الملخص
إنّ القول بعدم حجية خبر الواحد من أشهر مباني ابن إدريس في علم الأصول. فبناءً على معتقده، فإن الروايات التي لا تبلغ حد التواتر أو لا تكون محفوفة بالقرينة، ليست بحجة لكونها غير مفيدة للعلم. وهو لا يقتصر على الاعتقاد بهذا الرأي فحسب، بل يعد هذا المبنى من ضروريات فقه الإمامية. ولهذا السبب، تختلف آراء ابن إدريس ومنهجه الفقهي اختلافاً محسوساً عن سائر الفقهاء، بل ويؤدي به ذلك في كثير من الأحيان إلى الحكم بفتوى شاذة ونادرة. وقد أدى هذا المبنى إلى أن ينسب إليه بعض الفقهاء عدم العمل بأخبار أهل البيت. إلا أن الوصول إلى نتيجة مفادها أنه ينكر بشكل مطلق أي نوع من أخبار الآحاد يتطلب استكشاف نظرياته في مختلف أبواب الفقه والأصول، ليتسنى من خلال ذلك تقييم ودراسة علل ودوافع ابن إدريس في تبني هذا التوجه، ومدى تأثير هذه النظرية في منهجه الإفتائي، وآثار القول بعدم حجية خبر الواحد في فكره.
آثار وتبعات إنكار حجية خبر الواحد في المنظومة الاجتهادية لابن إدريس
إن أهم وأوسع مصادر الاستنباط في فقه الشيعة هي روايات المعصومين (ع)، وعلى هذا الأساس نشأت وتطورت علوم كالرجال والدراية في كنف الحديث، وأصبحت من المقدمات المهمة للاجتهاد والاستنباط. ولكن بسبب الابتعاد التدريجي عن عصر المعصومين (ع) وظهور الوسائط الكثيرة، وكذلك وجود دوافع لوضع الحديث وعوامل أخرى، لا يمكن الاعتماد على كل حديث. ومن هنا، قُسّمت الأخبار إلى مراتب ودرجات متنوعة كالأخبار المتواترة، والآحاد، والمحفوفة بالقرينة، حيث اعتُبرت الأخبار المتواترة والمحفوفة بالقرينة قطعية ومعتمدة، وبقيت أخبار الآحاد محط بحث ونظر. المشكلة التي تبرز هنا هي أن الأخبار المتواترة والمحفوفة بالقرينة ليست بالقدر الذي يمكّنها، إلى جانب الأدلة الأخرى، من استنباط جميع أو معظم الأحكام. وهنا تتجلى المكانة الخاصة والأهمية البالغة لأخبار الآحاد، ويتضح أن الاجتهاد من دون اعتبار أخبار الآحاد إما مستحيل أو على الأقل يترتب عليه آثار ونتائج وخيمة.
إن الأهمية والمكانة الخاصة لأخبار الآحاد في فقه الشيعة من جهة، وشهرة ابن إدريس بإنكارها في منهجه الاجتهادي من جهة أخرى، تثير تساؤلات في الأذهان، منها: هل حقاً أن ابن إدريس ينكر حجية خبر الواحد؟ وفي حال الإجابة بالإيجاب، ما هو تبرير ابن إدريس والفقهاء الذين على شاكلته لهذا الإنكار؟ وهل بقي ابن إدريس وفياً لمبناه هذا في ميدان الاجتهاد والفقه؟ وإن كان وفياً لمبناه، فما هي الآثار والتبعات التي ترتبت على ذلك؟ وأخيراً، ما هي التدابير التي اتخذها والعناصر والأدلة التي اختارها كبديل لجبران الآثار المترتبة وسد فراغ أخبار الآحاد؟
خلفية البحث في حجية خبر الواحد
تعود خلفية البحث في حجية خبر الواحد إلى عصر حضور الأئمة (ع). ففي أوساط تلامذة الإمام الصادق (ع)، يُلاحظ اتجاهان حول كيفية التعامل مع أخبار الآحاد. الفئة الأولى من أصحاب الإمام كانوا من المتكلمين (كهشام بن الحكم وتلميذه يونس بن عبد الرحمن)، وكانوا ينظرون إلى الأخبار نظرة نقدية شديدة، ويعتقدون بوجود عدد من الأخبار الدخيلة والمدسوسة ضمن الأحاديث المنقولة عن النبي (ص) والأئمة (ع)، وقد ذكر في هذا الصدد أسماء أشخاص مثل المغيرة بن سعيد كأصحاب دور في وضع الأحاديث (رجال الكشي: ۲۲۴). وكان الفضل بن شاذان أيضاً، على غرار هشام بن الحكم ويونس، من نقاد الحديث، ولم يكن يصرّ في مبحث تعارض الخبرين على الجمع بين الأحاديث المتعارضة، بل كان يعتبر في حكمه كثيراً من الأحاديث المتعارضة مجعولة. ولهذا السبب، صمم أول منظومة نقد رجالي في بيئة الفقه الإمامي، وقد استفاد الكشي في معرفة الرجال من آراء الفضل استفادة كبيرة (نفس المصدر). وبالإضافة إلى النقد الرجالي، انعكس النقد المتني للحديث بناءً على تحليل مضمونه في كتابه الإيضاح.
على عكس هشام بن الحكم وتلامذته، كان هشام بن سالم، الصحابي الآخر للإمام الصادق (ع) وتلامذته، ينظرون إلى رواة الحديث نظرة متفائلة، وطرحوا مبدأ أن الاختلافات الموجودة بين الروايات تعود في الغالب إلى التقية، مقدّمين بذلك فلسفة أخرى لاختلاف الأحاديث وطريقاً آخر لرفع هذا الاختلاف. ويُستفاد من بعض الآثار المؤلفة في تلك الفترة أن أحد أهم الخلافات بين الهشامين كان حول خبر الواحد. وقد ألف الحميري كتاباً عن خلافات هذين الصحابيين الجليلين، ضبطه النجاشي بعنوان: «كتاب ما بين هشام بن الحكم وهشام بن سالم والقياس والأرواح والجنة والنار والحديثين المختلفين» (نفسه). وقد تناول الحميري في هذا الكتاب دراسة اختلاف الهشامين في أربع مسائل كلامية-فقهية، هي: حجية القياس، ومباحث الأرواح، والجنة والنار، والحديثين المختلفين.[1] وفيما يتعلق بالتمسك بخبر الواحد، خالف ابن الجنيد طريقة فقهاء المتكلمين الإمامية، وسار على وفق نظر فقهاء أهل السنة والمحدثين من الإمامية (المفيد، أوائل المقالات: ۱۳۹؛ المرتضى، الذريعة: ٢/ ٥١٧؛ همو، جوابات المسائل التبانيات: ١/ ٢١)، حيث كان قائلاً بحجية خبر الواحد، ويظهر العمل به في كثير من استدلالاته (العلامة الحلي، همان: …). وقد انتقده الشيخ المفيد على ذلك (المفيد، «أجوبة المسائل السروية»: ٢٢٣). ومن السمات الأخرى لابن الجنيد في تعامله مع الأخبار أنه كان ينظر بعين الاعتبار إلى الأحاديث المدونة لدى أهل السنة والزيدية، ويتمسك بمثل هذه النصوص في استدلالاته (العلامة الحلي، المختلف: ٢٧).
قسّم الشيخ المفيد في كتاب “التذكرة بأصول الفقه” للكراجكي خبر الواحد إلى نوعين: خبر واحد مصحوب بدليل يوجب العلم كالعقل أو الإجماع أو الشاهد العرفي، وخبر واحد لا يصحبه أي من الموارد المذكورة. وفي هذا التقسيم، القسم الأول خبر قاطع للعذر ومعتبر، أما القسم الثاني فليس بحجة ولا يوجب علماً ولا عملاً (المفيد، التذكرة بأصول الفقه: ٤٤ – ٤٥)، وعلى هذا الأساس، لا يرى الشيخ المفيد أن مثل هذا الخبر يصلح لتخصيص العام (نفس المصدر: ٣٨).
يعتمد السيد المرتضى في الفروع والأصول الشرعية على الأخبار التي تفيد العلم واليقين، كالأخبار المتواترة المحفوفة بالقرائن المفيدة للعلم (راجع: المسائل التبانيات (رسائل الشريف المرتضى): ١/ ٢١ – ٢٩؛ الذريعة: ٢/ ٤٨٠ وما بعدها)، وما أجمعت الأمة على قبوله (راجع: رسائل الشريف المرتضى: ٢/ ٢١). ويعبر عن تواتر الأخبار في مباحثه الفقهية أحياناً بـ«تظاهر الآثار في الروايات».[2] وبناءً على ذلك، أسقط أخبار الآحاد عن درجة الاعتبار والحجية الشرعية لكونها ظنية، ولم يعتبرها كافية لإثبات حكم شرعي. وقد فصّل القول في ترسيخ هذا المبنى والاستدلال عليه في العديد من كتبه ورسائله (رسائل الشريف المرتضى: ١/ ٢١ وما بعدها؛ الذريعة: ٢/ ٤٨٠ وما بعدها، ومسائل شتى (رسائل الشريف المرتضى): ٤/ ٣٣٥)، حتى أنه ألف رسالة بعنوان «في إبطال العمل بخبر الواحد» (طبعت ضمن رسائل الشريف المرتضى: ٣/ ٣٠٨ – ٣١٣). كان السيد يعترف بأصل إمكان التعبد بخبر الواحد، ولكنه يعتقد بعدم ورود أي دليل من الشارع على التعبد بخبر الواحد، وأن فقدان الدليل في الأحكام الشرعية يدل على عدم الحكم (السيد المرتضى، الذريعة: ١/ ٤٦).
رد السيد في “الذريعة” على تسعة أدلة للمخالفين، ثم استدل لإثبات عدم حجية خبر الواحد بإجماع الإمامية والتشكيك في أسانيد الأخبار الدالة على حجيتها. وبهذا، كان من الضروري للإحاطة بالأخبار المفيدة للعلم أن يكون لديه معرفة كاملة بمصادر الحديث؛ وهو ما كان العاملون بخبر الواحد في غنى عنه (روضات الجنات: ٤/ ٣٠٠). وهو في استدلالاته الفقهية لا يخصص الظواهر بالأخبار – وإن كانت معروفة وكثيرة – بل يصرح في بعض الموارد بأن الأخبار (شيعية كانت أم سنية) ليست مخصصة لظاهر الكتاب (راجع: الانتصار: ٢٧٤، م ٤٩٩؛ وأيضاً الموصليات الثالثة (رسائل المرتضى): ١/ ٢٥٧، م ٩١ و ٢٣٨، م ٤٨). وقد أثبت هذا الأمر من الناحية النظرية في أصوله أيضاً (راجع: الذريعة: ٥٥٤؛ راجع: الدكتور الكركي، تاريخ الفقه والفقهاء: ١٧٢). وهذا المبنى هو الذي جعله في بعض الأقوال يسير خلافاً للمشهور.[3]
تصدى الشيخ الطوسي لنقد وتصحيح بعض مباني أستاذه السيد المرتضى في العمل بخبر الواحد. وقد جعل الملاك في تنظيم مباحث الأصول هو الخطاب (أدلة الفقه)، معتقداً أن مباحث الأصول تدور إما حول نفس الخطاب وأقسامه، أو طرق إثبات الخطاب، أو ما يكون الخطاب طريقاً إليه (العدة في أصول الفقه: ١/ ٧ و ٨). وقد بدأ بمباحث الخبر؛ لأن الخبر طريق إثبات الخطاب، ثم عرض أقسام الخطاب وهي: الأوامر والنواهي، العام والخاص، المطلق والمقيد، المجمل والمبين، الناسخ والمنسوخ؛ وفي ختام المبحث تناول الإجماع والقياس والاجتهاد والحظر والإباحة. وعلاوة على تدوين علم الأصول وتنقيحه وترسيخ مسائله، أولى الشيخ عناية خاصة في استنباط الأحكام والاستدلال على الفروع الفقهية لبعض الأدلة، وهي:
- توسيع نطاق الاستدلال بالآيات الشريفة.
- الاهتمام بالإجماع كأحد أدلة الأحكام.
- توسيع الأدلة الروائية وتنمية الفقه الاستظهاري.
يمكن اعتبار خصائص مدرسة الشيخ الفقهية وإبداعاته ومنجزاته وليدة الأصول الثلاثة المذكورة، حيث كان ينظر إليها مجتمعة ويتحرك بينها حركة ترددية. يمكننا تشبيه هذه الأصول الثلاثة بهرم رأسه آيات القرآن وقاعدتاه الأخبار وأقوال الفقهاء (من الإمامية والعامة)، والعامل المشرف على الاستناد إلى كل منها هو الضرورات العقلية. ومن الخصائص البارزة للشيخ – التي تميزه عن المدارس الفقهية السابقة عليه، ويمكن اعتبارها إلى حد كبير متأثرة بمدرسة الشيخ المفيد – أنه أولى اهتماماً متوازناً للأصول الثلاثة، ولم يكن يهمل أحدها ليتناول الآخر. فعندما يستند إلى الأخبار، يلتفت إلى أنه إذا كان الخبر مخالفاً لصريح آيات القرآن، فإنه يسقطه عن درجة الاعتبار، وإذا استند إلى آية، فإنه يولي اهتماماً لمقيداتها أو مخصصاتها في الأخبار. وفي كلتا الحالتين، يلتفت إلى أقوال الإمامية والعامة، ويلتزم بألا يصدر حكماً يخالف إجماع الطائفة الإمامية؛ وإن خالف جميع المذاهب الأخرى (فقه أهل البيت: ش٢٤).
ومن خصائص مدرسة الشيخ الطوسي الفقهية أنه، خلافاً لأساتذته، اعتبر خبر الواحد حجة، وقال: «كل خبر يرويه أصحابنا عن النبي (ص) أو عن أحد الأئمة (ع)، ولم يكن في راويه طعن، وكان سديداً في نقله، جاز العمل به» (الشيخ الطوسي، عدة الأصول: ١/ ١٢٦). الأمر المدهش هو أن الشيخ الطوسي، في مقابل السيد المرتضى الذي ادعى إجماع الإمامية على إنكار حجية أخبار الآحاد، ادعى إجماع الفرقة المحقة على اعتبارها، وهذا ما دفع الفقهاء المتأخرين إلى محاولة التوجيه والجمع بين هذين الادعاءين بالإجماع.[4] كما يعتقد أن القرائن تدل على صحة مضمون الخبر لا على صحة الخبر نفسه؛ إذ من الممكن أن يكون الخبر مجعولاً. ثم يشير إلى أنه متى خلا الخبر من هذه القرائن، فهو خبر واحد محض، ومثل هذا الخبر، إذا لم يدل دليل من الكتاب والسنة والإجماع على خلافه، ولم يكن رأي الطائفة فيه واضحاً، يُبحث فيه: هل له خبر آخر معارض أم لا؟ فإن كان له معارض، يُرجَع إلى المرجحات، وإن لم يكن له معارض، وجب العمل به؛ لأنه في هذه الحالة يكون هناك إجماع من الفقهاء على نقله، ومتى أجمعوا على نقله ولم يوجد دليل على خلافه، كان العمل به قطعياً (الشيخ الطوسي، عدة الأصول: ١/ ٣٧٢ – ٣٧٣).
اتخذ الطبرسي في مسألة حجية خبر الواحد موقفاً متأملاً تجاه آراء الشيخ الطوسي، وخفف من حدة معارضة المتكلمين لحجية خبر الواحد في عباراته. فقد حذف الطبرسي المطالب التي أوردها الشيخ الطوسي في تفسير التبيان ذيل الآيات الثلاث المتعلقة بخبر الواحد، مما يدل على أنه لم يتراجع دفعة واحدة عن موقف المتكلمين بشأن حجية خبر الواحد، ولكن يُستفاد من كتاب “إعلام الورى” أن موقف الشيخ الطوسي في هذا الصدد قد لفت انتباهه. على أي حال، في بعض المصادر الأصولية المتأخرة، ذُكر الطبرسي صراحة إلى جانب شخصيات مثل السيد المرتضى، وابن البراج، وابن زهرة، وابن إدريس، كأحد المعارضين القاطعين لحجية خبر الواحد (الأنصاري، فرائد الأصول: ١/ ٢٤٠؛ الآخوند الخراساني، كفاية الأصول: ٢٩٤؛ العراقي، نهاية الأفكار: ٢/ ١٠٢؛ المظفر، أصول الفقه: ٢/ ٧٧).
تبنى ابن شهر آشوب موقفاً صريحاً بشأن حجية خبر الواحد يخالف تعاليم الشيخ الطوسي ويتفق مع مدرسة المتكلمين. فقد انتقد في توضيحاته حول آية النفر وغيرها من الآيات المستشهد بها في إثبات حجية خبر الواحد، مؤكداً أن خبر الواحد، مثله مثل القياس، لا يفيد علماً، وبالتالي لا يوجب عملاً، وأصر على ذلك. كما استند إلى آية {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} (البقرة: ١٦٩)، مذكراً بأن هذه الآية تدل على فساد العمل بخبر الواحد. وأضاف أن العامل بخبر الواحد في الشرع عامل بالظن دون علم بصدق الراوي، وبالتالي يدخل تحت طائلة النهي في هذه الآية (ابن شهر آشوب، متشابه القرآن: ٢/ ١٥٣-١٥٣). هذا الموقف من ابن شهر آشوب يوضح بجلاء أنه في تصنيف المدارس التاريخية للفقه الإمامي، لا ينبغي إدراجه ضمن أتباع مدرسة الشيخ الطوسي (المدرسي الطباطبائي، مقدمة في فقه الشيعة: ٥١، إدراجه ضمن أتباع الشيخ الطوسي).
وينبغي عد الراوندي أيضاً من الشخصيات التي انتقدت حجية خبر الواحد وناقشت هذا المبدأ الهام في فقه الشيخ الطوسي. فبالإضافة إلى تعبيره التلميحي في مقدمة كتابه (الراوندي، فقه القرآن: ١/ ٤)، تحدث بصراحة وتكرار في مواضع مختلفة من كتاب “فقه القرآن” عن إنكار حجية خبر الواحد (نفس المصدر: ١/ ٢٥، ٢/ ١٠٦، ٣٦٠، ٤٢٨). ورغم ميل الراوندي إلى نفي حجية خبر الواحد، فإن حاجته في منظومته الفقهية إلى تناول مباحث اختلاف الحديث كانت محدودة؛ ولكن على أي حال، وردت نماذج من اهتمامه بهذه المباحث. وقد طرح الإجماع في جميع آثاره كمؤيد لصحة صدور الأخبار، وبذلك انضم إلى صفوف المؤيدين للإجماع على الخبر (نفس المصدر: ١/ ٢، ٦ و ٢/ ٤٢٩).
ابن إدريس وإنكار حجية خبر الواحد
إن إنكار حجية خبر الواحد من أشهر المباني الفقهية لابن إدريس، وقد صرح في مواضع متعددة من “السرائر” بعدم اعتبار خبر الواحد، بل يمكن الادعاء بأنه اتخذ في إنكاره موقفاً أشد من السيد المرتضى؛ حيث كان يعتقد أن «العمل بخبر الواحد، وإن كان راويه ثقة، غير جائز» (السرائر: ١/ ٤٩٥)، وكان يرى أنه «حتى لو كان الرواة عدولاً، فإن أصحابنا لا يجيزون العمل به» (نفس المصدر: ١٢٧). يتجاوز ابن إدريس ذلك، فيعتبر في موقف صريح وحاسم أن العمل بأخبار الآحاد سبب في هدم الإسلام (نفس المصدر: ٥١). لم يكن ابن إدريس منكراً لأخبار الآحاد فحسب، بل كان يعتقد أن إنكارها محل اتفاق وإجماع أصحاب الإمامية، كما يقول في أحكام صلاة المسافر رداً على كلام للشيخ الطوسي مستنده خبر واحد: «… خبر الواحد لا يوجب علماً ولا عملاً، خصوصاً على مذهب أصحابنا الذين أجمع سلفهم وخلفهم من فقهاء أهل البيت (ع) على ترك العمل به» (نفس المصدر: ٣٣٠). ويصرح في موضع آخر: «من الواضح و[بل] من الضروري أن مذهب أصحابنا هو ترك العمل بخبر الواحد، ولم يخالف أحد منهم في هذه المسألة ولم يستثنِ».[5] حتى أنه يمكن، بناءً على احتمال معين، أن يُستنبط من عبارته في “السرائر” أن ترك العمل بأخبار الآحاد من ضروريات المذهب الإمامي. يقول في مبحث أحكام الجنابة، في سياق نقد كلام للشيخ الطوسي يستند في رأيه إلى خبر واحد: «مذهب أصحابنا لا يجيز العمل بأخبار الآحاد؛ بل إن ترك العمل بالأخبار معلوم في مذهبهم؛ لأن العمل تابع للعلم، وخبر الواحد لا يفيد علماً ولا عملاً، وترك العمل بخبر الواحد ضروري في مذهبنا».[6] ويقول ابن إدريس أيضاً: «ترك العمل بخبر الواحد معروف في مذهب الإمامية إلى درجة أن المخالفين يذكرون في كتبهم أن الشيعة الإمامية لا تعمل بخبر الواحد» (نفس المصدر: ٣/ ٢٨٩). ونتيجة لذلك، يعتقد أنه حتى عند أهل البيت (ع) لم تكن أخبار الآحاد حجة (نفس المصدر: ١/ ٣٩٧، ٣٩٤ و ٤٩٥).
إذن، من المسلم به أن ابن إدريس لا يعتبر أخبار الآحاد، ولكن يطرح السؤال: هل ينكر ابن إدريس كل نوع من أخبار الآحاد بشكل مطلق، أم يجيز العمل به في ظروف معينة؟ ما يستفاد من العبارات السابقة هو الإنكار المطلق؛ ولكن بالدراسة الكاملة والشاملة لكتاب “السرائر” يتضح أنه، كغيره من الفقهاء قبله، يعتبر الخبر الذي يُعضَّد بأحد الأدلة الثلاثة: الكتاب، والسنة القطعية، أو الإجماع، معتبراً ويجيز العمل به؛ كما يقول في باب اشتراك الجنايات بعد نقل عدة روايات ودراستها: «كل هذه الروايات أخبار آحاد، ولكن إذا أيدها الكتاب أو السنة أو الإجماع، يُعمل بها…» (نفس المصدر: ٣/ ٣٧٥). كذلك، يعتبر الخبر الواحد الذي ينقله أصحاب الإمامية في تصانيفهم ويجمعون على العمل به في فتاواهم معتبراً. ففي بحث الكفارة، ينقل رواية تدل على أنه إذا شق شخص ثوبه في موت أهله وأقاربه، وجبت عليه كفارة يمين، ثم في نقد الرواية يقول: «هذه الرواية شاذة وقليلة النقل؛ إنما تُنقل في أبواب الزيادات عن راوٍ واحد، وقد بينا أن أخبار الآحاد لا توجب علماً ولا عملاً؛ لكن أصحابنا أجمعوا في كتاباتهم وفتاواهم على هذه الرواية، وهذا الإجماع حجة ودليل عليها» (نفس المصدر: ٧٨). بالإضافة إلى ذلك، يعتقد بشكل عام أنه يجب عرض أخبار الآحاد على سائر الأدلة ودراسة صحتها وسقمها. ففي مسألة إحياء الأرض الموات، ضمن نقل فروع فقهية من “النهاية” للشيخ الطوسي، يقول في الختام: «كل هذه أخبار آحاد… الأفضل أن تُعرض على الأدلة؛ فما صححته الأدلة فهو صحيح، وما لم تصححه الأدلة فهو باطل» (نفس المصدر: ٢/ ٣٧٥). إذن، نستنتج أن ابن إدريس لا ينكر كل خبر واحد بشكل مطلق؛ بل يعتبر فقط خبر الواحد المحض غير معتبر وغير قابل للعمل.
علة إنكار حجية خبر الواحد
هل علة إنكار حجية خبر الواحد هي عدم إفادته للعلم، أم أن هناك عللاً ودوافع أخرى تلعب دوراً في هذا الإنكار؟ ما يستفاد من كتب منكري أخبار الآحاد الفقهية والأصولية حتى عصر ابن إدريس هو أن العلة الرئيسية للإنكار وعدم جواز العمل بهذه الأخبار هي عدم إفادتها للعلم، وبما أن مستند الأحكام الشرعية يجب أن يكون قطعياً، فلا يمكن العمل بخبر الواحد الذي لا يدل على أكثر من الظن والگمان. وابن إدريس أيضاً يرى أن علة عدم عمل الأصحاب بخبر الواحد هي عدم إفادة الأخبار للعلم (نفس المصدر: ١/ ١٢٧ – ٤٩٥)، كما أن غيره قبله اعتبر هذا الأمر هو العلة (راجع: الشيخ المفيد، التذكرة بأصول الفقه: ٤٥؛ السيد المرتضى؛ الذريعة: ٢/ ٥١٧؛ الطبرسي، مجمع البيان: ٩/ ٢٢١؛ قطب الراوندي، متشابه القرآن). مع ذلك، يبدو أنه بالإضافة إلى هذه العلة، كانت هناك علل ودوافع أخرى، كالدوافع السياسية والمذهبية، تلعب دوراً في إنكار خبر الواحد؛ إذ إن تعابير مثل أن أخبار الآحاد سبب في هدم الإسلام، أو أن أصحاب الإمامية يوجهون أشد الانتقادات للقائلين بخبر الواحد وأمثال ذلك، من المستبعد أن تكون خالية من الدوافع السياسية؛ خاصة وأن تيار إنكار أخبار الآحاد كان في مرحلة زمنية معينة، وأن غالبية فقهاء الشيعة من زمن العلامة فصاعداً اعتبروا أخبار الآحاد معتبرة. أما عن ماهية هذه الدوافع، فيعتقد البعض أن إنكار خبر الواحد كان له بعد كلامي، وأن متكلمي الشيعة أنكروا حجية خبر الواحد في مقام المحاجة مع أهل السنة حتى لا يتمكن خصومهم من تخطئة عقائد الشيعة بالاستناد إلى رواياتهم (مجيد معارف، پژوهشي در تاريخ حديث شيعه: ٥٢٢ – ٥٢٣). هذا التوجيه والدافع، بالنظر إلى أن معظم الفقهاء المنكرين لأخبار الآحاد كانوا من المتكلمين[7] أيضاً وكانوا يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن حماية عقائد الشيعة، لا يبدو بعيداً عن الصواب. وهناك دافع آخر يمكن الإشارة إليه، وهو أن فقهاء العامة كانوا يتمسكون في استنباط الأحكام بأمور كالقياس والاستحسان؛ ولكن فقهاء الشيعة كانوا يردون هذه الأمور لعدم إفادتها للعلم، وكانوا ينتقدون فقهاء العامة. من ناحية أخرى، كانت غاية تأثير خبر الواحد، دون قرينة، هي إفادة الظن والگمان؛ فلو تمسك فقهاء الشيعة بمثل هذه الأخبار، لكان من الممكن أن يتعرضوا للنقد والشماتة من قبل فقهاء العامة بأنكم إذا كنتم لا تعتبرون الظن والگمان، وتشككون في أدلتنا، فلماذا تعملون أنتم بأخبار الآحاد؟ ربما يمكن اعتبار وضع القياس وأخبار الآحاد في مرتبة واحدة وإنكارهما معاً في كلمات فقهاء الشيعة شاهداً على هذا الاحتمال.[8]
مدى وفاء ابن إدريس لمبدأ إنكار حجية خبر الواحد
هل بقي ابن إدريس وفياً في استنباط الأحكام لمبدأ إنكار أخبار الآحاد، أم لا؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، يبدو من المفيد بيان نقطتين: ۱. كما بينا سابقاً، لا ينكر ابن إدريس خبر الواحد بشكل مطلق، بل كغيره من الفقهاء قبله، يعتبر الخبر الواحد المصحوب بقرينة والذي يتوافق مع الأدلة المعتبرة كالكتاب والسنة والإجماع ويحظى بتأييدها معتبراً، بل إنه وسّع نطاق الموافقة مع الأدلة ليشمل حتى الرواية التي لها توجيه معقول وتتوافق مع بعض الأصول الفقهية[9]، معتبراً إياها قابلة للعمل. لذا، نظراً لإمكانية موافقة الخبر مع الأدلة، خاصة الدليل العقلي – الذي هو في نظره غالباً نفس الأصول العملية – فإن الكثير من أخبار الآحاد تخرج من دائرة الإنكار وتصبح معتبرة. ۲. يستدل في “السرائر” في مواضع متعددة في الأحكام الإلزامية وغير الإلزامية بأخبار المعصومين، خاصة أقوال الرسول الكريم (ص)، وهذا يأخذ أشكالاً عدة: أحياناً ينقل متن الحديث (راجع: السرائر: ١/ ٦٤، ٦٥، ١٢٢، ١٢٨، ١٩٧، ١٩٨، ١٩٩، ٢٥٧، ٢، ٣، ٣٥٨، ٤٧٤، ٤٧٩، ٤٨١، ٢/ ١١٨، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٠، ١٣١، ١٣٠)، وأحياناً يكتفي في بداية الفرع الفقهي بتعبير «وقد روي» (راجع: نفس المصدر: ١/ ١٠٦، ١٤١، ١٥٨، ٣/ ٢٠٤، ٢٢٨، ٢٢٩ و…). أو في النهاية، يأتي بتعبير «على ما روي» (راجع: نفس المصدر: ١/ ٢٠٢، ٢١٠، ٣٠٨ و…). ويجعله متن الفرع الفقهي. وعندما ينقل متن الحديث، عادة ما يصرح إن كان الخبر مجمعاً عليه، متفقاً عليه، متواتراً أو متلقى بالقبول عند الأصحاب، أو حتى مستفيضاً في النقل. ولكنه في مواضع متعددة يتمسك بالأخبار فقط دون أي إشارة إلى هذه الخصائص أو موافقتها للأدلة، وهنا يقتضي الأمر تأملاً أعمق، ويثير في الذهن سؤالاً: هل مثل هذه الأخبار أيضاً متوافقة مع الأدلة بشكل ما، وإن لم يشر إلى قرينة أو وجه الموافقة مع الأدلة؟ أم أن هذه تعد من موارد نقض مبناه؟ ولكي يتضح ما إذا كانت هذه الروايات في الواقع محفوفة بقرائن أو موافقة للأدلة، يلزم دراسة كل هذه الموارد بشكل منفصل؛[10] ولكن بما أن الدراسة الشاملة لهذا الموضوع تخرج عن نطاق هذه المقالة، فإننا نصرف النظر عن ذلك، ونذكر في نهاية هذه النقطة أنه يبدو أن ابن إدريس كان وفياً لمبناه بشكل عام، حتى في هذه الموارد، والشاهد على هذا الادعاء أمران: أولاً، أنه في مقام نقد ودراسة آراء الشيخ الطوسي في كتاب “النهاية” يصرح في مواضع متعددة بأن هذه الآراء للشيخ مبنية على خبر الواحد، وخبر الواحد غير معتبر عند الإمامية؛ ولذا يتمسك في مثل هذه الموارد بوجوه أخرى ويقدم فتاوى مغايرة لفتاوى الشيخ الطوسي. والأمر المهم الآخر الذي يدل على وفائه لمبدأ إنكار أخبار الآحاد هو الآثار والنتائج التي ترتبت على هذا المبدأ في منهجه الاجتهادي، وأهمها الآراء والفتاوى الشاذة والنادرة التي سنتناولها في البحث التالي.
آثار إنكار خبر الواحد
كما أشرنا سابقاً، تعد روايات المعصومين (ع) أهم وأوسع مصدر للاستنباط في الفقه الشيعي، وبالنظر إلى محدودية الأخبار المتواترة وذات القرينة، فإن جل الأخبار تنحصر في أخبار الآحاد. لذا، فإن إنكار خبر الواحد بالنسبة للفقهاء الذين يريدون الوفاء بهذا المبدأ في ساحة الاجتهاد يمكن أن يميز منهجهم الفقهي عن سائر الفقهاء ويضفي عليه طابعاً مختلفاً. ومن هنا، فإن كتب وآراء الفقهاء المنكرين لخبر الواحد تتشابه في كثير من المواضع. وأفضل شاهد على هذا الادعاء هو مقارنة كتابي “الانتصار” للسيد المرتضى و”غنية النزوع” لابن زهرة، حيث يمكن العثور على مشتركات كثيرة، خاصة في أسلوب الاستدلال. لذا، فإن الآثار التي نذكرها هنا يمكن أن تنطبق على سائر الفقهاء الذين يشاركون ابن إدريس في مذهبه، ولكن يبدو أن كتاب “السرائر” هو أفضل مصدر ومرجع لدراسة آثار ونتائج إنكار أخبار الآحاد بالمقارنة مع كتب سائر الفقهاء؛ لأنه بين آثار وكتب منكري خبر الواحد حتى عصر ابن إدريس، لا يوجد كتاب فقهي يضاهي “السرائر” في شموليته وأهميته من الناحية الكمية والاستدلالية. ومن هذا المنطلق، ندرس هذه الآثار من منظور ابن إدريس في “السرائر”.
۱. الآراء الشاذة
من آثار إنكار خبر الواحد، ظهور الشذوذ والآراء الخاصة في اجتهاد ابن إدريس، التي لم يكن لها سابقة بين فقهاء الشيعة أو شاركه فيها عدد قليل من الفقهاء على هذا المبدأ. على سبيل المثال، مع أن في مسألة القيء للصائم روايات تدل على بطلان الصوم ووجوب القضاء، حتى أن صاحب “الوسائل” أفرد باباً بعنوان «باب بطلان الصوم بتعمد القيء» وجمع فيه عشرة أحاديث (الحر العاملي، وسائل الشيعة: ٤/ ٦٠)، إلا أن ابن إدريس، بسبب كون هذه الأخبار آحاداً، لا يلتفت إليها، وبدلاً من ذلك يتمسك بأصل البراءة، ويفتی بعدم وجوب القضاء في حق الصائم الذي يتقيأ عمداً، كما في حالة الحقنة بالسوائل. كذلك، مع أنه بناءً على الروايات، إذا زنى شخص بخالته أو عمته، حرم عليه الزواج من ابنتها حرمة أبدية، إلا أن ابن إدريس، لعدم التفاته إلى أخبار الآحاد، وخلافاً لسائر الفقهاء وحتى السيد المرتضى، يقول بالتحريم ويستدل قائلاً: «إذا قام إجماع على الحرمة، فذلك الإجماع هو الدليل ونحن نقول بالحرمة؛ ولكن إذا لم يكن هناك إجماع، فلا يوجد دليل آخر من الكتاب والسنة ودليل العقل، والإجماع لا يتحقق بكلام شخصين أو ثلاثة أو من لا يُعرف نسبهم» (السرائر: ٢/ ٥٢٩ – ٥٣٠).
٢. محدودية دائرة الأحكام الشرعية
لا شك أنه بدون دليل معتبر لا يمكن اعتبار أمر ما شرعياً وجزءاً من أحكام الشريعة. من جهة أخرى، من أهم أدلة الأحكام أخبار الأئمة (ع)، ومعظمها من نوع خبر الواحد. فإذا اعتبر فقيه هذه الأخبار غير معتبرة، فإنه لا يعتبر المسائل والأحكام التي بينتها هذه الروايات شرعية. ونتيجة لذلك، تضيق دائرة الأحكام الشرعية وتقتصر على الموارد التي ثبتت شرعيتها من غير طريق خبر الواحد. ابن إدريس الحلي أيضاً، بسبب إنكاره لخبر الواحد، يعتبر الأحكام المستفادة من هذه الأخبار في بعض الموارد غير شرعية. على سبيل المثال، يطرح الشيخ الطوسي في مبحث الحج من كتاب “النهاية” بناءً على الروايات هذا الفرع الفقهي: إذا أراد شخص أن يرسل أضحية تطوعاً إلى الحج، يمكنه أن يعين يوماً مع أصدقائه الذاهبين إلى الحج لذبحها، وهو في وطنه يجتنب المحرمات، وفي ذلك اليوم المعين يُحِلّ. يقول ابن إدريس في نقد هذه المسألة الشرعية: هذه المسألة غير واضحة، وهذه أخبار آحاد لا يُلتفت إليها ولا يُعتمد عليها، وهذه الأمور أمور شرعية يحتاج مثبتها ومدعيها إلى إقامة دليل شرعي؛ في حين لا يوجد دليل من كتاب أو سنة قطعية أو إجماع. ولهذا، فإن أصحاب الإمامية لا يوردون هذه الفروع في كتبهم، والشيخ الطوسي لم يذكرها إلا من باب اعتقاده بها؛ لأن كتاب “النهاية” كتاب خبر، لا كتاب بحث ونظر (نفس المصدر: ١/ ٦٤١ – ٦٤٢). كذلك، في نقد كلام آخر للشيخ في “النهاية” أجاز فيه بيع الأشياء الموجودة أو الممكنة الوجود ولكن غير الحاضرة، يقول: هذه المسألة مضمون خبر واحد نقله الشيخ في “تهذيب الأحكام” عن ابن سنان، ولا يمكن العمل به؛ لأن البيع إما بيع أعيان أو بيع سلم، والبيع موضوع البحث ليس أياً منهما؛ وبالتالي يدخل في بيع الغرر، وقد نُهي عن بيع الغرر. بالإضافة إلى ذلك، البيع حكم شرعي، وإثباته يحتاج إلى دليل شرعي، ولا يمكن الرجوع إلى خبر الواحد لشرعيته (نفس المصدر: ٢/ ٢٩٠، ١٤٧، ٣٢٢، ٣٤٣ و…).
٣. الإقبال الشديد على سائر الأدلة
من أبرز آثار إنكار خبر الواحد في ساحة الاجتهاد والاستنباط، إقبال ابن إدريس وتأكيده بشكل أكبر على سائر الأدلة، ولهذا السبب يولي أهمية بالغة لآيات القرآن، والإجماعات، والقواعد الفقهية، ومباحث العرف واللغة.
٤. الاستغناء عن مبحث التعادل والتراجيح في نطاق أخبار الآحاد.[11]
فلسفة وجود مبحث التعادل والتراجيح هي تعارض الأدلة، خاصة الأخبار والروايات، ومن البديهي أن الفقيه الذي لا يعتبر خبر الواحد لا يحتاج إلى هذا المبحث في نطاق خبر الواحد. وبناءً على ذلك، امتنع ابن إدريس عن طرح بحث تعارض الأخبار. على سبيل المثال، في مسألة الوكالة في الطلاق حيث يتعارض خبر واحد مع أخبار أخرى، يسعى الشيخ الطوسي في “الاستبصار” لإيجاد حل للتعارض ويجمع بين الأخبار، ولكن ابن إدريس في نقد عمله يقول: «رفع التعارض يكون لازماً عندما تكون الأخبار متواترة ومتكافئة، أما هذا الخبر (الواحد) الشاذ، فلا تكافؤ له مع الأخبار المتواترة حتى يحتاج إلى حل التعارض» (السرائر: ٢/ ٩٦ و ٤٢٢).
الأدلة البديلة لأخبار الآحاد
نظراً لأهمية الأخبار في الاجتهاد الشيعي، فإن عدم اعتبار طيف واسع من الأخبار يفرض قيوداً على الفقيه في ساحة استنباط الأحكام، ويضطر الفقيه إلى سد هذا الفراغ بالتمسك بوجوه أخرى. والسؤال المطروح الآن هو: كيف ملأ ابن إدريس، خاصة كفقيه يميل إلى الفقه الاستدلالي، فراغ أخبار الآحاد، وما هي العناصر التي استبدلها بها، وهل تمكن أصلاً من النهوض بعبء الاجتهاد بدون أخبار الآحاد؟ في الإجابة، يجب القول إنه على الرغم من أن إنكار خبر الآحاد قد أفرز نتائج غير مرغوبة في ساحة الاجتهاد بالنسبة له، إلا أنه يمكن القول بجرأة إنه تمكن جيداً من النهوض بعبء الاجتهاد بدون أخبار الآحاد. وإذا أولينا اهتماماً لهذه الميزة في “السرائر”، وهي أنه بين كتب منكري أخبار الآحاد حتى عصر ابن إدريس، يعد الكتاب الأكثر استدلالاً، فمن الجدير أن نعتبر الاجتهاد بدون الاعتماد على أخبار الآحاد من أهم ابتكارات ابن إدريس في الفقه. ولكن ما يهم هو منهج الاجتهاد بدون أخبار والعناصر البديلة في هذا النوع من الاجتهاد، وما هي العوامل والأدلة التي استبدلها بأخبار الآحاد؟
قائمة المصادر
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، كتابفروشي إسلامية، ۱۳۶۸ هـ.ش.
آقا بزرك الطهراني، محمد محسن، الذريعة، بيروت، دار الأضواء، ۱۴۰۳ هـ.ق.
ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر، قم، انتشارات جامعة مدرسين حوزه علميه قم، ۱۴۱۰ هـ.ق.
ابن زهرة، حمزة بن علي، غنية النزوع، قم، مؤسسة إمام صادق(ع)، ۱۴۱۷ هـ.ق.
ابن شهر آشوب، محمد بن علي، متشابه القرآن، تهران، انتشارات مصطفوي، ۱۳۲۸ هـ.ش.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، تهران، مكتبة الإسلامية، ۱۳۶۷ هـ.ش.
الخوانساري، محمد باقر بن زين العابدين، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، تهران، إسماعيليان، ۱۳۹۰ هـ.ق.
الراوندي، قطب الدين، فقه القرآن، قم، كتابخانه آيت الله مرعشي نجفي، ۱۴۰۵ هـ.ق.
السبحاني، جعفر، تاريخ فقه وفقهاء إمامية، تهران، دانشگاه إمام صادق(ع)، ۱۳۸۷ هـ.ش.
الشيخ الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، إسماعيليان، ۱۳۸۳ هـ.ش.
الشيخ الطوسي، محمد بن حسن، عدة الأصول، بمبئي، مطبع دت برشاد، ۱۳۱۸ هـ.ق.
الشيخ المفيد، محمد بن محمد، أجوبة المسائل السروية، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ۱۴۱۳ هـ.ق.
——، التذكرة بأصول الفقه (مصنفات شيخ مفيد)، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ۱۴۱۳ هـ.ق.
——، مصنفات شيخ مفيد، أوائل المقالات، بيروت، دار المفيد، ۱۴۱۴ هـ.ق.
الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان، تهران، كربلائي محمد حسين، ۱۲۷۲ هـ.ق.
العراقي، ضياء الدين، نهاية الأفكار، قم، انتشارات جامعة مدرسين حوزه علميه قم، ۱۴۱۴ هـ.ق.
العلامة الحلي، حسن بن يوسف، المختلف، تهران، ۱۳۲۴ هـ.ق.
علم الهدى، السيد المرتضى، المسائل التبانيات (رسائل الشريف المرتضى)، قم، مجمع الذخائر الإسلامية، ۱۴۲۵ هـ.ق.
——، الموصليات الثالثة (رسائل الشريف المرتضى)، قم، دار القرآن الكريم، ۱۴۰۵ هـ.ق.
——، جوابات المسائل الرسية الأولى (رسائل الشريف المرتضى)، قم، دار القرآن الكريم، ۱۴۰۵ هـ.ق.
——، مسائل شتى (رسائل الشريف المرتضى)، قم، دار القرآن الكريم، ۱۴۰۵ هـ.ق.
علم الهدى، علي بن حسين، الانتصار، نجف أشرف، مطبعة الحيدرية، ۱۳۹۱ هـ.ق.
الكشي، محمد بن عمر، رجال، كربلاء المعلى، مؤسسة الأعلمي، بي تا.
الكرجي، أبو القاسم، تاريخ فقه وفقها، تهران، انتشارات سمت، ۱۳۷۵ هـ.ش.
المدرسي الطباطبائي، مقدمة في فقه الشيعة، مشهد، بنياد پژوهشهاي إسلامي، ۱۳۶۸ هـ.ش.
المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، تهران، دانشگاه تهران، ۱۳۳۴ هـ.ش.
معارف، مجيد، پژوهشي در تاريخ حديث شيعه، تهران، دانشكده علوم إنساني دانشگاه تربيت مدرس، ۱۳۷۲ هـ.ش.
الهوامش
1. ألف الحميري، بالإضافة إلى هذا الكتاب، كتابين آخرين باسمي “الحديثين المختلفين” و “قياس” في علم الأصول (رجال النجاشي: ۲۱۹).
2. في مسألة عدم جواز الاستنجاء من البول بالحجر، يقول: «وحجة الشيعة على مذهبنا هذا… تظاهر الآثار في رواياتهم» (الانتصار: ۹۸ م ۸۰؛ راجع: الانتصار ۲۳ م ۱۱۱ والموصليات الثالثة (رسائل الشريف المرتضى): ۳/ ۲۴۱).
3. مثل نفي اختصاص الحبوة (الأموال الخاصة بالأب مثل السيف والكتاب وغيرها) للابن الأكبر (راجع: الموصليات الثالثة (رسائل المرتضى): ١/ ٢٥٧ م ٩١).
4. في هذا الصدد، يبدو أن الشيخ الأنصاري قد طرح في رسائله أكمل بحث وجمع بين هذين الادعاءين (راجع: رسائل: ١/ ١٤٥ و ١٦٢).
5. مع أنه يقول هنا: «أصحابنا بدون استثناء تركوا العمل بخبر الواحد»، إلا أنه يقول في موضع آخر عن الشيخ الطوسي: «الشيخ في أكثر كتبه رد العمل بخبر الواحد، ولكنه في كتاب عدة الأصول أجاز العمل بخبر الواحد» (سرائر: ١/ ٢٤٩).
6. سرائر: ١/ ١٢٧ «هذا يكاد يعلم من مذهبنا ضرورة». بالطبع، هذا الاحتمال مبني على أن المشار إليه «هذا» هو ترك العمل، لا عدم إفادة العلم.
7. فقهاء مثل الشيخ المفيد، والسيد المرتضى، وابن شهر آشوب، والطبرسي، بالإضافة إلى الجانب الفقهي، لديهم جانب كلامي أيضاً، بل إن الجانب الكلامي لبعضهم يفوق جانبهم الفقهي.
8. إن مبحث علل ودوافع إنكار حجية خبر الواحد يحتاج إلى دراسة وتأمل أعمق يخرج عن نطاق هذه المقالة وأهدافها، ونكتفي بهذا القدر.
9. على سبيل المثال، في أحكام صلاة المسافر، يتفق رأيه مع رأي الشيخ في “النهاية” ويخالف رأيه في “الاستبصار”، وقد تمسك الشيخ في كلا الكتابين بخبر الواحد لإثبات رأيه. وابن إدريس في تبرير ترجيح رأي الشيخ في “النهاية” على “الاستبصار” يقول: «وما اخترناه هو اختياره في نهايته وهو الصحيح لأنه صلى صلاة شرعية مأموراً بها ما كان يجوز له في حال ما صلاها إلا هي والإعادة فرض ثانٍ يحتاج إلى دليل ولا دليل على ذلك فعمل على خبر زرارة في نهايته وعمل على خبر سليمان بن حفص المروزي في استبصاره والذي ينبغي أن يعمل عليه من الخبرين ما عضده الدليل لا بمجرد الخبر لأنا قد بينا أن العمل بأخبار الآحاد لا يجوز عندنا» (سرائر: ١/ ٣٤١ – ٣٤٢). يُلاحظ أنه اعتبر أحد خبري الآحاد معتبراً بسبب موافقته مع دليل أصولي وعمل به، ولو لم يعتبره معتبراً، لما وصلت النوبة إلى التعارض وكان الأنسب طرح الأخبار جانباً.
10. يمكن القول بالطبع إنه بالإضافة إلى سائر الأدلة مثل الكتاب والإجماع، يتمسك بالأخبار أيضاً، ولا يشير إلى وجود قرينة أو كونه مجمعاً عليه أو غيرها من الخصائص، وهذا التلازم نفسه علامة على موافقتها لسائر الأدلة؛ كما في مسألة تطهير الماء القليل المتنجس، حيث تمسك بالأخبار إلى جانب الآيات ولم يذكر كونها مجمعاً عليها.
11. لا يوجد تعارض بين ذكر هذا المورد وما ورد في مباحث الأصول في بحث التعادل والتراجيح؛ لأن البحث هنا يقتصر على خبر الواحد؛ بينما البحث هناك يدور حول مطلق الأخبار.