيعة ١٣٩٨: ١/ أبواب الوضوء باب ١٧). يبدو أنه لا يمكن استخدام هذا الملاك في سائر أبواب الفقه. وقد رأى البعض أن كفاءة العرف تكون حيث لا يوجد نص خاص حول الألفاظ. على سبيل المثال، في تشخيص الربا المعاملي، يقول صاحب الجواهر: ملاك الكيل أو الوزن هو عصر رسول الله (ص)؛ حتى لو حدثت تغييرات في قياسها في الأزمنة اللاحقة (النجفي، نفس المصدر: ٣٦٢/٢٣). وقال البعض أيضاً: «النص الشرعي في هذه الموارد متأثر بالعرف، لذا فإن العرف المعتبر هو في كل زمان يوجد فيه» (ابن عابدين، نفس المصدر: ١١٦/٢).

تطبيق الأحكام المطلقة على الحوادث والوقائع والمصاديق هو في الغالب عرفي، وسر انطباق الشريعة على الظروف الخاصة بكل بيئة يكمن في مراعاة الأعراف الصحيحة لتلك البيئة (أبو سنة، العرف والعادة في رأي الفقهاء ١٩٤٧: ٤٤ – ٤٦). وبما أن عمل الشارع هو بيان الأحكام، فإنه في المصاديق يتطلب قرينة خاصة، وهذا القول بأنه مع تغير الزمان يظل نفس مصداق الكيل والوزن في زمن رسول الله (ص) حاكماً، يحتاج إلى استدلال خاص، لأن هذه المسألة ليست من المسائل التعبدية.

٣. الرجوع إلى العرف في فهم مجموعة من الأدلة أو الأدلة والأمور المحيطة بها

الاستناد إلى العرف لاستنباط الأحكام واستعماله في التفاسير، وتبيين الأدلة والأسناد المعتبرة شرعاً، هو الموضع الثاني لتطبيق العرف الآلي. أي أن نرى ما الذي كان يفهمه عرف زمن نزول آية قرآنية أو صدور حديث من ذلك الدليل، بحيث يكون ذلك الفهم حجة لنا.

١-٣. الفرق بين هذا الاستعمال والاستعمال السابق

في الاستعمال السابق الذي يتعلق بتفسير مفردات وهيئات دليل واحد من العرف، كنا نريد أن نرى ما الذي يفهمه الملمون باللغة العربية مثلاً من صيغة الأمر أو النهي، ويكون فهمهم هو المعيار، والذي كنا نسميه «العرف اللفظي» الذي يتعلق في الغالب بالظهورات. أما في الاستعمال الثاني، فالمقصود هو حكم الناس في «مجموعة الأدلة» أو «العرف التركيبي». على سبيل المثال، فهم الناس من آية «وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ» (المائدة: ٢) ليس مجرد التعاون، بل بالإضافة إلى عدم التعاون على الإثم، يُفهم منها أيضاً مخالفة مادة الفساد. أي، بالإضافة إلى عدم التعاون على الإثم، يجب ألا تكون راضياً بتحقق الإثم أيضاً. أي، بالإضافة إلى مفردات اللفظ وهيئتها، يُستعان بعناصر أخرى أيضاً. أي، الحديث ليس عن مادة وهيئة التعاون والإثم والعدوان فقط.

فالعرف بمساعدة سائر الأدلة ومذاق الشريعة، يفهم فهماً آخر من مجموع هذه الآية. وقد أطلق بعض الكتّاب على هذا الفهم اسم «الفهم العرفي» أو «التفاهم العرفي»، وضربوا مثالاً بمادة قانونية. قانون المالك والمستأجر المصادق عليه عام ١٣٣٩، الذي لم يشمل الأراضي الزراعية بهذا القانون. وقد اختلف الآن حول ما إذا كان بستان الزهور وبستان الفاكهة مشمولين بالأراضي الزراعية أم لا. في هذه الجملة، البحث ليس عن الزراعة أو الغرس، بل المقصود هو ما يتصوره ويفهمه المزارعون من مفهوم الغرس والزرع في أذهانهم (جعفري لنگرودي، دانشنامه حقوقی: ٣٧٦/٢). موضع هذا الاستعمال هو أنه إذا كان قابلاً للاعتماد، يمكن استخدامه في تخصيص العموم أو في تنقيح المناط وإلغاء الخصوصية. كما فتح السيد المرتضى في كتابه باباً باسم «فصل في تخصيص العموم بالعادات» (علم الهدى، الذريعة في أصول الشريعة ١٣٤٦: ٣٠٦/١ و٣٠٧). ويرى البعض أيضاً أن نطاق العرف اللفظي هو تشخيص معنى المقررات، وحتى القدرة على تشخيص الجمل المركبة مثل (حيوان ناطق) لا يرونها في نطاق العرف (مصطفوي، ١٣٩٢: درس خارج الفقه).

٢-٣. تقييم هذا الاستعمال

بعض الكتّاب، بمهاجمتهم للفهم العرفي المذكور، اعتبروه خاصاً بزمن صدور الكتاب والسنة، وغير قابل للاعتماد في الزمن الحاضر، وبدلاً منه، يتجهون إلى «الفهم العلمي الدقيق»، وفي الوقت الحاضر، لا يرون حلاً سوى ترك الفهم العرفي المذكور جانباً (مجتهد شبستري، نفس المصدر: ٢٧). لأن الفهم العرفي يحمل سوء فهم، فقد تركوه جانباً وتوجهوا إلى تعريف غير معلوم باسم «الفهم العلمي الدقيق».

٣-٣. الاستفادة من الفهم في تنقيح المناط

في ذبح الحيوان، اشتُرط أن تكون السكين من حديد. فتوى المرحوم آية الله بهجت هي: «إذا كانت آلة الذبح في حدتها وقوتها مثل الحديد حتى نهاية الذبح، فليس ببعيد أن يكون لها حكم الحديد بإلغاء الخصوصية» (بهجت، مناسك محشى: ٤١٧). في هذا الحكم، قام المرحوم آية الله بهجت بتعميم كونها من حديد بناءً على الفهم العرفي، وشملها لتشمل غير الحديد الذي له حدة وقوة الحديد. لذلك، فإن الفهم العرفي المذكور له قدرة على تعميم الدليل.

٤-٣. الاستفادة من الفهم العرفي في الأولوية

يقول الأستاذ وحيد الخراساني باستخدام أولوية العرف: «عندما لم نستفد من دليل النهي عن بيع ملك الغير بطلان بيع ملك الغير، فإننا نقول ببطلان المعاملة على ملك هو متعلق لحق الغير (مثل المرهون) بطريق الأولوية العرفية» (وحيد الخراساني، درس خارج الفقه: ۱۳۷۷).

٥-٣. تخصيص وتقييد الأدلة بالفهم العرفي

الفهم العرفي من آية «وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» (الأنعام: ١٢١) يقول: فقط ذكر اسم الله يجعل الذبح حلالاً، ويقيد بأن ذكر صفات كمال الله على اللسان لا يمكن أن يجعل الذبح حلالاً. أي أنه يقيد عموم اسم الله. في آية «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» (البقرة: ٢٣٣)، يخصص الفهم العرفي في حالات عدم وجود حليب في المرأة المرضعة، هذين العامين. أي أنه يخصص عموم الفهم العرفي ويقول إن فترة الرضاعة لمدة عامين خاصة بالمرأة التي لديها حليب. في آية «فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا…» (النساء: ٤٣)، يقول الفهم العرفي: جواز التيمم ليس فقط لمن لا يملك الماء، بل يجوز التيمم أيضاً لمن يضره الماء. أي أن العرف يفهم الإطلاق من الآية. وقد قال البعض أيضاً إنه في هذه الأمثلة الثلاثة، لا ينعقد عموم وإطلاق من البداية حتى يأتي الفهم العرفي ويخصصه ويقيده (عليدوست، نفس المصدر: ٢٣٧).

٦-٣. تغيير النص وعدم العمل به بسبب تغيير العادة والعرف

يقول الشهيد الأول في كتاب القواعد والفوائد (يجوز تغير الأحكام بتغير العادات): «إذا اختلف الزوج والزوجة بعد الوطء في دفع المهر، فإنه على الرغم من أن الرواية تقدم قول الرجل، إلا أنه اليوم يجب تقديم قول المرأة؛ لأن الرواية تدل على زمن كان فيه الرجال يدفعون المهر نقداً عند عقد النكاح، وبما أن هذه العادة والعرف قد تغيرت، فإن إثبات دفع المهر هو وظيفة الرجل» (الشهيد الأول، القواعد والفوائد: ١٥١/١).

٤. العرف وفهم المناسبات بين الموضوع والحكم المذكور في الأسناد الشرعية

في كثير من الحالات، يفهم الفهم العرفي مقتضيات تتناسب مع الحكم والموضوع. على سبيل المثال، عندما يقال «يجب على إمام الجماعة أن يدفع الدية في ظروف استثنائية»، فإن تناسب الحكم والموضوع يفهمنا أن الإمام ليس ملزماً بدفع هذه الدية من أمواله الشخصية (الخوئي، مباني تكملة المنهاج: ٤٤٤/٢). وعندما يجوز السبق (المسابقة) في سباق الخيل، نفهم بالفهم العرفي أن هذا الحكم ليس خاصاً بسباق الخيل ويشمل مسابقات أخرى، بل يشمل كل ما يؤدي الإلمام باستخدامه إلى إعداد المسلمين وتفوقهم (وحيد الخراساني، درس خارج الفقه: ۱۳۷۳).

٥. الرجوع إلى العرف في تطبيق المفاهيم العرفية على المصاديق

في النصوص الدينية، نواجه قضايا متعددة يكون أساسها عرفياً، ولكن حكمها شرعي. مثال: الغصب حرام، أو معاملة المجنون باطلة. أساس الغصب ومعاملة المجنون من الأسس العرفية، ولكن حكم الحرمة والبطلان فيها شرعي. تفسير الغصب ومعاملة المجنون هو من عمل العرف، ولكن تطبيق هذه المفاهيم على الأفراد والأفعال والأشياء الخارجية أمر آخر غير تفسير المفهوم. الآن، هذا التطبيق من عمل من؟ من الذي يجب أن يقول إن هذا الفعل غصب وهذه المعاملة هي معاملة مجنون؟

أي أن مرجعية العرف في تفسير كلمة الغصب ومعاملة المجنون تختلف عن تطبيق المفاهيم على المصاديق. في الاستعمالات الآلية الأولى والثانية، لم يكن لدى الفقهاء اختلاف نظري، ولكن الاستعمال الثالث (وهو بحثنا الحالي) كان محل اختلاف بين المفكرين في المجالين النظري والعملي. على سبيل المثال، في تحديد مسافة ثمانية فراسخ، يقول المرحوم صاحب العروة: «إذا كانت المسافة في السفر أقل من ثمانية فراسخ، مهما كانت قليلة، فإنها لا توجب قصر الصلاة، لأن المسافة المذكورة مبنية على التحقيق لا على التسامح العرفي» (الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى: ١١٣/٢). أو في مكان آخر قالوا: «كلما كان الماء أقل من الكر، ولو بنصف مثقال، فله حكم الماء القليل» (نفس المصدر: ٣٤/١). إذن، المرحوم صاحب العروة لا يقبل حكم العرف في تطبيق المفاهيم العرفية على المصاديق.

١-٥. ثلاث نقاط حول حكم العرف في تطبيق المفاهيم العرفية على المصاديق

١. كفاءة العرف في هذا المجال تقتصر على الموضوعات العرفية، مثل تطبيق الغصب على فعل خارجي معين، ولكنها لا تجدي في المخترعات الشرعية. على سبيل المثال، عندما نقول «القيام بعمل يخل بصورة الصلاة غير جائز»، فإن حكم العرف في تشخيص «صورة الصلاة» وتطبيقها على موضوع خارجي غير مقبول، لأن «صورة الصلاة» مصطلح اخترعه الشرع وليس العرف. بعبارة أخرى، يكون رأي العرف مقبولاً في الشريعة عندما يُعتبر العرف حكماً ثانوياً (سلجوقي، نفس المصدر: ٣٩).

٢. إذا كان رجوع الفقيه إلى العرف لتشخيص المفهوم العرفي للفظ أو هيئة ما، فإن هذا الرجوع مقبول لدى جميع الفقهاء، ويختلف عن الرجوع لتطبيق المفهوم العرفي على المصاديق.

٣. موضوع حديثنا في التطبيق هو العرف الدقيق لا العرف التسامحي. أي لا أحد يقبل الرجوع إلى عرف الناس للتطبيق التسامحي. حتى أولئك الذين يقبلون حكم العرف في تطبيق المفاهيم العرفية على المصاديق، فإن مرادهم هو العرف الدقيق لا العرف التسامحي. وقد أشار البعض إلى هذا العرف باسم العرف العقلائي (فيض، نفس المصدر: ١٤٤). يقول الإمام الخميني (ره) في هذا الصدد: «التسامح العرفي ليس معياراً في أي مورد، لا في بيان المفاهيم ولا في تشخيص المصاديق. إذا كان الحديث عن الرجوع إلى العرف، فالمقصود هو العرف بكل دقائقه في تشخيص المفاهيم والمصاديق؛ وهذا العرف هو المعيار في مقابل التشخيص الدقيق والبرهاني العقلي» (الإمام الخميني، ١٣٨٥، ٢٢٧/١). ويقول في مكان آخر: «المعيار في تبيين جميع المفاهيم العرفية هو كيفية انطباقها على الموارد العرفية، لأن الشارع في محاوراته مع الناس ليس له اصطلاح خاص وطريقة خاصة. كلمة الغسل في البول هي نفس معنى كلمة الغسل في الوضوء. لا يمكن بالعقل الدقيق فهم أن الغسل في الوضوء يجب أن يكون من الأعلى إلى الأسفل (إلا إذا كان هناك دليل خاص)» (الإمام الخميني، كتاب البيع ۱۳۷۹: ۲۲۰).

ولكن معظم الفقهاء لم يقبلوا هذا الاستدلال، ولم يقبلوا مرجعية العرف لتطبيق المفاهيم العرفية على المصاديق؛ مثل المرحوم الآخوند الخراساني (١٤٢٢-٢٢٧)، المرحوم السيد الخوئي (الخوئي، تنقيح: ٢٧٦/١؛ همو، مستند العروة: ٢٤/١؛ همو، محاضرات في الأصول، ١٨٣/٤)، والسيد وحيد الخراساني في موارد مكررة من درسه الخارج والسيد الهاشمي الشاهرودي (الهاشمي الشاهرودي، نفس المصدر: ٢٦٤/٢). على رأس هذه المجموعة من العلماء، يقف المرحوم السيد الخوئي، الذي لا يقيم دليلاً لبيان رأيه، ويعتبر مرجعية العرف في تطبيق المفاهيم على المصاديق مصحوبة بعدم الدقة والتسامح (الخوئي، تنقيح: ٢٧٦/١). في حين أنه، وفقاً لكتاباته، فإن العرف محل الحديث هو عرف دقيق غير تسامحي لا عرف متسامح (الخوئي، محاضرات: ١٨٣/٤). الدقة العقلية التي يقصدها هذا الكبير تخلق ضيقاً كبيراً، لأن أي فقيه لا يدخل في الأحكام بالدقة العقلية. هو نفسه أيضاً، بعد صحة تطبيق المفهوم على المصداق بشكل حقيقي، أخذ هذا الموضوع في الاعتبار وقال (وإن لم يكن دقيقاً). أي أن الدقة العقلية ليست مقصودة لديه أيضاً؛ مثل الأمثلة التالية:

١. قال الفقهاء في بحث السجود على الأرض إن السجود على غير المأكول والملبوس جائز (الطباطبائي، نفس المصدر: ٥٨٨/١ و٥٩١).

٢. في تشخيص الفرد المكلف بالحج، أوكلوا تطبيق المفهوم على المصداق إلى المكلف نفسه (معرفت، ١٣٧٣: ١٠٦).

٣. في تشخيص العرف الخاص والمقيد، أوكل أمر التطبيق إلى الناس. مثال: إذا ورد في وثيقة الوقف أنه يجب إقامة مجلس عزاء لمدة يومين في السنة، فهل تشمل كلمة «يوم» الليل أيضاً؟ قالوا: إذا كان إقامة العزاء في الليل متعارفاً عليه، فإنه يشمل الليل أيضاً (التبريزي، استفتائات جديد ١٣٧٨: ٣١٩).

يرى البعض أن ديناميكية الفقه ممكنة في العمل بفضل العقل والعرف العقلي، وإذا أُخذ ذلك من الفقه، فسيُفرض عليه الركود والجمود، ومثل هذا القانون لن يعمر طويلاً (فيض، نفس المصدر: ١٤٢). وأضافوا أيضاً: كما أن دليل العقل مقبول كمصدر فقهي، يجب أن يجد العرف نفس المكانة حتى يتمكن قانون الشرع من قيادة المجتمع (نفس المصدر).

٦. مرجعية عرف الخبراء والمتخصصين

على الرغم من أن البعض لم يقبل مثل هذه المرجعية، إلا أن الإمام الخميني (ره) يقبل تشخيص الخبير بوجود فلس في السمك؛ فما بالك بالموضوعات المعقدة (الإمام الخميني، ١٣٧٤، ١٦٧ و١٦٦؛ همو، صحيفة الإمام: ٢٢١/١٧). وقال المرحوم التبريزي أيضاً: «ما يكون في نظر متخصص فلسًا، ولكن في العرف لا يسمونه فلسًا، ليس له اعتبار شرعي» (التبريزي، استفتائات جديد: سؤال ١٧٨٥).

القسم الثالث: العرف والتشريع

العرف ليس مشرعاً، ولكنه ليس عديم التأثير في تكوين القوانين أيضاً. لذا، نبحث في دور العرف في الحالات التالية:

أ. تخصيص وتقييد الأكثر، مستهجن عند العرف

بعض المفكرين لا يجيزون تخصيص وتقييد الأكثر في جميع الفروض. أي لا يمكن بيان عام أو مطلق ثم تخصيصه وتقييده إلى درجة لا يبقى لذلك العام والمطلق إلا أفراد قليلون (حسن بن زين الدين، معالم الدين وملاذ المجتهدين: ١١٤). ولكن البعض مثل السيد المرتضى، يجيزون تخصيص وتقييد الأكثر (علم الهدى، الذريعة في أصول الشريعة: ٢٩٧/١). بتعبير الأستاذ مكارم الشيرازي، «العرف يرى منافاة بين إلقاء القانون في قالب عام أو مطلق، مع إخراج أكثر الأفراد أو كثير منهم من دائرة ذلك القانون» (مكارم الشيرازي، قواعد الفقهية ١٣٨٢: ٧٠/١).

ب. في كيفية بيان القانون

المقصود هو أن العرف يُراعى في كيفية بيان القانون. مثلاً، الأئمة (ع) لم يكونوا يجيبون من أتاهم مرة واحدة بنفس الطريقة التي يجيبون بها من يحضر حلقة درسهم كل يوم، بل كانوا يبينون لمن يحضر جلستهم مرة واحدة بتقييد وتخصيص أكبر (الإمام الخميني، رسائل: ٣٢).

ج. في حدود بيان القانون

لعرف الناس تأثير كبير في كيفية بيان القانون. مثلاً، عندما يبين المشرع واجباً عينياً، لا يحتاج عرفاً إلى تقييد، ولكن عندما يبين واجباً كفائياً، يلزم أن يأتي بقرينة تدل على كفائيته. وقد اعتبر البعض هذا العرف عرفاً لفظياً (الخراساني، بيتا: ١٦١/١)، واعتبره البعض مجرد حكم، ولم يتعرضوا لكونه عرفاً لفظياً أو عملياً (الإمام الخميني، لمحات الأصول ١٣٧٩: ١٩٤). بعبارة أخرى، رفع الإجمال وتكميل القانون أو رفع التناقض في القوانين، مرتبط بالعرف (كينيا، كليات مقدماتي حقوق ١٣٤٨: ٢٠٧؛ كاتوزيان، كليات حقوق ١٣٤٩: ١١٥/٢).

د. كفاية بيان القانون بحكم الناس (العرف)

من موارد العرف، حكم الناس بشأن كفاية معنى خاص لقانون معين. على سبيل المثال، عرف الناس في استصحاب حياة زيد، لأنه يقيم أصلاً شرعياً، يتبع الآثار الشرعية لاستصحاب حياة زيد؛ مثل وجوب نفقة زوجته، وحرمة نكاح زوجته، إلخ. إذن، بعبارة أخرى، لا علاقة له بالآثار العادية للحياة (مثل نبات لحية زيد) أو الآثار العقلية (مثل عدم موت زيد).

هـ. حضور العرف في ساحة الأدلة والأسناد

عند تعارض الأدلة، يوجد بحث يسمى الجمع العرفي، الذي يخصص العام أو يقيد المطلق. في مثال آخر، عندما يتعارض الحكم الوضعي «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» مع عدم الوفاء بعهد بيع الخمر، لا يرى العرف تعارضاً في مثل هذه الحالات. لأن أحدهما حكم وضعي والآخر تكليفي، وحتى لو اعتبرنا كليهما وضعياً أو كليهما تكليفياً، فإنه يفرض تضييقاً على دائرة وجوب الوفاء (الخوئي، مصباح الفقاهة: ٣٢١/٧). مثال آخر هو أنه في تعارض الأصل والأمارة، تُقدم الأمارة دائماً. بالطبع، إثبات رأي العرف في جميع هذه الحالات يقع على عاتق مدعي تحقق العرف (سلجوقي، نفس المصدر: ٤٨؛ گلباغي، نفس المصدر: ٢١٨).

و. حكم العرف في العقود

يحكم العرف في العقود، لا أن يكون سنداً. على سبيل المثال، عندما يُحدد مبلغ كعربون لفسخ العقد من قبل أحد الطرفين، إذا كان هناك وقت متعارف عليه للفسخ، فإنه يُحمل على ذلك الوقت وتكون المعاملة صحيحة (الإمام الخميني، ١٣٧٣: ٩١/٢). في تفسير العقود، لأن رأي العرف هو أن الإيجاب دائماً يسبق القبول، فإن تقديم القبول على الإيجاب يمثل مشكلة (الشيخ الأنصاري، المكاسب: ٩٨).

ز. جعل العرف موضوعاً للحكم

أحياناً، على الرغم من أن عقاراً له مالك، إلا أن العرف يسمح للعامة بقدر من التصرف فيه؛ بالطبع، العقار الذي ليس له جدار أو سياج، والمارة يتصرفون فيه تصرفاً يسيراً. وفي هذا الصدد، يقول أحد الكتّاب: «المستهلك عرفاً يفهم أن صاحب الأرض والقناة ليس بهذه الدرجة من البخل والدناءة ليمنع مثل هذه الاستهلاكات القليلة والصغيرة» (جعفري لنگرودي، نفس المصدر: ٣٨٠/٢). يمكن القول: العرف في مثل هذه المواقع، يجعل موضوعاً لإجراء الأدلة والأحكام الخاصة. وقد أجرى المرحوم الخوانساري هذه السيرة العرفية في الأراضي الصغيرة أيضاً ولا يرى ضرورة أن تكون كبيرة (الخوانساري، حاشية بر عروه: ٢٢٤/١). بالطبع، قُدمت نصوص أيضاً لرضا الشارع بمثل هذه التصرفات (الحر العاملي، وسائل الشيعة ١٣٩٨: ١٣/١٤ – ١٧).

وفقاً للمادة ٢٢٠ من القانون المدني، تلزم العقود طرفي المعاملة بتنفيذ جميع النتائج التي تحصل من العقد بموجب العرف والعادة أيضاً. مصطلح العرف التعاقدي يعني العرف الذي قبله طرفا العقد، مثل تحديد مكان تسليم المبيع وفقاً لعرف المكان (شيخ نيا، أدلة إثبات دعوى ١٣٤٤: ٣٤ – ٣٥).

النتيجة

في الصفحات الماضية، أشرنا إلى فهمين متقابلين للعرف. البعض لم يكن يرى للعرف مكانة في الاستنباط (شمام، ١٤٠٩: ٣٤٠٧)، والبعض اعتبر الحرب مع العرف مخالفة للعقل والشرع، ومحكومة بالفشل (فيض، فصلنامه حضور ١٣٧١: ٢٤)، أو البعض اعتبر مكانة العرف مساوية لمكانة العقل والإجماع (عميد زنجاني، نفس المصدر: ٢١٨ – ٢٢١)، أو اعتبروا دليل العادة حاكماً دائماً؛ سواء كانت عادة عامة أو خاصة (رستم باز، نفس المصدر: ٣٤).

من قول البعض مثل صاحب الجواهر الذي اعتبر العرف منشأ للحق (النجفي، نفس المصدر: ٢٦٣/٢٣)، أو من قول الإمام الخميني (ره) الذي قبل العرف غير المشكوك فيه (الإمام الخميني، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية ١٣٧٢: ٢٦٤/١)، يُستفاد أن العرف يمكن أن يحدث أقصى التغييرات الحقوقية والقانونية من أجل تأمين حقوق جميع البشر في عصرنا (زنجاني، نفس المصدر: ٢٢٦/٢٤)، أي أن العرف يمكن أن يصدر حكماً. والبعض، بتنازل درجة واحدة، عدوا العرف بجانب المصادر الأربعة كمصادر تبعية واحتياطية (الزرقا، نفس المصدر: صفحات مختلفة). في مقابل هذين القولين، قال البعض إن نطاق الشريعة واسع ويشمل كل صغيرة وكبيرة، وجميع الأقوال والأفعال تندرج تحت أحد الأفعال الخمسة؛ سواء كانت أموراً دولية أو سياسية أو عبادات ومعاملات (زرگری نژاد، نفس المصدر: ١٤٢).

ولكن واقع الأمر هو أن العرف لا يملك قيمة استقلالية لإصدار الحكم أو سنديته، بل يُستخدم كأداة آلية وغير مستقلة في طريق الاستنباط، وموارد استعماله هي:

– تشخيص المفردات والهيئات المستخدمة في الدليل أو لتنقيح المناط أو الأولوية أو التخصيص والتقييد.

– فهم التناسب بين الحكم والموضوع.

– تطبيق المفاهيم العرفية على المصاديق، مثل تشخيص أساس الغصب ومعاملة المجنون في مثال «معاملة المجنون باطلة» أو «الغصب حرام».

– تشخيص حدود القانون (مثل تشخيص الواجب الكفائي من العيني).

– في تفسير العقود التي تقدم عادة الإيجاب على القبول.

بالطبع، أحياناً يكون العرف أيضاً جاعلاً للموضوع، مثل التصرف اليسير للعامة في ملك ليس له جدار أو سياج، سواء كان صغيراً أو كبيراً (الخوانساري، حاشية بر عروه: ٢٢٤/٢)، ولكن في إصلاح الحكم أو الاستناد إلى الحكم، ليس للعرف مكانة.

الهوامش

1. أستاذ مساعد في جامعة قم (Aziz.fahimi@yahoo.com).

2. طالب في مرحلة السطوح العليا (السطح الرابع) في حوزة قم العلمية وطالب دكتوراه في القرآن والعلوم الاجتماعية (المؤلف المسؤول) (Ms.٢٥٢٢@yahoo.com).

Scroll to Top