الملخص
بما أن نظرية منطقة الفراغ تُعنى بالدرجة الأولى بالزمن الذي يكون فيه للفقيه سلطة تنفيذية، أي حين تكون الحكومة الإسلامية قائمة ويتولى فقيه بصفته ولي أمر المسلمين وزعيم الأمة سدة الحكم، فإن لهذه النظرية تطبيقات واسعة، خاصة في عصرنا الحاضر الذي تتوفر فيه مثل هذه الظروف. في هذا البحث، نُعرِّف منطقة الفراغ ونوضح النقاط المبهمة فيها، ونستدل بالأدلة العقلية والنقلية على إثبات منطقة الفراغ لولي الأمر. إن منطقة الفراغ التي يمكن لولي الأمر أن يشرِّع فيها تتعلق بالأحكام غير الإلزامية، حيث يمكنه في ظل ظروف معينة تحويل ذلك الحكم غير الإلزامي إلى حكم إلزامي. كما تبحث المقالة فيما إذا كان بإمكان ولي الأمر التدخل في الأحكام الإلزامية أم لا، وما هو نوع تصرفه في الأحكام غير الإلزامية. وبما أن هدفنا في هذا البحث هو دراسة ماهية وأدلة إثبات منطقة الفراغ، فإننا لم نتعرض لبيان والرد على الإشكالات الواردة على هذه النظرية، وإن كنا قد سعينا لتقرير النظرية على نحو يقلل من الإشكالات التي قد توجه إليها، أي أننا أجبنا على الإشكالات بشكل ضمني.
المقدمة
بما أن الإسلام دين كامل وعالمي وأبدي، ويجب أن يلبي احتياجات البشر حتى يوم القيامة، وبما أن احتياجات الإنسان متغيرة وفي تطور مستمر، فلا بد من وجود نظام تشريعي قادر، من خلال هيكل تشريعي مناسب ومراعاة المصالح، على تلبية احتياجات البشر المتغيرة في مختلف الأزمنة والأمكنة، كما فعل في تلبية احتياجات البشر الثابتة. في أدلة منطقة الفراغ، نثبت أن النبي الأكرم (ص) كان له شأنَان؛ شأن من حيث كونه نبي الله ومسؤوليته تبليغ وإيصال الأحكام الإلهية، وشأن آخر هو شأن حاكميته، من حيث كونه حاكم المجتمع الإسلامي وصاحب الحكومة. في هذا الجانب، يمكنه وضع أحكام تتناسب مع الظروف الزمانية والمكانية. في الواقع، إن هذا القسم من الأحكام الذي يقع في نطاق الأحكام غير الإلزامية، وتغييرها وتحويلها إلى حكم إلزامي لمصلحة المسلمين، قد فُوِّض إلى إمام المسلمين وزعيم الأمة. هذا هو ما تعبر عنه نظرية منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي. والآن بعد أن كان للنبي الأكرم (ص) صلاحية هذا التشريع من حيث كونه حاكم المجتمع الإسلامي وزعيمه، فإننا نقول: إن هذا الحق يسري إلى كل حاكم شرعي تكون حاكميته من سنخ حاكمية النبي الأكرم (ص). وهذا الحق يشمل الأئمة المعصومين (ع) والولي الفقيه الذين تكون حاكميتهم إلهية وشرعية. وفقًا لرأي أنصار نظرية منطقة الفراغ، فإن أساس هذه النظرية وركيزتها هو نص القرآن الكريم الذي يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(1) (النساء: 59). وكذلك قوله تعالى: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا».
الفصل الأول: ماهية منطقة الفراغ
أ) التعريف
منطقة الفراغ هي تلك المنطقة التي لا يوجد فيها أي حكم إلزامي، سواء كان وجوبًا أو حرمة، وتكون الأحكام فيها بالأصالة أحكامًا غير إلزامية (مباح، مستحب، مكروه). في مثل هذه المنطقة، يُسمح لولي الأمر وزعيم الأمة، مع توفر الشروط ومراعاة مصالح المسلمين، بتحويل الحكم غير الإلزامي إلى حكم إلزامي، وإعلان ما ليس له حكم إلزامي ذاتًا، محظورًا أو واجبًا.
ب) نقاط في توضيح التعريف
1. للفت الانتباه أكثر، نقول إن مرادنا من المنطقة الخالية أو الفراغ القانوني ليس المعنى الذي يتبادر إلى ذهن أي شخص من تجاور هاتين الكلمتين، بحيث يمكن القول إنه نوع من المعنى اللغوي أو الفهم العرفي، أي وجود قضية خالية من أي نوع من الأحكام، لأن افتراض مثل هذا المعنى هو مجرد فرض؛ إذ بتصريح الروايات المتعددة، كل قضية لها حكم، سواء كان إلزاميًا أو غير إلزامي. لذا، نعتقد أن جميع القضايا لها أحكام: بعضها له حكم إلزامي، وبعضها له حكم غير إلزامي. لكن تلك التي لها حكم غير إلزامي، يتوفر لولي الأمر هذا التوسع ليتمكن بناءً على المصالح العامة للناس والضرورات القائمة، في ذلك الجزء من الأحكام المتعلق بإدارة المجتمع، من تحويل هذا الحكم غير الإلزامي إلى حكم إلزامي. إذن، مرادنا من منطقة الفراغ هو خلو تلك المنطقة والقضية من الحكم الإلزامي، لا من مطلق الحكم حتى الحكم غير الإلزامي، لكي لا يُشكل بأن هذه النظرية تتعارض مع الروايات التي تدل على أن جميع الوقائع لها حكم.
2. تُقسم الأحكام إلى قسمين: ثابت ومتغير (الصدر، 1417: 223 – 224).
3. حين نقول إن منطقة الفراغ لولي الأمر وإمام المسلمين هي في الأحكام غير الإلزامية، فهذا يعني أن له في الأحكام غير الإلزامية، مع مراعاة شروط ومصالح المجتمع، حق التشريع وسن القوانين، وليس له حق التشريع وسن القوانين في الأحكام الإلزامية. ولكن، يمكن لولي الأمر أن يتدخل في نطاق الأحكام الإلزامية أيضًا من باب حل وتعيين الوظيفة في موارد التزاحم. ومن الواضح أن حل موارد التزاحم لا يُعد تشريعًا وسنًا للقوانين. فمثلًا، في بعض الأحيان، يُعلن ولي الأمر وزعيم الأمة تعطيل واجب كالحج، كما فعل الإمام الخميني (قده)، وهذا ليس من باب التشريع وتحويل حكم إلزامي إلى حكم آخر، بل هو من موارد حل التزاحم بين واجبين.
4. على سبيل المثال، الذهاب إلى الحج فيه مصلحة ملزمة وهو واجب، ومن جهة أخرى، قد يتعارض الحفاظ على النظام الإسلامي وصون شوكة المسلمين وعزتهم وكرامتهم وكيانهم مع الذهاب إلى الحج، حيث تقوم أيادي الغرب والأيادي الخبيثة المتولية للأمر بإذلال المسلمين، بل قد تتعرض حياتهم للخطر بذرائع مختلفة. هنا، يحصل تزاحم بين مصلحة الذهاب إلى الحج الواجب ومصلحة حفظ أرواح المؤمنين وشرفهم في عدم الذهاب إلى الحج، وهو واجب أيضًا، فيقوم ولي الأمر بتعطيل أحد هذين الواجبين ذي المصلحة الأقل لفترة مؤقتة. إذن، لولي الأمر تدخل في الأحكام الإلزامية أيضًا، ولكن هذا التدخل يقتصر على موارد حل التزاحم. وفي هذه الموارد، يختار الفقيه أو الحاكم الأقوى ملاكًا ويصدر فتوى أو حكمًا. أما تدخله في الأحكام غير الإلزامية فليس من باب الأقوى ملاكًا، بل من باب حق التشريع الذي يتم بناءً على المصالح.(2)
5. يعتبر الشهيد الصدر أن القول بأن جميع الأحكام تتعلق بالشأن التبليغي للنبي الأكرم (ص) وأن شأن الولاية والزعامة لديه قد أُهمل من حيث وجود الأحكام له، هو قول غير صحيح (نفس المصدر: 293). إن التسليم بوجود شأنين للنبي الأكرم (ص)، وأن يكون جزء من القوانين متعلقًا بشأن النبوة وغير قابل للتغيير، وجزء آخر متعلقًا بشأن الحاكمية وقابلًا للتغيير، هو قول صحيح. لكن الشهيد الصدر لم يذكر ضابطًا لتشخيص كيفية تمييز هذين النوعين من الأحكام عن بعضهما. بالطبع، ليس تمييز هذين النوعين من الأحكام وفصلهما عن بعضهما أمرًا سهلًا، إذ إن هذا التمييز والفصل، بسبب البعد الزمني بين عصرنا وعصر النبي الأكرم (ص) وعدم بيان قاعدة في هذا التمييز، يمثل مشكلة.
إذا كان دليل الحكم ظاهرًا في العموم أو الإطلاق، وشمل بعمومه وإطلاقه الحالات المختلفة وعروض الظروف الجديدة وجميع الحالات (ودل على ثبوت الحكم للموضوع على نحو مطلق)، يمكن القول إن هذا الحكم من الأحكام الثابتة. ولكن كل حكم ثابت وأبدي شرعي مقيد بعدم عروض عنوان ثانوي؛ كما أن أدلة الواجبات والمحرمات (الأحكام الإلزامية) من هذا القبيل، مثل هذا الحديث: «لا يملك ولد حر» (الحر العاملي، 1408: 14/ 54) الذي يبين عدم تملك ابن الإنسان الحر، وله دليل مطلق، لأن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، وظاهر التعبير نفسه يشير إلى أن ابن الإنسان الحر غير قابل للتملك؛ فهذا الحكم إذن من الأحكام الثابتة.
وإذا لم يكن لدليل الحكم إطلاق أو عموم، وكان واردًا لمجرد بيان حكم الشيء بالنظر إلى ذاته، ولم يكن في مقام بيان الحكم للحالات المختلفة، كما هو الحال في معظم الأدلة المتضمنة لأحكام الرخصة (المباحات، المستحبات، والمكروهات)، وليس له مثل هذا الإطلاق، فلا مانع من أن يقوم ولي الأمر، مع تغير الظروف ووجود المصالح، بتبديل ذلك الحكم غير الإلزامي إلى حكم إلزامي مناسب. مع أن الشارع المقدس قال: «أحل لكم ما في الأرض جميعًا»، فإنه يمكن طبقًا لمصالح الأمة أن يجعل ذلك الشيء الحلال واجبًا أو حرامًا وفقًا للظروف والمصالح. وأصل ذلك هو أن العموم الزماني لم يُلحظ لذلك الشيء، فلو كان العموم الزماني ملحوظًا وكانت حلية الشيء مصلحة ملزمة في كل زمان، لما استطاع الحاكم تغييره. هذا في حالة تمكننا من إحراز إطلاق الدليل أو عدم إطلاقه. أما في الموارد التي يشتبه فيها الأمر ولا يمكننا تشخيص الإطلاق أو عدمه، فيجب الرجوع إلى أصل عدم الجعل. وفي الموارد المشكوكة، الأصل هو عدم ثبوت الحكم على وجه لا يقبل التغيير بسبب تغير الظروف واقتضاء مصالح الأمة الإسلامية. فبناءً على هذا الأصل، يكون الحكم في المورد المشكوك قابلًا للتغيير، ولا يجري أصل بقاء المجعول مع وجود مصالح الأمة في التغيير.
6. عندما نعبّر أحيانًا بأن الحاكم هو المسؤول عن ملء منطقة الفراغ، فإن المراد بالحاكم هو الولي الفقيه نفسه (الحائري، 1417: 11/ 131).
7. ولي الأمر، كما يستطيع مباشرة سن القوانين في منطقة الفراغ، يمكنه تفويض هذا الحق إلى الحكومة أو السلطة التشريعية والإشراف عليها. كما يقول أحد تلامذة الشهيد الصدر في هذا الصدد: المراد بمنطقة الفراغ في التشريع الإسلامي هو ذلك النوع من الأمور والقضايا التي تركت الشريعة الإسلامية حق التشريع فيها لولي الأمر، أو أن هذا الحق يُفوَّض من قبل ولي الأمر إلى الحكومة والسلطة التشريعية (أي أن ولي الأمر يمنحها صلاحية التشريع) أو أنهم يشرعون تحت إشراف ولي الأمر ليصدروا الحكم المناسب في تلك المنطقة بما يضمن تحقيق جميع أهداف الشريعة الإسلامية.(3) (نفس المصدر: 113).
8. لا يمكن القول بأن أحكام منطقة الفراغ هي نفسها المسائل المستحدثة، لأنه بما أننا قسمنا الأحكام إلى قسمين كليين، ثابت ومتغير، فإن أي موضوع، سواء كان من الموضوعات القديمة أو الجديدة والمستحدثة، يجب أن يندرج تحت أحد هذين النوعين من الحكم، الثابت أو المتغير. يجب دراسة كل مسألة ناشئة ومستحدثة لتحديد ما إذا كانت تندرج تحت مجموعة الأحكام الثابتة أم تحت مجموعة أحكام منطقة الفراغ (الأحكام المتغيرة) وتتعلق بالشأن الولائي لولي الأمر. فالخطوة الأولى لتحليل وإيجاد حكم المسائل المستحدثة هي تحديد موقعها، ثم يجب بيان ضوابطها وطريقتها المناسبة وقاعدتها وحكمها بناءً على موقعها. وبهذا البيان، إذا تحددت تلك المسألة المستحدثة من خلال العمومات والإطلاقات والقواعد العامة أو الأصول العملية المستخدمة للأحكام الشرعية الثابتة، فإنها تندرج تحت مجموعة الأحكام الثابتة. وإذا كانت من المسائل الحكومية ومصالح عامة المسلمين ووقعت في دائرة منطقة الفراغ، فإن الحاكم الإسلامي يبادر إلى بيان حكمها حسب تقديره وبضوابط ذكرناها في ملء منطقة الفراغ. بعبارة أخرى، تكون المسائل المستحدثة أحيانًا من المسائل التي يصدر فيها المجتهد، بصفته مجتهدًا ومستنبطًا للأحكام الإلهية، أو ولي الأمر بصفته مجتهدًا ومستنبطًا للأحكام الإلهية، فتوى طبقًا للقواعد العامة أو الأصول العملية. في هذه الحالة، سواء كان الحكم الذي يبينه حكمًا واقعيًا أو ظاهريًا كحكم إلهي مباشر، وسواء أصاب الحق أم أخطأ، فإن اتباعه واجب على مقلديه، وهو على أي حال حكم إلهي مباشر. وأحيانًا تكون المسألة المستحدثة من المسائل التي يبين فيها المجتهد، بصفته ولي الأمر وزعيم الأمة، ومع مراعاة المصالح العامة والظروف الزمانية والمكانية للمسلمين، حكمًا وقانونًا يملك صلاحية حكمه وتشريعه في تلك المسألة والموضوع. وهذا الحكم هو حكمه هو، بإذن من ولي الأمر في التشريع في منطقة الفراغ، وهو في الواقع حكم إلهي غير مباشر.
الفصل الثاني: أدلة قبول منطقة الفراغ
لأي سبب يمكن القول إن لولي الأمر صلاحية وضع أنظمة وأحكام تخالف الأحكام غير الإلزامية؟ كانت روح نظرية منطقة الفراغ هي أن ولي الأمر يستطيع، إذا اقتضت المصالح، تحويل حكم غير إلزامي إلى حكم إلزامي. ما هو الدليل على قبول هذه النظرية ومثل هذه الصلاحية لولي الأمر؟ لإثبات وقبول هذه النظرية، توجد أدلة؛
1. الآيات
أ. آية الطاعة
يقول نص القرآن الكريم: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»(4) (النساء: 59).
بيان الاستدلال
في الآية الشريفة، تكررت كلمة «أطيعوا» مرتين. هذا التكرار يدل على أمر: كما أن الرب يستطيع أن يحكم وطاعته واجبة، «أطيعوا الله»، فإن النبي (ص) وأولي الأمر يستطيعون أيضًا أن يحكموا وتكون طاعتهم واجبة، «أطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم». أي أن نفس شأن إصدار الحكم الموجود للرب، موجود أيضًا للنبي وولي الأمر. لو كان الأمر غير ذلك، لكان علينا أن نقول إن النبي (ص) وولي الأمر هما مبينان ومبلغان لحكم الله، وهذا المعنى لا يتوافق مع تكرار «أطيعوا»، وتكون طاعة ولي الأمر واجبة فيما شرعه الله.
يقول العلامة الطباطبائي: «قال بعض المفسرين إن تكرار كلمة «أطيعوا» هو لمجرد التأكيد، وهذا القول ليس صحيحًا على الإطلاق، لأنه لو لم يكن هناك غرض سوى التأكيد، لكان ترك التكرار أبلغ في إفادة هذا التأكيد، ولذا كان يجب أن يقول: «أطيعوا الرسول»، لأنه بهذا التعبير يفهم أن طاعة الرسول هي عين طاعة الله تعالى، وكل طاعتين هما طاعة واحدة. بالطبع، القول بأن التكرار يفيد التأكيد صحيح، ولكن ليس في كل موضع».(5) (الطباطبائي، 1390: 4/ 388). وبالطبع، فإن كون هذه الآية في مقام بيان شأن إصدار الحكم للنبي (ص) وأولي الأمر لا يتعارض مع الآيات التي تبين أن طاعة النبي هي عين طاعة الله، مثل الآية 32 من سورة آل عمران والآية 13 من سورة الأنفال وآيات أخرى.
فالمعنى إذن هو ما قيل، أي كما أن الرب هو مصدر إصدار الحكم، فإن النبي (ص) وولي الأمر لهما أيضًا حق إصدار الحكم. لذا، يكون معنى الآية هكذا: أطيعوا حكم الله، وأطيعوا حكم النبي (ص) وولي الأمر. الآن، بالنظر إلى هذا المطلب، نقول إن المراد من منطقة الفراغ هو تلك الأمور والقضايا التي ليس لها حكم إلزامي، ويمكن لولي الأمر أن يبين الحكم المناسب الذي يقتضيه ذلك الموضوع بتلك الظروف الزمانية والمكانية. وهذا من لوازم وجوب طاعة ولي الأمر، بحيث إن إطلاق الآية الشريفة التي تبين صراحة وجوب طاعة ولي الأمر، يشمل حكم ولي الأمر في منطقة الفراغ أيضًا. بعبارة أخرى؛ عندما تقول الآية الشريفة أطيعوا ولي الأمر، فإنها توجب طاعة ولي الأمر على المؤمنين، ولازم هذه الطاعة هو أن يستطيع ولي الأمر أيضًا، في الموارد التي لا يوجد فيها تكليف إلزامي، أن يأمر أو ينهى مع مراعاة المصالح. الآية الشريفة، بالدلالة الالتزامية، ترشدنا إلى قبول حق التشريع لولي الأمر في منطقة الفراغ.
إذا قيل: الآن بعد أن استفدتم من إطلاق آية «الطاعة» وقلتم بحق التشريع لولي الأمر، فلماذا أثبتّم له هذا الحق فقط في الموضوعات التي لا يوجد فيها حكم إلزامي؟ كان بإمكانكم، باستخدام إطلاق الآية، إثبات هذا الحق له في الأحكام الإلزامية (الوجوب والحرمة) أيضًا.
نقول: أولًا، نحن في مقام الاستدلال لنظرية منطقة الفراغ، ونظرية منطقة الفراغ لا تتدخل في الأحكام الإلزامية والثابتة، ونحن لا نسعى للاستدلال على أكثر من ادعائنا. ثانيًا، طاعة النبي (ص) وأولي الأمر هي في طول طاعة الله. لذا، في الموارد التي يكون لله فيها حكم صريح وإلزامي، لا يمكن مخالفة حكم الرب واتباع حكم مغاير إلزامي، لأن تجاهل حكم الله يُعد معصية، وفي موارد معصية الخالق، لا يجوز اتباع حكم المخلوق، وحكم المخلوق لا اعتبار له، كما تبين الأدلة هذا المضمون. وبيان رواية في هذا الموضع لا يخلو من فائدة.
الرواية
قال النبي الأكرم (ص): «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».(6) (البخاري، 1410: 87؛ ابن كثير، 1423: 1/ 783).
بيان آخر للاستدلال
قدم أحد المحققين لإثبات نظرية منطقة الفراغ من آية «الطاعة» الشريفة، ودلالة الآية على هذه النظرية، تقريرًا آخر. وهو بذكر ثلاثة احتمالات لمعنى وجوب طاعة أولي الأمر في الآية، لا يقبل إلا الاحتمال الثالث الذي يبين مفهوم منطقة الفراغ.
بيان الاحتمالات
1. ألا يكون لولي الأمر أي حق في التشريع وسن القوانين، وأن يكون ولي الأمر مجرد منفذ للأحكام الشرعية الثابتة التي وردت في الشريعة بصورة أمر مباشر (تكليف مباشر). هذا الاحتمال لمعنى آية الطاعة غير مقبول، لأن هذا المعنى يعني طاعة الله وحده، بينما الآية الشريفة، بالإضافة إلى طاعة الله، تتحدث عن طاعة الرسول الأعظم (ص) وأولي الأمر، وتوجب طاعة هذين أيضًا في طول طاعة الرب.
كما أن هذا الاحتمال، وهو أن يكون ولي الأمر مجرد منفذ وليس له أي حق في التشريع، يتعارض مع إطلاق الآية الشريفة، لأن إطلاق الآية يبين أن طاعة أي حكم يصدر من ولي الأمر واجبة (كلمة «أطيعوا» غير مقيدة بنوع خاص من الطاعة، وقد وردت مطلقة). بالطبع، هذه الطاعة لولي الأمر تكون ما لم تؤدِ إلى معصية الرب. إذن، طاعة ولي الأمر تكون ما لم تؤدِ إلى مخالفة الأوامر الإلزامية للرب.
2. الاحتمال الآخر هو أن تكون طاعة ولي الأمر واجبة في كل حكم يصدر عنه، سواء في الأمور التي يصدر فيها ولي الأمر حكمه كأمر مباشر، أم لا. أي حتى في الأحكام الإلزامية للرب والأحكام المتعلقة بالجانب التبليغي للنبي الأكرم (ص) ولا علاقة لها بأحكامه الحكومية، مثل وجوب الصلاة ووجوب الصوم وحرمة الخمر و…، يمكن لولي الأمر أيضًا أن يصدر حكمًا آخر. مراد وجوب الطاعة في الآية لا يمكن أن يكون هذا الاحتمال أيضًا، لأن هذا الاحتمال يتعارض مع ما هو من الواضحات وضرورة المذهب الثابتة، وهو أن طاعة المخلوق في معصية الخالق غير جائزة. وقد ذُكرت رواية في بيان عدم جواز مثل هذه الطاعة.
3. الاحتمال الآخر هو أن يكون المراد بوجوب طاعة ولي الأمر أن طاعته واجبة في الدائرة الخالية من الأمر الإلهي المباشر، وهذا الاحتمال الثالث تفسير مقبول للآية الشريفة في طاعة ولي الأمر (الحائري، 1417: 11/ 113- 114). بالنظر إلى آية «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ»، يمكن القول: إن هذه الآية ونظائرها تبين أن ما يصدر عنه من أمر ونهي ناشئ عن الوحي الإلهي، وأنه رسول ومبلغ للوحي الإلهي: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ» لا ينافي أن يكون النبي (ص) مبينًا للوحي وله أيضًا شأن إصدار الأحكام الحكومية.
ب. آية الفيء
آية أخرى يمكن الاستدلال بها في هذا المجال هي قول الله تعالى: «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(7) (الحشر: 7). في هذه الآية الشريفة، الحديث عن جميع الأوامر التي تصل إلى الناس من طرف النبي الأكرم (ص)، والناس مأمورون بالطاعة. أحدها القوانين والأحكام التي يضعها، فهي تشمل الأحكام التبليغية للنبي (ص) وتشمل قوانينه وأحكامه الحكومية أيضًا. إطلاق الآية يبين هذا التعميم، وهذا الإطلاق يشمل أحكام منطقة الفراغ التي هي أحكام حكومية. كما بينا في المقدمة، بما أن هذا الجانب من التشريع قد فُوِّض إليه بسبب حاكمية النبي الأكرم (ص)، فإن هذا الحق قابل للسريان والتفويض إلى كل حاكم شرعي تكون حاكميته من سنخ حاكمية النبي الأكرم (ص).
2. الروايات
كدليل على قبول نظرية منطقة الفراغ، يمكن ذكر أحاديث ونصوص شرعية بيّن فيها النبي الأكرم (ص) والأئمة المعصومون (ع) في بعض الموارد حكمًا إلزاميًا لموضوع كان له حكم غير إلزامي في ظروف معينة. نورد بعض هذه الروايات:
أ. «منع النبي الأكرم (ص) البدو من عدم إعطاء مياههم الزائدة عن حاجتهم».(8) (الكليني، 1429: 5/ 293). بالنظر إلى أننا نعلم أن امتناع الأفراد عن إعطاء أموالهم الزائدة عن حاجتهم ليس محظورًا أصلًا ولا يُعد من المحرمات الأصيلة، يتضح أن منع ونهي النبي الأكرم (ص) بصفته حاكمًا إسلاميًا وبسبب الوضع القائم والظروف السياسية والاجتماعية الخاصة في ذلك العصر قد تم، لأن أهل المدينة في ذلك الوقت كانوا بحاجة ماسة إلى تنمية الزراعة وتربية الماشية، ونقص المياه كان يقتضي أن يقدم المسلمون مياههم الفائضة، التي لم يكونوا ملزمين بتقديمها في الحالة العادية، للآخرين.
ب. صحيحة محمد بن مسلم وزرارة عن الإمام الباقر والإمام الصادق (ع) أنهما قالا: «وضع أمير المؤمنين (ع) على الخيل التي ترعى من عشب الصحراء ضريبة دينارين لكل فرس في السنة، وعلى كل برذون دينارًا واحدًا في السنة».(9) (العاملي، 1408: 9/ 77). بما أن الزكاة لا تجب إلا في تلك الأشياء التسعة (10) المعروفة، والأحكام التشريعية العامة لم توجب الزكاة على الخيل، يُعلم أن هذا حكم حكومي أصدره حاكم المسلمين لضرورة الزمان، كما يتضح من قول الصادقين (ع): «وضع علي الزكاة على الخيل…». وهذا التعبير نفسه يبين أن هذا الحكم الوجوبي كان بتقدير أمير المؤمنين (ع) بسبب ظروف واقتضاءات زمانه. كما توجد قرائن أخرى في الحديث تدل على أن هذا الحكم من الأحكامه الحكومية، مثل أن الأشياء التي تجب فيها الزكاة لها نصاب مذكور، وفي وجوب الزكاة على الخيل لم يُذكر نصاب، أو أن في الأشياء التي تجب فيها الزكاة، يكون دفع الزكاة عادة من جنس نفس المال المزكى، ولكن هنا، فُرض على الخيل دينار، وهو ليس من جنس المال المزكى.
ج. يقول عمار الساباطي: «قال لي الإمام الصادق (ع) ولسليمان بن خالد: قد حرمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما بالمدينة، لأنكما تكثران الدخول عليّ، وأخاف أن تؤخذا فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر».(11) (الكليني، نفس المصدر: 5/ 476). المتعة أمر حلال، وقد أُكد على حليتها الأبدية في الروايات، حتى أن الإمام الصادق (ع) نفسه قال عن المتعة: «حلال إلى يوم القيامة». ولكن الإمام الصادق (ع) بصلاحيته الولائية، حرم المتعة من جانبه، بناءً على المصلحة، على أشخاص معينين. وهذا العمل يقع في نطاق صلاحيات ولي الأمر، لأن حكم المتعة ليس من الأحكام الواجبة أو المحرمة التي لا يستطيع الحاكم تغييرها وخارجة عن نطاق صلاحياته، بل هو من الأحكام المباحة وفي دائرة منطقة الفراغ. لذا، يقوم إمام المسلمين، بتقديره ومراعاة الظروف، بتغيير ذلك الحكم المباح إلى حكم إلزامي. كلمة «من قبلي» في الحديث تبين هذه النقطة، وهي أن هذا الحكم من الأحكام الولائية للإمام.
د. يُستفاد من رواية للإمام الصادق (ع) أن النبي الأكرم (ص) نهى عن بيع ثمار الأشجار قبل نضجها، بينما توجد روايات (الحر العاملي، 1408: 13/ 5 – 2) تجيز بيع وشراء مثل هذه الثمار، ويُفهم منها الجواز. إن نهي النبي (ص) عن بيع الثمار قبل نضجها كان حكمًا ولائيًا وحكوميًا منه. فقد نهى عن موضوع كان حكمه الإباحة، بسبب وجود منازعات ومشكلات تنشأ عن مثل هذه المعاملات. وهذا النهي لم يكن حكمًا أبديًا وتبليغيًا خالدًا، بل كان خاصًا بذلك الظرف الزماني والجانب الحاكمي لرسول الله (ص). سُئل الإمام الصادق (ع) عن رجل اشترى ثمرًا معينًا من أرض فهلك كل ثمر تلك الأرض. فقال الإمام الصادق (ع): «كانوا قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله (ص)، وبعد ذلك كانوا يتنازعون باستمرار حول هذا الأمر (لم يتركوا النزاع وكانوا يتشاجرون دائمًا). فلما رآهم النبي لا يتركون المشاجرة، نهاهم عن مثل هذه المعاملة (ألا يتعاملوا) حتى تنضج الثمار. لم يحرم النبي (ص) تلك المعاملة، بل من أجل المشاجرة التي كانت بينهم، بيّن النبي (ص) هذا النهي الولائي».(12) (الصدوق، 1413: 2/ 70). هذا البيان من الإمام الصادق (ع) شاهد على أن نهي النبي (ص) لم يكن حكمًا دائمًا له، بل في ظرف زماني خاص رأى المصلحة في نهيهم عن معاملة الثمار قبل نضجها لإنهاء المشاجرات الاجتماعية في هذا المجال.
هـ. نهت بعض الروايات عن النبي الأكرم (ص) عن تأجير الأرض، كما قال رافع بن خديج: «نهانا النبي الأكرم (ص) عن أمر كان نافعًا لنا، إذا كان لأحدنا أرض ويعطيها لأحد مقابل خراج أو درهم، أمرنا النبي (ص) أن نعطيها مجانًا أو نزرعها بأنفسنا».(13) (الترمذي، 1429: 3/ 688). إجارة الأرض مباحة ولا إشكال شرعي فيها. فيُعلم أن هذا حكم حكومي للنبي الأكرم (ص) قد حوّل فيه المباحات، بتقديره ومراعاة المصالح، إلى حكم إلزامي ومنع. هذه الرواية، بالنظر إلى مصدرها، وإن كانت لا يمكن أن تكون دليلًا، إلا أنها تؤيد المطلب المذكور.
و. أمر النبي (ص) بطاعة القادة العسكريين هو من الأحكام الحكومية، مثل الأمر الذي أصدره بخصوص جيش أسامة. يقول الإمام الخميني في هذا الصدد: «أوامر رسول الله (ص) هي التي كانت تصدر من حضرته وكانت أمرًا حكوميًا؛ مثلًا، اتبعوا جيش أسامة، كيف تحرسون الحدود، من أين تجمعون الضرائب…» (الإمام الخميني، 1373: 97).
ز. عُقد صلح الحديبية من قبل النبي الأكرم (ص) مع مشركي مكة في السنة السادسة للهجرة، وبموجبه، لمدة عشر سنوات، لا تقع حرب بين المسلمين والمشركين، وفي تلك السنة لا يدخل المسلمون مكة، ولكن في السنة التالية، في نفس الوقت، يخرج أهل المدينة من مكة لثلاثة أيام ويتركون المدينة للمسلمين لزيارتها (ابن الأثير، 1385: 2/ 204؛ الواقدي، 1435: 2/ 611).
ح. أمر النبي الأكرم (ص) بنفي الحكم بن العاص.(14) (القمي، 1414: 1/ 292).
ط. أمر النبي الأكرم (ص) بقتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وحويرث بن نفيل، وابن خطل، ومقيس بن صبابة عند فتح مكة (الطبرسي، 1408: 9-10/ 557).
ي. أمر النبي الأكرم (ص) بهدر دم وقتل رجل من قبيلة هذيل كان يشتم النبي (ص). يقول الإمام الباقر (ع) في هذا الصدد: «كان رجل من قبيلة هذيل يشتم النبي (ص). وصل خبره إلى النبي. فقال حضرته: من يكفيني أمره؟ فقام رجلان من الأنصار وقالا: نحن يا رسول الله. انطلق الرجلان وخرجا في طلبه حتى وصلا إلى عربة. هناك وجداه مع أغنامه. وبعد حوار دار بينهما، علما أنه هو الذي يبحثان عنه، فنزلا عن راحلتيهما وقطعا عنقه».(15) (العاملي، 1408: 18/ 460). اتضح أن بعض ما ذُكر كان سيرة زعيم الأمة وإمام المسلمين في زمانه.
3. ضرورة منطقة الفراغ للحكومة
دليل آخر نأتي به لإثبات منطقة الفراغ هو دليل يتكون من خمس مقدمات، يبين ضرورة وجود منطقة الفراغ للحكم.
المقدمة الأولى
دين الإسلام دين أبدي، مستقر وكامل، ولا يوجد أي نقص أو عيب في الشريعة الإسلامية. وهذا الدين الأبدي والكامل سيكون ملبيًا لمشكلات واحتياجات البشر في كل عصر وقرن وزمان، كما تبين الآية الشريفة هذا المضمون وتقول: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».(16) (المائدة: 3).
المقدمة الثانية
النبي الأكرم (ص) وبعض المعصومين (ع) أسسوا حكومة إسلامية وكانوا حكامًا إسلاميين ورؤساء للحكومة.
المقدمة الثالثة
بما أن الأنظمة الحكومية في الأزمنة والأمكنة المختلفة لها ظروف ومصالح متفاوتة، لا يمكن وضع نظام وأحكام ثابتة مثل أحكام العبادات والمعاملات وأحكام الإرث مثلًا، التي تكون ثابتة وغير متغيرة على مر التاريخ وفي كل عصر وزمان. من جهة أخرى، تلك الأحكام المتغيرة في حكومة النبي الأكرم (ص) ليست كافية للحكومات اللاحقة، لأن الظروف والأحداث مختلفة وكل ظرف زماني أو مكاني يتطلب حكمًا. هنا نشير إلى مثال يورده الشهيد الصدر. يقول: «من يزرع في أرض ويعمرها، تكون له أولوية في الانتفاع بها على الآخرين، وهذا أصل عادل، لأنه لو لم يكن كذلك، أي لو تساوى من عمل مع من لم يعمل، لكان ذلك ظلمًا. لكن هذا الأصل العادل نفسه، بعد زيادة وسائل استغلال الطبيعة، قد يُستخدم بطريقة خاطئة. ففي الماضي، لم يكن الفرد يستطيع استغلال الأرض أكثر من نطاق عمله وجهده الشخصي. ولكن اليوم، يمكن لمجموعة صغيرة، بامتلاكها الوسائل والإمكانيات المالية والتقنية، أن تحتكر أراضي واسعة على حساب غالبية الناس، وبهذه الطريقة تهدد المصالح الجماعية والعدالة الاجتماعية» (الصدر، 1417: 805).
المقدمة الرابعة
كما أن الله قد فوض ولاية أمر البشرية للنبي الأكرم (ص)، فبعد النبي (ص)، فوضت هذه الولاية للأئمة الأطهار (ع)، وفي زمن الغيبة، فوضت للفقيه الجامع للشرائط. الفقيه الجامع للشرائط، بالنيابة التي له عن النبي الأكرم (ص) والأئمة (ع)، هو ولي أمر المجتمع الإسلامي، وإذا توفرت الظروف، فهو مكلف بتشكيل الحكومة الإسلامية.(17)
المقدمة الخامسة
لا يملك ولي الأمر حق التغيير والتبديل في الأحكام الشرعية الإلزامية، بمعنى أنه لا يوجد حكمًا آخر، إلا في موارد حل التزاحم، حيث إذا تزاحم حكمان إلزاميّان، يُمنع أحدهما مؤقتًا. بالطبع، هذا النوع من التصرف لا يُعد إيجاد حكم. ومن الواضح جدًا أن حل مسألة التزاحم يختلف عن حق التشريع، والفقيه الحاكم في كثير من الموارد لا يستطيع حل المشكلات إلا بحق التشريع وليس بقاعدة التزاحم. ما يُستنتج من بيان هذه المقدمات الخمس هو أن الشارع يجب أن يضع لولي الأمر منطقة فراغ، ليتمكن ولي الأمر، حسب مقتضيات الزمان ومصالح أمة الإسلام، من إيجاد أحكام مناسبة للوضع القائم في حكومته في المسائل الحكومية المتعلقة بالموضوعات التي ليس لها حكم إلزامي. بالنظر إلى هذه المقدمات الخمس، نستنتج أن فكرة منطقة الفراغ ضرورية لخلود دين الإسلام واستجابته لجميع احتياجات البشر في كل عصر وزمان، وهي وسيلة لتجنب تغيير الشرائع والأديان، وتفسير لختم النبوة، وبهذه الطريقة يُضمن استمرار النبوة. إن قولنا بالتشريع المباشر لجميع شؤون المجتمع، بما في ذلك المتغيرات، يمنع خلود الدين، بينما نحن نؤمن إيمانًا راسخًا بخلود دين الإسلام. لذا، في الختام نقول: إن أي منصف يرى هذه المقدمات الخمس معًا، سيحكم بأن وجود منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي من ضرورات الحكومة الإسلامية.
النتيجة
ما توصلنا إليه من هذا البحث هو أن منطقة الفراغ ليست بمعنى مكان خالٍ وفارغ من أي حكم شرعي، لأن هذا المعنى يخالف الأدلة والروايات وبطلانه من الواضحات. لذا، نقول إن منطقة الفراغ تعني منطقة خالية من الحكم الإلزامي، يمكن لولي الأمر فيها، مع توفر الشروط، تحويل حكمها غير الإلزامي إلى حكم إلزامي. الأدلة التي يمكن أن تثبت هذه النظرية كانت أدلة عقلية ونقلية. الأدلة النقلية تكونت من آية الطاعة وآية الفيء وعدة روايات تم تقريرها. في نهاية قسم الروايات، ذكرنا عدة حالات يمكن طرحها كدليل آخر باسم السيرة. ثم تم بيان الدليل العقلي، وهو ضرورة وجود منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي، والذي يتكون من خمس مقدمات.
الهوامش
1. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».
2. إذا قيل إن هذه النظرية تستلزم تبديل الأحكام الشرعية، وأن أدلة كثيرة تمنع هذا التبديل، نقول إننا قدمنا إجابتين مفصلتين على هذا الإشكال، بالإضافة إلى إجابات لإشكالات أخرى قد توجه إلى هذه النظرية، في المجلة العلمية البحثية ‘حكومت إسلامى’، العدد 70.
3. «المقصود بـ(منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي) تلك المساحة من الأمور والقضايا التي تركت الشريعة الإسلامية حين التشريع فيها لولي الأمر أو للسلطة التشريعية العامة بالتخويل أو بالإشراف من قبل ولي الأمر لكي يصدر فيها الحكم المناسب للظروف المتطورة بالشكل الذي يضمن الأهداف العامة للشريعة الإسلامية».
4. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ».
5. لا ما ذكره المفسرون: «أن التكرار للتأكيد، فإن القصد لو كان متعلقًا بالتأكيد كان ترك التكرار كما لو قيل: أطيعوا الله والرسول أدل عليه وأقرب منه، فإنه كان يفيد أن طاعة الرسول عين طاعة الله سبحانه وأن الطاعتين واحدة، وما كل تكرار يفيد التأكيد».
6. «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصيته، فإذا أمر بمعصيته فلا سمع ولا طاعة».
7. «وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا».
8. محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن حسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله (ع) قال: «… وقضى بين أهل البادية أنه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ…».
9. «وضع أمير المؤمنين (ع) على الخيل العِتَال الراعية في كل فرس، في كل عام دينار، وجعل على البراذين دينارًا».
10. الأموال التي تجب فيها الزكاة هي: الذهب، الفضة، الإبل، البقر، الغنم، الشعير، الحنطة، التمر، والزبيب.
11. عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط ومحمد بن الحسين جميعًا عن الحكم بن مسكين، عن عمار، قال، أبو عبد الله (ع) لي ولسليمان بن خالد: «قد حرمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما بالمدينة لأنكما تكثران الدخول عليّ وأخاف أن تؤخذا فيقال: هؤلاء أصحاب جعفر».
12. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عمير، عن حماد بن عثمان، عن حلبي قال وسئل (أي الإمام الصادق (ع)) عن الرجل يشتري الثمر المسماة من أرض فتهلك ثمره تلك الأرض كلها فقال: «اختصموا في ذلك إلى رسول الله (ص) فكانوا يذكرون ذلك، فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة، ولم يحرموا ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم».
13. حدثنا هناد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن مجاهد، عن رافع بن خديج أنه قال: نهانا رسول الله (ص) عن أمر كان لنا نافعًا، إذا كانت لأحدنا أرض أن يعطيها ببعض خراجها أو بدراهم، وقال: «إذا كانت لأحدكم أرض فليمنحها أخاه أو ليزرعها».
14. «أن الحكم عوّج فمه مستهزئًا بالنبي (ص) فبصر به النبي فدعا عليه فصرع شهرين ثم أفاق فأخرجه النبي (ص) طريدًا ونفاه عنها». (الطوسي، 1388: 1/ 352). الحكم بن عاص بن أمية، طريد رسول الله (ص) هو الذي كان يحكي مشية النبي (ص) فطرده النبي (ص) ثم رده عثمان».
15. «عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عثمان، عن ربعي بن عبد الله، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (ع) قال: إن رجلًا من هذيل كان يسب رسول الله (ص) فانطلقا حتى أتيا عربة فسألا عنه فإذا هو يتلقى غنمه، فقالا: من أنتما وما اسمكما؟ فقال له: أنت فلان بن فلان؟ قال نعم، فنزلا فضربا عنقه».
16. «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا».
17. الحكومة الإسلامية حكومة إلهية لا ينفصل فيها السياسة عن الدين. الشخص الذي يقوم بتأسيس هذا الأمر يجب أن يكون عالمًا وعارفًا بالأحكام الإلهية تمامًا، كما يجب أن يكون له معرفة كافية بالشؤون السياسية وتدبير أمور المجتمع الإسلامي. تأسيس هذه الحكومة الإلهية يقع على عاتق الفقيه الجامع للشرائط وليس غيره ممن لا يملك المعرفة بالأحكام الإلهية. أي كما أن النبي الأكرم (ص) والأئمة الطاهرين (ع) هم الأحق بالولاية في هذا الأمر، فإن خليفتهم وهو الفقيه الجامع للشرائط هو الأحق أيضًا، وقد أُثبتت هذه الخلافة بروايات متعددة؛ مثل قول النبي الأكرم (ص): «اللهم ارحم خلفائي، قيل يا رسول الله! ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنتي؛ اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله، من هم خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي وينقلون كلماتي وسنتي» (الحر العاملي، 1408: 91/27). أو في حديث آخر قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر؛ إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورّثوا العلم. فمن أخذ العلم، فقد نال حظًا وافرًا» (الكليني، 1429: 1/ 34).