الملخص
تُعدُّ السنة النبوية، بعد القرآن الكريم، المصدر الأهم لمعرفة الشريعة واستقاء التعاليم الإسلامية في مجالات العقائد والأحكام الفقهية والأخلاق والسيرة، وهي تشمل الروايات والأحاديث المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). ومع ذلك، توجد في المصادر الحديثية لأهل السنة بعض الروايات التي تتعارض مع معايير قبول الحديث، كالتوافق مع العقل والقرآن والسنة القطعية. ومن أبرز الأمثلة المثيرة للجدل رواية «مجادلة النبي موسى (عليه السلام) مع ملك الموت»، التي نُقلت في مصادر متعددة لأهل السنة بأسانيد ومتون مختلفة. إن التناقضات التي يتضمنها محتوى هذه الرواية – ومنها التصوير غير المنطقي لتفاعل ملك الموت مع نبي الله، وتعارضها مع مبادئ كعصمة الأنبياء، وأخلاقهم، والتزامهم بأوامر الله – تبرز ضرورة إجراء دراسة تاريخية وسندية لهذا الحديث. تسعى هذه الدراسة، عبر منهج التأريخ الزمني للسند والمتن، إلى تقصي أصل نشأة هذه الرواية ومسار تطورها. ومن خلال التحليل المقارن للمتون المتشابهة، وتصنيف النسخ المختلفة، ورسم شبكة الأسانيد، وتحديد الحلقات المشتركة الرئيسية والفرعية في سلسلة الرواة، تُظهر النتائج أن زمن وضع هذا الحديث يرجع إلى النصف الثاني من القرن الأول الهجري، متزامناً مع فترة حياة أبي هريرة. علاوة على ذلك، من منظور النقد المتني، تتعارض الرواية المذكورة مع الأصول الكلامية للإسلام (مثل عصمة الأنبياء)، والمبادئ الأخلاقية، والمنطق الديني، بل وتفتقر إلى أي سند يدعمها حتى في سياق تعاليم الديانات الإبراهيمية. وبناءً على ذلك، ونظراً للتناقضات السندية والمتنية، فإن نسبة هذه الرواية إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فاقدة للاعتبار العلمي والشرعي.
۱. إشكالية البحث
تحتل الأحاديث الإسلامية، بوصفها المصدر الثاني لاستنباط الأحكام والمعارف الدينية، مكانة محورية في المنظومة الفكرية للمسلمين. إلا أن طريقة التعامل مع الحديث كانت دائمًا موضع خلاف بين المدارس الفكرية. ويمكن تمييز تيارين رئيسيين بين أهل السنة: تيار يعتمد على التوجه النصي، فيقبل ظواهر الروايات دون تأويل، وتيار يؤكد على النقد السندي والمحتوائي، فيعرض الأحاديث على ميزان العقل والقرآن والسنة القطعية. ويتخذ هذا الاختلاف في وجهات النظر أبعادًا أكثر تعقيدًا، خاصة عند التعامل مع الأحاديث ذات المضامين الغريبة أو المتعارضة مع الأصول الدينية. ومن الأمثلة البارزة على هذه الأحاديث، رواية مجادلة النبي موسى (عليه السلام) مع ملك الموت، التي وردت في مصادر أهل السنة بتفاسير مختلفة. مضمون هذا الحديث – بناءً على الروايات المتداولة – يفيد بأن ملك الموت حضر لقبض روح النبي موسى (عليه السلام)، إلا أن موسى (عليه السلام) ضربه فأعماه. وبعد أن شكى الملك إلى الله، أُعيد إليه بصره، وفي النهاية استسلم النبي موسى (عليه السلام) للأمر الإلهي. تواجه هذه الرواية تساؤلات كلامية وأخلاقية وعقلية جادة: ۱- الإمكانية المادية: هل يمكن لملك، وهو كائن مجرد، أن يتأذى في صورة جسد مادي؟ ۲- التعارض مع عصمة الأنبياء: كيف ينسجم سلوك عنيف ومقاومة لأمر إلهي مع مقام النبوة وعصمة الأنبياء؟ ۳- التناقض المعرفي: هل يُعقل أن موسى (عليه السلام)، بوصفه نبيًّا من أولي العزم، لم يعرف ملك الموت؟ ۴- المنطق الديني: لماذا يقاوم نبي إلهي تنفيذ أمر من الله؟ هذه الشبهات تبرز ضرورة دراسة التأريخ الزمني للحديث كأحد المناهج الأساسية في الدراسات الحديثية. يهدف التأريخ الزمني للحديث إلى تحديد المنشأ التاريخي، وتتبع مسار تطور المتن، وكشف الخلفيات السياسية والفكرية التي أسهمت في تشكيل الروايات، مما يجعله أداة فعالة لتمييز الأحاديث الأصيلة عن الموضوعة (معارف، ۱۳۹۴ش، ۱۰۴). ورغم أن مستشرقين مثل هارالد موتسكي (موتسكي، ۱۳۸۴ش، ۳۳-۴۰)[1] وبعض الباحثين المسلمين قد استفادوا من هذا المنهج، إلا أن نقد هذا الحديث في المصادر التراثية، مثل آثار بستاني (۱۳۸۷ش، ۴۲) ونجمي (۱۳۹۷ش، ۴۳)، كان يقتصر غالبًا على تقييم سندي عابر يفتقر إلى التحليل التاريخي المنهجي. يسعى هذا البحث، بالاعتماد على منهج التأريخ الزمني المركب (للسند والمتن)، إلى سد هذه الفجوة البحثية. يتيح هذا المنهج، من خلال تحليل شبكة الأسانيد، وتحديد الحلقات المشتركة بين الرواة، ومقارنة النسخ المتنية، ودراسة الخلفيات التاريخية، إمكانية تحديد الزمن التقريبي لوضع الحديث وإعادة بناء مسار تطوره. والسؤال الرئيسي هو: ما هو المنشأ التاريخي لرواية مجادلة موسى (عليه السلام) مع ملك الموت، وكيف تشكل هذا الحديث وتحت تأثير أي عوامل؟ يتميز هذا البحث عن الدراسات السابقة في محورين: ۱- المنهجية: استخدام النموذج المركب للتأريخ الزمني للسند والمتن، خلافًا للنقد التقليدي الذي ركز بشكل أساسي على التقييم السندي. ۲- التحليل التاريخي: الاهتمام بالسياقات الاجتماعية والكلامية في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، خاصة دور رواة مثل أبي هريرة في نقل أو وضع الأحاديث. تُعد هذه الدراسة، من خلال تحليلها النقدي لهذه الرواية، خطوة نحو تحديد الاعتبار الحديثي للروايات المثيرة للجدل، وتوضيح سبل التعامل العقلاني مع التراث الحديثي.
۲. مسار انتقال الحديث في مصادر أهل السنة
انعكست رواية مجادلة النبي موسى (عليه السلام) مع ملك الموت في مجموعة واسعة من المصادر الروائية لأهل السنة، من القرن الثاني حتى القرن الخامس الهجري. في هذا البحث، ومن خلال التركيز على المصادر البارزة حتى منتصف القرن الخامس الهجري، يتم استعراض مسار التطور السندي والمتني لهذه الرواية. وبسبب التناقضات السندية والمتنية، فإن نسبة هذه الرواية إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) تفتقر إلى الاعتبار العلمي والديني[2].
۱-۲. صحيفة همام بن منبه (ت. ۱۳۵ هـ)
يعد هذا الأثر أقدم مصدر يحتوي على الحديث، مما يمنحه دورًا محوريًا في تتبع أصل الرواية. يروي همام بن منبه، وهو من أبرز تلاميذ أبي هريرة، جميع روايات صحيفته عنه عن النبي (صلى الله عليه وآله) (المزي، ۱۴۰۰ق، ۳۰: ۳۰۰). وقد ورد متن الرواية في هذا المصدر على النحو التالي: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ، فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا وَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ، فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهُ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ، قَالَ: رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ» (همام بن منبه، ۱۴۰۷ق، ۱: ۱۳۰)[3]. بناءً على هذا السند، كان الحديث متداولًا في الأوساط الحديثية لأهل السنة على الأقل في النصف الأول من القرن الثاني الهجري. ومع ذلك، فإن قدم المصدر لا يدل على صحة محتوى الرواية؛ فكما يؤكد موتسكي بمنهجه في التأريخ الزمني، يجب التمييز بين «قدم النقل» و«اعتبار المحتوى» (موتسكي، ۱۳۸۴ش، ۳۳-۴۰)[4].
۲-۲. جامع معمر بن راشد (ت. ۱۵۴ هـ)
ينقل معمر بن راشد في «الجامع» هذه الرواية بفروقات لفظية عن رواية همام بن منبه، منها: ۱. استبدال «جَاءَ» بـ«أُرْسِلَ» في وصف مجيء ملك الموت. ۲. استخدام «صَكَّهُ» بدلًا من «فَلَطَمَ» لوصف ضربة موسى (عليه السلام). ۳. تغيير «فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ» إلى «فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ» (۱۴۰۳ق، ۲: ۲۷۴-۲۷۵).
۳-۲. المصنف لعبد الرزاق الصنعاني (ت. ۲۱۱ هـ)
ينقل عبد الرزاق في «المصنف» متن معمر بن راشد نفسه دون أي تغيير (۱۴۰۳ق، ۱۰: ۳۰۴-۳۰۵). وهذا التطابق قد يكون ناتجًا عن اعتماد الرواة اللاحقين على المصادر السابقة.
۴-۲. مسند أحمد بن حنبل (ت. ۲۴۱ هـ)
ينقل ابن حنبل في «المسند» الرواية من ثلاثة طرق مختلفة. في إحدى الروايات، يُصرح بتجسيم ملك الموت بوضوح: «فَتَمَثَّلَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ رَجُلًا» (ابن حنبل، ۱۴۱۶ق، ۲: ۲۶۹).
۵-۲. صحيح البخاري (ت. ۲۵۶ هـ) وصحيح مسلم (ت. ۲۶۱ هـ)
ينقل كل من البخاري ومسلم الرواية اعتمادًا على سند عبد الرزاق. ويكمن الفرق الأساسي في موضع نقل الحديث: – أورده البخاري في كتاب بدء الخلق وكتاب الجنائز (البخاري، ۱۴۰۱ق، ۱۵: ۱۲۸-۱۲۹). – أورده مسلم في باب فضائل موسى (مسلم، بي تا، ۱۵: ۱۲۹).
۶-۲. المصادر المتأخرة (من القرن الثالث إلى الخامس)
ابن أبي عاصم (ت. ۲۸۷ هـ)، والنسائي (ت. ۳۰۳ هـ)، والطبري (ت. ۳۱۰ هـ)، وابن حبان (ت. ۳۵۴ هـ)، والحاكم النيسابوري (ت. ۴۰۵ هـ)، جميعهم ينقلون متنًا متطابقًا اعتمادًا على سند عبد الرزاق (الطبري، ۱۸۷۹م، ۱: ۲۲۰؛ ابن حبان، ۱۴۱۴ق، ۱۴: ۱۱۳-۱۱۴). فقط في رواية ابن منده (ت. ۳۹۵ هـ)، يظهر تأويل للمحتوى سيتم بحثه في قسم تحليل السند. مقارنة النسخ المختلفة تكشف عن اتجاهين رئيسيين: ۱- الحفاظ على البنية العامة للرواية: بقيت القصة الأساسية (مجادلة موسى مع ملك الموت وإعماؤه) ثابتة في جميع الروايات. ۲- التغييرات اللفظية والإضافات التفسيرية: استبدال الأفعال (مثل «صكه» بدلًا من «فلطمه»)؛ إضافة تفاصيل حول تجسيم الملك (في مسند أحمد)؛ تغيير مواضع النقل (في الصحيحين). هذه التغييرات ناتجة في الغالب عن عملية النقل الشفوي وتأثير الرواة على صياغة المتن. كما أن التركيز على سند عبد الرزاق في المصادر المتأخرة يشير إلى هيمنة نسخة واحدة على غيرها بعد القرن الثالث الهجري. يُظهر التحليل السندي: ۱- أن أقدم سند يعود إلى أبي هريرة (ت. ۵۹ هـ)، الذي يمثل الحلقة الأساسية في انتقال الحديث. ۲- أن شبكة الأسانيد تتمحور حول عبد الرزاق الصنعاني ومعمر بن راشد. ۳- أن الفروق المتنية سطحية في معظمها وناشئة عن اختلافات الرواة، لا عن تغييرات جوهرية. هذه النتائج تمثل أساسًا للتحليل التاريخي وتحديد منشأ وضع الحديث في القسم التالي من المقال.
۳. التأريخ الزمني للحديث بناءً على تحليل الأسانيد
نقلت صحيفة همام بن منبه، بوصفها أقدم مصدر موجود، حديث مجادلة موسى (عليه السلام) مع ملك الموت. ويصرح همام في بداية كتابه بأن هذا الحديث قد رواه عن أبي هريرة: «هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ» (۱۴۰۷ق، ۱: ۲۰). أبو هريرة، الذي أسلم في السنة السابعة للهجرة، هاجر إلى دمشق في عهد خلافة معاوية، ونقل الحديث في مناطق مختلفة مثل الشام والعراق والبحرين (المزي، ۱۴۰۶ق، ۳۴: ۳۷؛ ابن عساكر، ۱۴۱۵ق، ۶۹: ۲۹۷-۳۱۳). ورغم أن سند هذا الحديث يتصل بالنبي (صلى الله عليه وآله) عن طريق أبي هريرة فقط، إلا أنه يمثل الحلقة المشتركة التي روى عنه هذا الحديث ستة رواة أساسيين. الراوي الأول هو همام بن منبه اليماني (ت. ۱۳۱ هـ)، الذي سمع الحديث من أبي هريرة ومعاوية بن أبي سفيان وآخرين. يُعد من ثقات التابعين، وقد وثقه كبار علماء الرجال مثل ابن معين والذهبي (ابن أبي حاتم الرازي، ۱۹۵۲م، ۹: ۱۰۷؛ المزي، ۱۴۰۰ق، ۳۰: ۳۰۰). الراوي الثاني هو طاووس بن كيسان اليماني (ت. ۱۰۶ هـ)، الذي كان من العبادلة الأربعة ومن فقهاء اليمن البارزين. عُرف بأنه من الرواة الموثوقين لمجالسته خمسين من الصحابة وتبحره في تفسير القرآن (الذهبي، ۱۹۶۲م، ۱: ۸۵؛ ابن خلكان، ۱۹۹۴م، ۲: ۵۰۹). الراوي الثالث هو حبيب بن سالم الأنصاري، كاتب النعمان بن بشير، الذي روى عن أبي هريرة. ورغم أن محتوى أحاديثه لا غبار عليه، إلا أن الأسانيد المنقولة عنه تعاني أحيانًا من الاضطراب (المزي، ۱۴۰۰ق، ۵: ۱۰۸۵؛ ابن أبي حاتم الرازي، ۱۹۵۲م، ۳: ۴۷۱). الراوي الرابع هو أبو يونس سليم بن جبير، وهو شخصية أقل شهرة، وقد أشارت إليه المصادر المتأخرة مثل الدارقطني (الدارقطني، ۱۴۰۶ق، ۴: ۲۳۴۵). الراوي الخامس هو ابن سيرين (ت. ۱۱۰ هـ)، من فقهاء البصرة المشهورين ومن الطبقة الثانية للتابعين، وقد حظيت روايته عن أبي هريرة باهتمام كبير لمكانته العلمية (ابن سعد، بي تا، ۷: ۱۴۳). الراوي السادس والأخير هو عمار بن أبي عمار، الذي وثقه رجاليون مثل ابن حجر واعتبروه موثوقًا (ابن حجر العسقلاني، ۱۹۸۴م، ۷: ۴۰۴). هؤلاء الرواة الستة يشكلون شبكة أسانيد الحديث التي تبدأ من أبي هريرة وتصل عبر تلاميذه إلى مصادر مثل صحيح البخاري ومسلم. على سبيل المثال، نقل همام بن منبه هذا الحديث إلى معمر بن راشد، الذي نقله بدوره إلى عبد الرزاق الصنعاني. وقد أورد عبد الرزاق هذه الرواية في «المصنف» دون تغيير (الصنعاني، ۱۴۰۳ق، ۳۰۴-۳۰۵)، ومن بعده نقلها البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق عبد الرزاق. ومع ذلك، تواجه بعض أسانيد هذا الحديث تحديات، منها انحصار الرواية في أبي هريرة والاضطراب في أسانيد حبيب بن سالم وأبي يونس. وفي المقابل، فإن وجود رواة ثقات مثل همام بن منبه وابن سيرين قد حفظ جزءًا من الاعتبار السندي لهذه الرواية. هذا التحليل يمثل أساسًا لدراسة زمان وسبب تشكل هذا الحديث في القسم التالي من البحث. يمكن عرض شبكة أسانيد حديث المجادلة على النحو التالي:
[Image of narrator chains chart]
في دراسة سند هذا الحديث، يمكن تتبع سلسلة النقل (الأسانيد) من خلال راويين أساسيين، هما معمر بن راشد (ت. ۱۵۴ هـ) وعبد الرزاق الصنعاني (ت. ۲۱۱ هـ). يتصل كلاهما بأبي هريرة عن طريق ابن طاووس عن ابن كيسان، وكذلك عن طريق همام بن منبه. بناءً على ذلك، يُعد أبو هريرة الحلقة المشتركة الرئيسية والمحورية في سند هذه الرواية. وفي الطبقة التي تلي عبد الرزاق، يظهر إسحاق بن إبراهيم كراوٍ متكرر في نقل هذا الحديث. بهذا التحليل، يمكن تحديد عبد الرزاق الصنعاني كحلقة مشتركة ظاهرية في نقل الحديث. من ناحية أخرى، يرتبط حماد بن سلمة أيضًا بأبي هريرة عن طريق عمار بن أبي عمار، ونظرًا للعدد الكبير من الرواة عنه، يمكن اعتبار حماد بن سلمة، إلى جانب عبد الرزاق، حلقة مشتركة ثانوية.
۴. التأريخ الزمني بناءً على تحليل المتن
في هذا البحث، تم تحليل ۱۷ نسخة متنية من المصادر المتقدمة والمعتبرة لأهل السنة. محور هذه الروايات هو حادثة يرسل فيها الله «ملك الموت» إلى النبي موسى (عليه السلام). وبحسب المضامين المشتركة، يُظهر النبي موسى (عليه السلام) رد فعل عنيفًا بعد معرفته بالملك، حيث يصفعه ويسبب له العمى. يعود ملك الموت إلى الله ويبلغه بامتناع موسى (عليه السلام) عن قبول الموت. فيعيد الله بصره ويأمره بأن يعرض على النبي موسى (عليه السلام) أن يضع يده على ظهر ثور، وله مقابل كل شعرة تحت يده سنة إضافية في عمره. وعندما يسأل ملك الموت عن النهاية، يجيبه الله: «ثم الموت». فيطلب موسى (عليه السلام) الموت فورًا وأن يُدفن بالقرب من الأرض المقدسة (بمسافة رمية حجر) في مكان محدد بجانب الطريق تحت كثيب من الرمل الأحمر (البخاري، ۱۴۱۰ق، ۲: ۹۲-۹۳؛ ۴: ۱۳۰-۱۳۱؛ مسلم، بي تا، ۷: ۱۰۰؛ ابن حنبل، ۱۴۱۶ق، ۲: ۲۶۹؛ النسائي، ۱۴۱۱ق، ۴: ۱۱۹).
۱-۴. منهجية تحليل المتن
لدراسة الفروق بين النسخ، قُسمت رواية أبي هريرة بطريقة «التقطيع المضموني» إلى أجزاء بنيوية. في الجدول ۱، تم تصنيف العناصر الرئيسية للرواية (مثل مواجهة موسى مع ملك الموت، واقتراح العمر الطويل، وطلب موسى) برموز أبجدية (مثل C، D، E). وفي الجدول ۲، طُبقت هذه الرموز على المصادر المكتوبة وفقًا للتسلسل التاريخي لوفيات المؤلفين. على سبيل المثال، تم تحديد «صفع موسى (ع) لملك الموت» بالرمز الأساسي C، ولكن نظرًا للاختلافات في الصياغة بين النسخ، تم إنشاء فئات فرعية مثل C1 (نسخة همام بن منبه) وC2 (نسخة معمر بن راشد). يتيح هذا النهج مقارنة منهجية وتتبع التطورات اللغوية والمحتوائية في انتقال الرواية. وبناءً على ذلك: ۱- التنوع في وصف الأفعال (مثل شدة ضربة موسى (ع) أو تفاصيل مكان الدفن) يشير إلى تطورات روائية في عملية النقل. ۲- النسخ الأقدم (مثل رواية البخاري) أكثر إيجازًا، بينما تكون النسخ المتأخرة أحيانًا مصحوبة بإضافات وصفية. الرمز C (الصفع) موجود في جميع النسخ، لكن الرموز الفرعية (C1، C2) تعبر عن فروق دلالية في وصف هذا الفعل.
جدول رقم (۱) ترميز رواية أبي هريرة
جدول رقم (۲) ترميز عناصر نسخ رواية أبي هريرة بناءً على رموز الجدول (۱)
۵. تحليل النسخ
يُظهر التحليل المقارن للنسخ المختلفة لهذا الحديث وجود اختلافات في المحتوى واللغة. وفقًا لبيانات الجدول رقم ۲، يتطابق متن رواية عبد الرزاق الصنعاني في كتاب «المصنف» تمامًا مع رواية معمر بن راشد. وكلتا النسختين تعكسان العناصر الموجودة في رواية همام بن منبه، مع فارق أن العنصر B (الذي يتمحور حول عبارة «أَجِبْ رَبَّكَ»)، والذي يظهر لأول مرة في صحيفة همام، غائب في روايتي عبد الرزاق ومعمر بن راشد. ومن المثير للاهتمام أن هذا العنصر يظهر فقط في النسخ المتأخرة، مثل روايات ابن حنبل ومسلم وابن حبان – التي نُقلت جميعها عن طريق عبد الرزاق ومعمر – في حين أن المتن الأصلي لعبد الرزاق (المتوفى ۲۱۱ هـ) ومعمر (المتوفى ۱۵۳ هـ) يخلو من هذا الجزء. هذا التناقض يثير تساؤلًا جادًا حول منشأ ظهور العنصر B في نسخ القرن الثالث الهجري: كيف تمكن الرواة اللاحقون، بفارق زمني يزيد عن قرن من همام بن منبه، من الوصول إلى هذا العنصر، بينما لم ينقله الوسطاء (عبد الرزاق ومعمر)؟ هذه الإضافة قد تشير إلى تحريف أو إعادة صياغة روائية في عملية انتقال الحديث. من ناحية أخرى، تُظهر مقارنة النسخ المنسوبة إلى معمر بن راشد وعبد الرزاق تطابقًا في المحتوى مع صحيفة همام، ولكن مع وجود فروق لغوية ملحوظة على مستوى المفردات وصيغ الأفعال وحروف الجر. على سبيل المثال، في رواية أحمد بن حنبل – التي نُقلت بنفس الأسانيد – حل الفعل «تَوَارَتْ» (بمعنى اختفت) محل الفعل «وَارَتْ» (بمعنى غطت) في عبارة «فَمَا وَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ». هذا الاستبدال تأثر بوضوح بالآية ۳۲ من سورة ص «حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ»، في حين أن نسخة همام (باعتبارها أقدم مصدر) لا تستخدم هذه الكلمة. من المحتمل أن يكون هذا التغيير اللغوي قد دخل إلى متن الحديث في النصف الأول من القرن الثالث، بالتزامن مع تدوين نسخة ابن حنبل، تحت تأثير القراءة القرآنية. بناءً على بيانات الجدولين ۱ و۲، يمكن تحديد نمطين متميزين في انتقال الحديث: ۱- النسخ القائمة على سند عبد الرزاق/معمر: تتميز بتجانس بنيوي وهي في الغالب إعادة إنتاج لمتن همام بن منبه. ۲- النسخ القائمة على سند حماد بن سلمة: مصحوبة بإضافات محتوائية كبيرة (مثل عناصر جديدة) ومراجعات لغوية، مما يعكس تطورات روائية عبر الزمن.
هذه الاختلافات لا تؤكد فقط على ضرورة التحليل النقدي لأسانيد الحديث، بل تكشف أيضًا عن أهمية التمييز بين الطبقات الزمنية في عملية تشكل المتن (عربي آيسك وآخرون، ۱۴۰۳ش، ۲۵۲). في دراسة التطورات الروائية لهذا الحديث، نشهد إضافة عناصر جديدة في بعض النسخ المتأخرة. على سبيل المثال، في إحدى الروايتين اللتين نقلهما أحمد بن حنبل، وكذلك في رواية الحاكم النيسابوري – وكلاهما ينتهي بسند حماد بن سلمة – أضيفت عبارة «قَدْ كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي النَّاسَ عِيَانًا» (كان ملك الموت يظهر للناس عيانًا) لشرح حادثة صفع موسى (عليه السلام) لملك الموت. هذه الإضافة، التي يُحتمل أن يكون حماد بن سلمة قد أدخلها في عملية نقل الحديث، ليست النقطة المحورية، بل الأهم أن أحمد بن حنبل – كأول راوٍ لهذه النسخة الخاصة – هو من الشخصيات البارزة في مدرسة التشبيه (التجسيم) في تاريخ الإسلام. وتظهر شواهد هذا التوجه الفكري بوضوح في آثاره؛ ومنها روايات مثل: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعِ» أو أوصاف مثل بكاء الله وضحكه (ابن حنبل، ۱۴۱۶ق، ۲: ۴۶۲؛ هو، ۱۴۰۶ق، ۲۰۹). بناءً على ذلك، يمكن أن تكون إضافة العبارة المذكورة في رواية ابن حنبل علامة على تأثر الراوي بمعتقداته التشبيهية وانعكاسها في إعادة صياغة الرواية. ومن المحتمل أن هذا العنصر قد أضيف إلى المتن الأصلي بعد الوضع الأولي للحديث في عهد أبي هريرة، وتزامنًا مع انتشار خطاب التجسيم في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري. أدى ظهور هذه العبارة إلى لجوء بعض المحدثين والمتكلمين المتأخرين إلى تأويل المتن. على سبيل المثال: – ابن قتيبة (ت. ۲۷۶ هـ)، استنادًا إلى الطبيعة غير المادية للملائكة، فسّر هذا المشهد بأنه «تجسم مؤقت» لملك الموت – على غرار تجسد جبريل في هيئة دحية الكلبي – واعتبر صفع موسى (عليه السلام) أمرًا تمثيليًا لا يترتب عليه أذى جسدي للملك (ابن قتيبة، بي تا، ۲۵۸). – ابن فورك (ت. ۴۰۶ هـ)، بمنهج مجازي، حلّل هذه الواقعة بمعنى «إقناع موسى (ع)» من قبل ملك الموت بالاستدلال (عتر، ۱۴۱۸ق، ۳۴۰). – نور الدين عتر، برفضه آراء النقاد، اتهم منكري هذا الحديث بالإلحاد (نفسه). على الرغم من هذه المحاولات، يواجه تأويل هذا الحديث تحديات جدية.
۶. الاضطراب المضموني والمتني للحديث
أحد التحديات المضمونية في حديث «مجادلة النبي موسى (عليه السلام) مع ملك الموت» هو اضطرابه البنيوي واختلاف نسخه. وعلى الرغم من عدم وجود مصطلح دقيق لوصف «الاضطراب المتني» في علم الحديث، فإن أقرب مفهوم له هو «اضطراب المتن»، الذي يصنفه بعض علماء الحديث ضمن الأحاديث الضعيفة أو حتى الموضوعة. وبناءً على التعريف، يُطلق اضطراب المتن على الحالة التي تكون فيها الاختلافات بين نسخ رواية واحدة كبيرة إلى درجة يتعذر معها الجمع العقلي بينها أو ترجيح إحداها على الأخرى (المامقاني، ۱۳۸۶ش، ۱: ۲۸۵؛ الصدر، ۱۳۸۰ق، ۱: ۲۲۴؛ نفيسي، ۱۳۸۶ش، ۵۲۳). بعبارة أخرى، يعني الاضطراب المتني وجود تناقضات مفاهيمية، أو غموض لغوي، أو تعارضات عقدية في محتوى الحديث، مما يجعل فهمه صعبًا ويجعل صدوره عن المعصوم غير محتمل. هذا المعيار كان أساسًا لنقد العديد من الأحاديث من قبل باحثين مثل معروف الحسني (معروف الحسني، ۱۴۱۸ق، ۳۱۷ و۳۵۰).
۱-۶. نماذج من الاضطراب في الحديث المدروس
۱-۱-۶. الاختلاف في الأفعال والصياغة
۱- في جزء إرسال ملك الموت إلى موسى (عليه السلام)، استُخدمت أفعال مختلفة مثل «أرسل»، «جاء»، و«أتى» في النسخ المختلفة (راجع الجداول السابقة). ۲- في رواية حبيب بن سالم الأنصاري، استُخدم تعبير غير مألوف «لِيَقْبِضَ نَفْسَهُ» لقبض روح موسى (عليه السلام)، وهو تعبير لا سابقة له في متون الحديث الأخرى. ۳- في وصف عودة ملك الموت إلى الله، لم يُستخدم فعل «فَعَرَجَ» إلا في نسخة الحاكم النيسابوري (بسند علي بن حمشاذ عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار)، بينما تخلو سائر النسخ من هذه الكلمة. وهذا يشير إلى أن «عرج» إضافة متأخرة يُحتمل أنها أُدخلت إلى المتن تحت تأثير الخطابات الكلامية في القرن الثالث وما بعده.
۲-۱-۶. التحولات اللغوية في رواية البخاري
۱- إضافة حرف الجر «عليه» في عبارة «فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ». ۲- حذف «إليه» من فعل «ارجع». ۳- استخدام «بِكُلِّ» في عبارة «بِكُلِّ مَا غَطَّتْ». ۴- استبدال «جانب» بـ«جنب» و«عند» بـ«تحت» في وصف مكان دفن موسى (عليه السلام) (الحاكم النيسابوري، ۱۴۱۱ق، ۱۵: ۱۲۸-۱۲۹).
۳-۱-۶. الإضافات العقدية المتأخرة
عبارة «مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي النَّاسَ عِيَانًا»، التي تظهر لأول مرة في روايات أحمد بن حنبل، لا وجود لها في النسخ السابقة. هذه العبارة متأثرة بوضوح بمعتقدات التشبيه (تجسيم الملائكة) التي شاعت في القرن الثالث الهجري.
۷. تداعيات الاضطراب المتني
۱- انعدام الانسجام الروائي: الاختلافات البنيوية واللغوية تجعل الوصول إلى «المتن الأصلي» للحديث أمرًا مستحيلًا. ۲- شبهة الوضع: التناقضات، وخاصة الإضافات المتأخرة، تعزز احتمال وجود تلاعب متعمد في المتن. ۳- تحديات التفسير: التناقض في الأفعال والمصطلحات (مثل «قبض النفس» أو «عرج») يعيق فهم الحديث بشكل متسق. بناءً على ما سبق، يمكن القول إن الاضطراب المتني في هذا الحديث – سواء كان في اختلاف النسخ، أو الإضافات العقدية، أو التناقضات اللغوية – لا يثير الشك في صحة نسبته إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فحسب، بل يجعله مثالًا على التحريف في عملية نقل الروايات. وهذا الأمر يبرز ضرورة الدراسة النقدية للمتون الحديثية بأساليب مثل تحليل النسخ والمقارنة الزمنية.
۸. التعارض مع المعرفة وعصمة الأنبياء
من المفاهيم المحورية في الديانات الإبراهيمية، وخاصة الإسلام، مسألة الموت والحياة الأخروية، التي أكدتها آيات قرآنية متعددة. ووفقًا للتعاليم القرآنية، يواجه أولياء الله والمؤمنون لحظة قبض الروح ببشارات تبعث على الطمأنينة واستقبال يملؤه السرور: «فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (۸۸) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (۸۹) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (۹۰) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ» (الواقعة: ۸۸-۹۱). وقد اعتبر مفسرو الفريقين (القمي، ۱۳۶۳ش، ۲: ۳۵۰؛ الصافي، ۱۴۱۵ق، ۵: ۱۳) ومحدثو أهل السنة (ابن حنبل، ۱۴۲۰ق، ۱: ۲۷۶؛ المراغي، بي تا، ۲۷: ۱۵۵) هذه الآيات متعلقة بلحظة الموت وقبض الروح. وفي رواية منسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) جاء: «أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ عِنْدَ الْمَوْتِ» (الطبري، ۱۴۱۲ق، ۲۷: ۱۲۲)، والتي بناءً عليها يشاهد المؤمنون على أعتاب الموت تجليات من رحمة الله.
۹. التحديات المضمونية في حديث مجادلة موسى (ع) مع ملك الموت
الحديث موضوع البحث – الذي يصف صفع النبي موسى (عليه السلام) لملك الموت وإعماءه – يواجه عدة إشكالات جوهرية من الناحية اللاهوتية والروائية:
۱-۹. التناقض مع عصمة الأنبياء
يتمتع الأنبياء الإلهيون، وخاصة الأنبياء أولو العزم مثل النبي موسى (عليه السلام)، في الفكر الإسلامي بمقام العصمة، ويُنفى عنهم أي عصيان لأوامر الله أو ارتكاب فعل مشين (حتى قبل النبوة) (راجع: طه: ۴۱: «وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي»). والسؤال هنا: كيف يمكن لنبي بهذا المقام الرفيع أن لا يكتفي بمقاومة تنفيذ أمر إلهي (قبض الروح)، بل يتعدى ذلك إلى إيذاء أحد الملائكة المقربين (ملك الموت) بعنف جسدي؟ هذا السلوك لا يتعارض فقط مع عصمة النبوة، بل يتناقض أيضًا مع الصورة القرآنية للنبي موسى (عليه السلام) بصفته «كليم الله» (من كلم الله).
۲-۹. عدم الانسجام مع معرفة الأنبياء بماهية الموت
بناءً على الآيات والروايات، يعتبر الأنبياء الموت بوابة للوصال مع الله وبداية للحياة الخالدة. يصف القرآن الكريم حال المؤمنين قائلًا: «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (النحل: ۳۲). مع هذا الوصف، كيف يمكن قبول أن موسى (عليه السلام) – كنبي واعٍ بأسرار الله – يخشى الموت ويصل به الأمر إلى حد الاشتباك مع ملك الله؟
۳-۹. التضاد مع خطاب التسليم لإرادة الله
أساس التدين في الإسلام هو التسليم المطلق لإرادة الله: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ» (فصلت: ۶). حتى لو افترضنا أن النبي موسى (عليه السلام) كان يفر من الموت خوفًا من محاسبة الأعمال (وهو افتراض غير وجيه)، فإن هذا الادعاء لا ينسجم مع عصمة الأنبياء وعلمهم بعدل الله.
۴-۹. شبهة التأثر بالإسرائيليات
يرى بعض الباحثين أن أصل هذه الرواية يعود إلى الإسرائيليات – خاصة الروايات الواردة عن طريق كعب الأحبار – والتي أُدخلت إلى النصوص الإسلامية بهدف إضعاف مكانة الأنبياء (أبو رية، ۱۴۳۱ق، ۱۳: ۸۹). غالبًا ما تهدف هذه الروايات إلى تقديم صورة غير لائقة بشخصية الأنبياء، مما يمهد الطريق لإثارة الشبهات في المعتقدات الدينية، وأغلب هذه الأحاديث تكون موضوعة ومختلقة (المحمدي، ۱۴۰۳ش، ۲۷۰).
۵-۹. التناقض مع ماهية الملائكة
الملائكة من الكائنات الغيبية التي صرح بوجودها القرآن الكريم في آيات متعددة (البقرة: ۲۸۵؛ النساء: ۱۳۶؛ المدثر: ۳۱). وقد تشكلت لدى المفكرين المسلمين رؤيتان رئيسيتان حول ماهية الملائكة: أ- رؤية الجثمانية اللطيفة (النورانية): يرى العلامة المجلسي، استنادًا إلى إجماع الإمامية وعموم المسلمين (باستثناء الفلاسفة)، أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية قادرة على التمثل في أشكال متنوعة: «اعلم أن إجماع الإمامية، بل المسلمين سوى الفلاسفة، على أن الملائكة أجسام لطيفة نورانية، لهم قدرة على التشكل بأشكال مختلفة» (المجلسي، ۱۴۰۳ق، ۵۶: ۲۰۳). ب- رؤية التجرد (غير المادي): في المقابل، يرى مفكرون مثل الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي أن الملائكة كائنات مجردة من المادة. ينتقد الإمام الخميني رؤية الجسدانية، معتقدًا أنها لا تتوافق مع المعارف الدينية: «الملائكة موجودات مجردة عن المادة وعوارضها. القائلون بجسدانيتها يتذرعون بتناقض التجرد مع حدوث العالم وفاعلية الله، في حين أن هذه الرؤية تتعارض مع الأصول الاعتقادية» (الخميني، ۱۳۷۸ش، ۳۳۸). يفسر العلامة الطباطبائي في تفسير آية «فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا» (مريم: ۱۷) أن تمثل الملائكة ليس تغييرًا في الذات، بل ظهور صوري في الإدراك الإنساني: «تمثل جبريل لمريم (س) لا يعني تحول ذات الملك إلى بشر، بل هو ظهوره في صورة محسوسة لإدراكها. وقد حدث هذا الأمر في حالات مثل تمثل الملائكة لإبراهيم (ع) ولوط (ع)» (۱۳۹۰ق، ۱۰: ۴۸).
۱۰. نقد حديث ضرب موسى (ع) لملك الموت
الحديث الذي يصف صفع النبي موسى (عليه السلام) لملك الموت وإعماءه يتعارض مع الأسس المذكورة من عدة وجوه:
۱۱. خاتمة واستنتاج
بناءً على نتائج هذا البحث في تحليل حديث «مجادلة النبي موسى (ع) مع ملك الموت»، يمكن استخلاص النتائج التالية: ۱- الاختلافات المتنية وعلامات الوضع: – الاختلافات الملحوظة في صياغة نسخ الحديث المختلفة، بما في ذلك التفاوت في الأفعال (أرسل، جاء، أتى) والإضافات المتأخرة مثل «مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي النَّاسَ عِيَانًا»، تشير إلى وجود تلاعب متعمد في عملية النقل. ومن المرجح أن هذه الإضافات تشكلت تحت تأثير تيارات فكرية مثل التجسيم في القرنين الثاني والثالث الهجريين. – استخدام عبارات غير مألوفة مثل «لِيَقْبِضَ نَفْسَهُ»، التي لا سابقة لها في متون الحديث الأخرى، يدل على أن أجزاء من الرواية مختلقة. ۲- التناقض مع التعاليم القرآنية والعقلية: – محتوى الحديث يتناقض مع عصمة الأنبياء – وخاصة موسى (ع) بصفته «كليم الله» – ومع تصوير القرآن للملائكة كموجودات مطيعة (النحل/۴۹-۵۰). – التفاعل الجسدي لموسى (ع) مع ملك الموت يتعارض مع طبيعة الملائكة المجردة (بناءً على رأي الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي) أو حتى مع جسدانيتهم اللطيفة (وفقًا لرأي العلامة المجلسي). ۳- التأريخ الزمني وشبكة السند: – الحلقة المشتركة الرئيسية في أسانيد هذا الحديث هي أبو هريرة (المتوفى ۵۹ هـ)، الذي نقل الرواية في النصف الثاني من القرن الأول الهجري. – عبد الرزاق الصنعاني (ت. ۲۱۱ هـ) ومعمر بن راشد (ت. ۱۵۴ هـ) لعبا دورًا رئيسيًا في نشر هذه الرواية كحلقات مشتركة ظاهرية. ومع ذلك، وبناءً على نظرية هارالد موتسكي، فإن عبد الرزاق، بوصفه راويًا جامعًا، ليس بالضرورة واضع الحديث، بل من المرجح أنه جمع الروايات الموجودة في المصادر السابقة. – النسخ المنسوبة إلى حماد بن سلمة (عن طريق عمار بن أبي عمار) مصحوبة أيضًا بإضافات محتوائية، مما يشير إلى تطورات روائية في القرون المتأخرة. ۴- رؤية المستشرقين والنقد الداخلي: – بناءً على نظريات جوزيف شاخت ويانبول، يمكن أن يكون وضع الحديث قد حدث في فترات لاحقة (خاصة القرن الثاني)، لكن الأدلة السندية تشير إلى أن أصل الرواية يعود إلى فترة أبي هريرة. – من منظور داخلي، فإن التناقضات المضمونية (مثل التعارض مع عصمة الأنبياء) والضعف السندي (الإرسال في بعض الأسانيد) تضع اعتبار هذا الحديث موضع تساؤل كبير. ۵- الخلاصة النهائية: بالنظر إلى شبكة الأسانيد المضطربة، والإضافات المتأثرة بالخطابات الكلامية، والتناقضات المضمونية مع القرآن والعقل، يمكن القول إن هذا الحديث وُضع في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، بالتزامن مع حياة أبي هريرة، وترافق مع تحريفات لاحقة عبر الزمن. هذه الرواية لا تفتقر فقط إلى سند قرآني، بل تتعارض أيضًا مع المبادئ الكلامية الإسلامية المتعلقة بماهية الملائكة ومكانة الأنبياء.
الهوامش
[1] على سبيل المثال، يطرح موتسكي منهجاً من خمس مراحل للتأريخ الزمني عبر التحليل المركب للسند والمتن: ۱- جمع النسخ المختلفة للحديث من المصادر الحديثية الموجودة؛ ٢- رسم شبكة الأسانيد لتحديد الحلقات المشتركة الرئيسية والفرعية؛ ٣- تحليل الاختلافات المتنية في نسخ الحديث بما يتناسب مع خطوط النقل المختلفة؛ ٤- مقارنة مجموعات الاختلافات المتنية والسندية ودراسة مدى ترابطها؛ ٥- استنتاج ناقل المتن الأصلي ومسببي التغييرات اللاحقة في نسخ الحديث المختلفة (راجع: موتسكي، ١٣٨٤ش، ١٧٥). كما استفاد يانبول بشكل خاص في منهجه من دراسة الخلفية التاريخية لنقل السند وتأريخ الروايات بناءً على الأسانيد، واستخدم هذا المنهج في تأريخ أنواع مختلفة من الروايات، سواء كانت تاريخية، فقهية، أو تفسيرية. ويرى أن الأحاديث عادةً ما تقدم مؤشرات على تاريخها ضمن أسانيدها، وأن في الأسانيد شواهد تحدد التاريخ القطعي لكثير من الأحاديث والنظريات المطروحة فيها (آقايي، ١٣٩٤ش، ١٦٧).
[2] على سبيل المثال، ذكر السيد بستاني بشكل مقتضب أن محتوى هذه الرواية يفيض بالتعابير المخالفة للعقل والقرآن وهو نوع من القصص الخرافي، كما ذكر السيد نجمي بشكل مجمل ومختصر، ودون بيان دليل خاص في نقد الحديث، أن هذا الحديث من الأساطير ولا ينسجم مع المباني العقائدية.
[3] روي عن أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال: «جاء ملك الموت إلى موسى (ع) فقال له: أجب ربك. قال: فلطم موسى (ع) عين ملك الموت ففقأها. قال: فرجع الملك إلى الله فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني. قال: فرد الله عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعرة، فإنك تعيش بها سنة. قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت. قال: فالآن من قريب. رب أدْنِني من الأرض المقدسة رمية بحجر». قال رسول الله: «لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» (همام بن منبه، ١٤٠٧ق، ١: ١٣٠).
[4] يرى بعض المستشرقين مثل شاخت ويانبول أن زمان ومكان تأليف المصدر هو الحد الزمني لبداية الحديث، أي أن الحديث لم يكن موجوداً قبل تأليف ذلك المصدر، وأن الحديث وُلد مع تأليف المصدر. هذه المجموعة تعتبر زمان ومكان تأليف المصدر مهد نشأة الحديث المدروس. بالطبع، استعانوا باستدلال يقوم على برهان السكوت. شاخت، الذي كان يهتم بالروايات الفقهية فقط، احتج بأن أفضل طريق لإثبات عدم وجود رواية في زمن معين هو أن نجد مسألة أو نقاشاً لم يستشهد فيه أحد بهذه الرواية كحجة فقهية له؛ في حين لو كانت مثل هذه الرواية موجودة، لكان الاستناد إليها حتمياً وقطعياً (موتسكي، ١٣٨٤ش، ٥٥).