الملخص
الحكم الإرشادي هو إرشاد إلى المضار والمنافع المترتبة على المأمور به أو المنهي عنه. بالإضافة إلى ذلك، لا يترتب على امتثاله ثواب ولا على مخالفته عقاب. لقد قبل علماء الأصول هذا المعنى باختلافات طفيفة، ولكنهم تباينوا في آلية تمييز الحكم الإرشادي عن الحكم المولوي. المفترض أن هذه المجموعة من الأحكام لا تختلف ظاهريًا عن سائر الأحكام، كما أنه لا توجد قائمة منصوصة في الفقه بالأحكام الإرشادية. لهذا السبب، أذعن البعض بالفرق الماهوي بين الأحكام الإرشادية والأحكام المولوية؛ فمن هذا المنطلق، تكون الأحكام الإرشادية جميعها إخبارية. وافترض آخرون أن هيئة الإنشاء في الإرشادات تُستعمل في الإنشاء أيضًا، فجعلوا عدم ترتب الثواب والعقاب من علاماتها. كما حصر البعض نطاق الحكم الإرشادي في دائرة المستقلات العقلية. من بين هذه المقاربات الثلاث، يعكس الادعاء الأخير جزءًا من ملاك إرشادية الحكم، ولكن لتغطية جميع أنواعه، لا بد من تعميم المرشد إليه ليشمل الملاك العقلاني – الدنيوي. بهذه الخاصية، يكون الحكم الإرشادي في جميع الموارد إرشادًا إلى منافع ومضار المأمور به أو المنهي عنه، مما يمكن للعقل الإنساني إدراكه.
مقدمة
من جملة تقسيمات الحكم في علم أصول الفقه، تقسيمه إلى مولوي وإرشادي. بناءً على هذا التقسيم، ليست كل مطالبات الشارع متساوية من كل وجه، بل إن بعضها مولوي وبعضها الآخر إرشادي. إضافة إلى ذلك، للحكم تقسيمات أخرى تتضح على أساسها الفروق بين الأحكام في السياقات الداخلية، مثل التقسيم إلى أحكام أولية وثانوية، وتكليفية ووضعية، وكذلك انقسام الأحكام التكليفية إلى وجوب وحرمة واستحباب وكراهة وإباحة وما شابه ذلك، مما شكّل جزءًا من مسائل علم الأصول منذ القدم. النقطة الواضحة نسبيًا في هذه التقسيمات هي الحفاظ على قدر مشترك بينها، فالحكم من أي قسم كان لا شك في استناده إلى مقام الحاكم/المشرّع، وكذلك في حال العصيان والامتثال، يترتب عليه العقاب والثواب على القاعدة. كما أن الإلزامات الناشئة عنه وكيفيتها تتبع مقدار شدة وجودة مطالبة الحاكم/الشارع، وحصة المكلّف وتعهده تجاهه تتمثل في إحراز سقف هذه المطالبات وفي نهاية المطاف امتثالها.
على الرغم من هذا الترابط الذي يُرى في غالب أقسام الحكم، وفي فرض وجود مقسم مشترك، حيث يكون التوقع كذلك، فإن المسألة في تقسيم الحكم إلى مولوي وإرشادي ليست كذلك، وتتأرجح الاختلافات في الرأي حول ماهية الإرشاد إلى حد الإذعان بماهيته الخبرية. وفقًا لبعض التفاسير، الحكم الإرشادي ليس حكمًا منشأً بالأساس، بل هو إرشاد محض، كغيره من القضايا الخبرية التي تكشف عن حقائق موجودة وقبل الإرشاد. والسؤال المشترك الذي يجب على جميع القائلين بالفرق بين الحكم الإرشادي والمولوي الإجابة عنه هو: كيف وبناءً على أي قواعد لفظية أو عقلية يمكن تمييز الإرشادية عن المولوية؟ حتى لو سلخنا الأحكام الإرشادية عن ماهية الحكم، فإنه يجب علينا في هذه الحالة أيضًا حل السؤال السابق لأنفسنا، وهو: ما هي آلية تفسير بعض الأحكام على محمل الإرشاد ونفي المحتوى الإنشائي منها، مع أن أسلوب البيان في الإرشاد والولاية لا يختلفان ظاهرًا؟ كذلك، إذا اعتبرنا الأحكام الإرشادية، كما هو مشهور، أحكامًا في ماهيتها، فما هي قواعد الكشف عن أن مخالفتها لا تستوجب عقوبة، كما أن امتثالها لا يوجب القرب؟
تكمن أهمية الإجابة على هذه الأسئلة في أن الفقهاء من جهة، في مجال الاستنباط، قد فسروا بعض الأدلة على محمل الإرشاد، مما أدى إلى تفسير فروع تختلف عن مقتضيات ظاهر الحكم، أي أنهم لم يطالبوا المكلّف بالطاعة المحضة تجاه الحكم، بل حمّلوه مسؤولية العلم بمصالح ومفاسد متعلَّقه. من المؤكد أن الهدف من هذه المقاربة كان الوصول إلى توجيه التشريع، بحيث إذا لم يكن للأدلة رسالة سوى الإرشاد إلى منافع ومضار المأمور به أو المنهي عنه، فإنها لا تضع تكليفًا إضافيًا على عاتق المكلّف. هذا التفسير لا يجعل المكلّف «مأمورًا مطيعًا» فحسب، بل يجعله «واعيًا ومسؤولًا» بموازاة وعيه بالمصلحة والمفسدة في المأمور به أو المنهي عنه. من جهة أخرى، غاب الاهتمام بتقسيم الحكم من حيث المولوية والإرشاد، وبيان ملاكاته في آفاق علم أصول الفقه المعاصر، أي أنه على الرغم من تطور الاجتهاد القائم على تعميق وتوسيع علم أصول الفقه، فإن مسألة الإرشادية والمولوية قد أُهملت، ولم تُبحث أبعادها ولوازمها بشكل مركّز إلا من خلال إشارات متفرقة في ثنايا المسائل.
دراسة المفهوم
1. الحكم
أ. لغةً: بإذعان بعض اللغويين، فإن المعنى الأول لـ «الحكم» هو المنع، أي ما يعادل الكف. وأول استخدام له كان في منع الظلم (ابن فارس، 1404هـ: 2/91). ولكن استنتاج المرحوم المصطفوي هو أن المعنى الأول لهذه الكلمة لا يختلف عما هو شائع في الأدبيات الحقوقية، وأن الحكم هو ما يتحقق به حتمية الأمر والنهي. لذلك، استُخدم في القضاء والفقه والمنع والأمور التي لا تقبل الشك (المصطفوي، 1402هـ: 2/265). وكما اتضح، فإن الذين فسروا الحكم بمعنى المنع، قد ذكروا أيضًا أن المثال الأول أو البارز له هو منع الظلم، وهو ما لا ينفصل عن القطعية واليقين، إذ لا يوجد حكم في العالم بقطعية ويقينية منع الظلم.
ب. اصطلاحًا: عرّف أكثر الفقهاء، بل المشهور منهم حتى قبل العصر الحديث، الحكم بأنه «خطاب الشارع» المتعلق بأفعال المكلفين، والذي يُلزمهم بواجب أو يخيّرهم (الشهيد الثاني، 1416هـ: 29). وفقًا لهذا التعريف، فإن مصاديق خطابات الشارع هي النصوص الموجودة في الكتاب والسنة. وقد انتقد المرحوم الشهيد الصدر هذا التعريف بأنه يخلط بين السبب والمسبب وأنه غير جامع، وقدم التعريف التالي: الحكم الشرعي هو القانون الإلهي الصادر بهدف تنظيم نظام حياة الإنسان؛ هذه القوانين تتعلق أحيانًا بذاته وأحيانًا بسلوكياته، وفي بعض الحالات تتعلق بأمور مرتبطة بحياته (الشهيد الصدر، 1418هـ: 1/61).
من وجهة نظر الشهيد، فإن الخطابات الموجودة في الكتاب والسنة ليست هي عين الحكم، بل كاشفة عنه. كما أن الحكم لا يقتصر على الأحكام التكليفية ليتعلق بالأفعال مباشرة، بل إن الأحكام الوضعية هي أيضًا من مصاديق الحكم الشرعي التي لا تتعلق مباشرة بأفعال الإنسان، ولكنها تقرر وضعًا يدفع الإنسان بشكل غير مباشر إلى رد فعل مناسب، أو يتعلق بشيء مثل الطهارة والنجاسة التي لا تتعلق مباشرة بفعل الإنسان، ولكنها لا تترك الإنسان غير متأثر بشكل غير مباشر.
يبدو أن الفرق بين هذين التعريفين يكمن في جهة التركيز. فقد عرّف المشهور الحكم الشرعي بالخطابات الشرعية مع التركيز على مقام الإثبات، بينما نظر الشهيد الصدر إلى غاية الحكم من حيث مقام الثبوت. من هنا، لا يُرى اختلاف جوهري بين هذين التعريفين، والقوانين التي تنظم حياة الإنسان إثباتًا لن تظهر إلا في صورة خطابات الشارع المتمثلة في الكتاب والسنة.
2. الإرشاد
أ. لغةً: الإرشاد من «الرشد»، وهو بمعنى الوصول والاهتداء إلى الصواب والحق (الفيومي، د.ت: 2/227). والرشد بهذا المعنى هو المقابل الدقيق للغي الذي يعني الهداية إلى الشر والفساد (المصطفوي، 1402هـ: 4/140). بناءً على ذلك، وكما هو واضح في جميع استخدامات هذه الكلمة، فإن المعنى الأصلي للمادة هو الاهتداء إلى الخير والصلاح، ومن هذا الجذر يأتي الإرشاد بمعنى الإرشاد إلى الخير والصلاح.
ب. اصطلاحًا: كلمة الإرشاد في تركيبها مع الحكم، على الرغم من كونها مصطلحًا شائعًا في علم الأصول والفقه، وأساسًا لتحليل بعض المسائل، إلا أنه نادرًا ما تم الاهتمام بتقسيمه من هذه الزاوية وتعريفه في موضع تقسيمات الحكم. ومن بين المعاصرين، تطرق المرحوم الشعراني (1393هـ.ق) إلى هذا التقسيم. وفقًا لتعريفه، فإن الحكم أو التكليف الإرشادي هو حكم إذا خالفه المكلّف، فإنه يفقد المنفعة الكامنة في ذات الفعل، والتكليف المولوي من هذه الجهة يقع في الطرف المقابل تمامًا: التكليف الإرشادي هو الذي لا يترتب على تركه شيء سوى عدم حصول الفائدة المندرجة في ذات الفعل، أما التكليف المولوي فهو الذي يترتب على مخالفته، بالإضافة إلى فوات المنفعة الكامنة في الفعل، آثار أخرى كمخالفة الحكم. مثلًا، أمر الطبيب إرشادي، فإذا خالفه المريض، لم يؤاخذ بسبب مخالفة أمر الطبيب، بل لا يجد الشفاء فحسب، بخلاف أمر الحاكم الذي بالإضافة إلى فوات فائدة المأمور به، يُساءل ويُعاقب بسبب ترك أمر المولى (الشعراني، 1373: 242).
كما يلاحظ، تم تعريف الإرشادية في هذا التعريف بالخصائص السلبية والغاية المترتبة عليها، ولكن البعض قد عبّر عن هذا المحتوى بأسلوب يتناسب مع مضمون ذات الحكم الإرشادي. مثلًا، المرحوم الفيروزآبادي (1409هـ.ق)، من شُرّاح أفكار الآخوند الخراساني (1329هـ.ق)، قدم تعريفًا له خلال شرحه للنقاط التي استُدل فيها على إرشادية الحكم. وفقًا لتعريفه:
«الأوامر الإرشادية و هي أن يكون لمحض التنبيه على ما يترتب على الفعل بنفسه من الخواص و الآثار و المنافع و المضار و لو لم يكن أمر به أصلاً من دون أن يترتب على موافقته قرب و لا ثواب و لا على مخالفته بعد و لا عقاب، نظير أوامر الطبيب و نواهيه» (فيروزآبادي، 1400هـ: 1/247).
المثال الوارد في كلا التعريفين يوضح جيدًا أن دور الحكم الإرشادي هو الكشف عن المصلحة والمفسدة، ومن هذا المنطلق، فإن شدة وضعف الإلزام الكامن فيه يتبع أهمية المصالح والمفاسد ولا يرتبط بمصدر الصدور. لكن النقطة التي تميز منهج المرحوم الشعراني هي منظوره المختار في الدخول إلى هذه المسألة. فهو، خلال استقصاء مبادئ أحكام علم الأصول، يوضح أن الإرشادية والمولوية ليستا من المسائل الأصلية لهذا العلم لتكونا مؤثرتين في عملية الاستدلال لاستنباط الحكم الشرعي، ولهذا السبب، لم يبحثها الأصوليون في علم الأصول بشكل مستقل، بل يجب على القاعدة، كغيرها من مبادئ العلوم، أن تُنقّح في علم آخر (الشعراني، 1373: 195).
اعتبر بعض المعاصرين أن الأمور المتعلقة بمعرفة الحكم وخصائصه هي من المبادئ التصورية وفي نفس الوقت مؤثرة في عملية الاستنباط. من هذا المنطلق، فإن تشكيل قياس بناءً عليها لا يعني بالضرورة أنها ليست من المبادئ، بل إن تشكيل قياس يعتمد على معرفة الحكم وتصور خصائصه ممكن أيضًا. بناءً على ذلك، ستكون مبادئ الأحكام من المبادئ التصورية. لكن هذه الخاصية لا تبرر أنها لن تكون أبدًا من مسائله، بل من الممكن تمامًا أن تكون للمسألة حيثيتان، ومثلًا موضوع كإرشادية الحكم، يكون من جهة من المبادئ، ومن جهة أخرى من مسائل ذلك العلم (السبحاني، 1414هـ: 1/465-466).
على أي حال، الحكم الإرشادي في هذا التعريف هو مقابل للحكم المولوي، أي أن خصائصه هي سلب خصوصيات الحكم المولوي. وكما سنرى قريبًا، فإن الأصوليين ليس لديهم إجماع في ملاك الإرشادية. من الواضح أن اختلاف الملاكات واختيارنا من بينها سيغير تصورنا للموضوع الأصلي، ولكننا مضطرون إجمالًا في تعريفه إلى الاكتفاء بالآتي: الحكم الإرشادي هو إرشاد إلى مصلحة المأمور به وضرر المنهي عنه، ولهذا السبب، لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب.
بالطبع، شفافية التعريف الكاملة مرهونة باتخاذ مقاربة دقيقة في ملاك الإرشادية. لذلك، يبقى هذا القسم غير مكتمل دون تلخيص الآراء في الجزء التالي.
ملاك الحكم الإرشادي
الأحكام الشرعية في الأصل ظاهرة في المولوية، لأن مقام الشارع يقتضي أن تكون تشريعاته صادرة في نظام العبودية والمولوية بدافع الانقياد المحض من المكلفين، لكي يستحقوا الثواب أو العقاب في مقابل الطاعة والعصيان. إذن، ظاهر شأن الشارع ليس الإرشاد إلى المصالح والمفاسد الموجودة في الأفعال (الخوئي، 1422هـ: 4/22).1 بناءً على ذلك، لا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور إلا في الحالات التي توجد فيها قرينة على خلافه، وأحد هذه الحالات هي الإرشادية التي تسلب الحكم صفة المولوية وتربطه بآثار وخواص الفعل المأمور به، ولم يعد هذا مقام المولى الذي يُلزم المكلّف بالانقياد، بل إن الملاك الموجود في الفعل نفسه هو الذي يدعو المكلّف إليه. لكن من أين يمكن فهم إرشادية الحكم وما هو ملاكها؟
الفرضيات التي طرحها الأصوليون في الإجابة على هذا السؤال متعددة. لذلك، سنحاول دراسة أهمها أدناه بشكل مصنف:
1. الماهية الخبرية
وفقًا لإذعان بعض الأصوليين المتأخرين، فإن عنوان الحكم الإرشادي هو عنوان تسامحي، لأن ما يُعرف تحت هذا العنوان ليس في جوهره من الأحكام أصلًا، بل هو من الأخبار، ولم يكن مفادها أبدًا تكليف الإنسان، بل هو بيان لمصلحة في المأمور به أو مفسدة في المنهي عنه تُعلِم الإنسان بها (الأصفهاني، 1429هـ: 1/605). بناءً على ذلك، سيكون الفرق بين الحكم الإرشادي والمولوي فرقًا ذاتيًا، وكما لا يمكن مقارنة القضايا الخبرية الأخرى بالأحكام أبدًا، فإن الإرشاد إلى الملاكات الموجودة في الأفعال والأشياء لا يمكن مقارنته بالأحكام بالمعنى الدقيق للكلمة. بالطبع، يوجد خلاف بين الأصوليين حول ماهية مبادئ أو مراتب الحكم (الخوئي، 1422هـ: 1/49)، ولكن هناك إجماع على أن قوام كل حكم هو إنشاؤه. إنشاء الحكم، الذي يُعبّر عنه أيضًا بحقيقة الحكم، هو مرحلة تتجلى فيها إرادة التشريع القائمة على فعل الشيء أو تركه بالجعل والاعتبار (السيستاني، 1414هـ: 50). هذه الحقيقة لا يمكن إنكارها، وهي أن إرادة المشرّع تشكل أساس كل جعل أو اعتبار قانوني، ولكن المكلّف مسؤول فقط عن الإرادات التي تعلق بها الجعل بالمراد وحصلت على اعتبار خارجي. لهذا السبب، يُعبّر عن هذه المرحلة بإنشاء الحكم، والذي على عكس الأخبار، ليس حكاية عن حقائق ثابتة ومستقلة عن الخبر ليحتمل الصدق والكذب، بل بالإنشاء يُوجد معنى باسم «الحكم»؛ هذا المعنى في نظر المكلّف وحدود مسؤولياته ليس له واقع سوى هذا الإنشاء.
دليل هذا الادعاء بأن الإرشاد ليس حكمًا ليكون إنشائيًا هو أن الغرض منه ليس ممارسة المولوية واقتدار الشخص الآمر، بل هو بيان الفائدة المترتبة على الفعل ومصلحة الشخص المأمور. لهذا السبب، لا تترتب على مخالفته أي عقوبة، والمكلّف يفقد فقط المصلحة الموجودة في المرشد إليه. والشاهد الجلي على هذا الادعاء هو مبغوضية المرشد إليه في بعض الحالات بالنسبة للشخص الآمر. أي ليس الأمر بحيث تكون مصلحة الآمر والمأمور متلازمتين دائمًا، بل في بعض الحالات، المرشد إليه ليس مطلوبًا للآمر أصلًا، ولكن مجرد كونه في مصلحة المكلّف، يرشده إليه (الأصفهاني، 1429هـ: 1/605). وبهذه الخاصية التي قيلت للحكم الإرشادي، يتضح الفرق الجذري بينه وبين الأوامر الاستحبابية، لأنه فيها، استُخدم الأمر في إنشاء الطلب، ولكن دون إلزام، أما في الإرشاد فلا يوجد أي إنشاء سوى بيان المصلحة (نفس المصدر؛ البروجردي، 1415هـ: 109).
نقد ودراسة
الهدف من معرفة ملاك الأحكام الإرشادية هو الوصول إلى ملاك يمكن على أساسه تمييز الحكم الإرشادي عن الحكم المولوي. ضرورة هذا الإجراء تعود على الأقل إلى اللسان المشترك بينهما. وإلا، فلو كانت الأحكام الإرشادية تُبيّن بأسلوب مختلف عن الأحكام المولوية، لكان نفس أسلوب البيان كافيًا للتمييز، ولم يبق مجال لدراسة ذلك من هذه الزاوية. إذًا، أولًا، كما هو مسلم، فإن غالب الإرشادات على الأقل قد بُيّنت بصيغ إنشائية. ثانيًا، وفقًا للقواعد العرفية وظواهر اللفظ، استُعملت الصيغ الإنشائية في هذه الموارد في نفس معنى الإنشاء، لأن القول بأن الإرشاد مشترك لفظي بين إنشاء الحكم والإخبار، أو أنه استُعمل مجازًا في هذا المعنى، هو ادعاء غير مقبول، كما أن استعماله في معانٍ مثل الترجّي، والتمنّي، والتهديد، والإنذار، والإهانة، والاحتقار، والتعجيز، والتسخير وما شابه ذلك، لم يُحمل على المجاز ولا على الاشتراك اللفظي (الآخوند الخراساني، 1430هـ: 1/131).
بناءً على ذلك، فإن معرفة ملاك الإرشادية هي محاولة لتوفير أساس للتمييز في الواقع، مع الحفاظ على اشتراكها مع الحكم المولوي في الظاهر من حيث أسلوب البيان. وهذا الأمر المهم لن يثبت بمجرد الادعاء بأن الأحكام الإرشادية هي أحكام في الظاهر، ولكنها في الواقع أخبار عن المصالح والمفاسد. أي لا توجد قرينة ظاهرة تضمن للمكلّف في حال المخالفة أنه لن يواجه عقوبة سوى فوات المصلحة الموجودة في المأمور به؛ خاصة وأن أحكام الشرع، وفقًا للرؤية العدلية المشهورة، كلها مبتنية على مصالح ومفاسد واقعية، وإطلاع المكلّف عليها في بعض الحالات لا يساوي أبدًا الإرشاد بالمعنى المصطلح.2
أما الاستشهاد بأن المرشد إليه قد يكون مبغوضًا للشخص الآمر، فهو مبني على افتراض أن مصالح الآمر والحكيم لا تتلازم دائمًا مع مصالح المكلّف. إن إقرار ازدواجية المصالح على هذا المستوى، بل وتصورها بحيث تتقابل مصلحة المسترشد والمرشد، على الرغم من صعوبته الشديدة، يفتح الباب لتبرير المطالبة به: لأنه أولًا، كما أن الشخص العاقل لا يريد لنفسه ما هو مبغوض، فإنه لا يرشد غيره إليه أيضًا. ثانيًا، إن مصلحة النصح والإرشاد قد تجد الأهلية أحيانًا لتكون مطلوبة بالعرض، بحيث يصبح ما هو مرجوح بالذات راجحًا بالعرض. من هذه الجهة، لا تمنع مبغوضية شيء من تعلق الطلب به لمحض الإرشاد (الرشتي، د.ت: 265).
2. نفي الثواب والعقاب
من تمييز الحكم الإرشادي والمولوي على أساس التبعات الأخروية، تشكلت مقاربتان مختلفتان. المقاربة الأولى، التي تستند إلى حصر الأحكام الإرشادية في الأمور الدنيوية، طُرحت أكثر في آثار الأصوليين من أهل السنة. لقد تحدث أصوليون منهم كالغزالي (505هـ.ق) والآمدي (631هـ.ق) صراحة عن ترتب الآثار الدنيوية على الأحكام الإرشادية، واعتبروا ذلك ملاك التمييز بينها وبين الأحكام المستحبة. محور الاشتراك بين هذين القسمين من الأحكام هو اختلافهما عن الأحكام الوجوبية، حيث إن أيًا منهما ليس ملزمًا (الغزالي، 1417هـ: 206؛ الآمدي، 1402هـ: 2/144). وتُرى بصمات هذا الفكر في كنز العرفان أيضًا، حيث يربط إرشادية الحكم بتعلقه بالمصلحة الدنيوية. والمثال المعروف لذلك هو التوصية بالإشهاد عند المعاملة: «وَ أَشْهِدُوا إِذا تبايعتُم» (البقرة: 282)؛ أي عندما تتعاملون، فأشهدوا. الأمر في هذه الآية الشريفة هو إرشاد إلى مصلحة دنيوية لا أخروية، بخلاف الندب الذي يشير إلى مصلحة أخروية، أي نيل الثواب (الفاضل المقداد، د.ت: 1/144 و 2/55).
بالإضافة إلى هذه الأمثلة، لم يُرَ استدلال في هذه المقاربة، ولكن المقاربة الثانية التي طُرحت كثيرًا في آثار الأصوليين الإمامية، وهي نفي أي آثار أخروية عن الأحكام الإرشادية، لا فرق فيما يكون المرشد إليه، المهم هو أن الحكم الإرشادي قد صدر لبيان ماهية الفعل والآثار المترتبة عليه، وبالإضافة إلى خواص المرشد إليه، ليس له أي تبعات أخروية كتشريع: مراد الإرشاد في الأوامر والنواهي الإرشادية ليس سوى بيان ماهية الفعل والآثار المترتبة عليه كالمدح والذم؛ هذه الأوامر لن تفيد وجوبًا، أو استحبابًا، أو تحريمًا، ولهذا السبب، لا تترتب على مخالفة الأوامر الإرشادية آثار سوى ما يترتب على ترك الفعل نفسه، ولا يترتب على طاعتها أيضًا أي شيء سوى ما يترتب على العمل بالفعل نفسه.
ما يترتب عليه، لن يترتب شيء، أي دون أن تترتب على هذه الطاعة والعصيان نفس الآثار التي تترتب في الأوامر التشريعية [المولوية] (الشيخ الأنصاري، 1383: 2/422؛ انظر: الشيخ الأنصاري، 1428: 2/101).
على الرغم من تحليل المرحوم الفيروزآبادي لحكمة عدم ترتب الثواب والعقاب على هذا النوع من الأحكام، لا يزال مكان الاستدلال في هذه المقاربة خاليًا، لأنه وفقًا لتحليله، تنشأ هذه الخاصية في الإرشادات من عدم انعقاد الإرادة والكراهة وكذلك الحب والبغض من الآمر/الحاكم تجاه المأمور به أو المنهي عنه، بينما في الأحكام المولوية، أرادها الشارع أو كرهها بسبب تعلق المحبوبية أو المبغوضية بها. لذلك، يصبح المكلّف مقربًا بامتثالها ومبغوضًا في حال مخالفتها. هذه الخاصية في الأحكام الإرشادية تعود إلى أنها ترشد فقط إلى مصالح ومفاسد ذلك الفعل، لا أن الآمر يصبح محبوبًا أو مبغوضًا (فيروزآبادي، 1400: 1/249).
كما يلاحظ، فإن عدم انعقاد الإرادة والكراهة تجاه المرشد إليه ليس نقطة نهاية السؤال عن ملاك الحكم الإرشادي، إلا إذا تم توضيح وجه عدم انعقاد الإرادة والكراهة تجاه متعلَّق الحكم في الإرشادات.3 خاصة وأن المرحوم الفيروزآبادي نفسه قد التفت إلى هذه النقطة، وهي أن الأحكام وفقًا للرؤية العدلية تابعة مطلقًا للمصالح والمفاسد الكامنة في متعلَّقاتها، وترتب النفع والضرر في متعلَّق الحكم لا يختص بالإرشادات (نفس المصدر).
ربما يمكن تبيين ادعاءات هاتين المقاربتين على أساس التحليل المفهومي. وفقًا لهذه الطريقة، يُرشد المكلّف بهذا النوع من الأحكام إلى ما هو مفيد له، وبشكل طبيعي، أولًا، ما هو مفيد سيكون في حدود فهم وإدراك الإنسان العقلي؛ ثانيًا، الملاكات المتعلقة بالثواب والعقاب الأخروي التي تخرج عن دائرة فهم الإنسان ستخرج بالضرورة عن دائرة الإرشاد أيضًا. النقطة الجديرة بالتأمل في هذا الصدد هي عدم حصر الأمور المفيدة والقابلة للإدراك في المصالح الدنيوية، لأن الأمور المسلمة شرعًا، على الرغم من أن فائدتها الدنيوية ليست قابلة للفهم للإنسان، فإن نفعها الإجمالي من خلال التقوى تجاهها مُحرز، ومن هذا المنطلق، لا يكون الحكم الإرشادي في هذه الموارد إرشادًا إلى ملاكات ذات نتائج أخروية، بل إلى ملاحظة فائدتها في الظروف الفعلية للمكلّف. مثلًا، الحكم بجزئية أو شرطية شيء في العبادات ليس إرشادًا إلى أن العبادة الفاقدة لذلك الجزء أو الشرط فاقدة للثواب، بل هو إرشاد إلى أن مثل هذا العمل، بناءً على التصور الذي لديكم في الدنيا عن العبادة، لم يتحقق، وبالتالي فهو غير مفيد لكم. هذا التفسير للمرشد إليه يختزل النتيجة إلى نفس مقاربة الغزالي، ويبدو أنه بناءً على هذا الملاك، نحن مضطرون لقبول أن الأحكام الإرشادية كلها إرشاد إلى مصالح دنيوية!
نقد ودراسة
صحيح أن الأحكام الإرشادية، بناءً على رأي المشهور، فاقدة للثواب والعقاب، ولكن مثل هذه النتيجة لا يمكن أن تكون ملاك التمييز بينها وبين الأحكام المولوية، وذلك للأسباب التالية: أولًا، حصر الأحكام الإرشادية في الأمور التي تترتب عليها مصلحة دنيوية فقط، هو من جهة خلاف للنماذج المتداولة لها في الأحكام المعروفة بالإرشادية، ومن جهة أخرى، خلاف للأحكام العرفية التي تركز على المصالح الدنيوية مع كونها مولوية (الشيرازي، 1418هـ: 1/322). ثانيًا، لسان الأدلة نفسه صامت عن تحديد أي حكم هو إرشادي ليطمئن المكلّف بشأن عواقبه الأخروية، والحد الأقصى لعدم الثواب والعقاب هو من خصائص ما بعد الحكم. أي أن إرشادية الأحكام أدت إلى أن يكون امتثالها ومخالفتها فاقدًا للعقاب والثواب، وهذا النوع من الأحكام، قبل أن يكون مختلفًا من حيث النتائج عن الأحكام المولوية، هو مختلف من حيث الذات. بعبارة أخرى، أثر الشيء يأتي بعد تمامية ذاته، ولا يمكن أن يكون ما هو في مرحلة متأخرة عن الذات في رتبة الذات. بالطبع، إمكانية كشف الماهية والملاك عن طريق الأثر ليست مستحيلة، ولكن هذا يتعلق بالحالات التي تكون فيها الآثار معروفة وفي متناول اليد، وللأسف في الفقه، لا نملك قائمة تفصيلية بآثار الأحكام!
ثالثًا، التحليل المفهومي لهذا الموضوع، على الرغم من كونه جديرًا بالاهتمام نسبيًا، يواجه هذا التحدي، وهو إما أن نتوافق مع أمثال الغزالي ونقيده بالمصالح الدنيوية، وفي هذه الحالة، كما قيل، سيكون فاقدًا للجامعية، أو أن نعممه ليشمل مطلق المصالح، وفي هذه الحالة، لن يكون مانعًا من شمول الأحكام المولوية، لأن هذه الفئة من الأحكام أيضًا، حتى وفقًا للرؤية الأشعرية، تكتسب الحسن بعد تعلق الحكم بها، وهي قابلة للإدراك بشكل إجمالي.
بناءً على ذلك، فإن ما يلعب دورًا حاسمًا في معرفة الأحكام الإرشادية هو خاصية متعلَّق هذا النوع من الأحكام، وطالما لم نصل إلى معيار دقيق لـ «كونه مرشدًا إليه»، فإن إحالة التمييز إلى الآثار أو حتى دافع النصح، كما أكد عليه المرحوم الشيرازي الكبير (1307هـ.ق) (الشيرازي، 1418هـ: 1/323) والميرزا الرشتي (الرشتي، د.ت: 213)، ستكون غير مجدية. دليل هذا الادعاء هو أنه قبل معرفة خاصية متعلَّق الحكم، لا يمكن تتبع دافعه، كما لا يمكن تتبع آثاره، وكون المرحوم الآخوند الخراساني (1329هـ.ق) قد أرجع اختلاف معنى صيغة الأمر في التمني والاستهزاء وما شابه ذلك إلى اختلاف الدافع، فهو مبني على خصائص متعلَّقه، أي بالنظر إلى الخصائص المتنوعة التي يمتلكها المتعلَّق، لا يمكننا حملها في جميع الحالات على الوجوب (الآخوند الخراساني، 1430هـ.ق: 1/130). مثلًا، كيف يمكن حمل صيغة الأمر في «كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ» (البقرة: 65) على الوجوب؟
3. المحذور العقلي في الحكم المولوي
هذه المقاربة تحصر ملاك إرشادية الحكم في الحالات التي يكون فيها ممارسة المولوية مستحيلًا. أصوليون مثل المرحوم الآخوند الخراساني والمرحوم الخوئي، اللذين لا تخفى مكانتهما في علم الأصول على المطلعين، قد تبنوا هذه المقاربة في تفسير الحكم الإرشادي. كان الدافع وراء دخول المرحوم الآخوند إلى هذه المسألة هو الرد على الذين قالوا بالفورية في مقام امتثال الحكم، استنادًا إلى آيات مثل: «وَ سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقين» (آل عمران: 133)، و«فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون» (المائدة: 48). من الواضح أن المثال البارز للخيرات والتوصل إلى أسباب الغفران هو أحكام الشارع التي يتحقق امتثالها الفوري بالسبق والسرعة.
خلال ردود المرحوم الآخوند على هذا الاستدلال، تم التنبيه إلى أن الأوامر الواردة في هذه الآيات قد تكون إرشادية، لأنه ليس من المستبعد أن تكون المسارعة والسبق إلى الخير من الأمور التي يحكم العقل بحسنها استقلالًا. في هذه الحالة، ستكون الآيات إرشادًا إلى حكم العقل في هذا المجال، وكما أن الآيات والروايات الواردة في مقام الترغيب في أصل الطاعة هي إرشادية ولا تتضمن حكمًا مولويًا سوى ما يترتب على ذات الطاعة، حتى لو لم تكن هذه الأوامر موجودة، لترتبت تلك الآثار على أصل الطاعة (الآخوند الخراساني، 1430: 1/155).
وكما ذكر بعض شراح فكر الآخوند، فإن مفروض المرحوم الآخوند في إرشادية الحكم هو سبقه بحكم العقل المستقل (فيروزآبادي، 1400: 1/247). وأوضح من هذا بيان المرحوم الخوئي الذي حصر ملاك إرشادية الحكم في دائرة المستقلات العقلية، ووضح وجه ذلك أيضًا: ملاك إرشادية الحكم هو أن يكون المورد من المستقلات العقلية، حيث يكون ثبوت الحكم المولوي في تلك الموارد غير معقول، لأنه [على الرغم من حكم العقل المستقل] يكون الجعل المولوي في مثل هذه الحالات إما لغوًا أو ما شابه ذلك. أما مجرد وقوع الأمر في سلسلة المعلولات ومقام امتثال الأحكام، فلا يمنع من مولوية الحكم (الخوئي، 1422: 1/317-318؛ 2/25). منظور المرحوم الخوئي من الموارد الشبيهة باللغو، كما أوضح في بضعة أسطر سابقة، هو محذور الاستحالة. وهو هناك يوضح بشكل خاص دليل إرشادية حكم كوجوب الطاعة، ليظهر أن الإرشادية في الأصل ليست مرتبطة بسلسلة علل الأحكام أو معلولاتها، بل هي مرتبطة بعدم إمكان الجعل المولوي في ذلك المورد، كالحكم بوجوب الطاعة الذي هو إرشادي مع ارتباطه بسلسلة المعلولات ومقام الامتثال، لأن الالتزام بالجعل المولوي في هذا المجال بدون إلزام عقلي هو غير محرك، وبالتالي محال: الأمر بالطاعة محال أن يكون مولويًا، حتى لو لم نقل باستحالة التسلسل، لأن الأمر المولوي المجرد، إذا لم يكن متناهيًا، فلن يكون محركًا للعبد، كما أنه إذا لم يكن مستندًا إلى إلزام عقلي، فلا يمكن أن يكون محركًا. إذن، لكي يدفع الأمر المولوي هنا العبد إلى الامتثال، فإنه يحتاج إلى إلزام عقلي. من هنا، فإن الأمر الذي ورد في هذا المقام هو إرشاد إليه (الخوئي، 1422: 1/317).
المرحوم الميرزا الرشتي أيضًا في نقله للآراء، وإن أشار إلى هذه المقاربة، لم يذكر أسماء مؤيديها (الرشتي، د.ت: 266). على حد علمنا، أرجع المرحوم النائيني أيضًا ملاك الإرشادية في بعض الموارد إلى سبقه بحكم العقل المستقل (النائيني، 1352: 1/411)، ولكنه لم يوضح ما هو المقصود بإرشادية النواهي المتعلقة بالمعاملات والعبادات المعروفة بين الأصوليين: هل الأحكام الإرشادية قسمان، أم أن التعبير بالإرشاد في غير المستقلات العقلية تسامحي؟ لكنه أوضح هذه النقطة جيدًا، وهي أن مجرد استقلال العقل بحكم ما لا يساوي إرشادية الحكم الشرعي في ذلك المجال، بل إن هذه العملية مرتبطة بأن يكون الجعل المولوي في ذلك المجال غير معقول. يريد النائيني بهذا البيان توضيح تكليف الملازمات العقلية، التي مع استقلال العقل فيها، لا يُنفى الحكم المولوي فحسب، بل يُكتشف من خلالها.4 كما هو معلوم، فإن هذا التفريق الذي يختزل في النهاية الحكم الإرشادي إلى سلسلة معلولات الأحكام (نفس المصدر: 1/411)، يقع في تقابل مع نظرية المرحوم الخوئي، لأن الإرشادية من منظوره لا تعتمد على سلسلة العلل والمعلولات، بل المهم هو أولًا أن تكون من دائرة المستقلات العقلية، وثانيًا أن يكون إمكان الجعل المولوي في ذلك المورد محالًا. بالطبع، يقبل المرحوم الخوئي أيضًا أن جريان قاعدة «كلما حكم به العقل حكم به الشرع» يختص بالموارد التي يمكن فيها ممارسة الجعل المولوي (الخوئي، 1422: 2/27). أما ثبوتًا، فلا مشكلة في هذه الفرضية، وهي أن المستقلات العقلية في سلسلة العلل تمنع أيضًا من الجعل المولوي، والقرينة الواضحة على ذلك هي أن مؤيدي قاعدة الملازمة قد اشترطوا جريانها بقابلية المورد للجعل المولوي (الشيخ الأنصاري، 1428: 1/466).
على أي حال، دليل أمثال المرحوم الخوئي لإثبات هذا الادعاء هو ظهور أوامر وأحكام الشارع، التي تنشأ في الدرجة الأولى من مقام المولوية، ورفع اليد عن هذا الظهور لا يكون مبررًا إلا في الحالات التي يكون فيها إمكان حملها على المولوية محالًا قطعًا، ودائرة المستقلات العقلية التي تستلزم فيها ممارسة المولوية اللغو أو الاستحالة هي من هذا القبيل (الخوئي، 1422: 1/317). بهذه الطريقة، فإن الملاك الذي طرحه المرحوم الآخوند لإرشادية الحكم بشكل مجمل إلى حد ما، قد أوضح شروطه المرحوم النائيني والمرحوم الخوئي بشكل شفاف.
نقد ودراسة
هذه المقاربة القائمة على عدم إمكان الجعل المولوي في مجال الحكم الإرشادي، قد قُدمت بدقة في مقام تحديد الملاك. لذلك، فإن أمثال المرحوم الخوئي، بالإضافة إلى تكرارها في موارد أخرى، لم يغفلوا عن معرفة ماهية الأحكام الدالة على الشرطية والجزئية أو المانعية. من هذا المنطلق، فإن هذا النوع من الأحكام، على الرغم من كونها في ذاتها مرشدة إلى أحكام أخرى وفاقدة لمصلحة ملزمة، فإن هذه الخاصية لا تجعلنا نعتبرها في صف أحكام الطاعة، إرشادية: ضرورتها الإرشادية ليست كإرشادية الأوامر والنواهي الواردة في باب الطاعة والمعصية، لأن هذه لا أثر لها سوى الإرشاد إلى حكم العقل المستقل، أما تلك الطائفة من النواهي، فهي إرشاد إلى الحكم المولوي وكاشفة عنه؛ أي أن تلك العبادة أو المعاملة مقيدة شرعًا بعدم هذا الشيء، وفي الحقيقة يعود الأمر إلى أن مطلوب الشارع هو حصة خاصة من تلك العبادة أو إمضاء المعاملة المقيدة بعدم متعلَّق النهي. تسمية هذه النواهي بالنواهي الإرشادية من هذه الجهة هي أنها في الحقيقة ليست نهيًا مستقلًا (الخوئي، 1417: 4/145).
كما يلاحظ، يقرّ بأن التعبير بإرشادية هذا النوع من الأحكام صحيح، ولكن هذا ليس الإرشاد المصطلح الذي يرشد الإنسان إلى حكم العقل، بل هو في هذه الموارد إرشاد إلى الحكم المولوي، ومن حيث كونه فاقدًا لملاك مستقل، فهو إرشادي. بناءً على ذلك، من وجهة نظر المرحوم الخوئي، الإرشادية مرهونة بأن يكون المرشد إليه من المستقلات العقلية مع خاصية عدم قابلية الجعل المولوي. في غير هذه الحالة، حتى لو كان الحكم فاقدًا لملاك مستقل وكان دوره إرشاديًا فقط، ولم يترتب على امتثاله ومخالفته ثواب وعقاب، فإنه لن يكون إرشاديًا.
نقطة القوة في هذه المقاربة هي أنها أبرزت بشكل منهجي ملاك الحكم الإرشادي، وفي النهاية، فإن الأساس الذي تم اتخاذه يوضح الملاك جيدًا. أي أن أمثال المرحوم الآخوند، دون التمسك بآثار الإرشادية أو التلاعب بمدلول الهيئة الدالة على الحكم، قد ذهبوا مباشرة إلى خاصية متعلَّقه ليظهروا أنه في المستقلات العقلية، وكذلك في الحالات التي يكون فيها الجعل المولوي محالًا، فإن الالتزام بغير الإرشاد غير معقول، وهذا المحذور بحد ذاته قرينة على أن صدور الحكم ليس لممارسة المولوية. وبعيد جدًا أن لا يتمكن متعلَّق الحكم بهذه الخاصية من أداء دور القرينة في صرفه إلى الإرشادية، ويبقى المجال لإرادة مولوية. أي بخلاف ظن المرحوم الفيروزآبادي الذي لا يعتبر حكم العقل المستقل مطلقًا في مجال ما، أهلًا للقرينية على الإرشاد (فيروزآبادي، 1400: 1/247). لقد ربط هو، متأثرًا بتحديد ملاك المرحوم الشيخ الأنصاري، الإرشادية والمولوية بآثارها، والتي تم بحثها في المقاربة الثانية.
نقطة الامتياز هذه، على الرغم من وجودها في تحديد هذا الملاك، لا يمكن تجاهل نواقصها المبنية على عدم الجامعية في الادعاء والاستدلال، لأنه أولًا، حصر ملاك الإرشادية في دائرة المستقلات العقلية لا يغطي جزءًا من الأحكام الإرشادية التي عُرفت هويتها. ثانيًا، لرفع اليد عن ظهور الحكم القائم على المولوية، ليس من الضروري أن يكون الحفاظ عليه مستلزمًا للغوية أو الاستحالة دائمًا، بل يكفي، كغيره من الحالات، وجود آلية عرفية لصرفه.
4. عقلانية متعلق الحكم
لا توجد ضرورة لربط إرشادية الحكم بملاك واحد، بل المهم هو معرفة الآليات التي نعلم على أساسها أن دور الحكم الشرعي ليس تمثيلًا لمولوية الشارع، بل هو مجرد إرشاد إلى خواص وآثار المأمور به أو المنهي عنه. هذا الموقف بالنسبة للحكم ليس مرهونًا بعامل واحد، ويمكن أن يكون له موارد مختلفة، ولكن نتيجته واحدة. بناءً على ذلك، فإن تعلق الحكم بدائرة المستقلات العقلية بالشروط التي طرحها أمثال المرحوم النائيني هو حل في بعض الحالات، ولكنه ليس كل الطريق، ويجب أن يضاف إليه تعلق الحكم بالمصلحة الدنيوية وكذلك إحراز عدم وجود مصلحة في متعلَّقه، على حد تعبير المناطقة على سبيل مانعة الخلو. وبهذه الطريقة، يتعلق الحكم الإرشادي بشيء تكون منافعه ومضاره عقلانية للمكلّف، أي قابلة للحساب بالعقل الإنساني، وهذا لا يلزم أن يكون دائمًا من المستقلات العقلية. توضيح هذا الادعاء على النحو التالي:
أ. تعلق الحكم بحوزة المستقلات العقلية
تعلق الحكم بدائرة المستقلات العقلية مشروط بأن يكون الجعل المولوي في ذلك المورد مستلزمًا للغوية أو الاستحالة. مفاد هذا الملاك هو خلاصة رأي أمثال المرحوم الآخوند، الذي قلنا إن طرحه بشكل حصري يمثل مشكلة، لأنه يستلزم تقليل الأحكام الإرشادية بشكل غير مبرر في دائرة محدودة جدًا.
كملاك من الملاكات، يمكن أن يميز جزءًا من الأحكام في هذا الصدد. وكما أشير سابقًا، فإن القدر المتيقن من مصاديق الأحكام الإرشادية هو الإرشاد إلى مدركات العقل العملي بنفس شروط المرحوم الخوئي، ولكن للشهيد الصدر تقرير أوسع لهذا الملاك، والذي يشمل بالإضافة إلى مدركات العقل العملي، جميع الأمور التي لا تقتضيها شأن مولوية الشارع: الخطاب الإرشادي هو حكم لم يصدر من مقام مولوية المولى وشؤونه، كمثل بيان أضرار الخوف أو الأمر بطاعة الله تعالى والنهي عن معصيته، لأن وجوب الطاعة وحرمة المعصية من مدركات العقل العملي، ولم يصدر من المولى بوصفه مولى (الشهيد الصدر، 1408: 4/413). مشكلة هذا النوع من التقرير للملاك هي نفس نزعته الحصرية. وإلا، فإن جزءًا من ادعاء الشهيد هو نفس رأي أمثال المرحوم الخوئي، والجزء الآخر منه ينسجم مع ما يُنقل تحت عنوان المصلحة الدنيوية، وهو قاصر على الأقل بالنسبة للملاك الثالث.
ب. تعلق الحكم بالمصلحة الدنيوية
إجمالًا، لا شك في أن المقاصد النهائية للشريعة موجهة نحو الآخرة، وأن شأن الشارع في الدرجة الأولى هو هداية الإنسان إلى ذلك المقام، ولكن هذا الافتراض الأساسي لا يعني نفي أي حكم من قبل الشارع يتعلق بالأمور الدنيوية للناس، بل إنه بدافع تسهيل وتنظيم معيشة الخلق، لديه أحكام دنيوية التزامها يحسن وينظم حياة الناس في هذه الدنيا. بالطبع، التفريق بين المقاصد الأخروية والدنيوية لا يعني نفي أي ارتباط بين الأمور الدنيوية والآخرة، بحيث نسمي كل حكم يكون امتثاله مفيدًا في الحياة دنيويًا، وكل ما لا يكون نفعه وضرره ملموسًا لنا في الحياة أخرويًا، لأن المصالح والمفاسد التي تبتني عليها الأحكام، وفقًا لرأي المشهور من العدلية، ليست كلها بالضرورة أخروية، ويمكن أن يكون لها آثار أخروية مع وظيفتها الدنيوية. بناءً على ذلك، المقصود من تعلق الحكم بالأمور الدنيوية هو إحراز عدم تأثيره في التعبد والتأثير في الهداية، وبشكل طبيعي، هذا النوع من الخصائص في متعلَّق الحكم يمتلك أهلية القرينة لصرفه عن محمل المولوية، ونعتقد أن الدافع منه كان مجرد الإرشاد لا ممارسة المولوية. المرحوم الميرزا الرشتي في تقريره لوجهة النظر التي تربط خاصية الحكم الإرشادي بنفي الآثار الأخروية، أشار إلى هذه النقطة وصرح بأنه بناءً على رأي القائلين بالفرق الماهوي بين الإرشاد والندب والوجوب، فإن هذا النوع من التفريق يتوافق أكثر مع تصور الأصوليين لماهية الإرشاد: كل أمر يروج من الشارع للمصالح الأخروية هو أمر شرعي تعبدي؛ لا فرق في أن تكون الواسطة دنيوية أم لا، لأن تلك الوسائط التي تتضمن مصلحة دنيوية أيضًا، هي كلها أو غالبيتها أدوات لتأمين المصالح الأخروية. إذن، مصلحة الحكم إذا لم يكن لها عائد في الآخرة، كبعض الملاكات الدنيوية التي ليست مستحبة شرعًا ولا مكروهة، ولكن متعلَّق الأمر مثل «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ» قد وقع، فسيكون إرشاديًا، ولا يترتب على مخالفته وموافقته سوى فوات الغرض الدنيوي، لأن الملاكات الدنيوية ليست من مقاصد الشرع ليضع الشريعة من أجلها… إذن، المراد من المصلحة الدنيوية هي المصالح التي هي للدنيا فقط وليس لها عائد أخروي (الرشتي، د.ت: 265).
نتيجة لذلك، لا ينبغي ربط الحكم الإرشادي بمطلق المصلحة في متعلَّقه، حيث إن جميع الأحكام من هذا المنطلق تابعة للمصالح والمفاسد، بل يجب قياسه بنوع المصلحة الكامنة في المرشد إليه، وإذا كان من الأمور الدنيوية المحضة، فلا يمكن تفسيره إلا على محمل الإرشاد، أي بالنظر إلى خاصية متعلَّق الحكم الذي لا يندرج في دائرة المقاصد الأصلية للشارع، تم استخدام بيان الإنشاء بحد أقصى بدافع الخير، كما تم استخدام بيان الإنشاء بدوافع غير إنشائية كثيرة في موارد أخرى بحسب خاصية المتعلَّق.
ج. فقدان المصلحة في المتعلَّق
تلك الفئة من الأحكام التي تبين اعتبار الشرط، الجزء، أو المانع في العبادات والمعاملات، هي فاقدة للمصلحة والمفسدة من حيث المتعلَّق، ولهذا السبب تُعرف في الفقه بالأحكام الإرشادية، لأنه لا يُنتزع من الأحكام الدالة على الشرطية والجزئية والمانعية وجوب وحرمة (الخوئي، 1418: 14/311). سبب هذه المسألة هو تعلق المصالح والمفاسد بالمشروط له، وهذه الفئة من الأدلة تبين فقط في أي ظروف يقع ذلك الواجب أو المعاملة مصداقًا للمأمور به أو عدمه. أكثر من هذا وقبل إنجاز ذلك المأمور به، فإن الوفاء بذلك الشرط أو اجتناب ذلك المانع ليس له ملاك مستقل، ولا يمكن بالضرورة أن يكون واجبًا أو حرامًا ليترتب عليه ثواب وعقاب.
مفاد كلام المرحوم الخوئي كان أن إرشادية هذه الأمور هي من باب التسامح في التعبير، وأن الأحكام الإرشادية هي الأحكام الصادرة في دائرة المستقلات العقلية. ودليله على ذلك كان أن الإذعان بالمولوية في مثل هذه الموارد هو لغو، أما هذه الفئة من الأحكام، على الرغم من كونها فاقدة لمصلحة ومفسدة مستقلة، فإنها ليست إرشادًا إلى حكم العقل، بل إلى إرادة المولى (الخوئي، 1417: 4/145).
خلافًا لما يدعيه المرحوم الخوئي، فإن تطبيق عنوان الإرشادية على هذه المجموعة من الأحكام ليس تسامحيًا أيضًا؛ لأنه: 1. الإرشادية والمولوية ليست من العناوين المأخوذة في الأدلة والنصوص، بل هي مصطلح فقهي – أصولي ابتكره الفقهاء لتمييز فئة من الأحكام الشرعية، ولم يُرَ فيه أي قيد بضرورة أن يكون الإرشاد إلى المستقلات العقلية. سواء وفقًا للتعريف المشهور الذي يقوم إرشادية الحكم على خواص وآثار المأمور به أو المنهي عنه، أو في النتيجة، بحسب الآثار التي تنفي عنه العقاب والثواب الأخروي، فإن الأحكام الدالة على الشرطية والجزئية والمانعية هي إرشادية، لأنها باعتراف المرحوم الخوئي نفسه فاقدة لملاك مستقل.
2. لقد ذكرنا سابقًا أنه لرفع اليد عن أي ظهور، ليس من الضروري أن يكون الحفاظ عليه مستلزمًا للغوية والاستحالة العقلية، بل يكفي وجود قرينة مناسبة، وصون ساحة كلام المتكلم، خاصة المتكلم الحكيم، من التهافت والتناقض. هذه الآلية لا تنحصر أبدًا في أن يكون الحكم المولوي موازيًا لحكم العقل المستقل، والشاهد الواضح على ذلك هو الموارد التي رُفعت فيها اليد عن مقتضى ظهور هيئة الإنشاء في الفقه. مثلًا، هل في الموارد التي حُملت فيها صيغة الأمر على الترجّي، التمنّي، التهديد، الإنذار، الإهانة، الاحتقار، التعجيز، التسخير وما شابه ذلك، كان الحفاظ على الظهور موجبًا للغوية أو الاستحالة العقلية؟
بناءً على ذلك، كل حكم يكون منشؤه دافع الإرشاد إلى الخواص والآثار المترتبة على المأمور به أو المنهي عنه، سيكون إرشاديًا؛ لا فرق في ماهية ذلك المرشد إليه. المهم هو أنه بالإضافة إلى ما تثيره ماهية وأهمية المرشد إليه، فإن آمرية وحاكمية مصدر صدور الحكم لم تلعب فيه دورًا مستقلًا، وفي الواقع، جلس الحاكم نفسه في مقام عقل المسترشد (الشيرازي، 1409: 2/17). نتيجة لذلك، بحسب الاستقراء، ستكون ثلاث فئات من الأحكام إرشادية بملاحظة الخاصية الموجودة في متعلَّقها: عدم إمكان الجعل المولوي؛ دائرة المصالح الدنيوية المحضة؛ دائرة المركبات الشرعية.
النتيجة
فيما يتعلق بتمييز ملاك الحكم الإرشادي، تم بحث أربع وجهات نظر؛ ربما لو أولينا اهتمامًا لجميع القيود والدقائق في تبيين المسألة، لكان مجموع وجهات النظر أكثر من هذا، ولكننا على يقين بأن ما تم بحثه هو أهمها، وأن الأخذ والرد في الادعاءات والأدلة في هذا النطاق سيكشف أيضًا عن آفاق أخرى من هذا الحوار. على أي حال، بغض النظر عن الحالة الأولى التي تختزل الأحكام الإرشادية بتجريد المحتوى إلى قضايا خبرية، فإن المفروض في وجهات النظر الثلاث الأخرى هو الحفاظ على ماهيتها الإنشائية. أي أنهم قبلوا أن ما يُعرف في الفقه بعنوان الأحكام الإرشادية هو من مقولة الإنشاء، ولكن مقارباتهم من الفرق بين الإرشادي والمولوي شهدت تذبذبًا ملحوظًا. البعض بيّن الفرق بين الحكم الإرشادي فقط من خلال نفي الآثار الأخروية، والبعض الآخر اعتبر علامة الإرشادات عدم إمكان الجعل فيها. وكما تم بحثه، باستثناء المقاربة الثالثة المبنية على عدم إمكان الجعل في دائرة الإرشادات، فإن إرجاع معرفتها عن طريق الآثار وتقليلها إلى قضايا فاقدة للفعالية أمر ضروري. بالطبع، عدم إمكان الجعل المولوي في دائرة المستقلات العقلية أيضًا قاصر عن تغطية جميع موارد الأحكام الإرشادية، ويمكنه على الأكثر أن يكشف عن ملاك الإرشادية في جزء من الأحكام. المفهوم الواضح لهذه النظرة النقدية لمثل هذه المقاربة هو أن الإرشادات، كما يتضح من عنوانها، هي عملية عقلانية، لأن متعلَّقاتها تتكون من أمور يكون نفعها وضررها معقولًا، ومن هذا المنطلق، لن تنحصر الأحكام الإرشادية في دائرة المستقلات العقلية، بل يمكن إضافة الأحكام التي تتعلق بالمصالح الدنيوية المحضة أو فاقدة للمصلحة والمفسدة المستقلة إليها. المخرج المشترك لهذه الأنواع من الأحكام هو معقولية المرشد إليه، بحيث يمكن للمكلّف من منظور العقلانية حساب نفعه وضرره من حيث المتعلَّق، بغض النظر عن الثواب والعقاب، وبحسب التبعات الدنيوية.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم؛ بترجمة الأستاذ محمد مهدي فولادوند.
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، تعليقة: علي زارعي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1430هـ.
الآمدي، علي، الإحكام في أصول الأحكام، تعليق: عبد الرزاق عقيقي، بيروت، المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية، 1402هـ.
ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام هارون، قم، دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم، الطبعة الأولى، 1404هـ.
الأصفهاني، محمد تقي، هداية المسترشدين، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الثانية، 1429هـ.
البروجردي، حسين، نهاية الأصول، تقرير: حسين علي منتظري، طهران، نشر تفكر، الطبعة الأولى، 1415هـ.
الخوئي، سيد أبو القاسم، موسوعة الإمام الخوئي، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأولى، 1418هـ.
___________، محاضرات في أصول الفقه، تقرير: محمد إسحاق فياض، قم، مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، الطبعة الأولى، 1418هـ.
الخوئي، سيد أبو القاسم، مصباح الأصول، تقرير: سيد محمد سرور بهسودي، قم، مكتبة داوري، الطبعة الخامسة، 1422هـ.
السبحاني، جعفر، المحصول في علم الأصول، تقرير: محمود جلالي، قم، مؤسسة الإمام الصادق، الطبعة الأولى، 1414هـ.
الشعراني، أبو الحسن، المدخل إلى عذب المنهل، تحقيق: حسن زاده آملي، قم، الهادي، الطبعة الأولى، 1373ش.
الشهيد الثاني، زين الدين، تمهيد القواعد الأصولية و العربية، قم، دفتر تبليغات إسلامي، الطبعة الأولى، 1416هـ.
الشهيد الصدر، سيد محمد باقر، دروس في علم الأصول، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الطبعة السادسة، 1418هـ.
___________، مباحث الأصول، تقرير: سيد محمد كاظم حائري، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، الطبعة الأولى، 1408هـ.
الشيخ الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة التاسعة، 1428هـ.
___________، مطارح الأنظار، تقرير: أبو القاسم كلانتري، قم، مجمع الفكر، الطبعة الثانية، 1383ش.
الشيرازي، محمد حسن، تقريرات في أصول الفقه، تقرير: عبد الحسين لاري، قم، اللجنة للمؤتمر، الطبعة الأولى، 1418هـ.
الغزالي، محمد، المستصفى في علم الأصول، تصحيح: محمد عبد السلام عبد الشافي، بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة 1417هـ.
الفيروزآبادي، مرتضى، عناية الأصول، قم، كتابفروشي فيروزآبادي، الطبعة الرابعة، 1400هـ.
الفيومي، أحمد، المصباح المنير، قم، منشورات دار الرضي، د.ت.
المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، مركز الكتاب للترجمة و النشر، الطبعة الأولى، 1402هـ.
الميرزا الرشتي، حبيب الله، بدائع الأفكار، قم، مؤسسة آل البيت، 1402هـ.
النائيني، ميرزا محمد حسين، أجود التقريرات، تقرير: سيد أبو القاسم خوئي، قم، مطبعة العرفان، الطبعة الأولى، 1352ش.
___________، فوائد الأصول، تقرير: محمد علي كاظمي، قم، جامعة مدرسين حوزه علميه قم، الطبعة الأولى، 1376ش.
الهوامش
1. «ليس ظهور الأمر في المولوية ظهوراً وضعياً … بل هو ظهور مقامي ناشئ عن كون المتكلم في مقام الجعل و التشريع» (الخوئي، 1422: 1/559؛ صدر، 1417: 5/385).
2. «ذهب إليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد في المأمور بها و المنهي عنها، و كون الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية» (آخوند الخراساني، 1430: 3/119).
3. متعلق الحكم في الاصطلاح معادل للمأمور به والمنهي عنه، وهو غير موضوع الحكم. «و المراد من المتعلق هو ما يطالب به العبد من الفعل و الترك؛ كالحج و الصلاة و الصوم و غير ذلك من الأفعال» (النائيني، 1376: 1/145). معرفة متعلق الحكم بهذا المعنى لها دور حاسم في تمييز الإرشادية عن المولوية.
4. «ليس الميزان في عدم كون فعل قابلاً لأن يتعلق به الحكم الشرعي المولوي هو استقلال العقل بحكم ذلك الفعل حسناً أو قبحاً لأن موارد الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع كموارد حكم العقل بقبح الظلم و حسن العدل من هذا القبيل، بل الميزان في ذلك هو كون حكم ذلك المورد منجزاً تكويناً و ثابتاً له بالذات إذ كل ما كان كذلك لا يكون قابلاً للجعل التشريعي قطعاً و هذا كقبح المعصية و حسن الطاعة… فإنهما ثابتان لهما بالذات ضرورة أنهما لو كانا منتهيين إلى وجوب آخر لدار أو تسلسل» (النائيني، 1352: 1/411). مراد ایشان من الجعل التكويني ليس شيئًا مختلفًا عن حكم العقل المستقل في ذلك المورد، ولكن التفريق بين دائرة المستقلات العقلية من حيث قابلية الجعل المولوي وعدمها مهم، وهو ما لا يعمم الحكم الإرشادي على كل دائرة المستقلات العقلية. بيان المرحوم الخوئي في هذا القسم ليس بهذه الشفافية.