تبيين قاعدة «سقوط العدالة السياسية» عند التخلّف عن الوعود الانتخابية؛ بالاستناد إلى التعاليم الحديثية

الملخص

من متطلبات الفقه السياسي الإسلامي ضرورة الالتزام بالعدالة في نطاق أفعال المسؤولين الحكوميين، وكذلك تنظيم وتعريف المقتضيات الفقهية اللازمة في هذا المجال. كما أن عملية انتخاب هؤلاء الأفراد هي ساحة لظهور السلوكيات السياسية للمرشحين والناخبين. يسعى هذا البحث، بالمنهج الاستكشافي-التحليلي وبالاستفادة من المصادر الوثائقية، إلى التوصل لقاعدة يمكن من خلالها تقييم مكوّن «العدالة السياسية» لمسؤولي النظام الإسلامي. وفي هذا السياق، تم الاستناد إلى حديث عن الإمام الصادق (ع) كأساس للبحث، والذي يُعرّف عدم الالتزام بالوعود بأنه نوع من الظلم وهدر للعدالة. ولتحقيق الهدف المذكور، يتم أولاً تبيين مفهوم العدالة السياسية وأدلة اشتراط العدالة في الحكام المسلمين. وفي الخطوة التالية، تم الاستفادة من الأدلة التالية لإثبات لزوم الوفاء بالوعود الانتخابية: 1- إطلاق أدلة الوفاء بالعهد، 2- عمومات التوجيه بضرورة الأمانة، 3- أصل الصدق كمحور في السلوك السياسي الإسلامي، 4- تعاليم التوجيه الأخلاقي، 5- إحداث خلل في نظام العلاقات بين الحاكم والشعب، 6- التعدي على الحقوق العامة، و7- عدم انسجام التخلف عن الوعد مع الكفاءة السياسية المطلوبة للمسؤولين. نتيجة هذا البحث هي أنه بالاستفادة من هذه الأدلة، يمكن تأسيس قاعدة بصيغة «إسقاط العدالة بالحنث عن الوعدة»، والاستفادة منها لتقييم مستوى عدالة المرشحين للمناصب الانتخابية.

1. طرح المسألة

لقد عرّف القرآن الكريم تحقيق العدالة في مختلف الشؤون كأحد الهدفين الأساسيين لبعثة الأنبياء (راجع: الحديد: 25؛ الشورى: 15؛ النحل: 90). وتصل أهمية العدالة في جميع مجالات الحياة إلى درجة أن القرآن المجيد في آيات مثل «وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى» (المائدة: 8)، يوجب العدالة حتى في التعامل مع الظالمين. وفي الأحاديث النبوية، تُعد العدالة أحد أركان الإيمان الأربعة (الشعيري، د.ت، 36). وبحسب رواية، اعتبر رسول الله (ص) الحكم بغير عدل سبباً للوم الآخرين والندم الداخلي وعذاب الآخرة (البزاز، 1430هـ، 7: 188). وفي رواية عن أمير المؤمنين علي (ع)، اعتُبرت العدالة أساس قيام نظام الإدارة الإسلامية السليم.[1]

إن وجود شرط العدالة بسبب الحاجة إليه في العديد من أبواب العبادات والمعاملات والإيقاعات قد جعله من الأمور العامة البلوى (الأنصاري، 1414هـ، 25). كما أن أهمية العدالة المحورية في نظام الجمهورية الإسلامية تصل إلى درجة أن الشهيد مطهري، قبل حوالي شهر من استشهاده، كان يعتقد أن نسيان العدالة سيؤدي إلى فشل الثورة (مطهري، 1386ش، 94).

من متطلبات بناء مجتمع قائم على العدالة وجود عملية عادلة في اختيار الأفراد لتولي المسؤوليات. ومن الواضح جداً أن حجم هذه المسؤوليات على المستوى الوطني والدولي يزيد من أهمية إيلاء اهتمام خاص لهذه العملية. في العصر الحالي، يمكن الاستفادة من المبادئ القانونية، نظراً لطبيعتها الملزمة، للوصول إلى مثل هذه العملية. وبما أن الانتخابات هي إحدى طرق تولي بعض المسؤوليات، فمن الضروري تحديد معايير عامة للمرشحين وعملية الانتخاب، لأن الرقابة على السلطة تلعب دوراً أساسياً في كبحها.

إن الالتزام بالأخلاق في عملية الدعاية الانتخابية هو أحد مؤشرات المنافسة الانتخابية السليمة. ومن جوانب دعاية المرشحين للمسؤوليات، الوعود والبرامج التي يقدمونها. ومن الواضح جداً أن التحلي بالفضائل الأخلاقية في عرض هذه البرامج والوعود له تأثير كبير. وللأسف، فإن إحدى الطرق الشائعة في عالم السياسة هي استخدام الكلام غير الصحيح لإغواء الناس أو التستر على الواقع. يقدم بعض المرشحين للمناصب الحكومية، من أجل كسب الأصوات العامة، برامج إما أنها لا تتوافق مع الواقع من الأساس، أو أنها غير قابلة للتحقيق بالنظر إلى الظروف المختلفة.

من ناحية أخرى، يتجنب المرشحون الملتزمون بالمبادئ الأخلاقية تقديم وعود لا يمكن تحقيقها، وهذا الأمر قد يؤدي إلى تفوق منافسيهم الذين يقدمون الوعود. إن تقييم الوعود الانتخابية وفحص قدرة مدعيها على تحقيقها لا يجد له ضابطاً واضحاً في عالم القانون. ومن المحتمل أن يكون غياب قانون مناسب في هذا المجال بسبب عدم تنقيح حكم وموضوع هذا البحث في نطاق الفقه. إن عدم وجود مثل هذه المعايير يؤدي إلى أن يكون بعض المرشحين للمناصب الانتخابية جريئين في تقديم برامجهم ووعودهم. كذلك، في القوانين واللوائح الداخلية، لم يتم النص على عقوبة للوعود الكاذبة وغير المستقرة. ويمكن اعتبار هذا النقص ضرراً في سبيل عدم تحقيق القبول العام للحكم.

تقوم فرضية هذا البحث على المنهج الوصفي-التحليلي المستند إلى حديث عن الإمام الصادق (ع)، والذي بموجبه، يُعد الالتزام بالوعود أحد علامات معرفة عدالة الأفراد. ينقل الكليني هذا الحديث الموثق بأسانيده على النحو التالي: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ قَالَ: مَنْ عَامَلَ النَّاسَ فَلَمْ يَظْلِمْهُمْ وَ حَدَّثَهُمْ فَلَمْ يَكْذِبْهُمْ وَ وَعَدَهُمْ فَلَمْ يُخْلِفْهُمْ كَانَ مِمَّنْ حُرِّمَتْ غِيبَتُهُ وَ كَمَلَتْ مُرُوءَتُهُ وَ ظَهَرَ عَدْلُهُ وَ وَجَبَتْ أُخُوَّتُه» (الكليني، 1429هـ، 3: 605).[2]

وقد نقل رواة آخرون هذا الحديث نفسه عن طريق الإمام الرضا (ع) إلى رسول الله (ص) (راجع: الصدوق، 1362ش، 1: 208). يعتبر محدثو الحديث هذا الحديث بياناً لعلامات المؤمن، ويعتبرون الشخص الذي يفتقر إلى هذه الصفات غير جدير بالأخوة الدينية (الفيض الكاشاني، 1406هـ، 5: 569؛ المازندراني، 1382ش، 9: 166). وقد اعتبر بعض الفقهاء هذا الحديث بياناً لطرق معرفة الشخص العادل (البحراني، 1363ش، 2: 17؛ كاشف الغطاء، 1381ش، 2: 224؛ الشوشتري، 1364ش، 6: 376؛ البروجردي، 1426هـ، 8: 66؛ الخوانساري، 1378هـ، 64؛ الروحاني، 1429هـ، 2: 43؛ الحسيني الحائري، 1423هـ، 139-140؛ الحكيم، 1428هـ، 154؛ السبحاني، 1432، 503). وبناءً على مفهوم الرواية، تسقط العدالة بسبب خلف الوعد. فيكون العمل بالوعد واجباً (المجلسي، 1404هـ، 9: 273).

في هذا البحث، الاعتقاد السائد هو أن العدالة، بوصفها معياراً أساسياً، تلعب دوراً في مطابقة الأحكام المستنبطة مع أهداف الشريعة. ولكن لا تزال هناك حاجة ماسة إلى تبيين أعمق للوظائف الفردية للعدالة كسمات سلوكية للمسؤولين في مجال الفقه السياسي. يعتقد البعض أن إيجاد حكم لاستمرارية تولي منصب قيادي وإداري لشخص ظهر عدم عدالته بعد انتخابات عامة هو من المسائل المعقدة في علم الفقه (منتظري، 1408هـ، 1: 544). فرضية البحث هي أنه بالاعتماد على التعاليم الحديثية، يمكن تأسيس حكم فقهي لإثبات عدم مشروعية وحرمة تولي المسؤوليات.

نطاق البحث يشمل الحالات التي يتم فيها تولي المناصب والمسؤوليات عن طريق الانتخابات. في هذا المجال، من الضروري تقييم مدى تمتع الخيارات المختلفة لتولي المسؤوليات بالعدالة. ويبدو أن إيجاد تأثير لسمة العدالة على تولي المسؤوليات التي تتم عن طريق الاختيار أو التعيين التنظيمي يحتاج أيضاً إلى بحث مستقل.

2. دراسة المفاهيم الأساسية

قبل دراسة الأدلة الموجهة نحو لزوم الوفاء بالوعود الانتخابية، يتم تبيين المفاهيم المتداولة في هذا البحث.

1-2. الفقه السياسي

بناءً على تعريف، يُعرّف الفقه السياسي على النحو التالي: «مجموعة القواعد والأصول الفقهية والحقوقية التي تتولى تنظيم علاقات المسلمين مع أنفسهم ومع الأمم الأخرى في العالم على أساس مبادئ القسط والعدل، والتي تجعل تحقيق السعادة والحرية والعدالة ممكناً فقط في ظل التوحيد» (الشكوري، 1377ش، 76). يبدو أن هذا التعريف هو نوع من تعريف المفهوم ببيان وظيفته. وفي تعريف آخر، الفقه السياسي هو علم بالأحكام الفرعية الشرعية في مجال السياسة بالاستفادة من الأدلة التفصيلية (مهدوي وكاظمي، 1399ش، 10). وبما أن عبارة «الفقه السياسي» تركيب إضافي، يمكن اعتبار التعريف الأخير متوافقاً مع تبيين موضوع الفقه السياسي بالتعريف الاصطلاحي لعلم الفقه. في مسار تاريخ الفقه، تم ذكر مفهوم الفقه السياسي بعناوين مثل «فقه الخلافة»، «فقه الحكومة»، «الأحكام السلطانية» و«فقه الدولة».

موضوع الفقه السياسي هو أحكام السلوكيات الحكومية أو السلوكيات العامة التي ترجع أولاً وبالذات إلى الحكم (فلاح، 1397ش، 57). وبناءً على ذلك، فإن بعض المسائل التقليدية في الفقه السياسي تشمل: الجهاد، الحسبة، ولاية الفقيه، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، آداب الخطب، التعاون مع الحكام، والعقود مع الدول الأخرى (راجع: عميد زنجاني، 1388ش، 11). وبعض الموضوعات الجديدة في الفقه السياسي تشمل أيضاً: مدى وتأثير آراء الناس في مشروعية الحكم؛ فصل واستقلال السلطات؛ الرقابة على السلطة السياسية، والانتخابات.

يبدو أن بين مفهومي «الفقه الحكومي» و«الفقه السياسي» علاقة العموم والخصوص من وجه. ذلك أن الفقه الحكومي هو رؤية توسعية لجميع أبواب الفقه من منظور الحكم والتطابق مع أهداف الأنظمة. أما الفقه السياسي، فهو مجال من الفقه يُنظر فيه إلى الموضوعات المذكورة آنفاً كباب فقهي مستقل. يمكن تقسيم قواعد الفقه السياسي إلى فئتين: القواعد الفقهية العامة المستخدمة في الفقه السياسي، والقواعد الخاصة بالفقه السياسي. قواعد مثل تقديم الأهم على المهم، الاضطرار، القرعة، ولا ضرر يمكن تقييمها في مجال القواعد العامة، وقواعد مثل نفي السبيل، عدم الولاية على الغير، وأولوية الولاية الخاصة على الولاية العامة تُستخدم في مجال القواعد الخاصة بالفقه السياسي.[3] إن تأسيس قواعد خاصة بالفقه السياسي سيساعد على استنباط أحكام هذا المجال بدقة أكبر. ومن الضروري أن يقوم المشرعون في الدول الإسلامية، مع الأخذ في الاعتبار الإنجازات الفقهية للمذاهب، بتدوين أسس الفقه السياسي في مختلف المجالات ضمن إطار القوانين الملزمة.[4]

2-2. دراسة مفهوم العدالة

كلمة العدالة في علم اللغة تعني المساواة، الإنصاف، الاستقامة، الوسطية في الأمور، إقامة الحكم على أساس الحق، وهي نقيض مفهوم الظلم والجور (راجع: الفراهيدي، 1409هـ، 2: 38؛ ابن دريد، 1988م، 2: 663؛ الأزهري، 1425هـ، 2: 123؛ الراغب الأصفهاني، 1412هـ، 551). في اللغة العربية، هناك كلمات مثل القسط والإنصاف والمساواة تحمل معاني متوافقة مع كلمة العدالة. وبشكل عام، العدالة تعني عدم إهمال استعداد واستحقاق أي كائن. وقد عرّف بعض علماء الأخلاق العدالة بأنها اتباع أفعال الإنسان لحكم العقل (النراقي، 1383ش، 1: 54).

يعتبر الفقهاء العدالة ملكة نفسانية تدفع الإنسان إلى مراعاة التقوى والمروءة (على سبيل المثال، راجع: البحراني، 1363ش، 10: 13؛ النجفي، 1363ش، 13: 264؛ شمس الدين، 1412هـ، 144). وقد عرّفها البعض بأنها ملكة إتيان الواجبات (اليزدي، 1388هـ، 1: 270)، أو اجتناب الكبائر (الأنصاري، 1415هـ، 2: 253). وهناك رأي يرى أن حسن ظاهر الفرد يكفي لمعرفة صفة العدالة الشرعية لديه (الطباطبائي الكربلائي، 1428هـ، 157؛ القزويني، 1419هـ، 94؛ الحكيم، 1428هـ، 157).

من منظور الإسلام، يُلحظ التمتع بصفة العدالة في جميع السلوكيات المتعلقة بالحياة الاجتماعية للإنسان (المظاهري، 1386ش، 1: 265). يمكن تقييم وظيفة العدالة في أربعة مجالات: 1- عدالة جهاز الخلق؛ 2- العدالة في التشريع؛ 3- العدالة في النظام التنفيذي، و4- العدالة في البصيرة والسلوك في الحياة الفردية. ما يسعى هذا البحث إلى تقييمه هو العدالة في المجال الرابع، أي العدالة السلوكية.

في الفقه الشيعي، يُلاحظ نطاق وظيفة العدالة في مسائل مثل إمامة الجمعة والجماعة، شهادة الطلاق، الوصية، القضاء، المرجعية، وولاية الفقيه. ومع ذلك، لم يتم الحديث عن ضرورة هذه السمة لتولي المناصب الهامة في الحكم العام السياسي. يبدو أن أحد عوامل إغفال هذا البحث في الفقه الشيعي المجيد هو عدم التوفيق في الوصول إلى تشكيل حكومة إسلامية قائمة على ولاية الفقيه. بناءً على ذلك، سيكون من الضروري إدراج مدى تمتع كبار المسؤولين السياسيين بعنصر العدالة، كأحد الشروط اللازمة لتولي المسؤوليات، في نطاق المباحث الفقهية.

3-2. أدلة اشتراط العدالة في الحاكم

استُفيد من الآيات التالية لإثبات اشتراط العدالة في قائد المجتمع الإسلامي. انظر: «وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ» (هود: 113)؛ «وَ لا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ» (الشعراء: 151-152)؛ «وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» (الكهف: 28)؛ «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثماً أَوْ كَفُوراً» (الإنسان: 24). وقد استفاد بعض الفقهاء من هذه الآيات لإثبات اشتراط العدالة في قائد المجتمع الإسلامي (الموسوي الخميني، 1392ش «ب»، 48؛ منتظري، 1408هـ، 1: 89؛ الشيرازي، 1410هـ، 101: 134؛ الآصفي، 1426هـ، 256؛ المظاهري، 1386ش، 1: 269؛ السيفي، 1386ش، 234). كما أن الإمام الرضا (ع) يرى أن آية «وَ إِذِ ابْتَلَى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمين» (البقرة: 124) تدل على عدم جواز حكم أي شخص متصف بأنواع الظلم (الصدوق، 1378ش، 1: 217). إذن، بناءً على مضمون الآية، فإن العهد الإلهي لا يصل إلى الظالمين.

وفي الروايات أيضاً، أُشير إلى عنصر العدالة كأحد الأسس الشخصية للحاكم المسلم (راجع: القمي، 1404هـ، 2: 45؛ الحر العاملي، 1409هـ، 27: 131). من ناحية أخرى، كل عمل يخالف الحق هو نوع من الظلم، وبحكم العقل، فإن حكم الظالمين لا يؤدي إلى سعادة الناس الدنيوية والدينية، لأنه بالإضافة إلى عدم تطابق سلوكياتهم الظالمة مع الحق، تُضيّع حقوق الأفراد بالظلم. بناءً على ذلك، يرى بعض الفقهاء أن تولي المناصب الحاكمة من قبل الظالمين أمر لا يتوافق مع حكم العقل (الموسوي الخميني، 1379ش، 2: 662؛ المظاهري، 1386ش، 1: 268).

بالإضافة إلى هذه الأدلة، يمكن أيضاً إثبات شرطية العدالة لتولي المسؤوليات المتعلقة بالحكم عن طريق قياس الأولوية. وبيان ذلك أن العدالة شرط في أمور مثل إمامة الجماعة، فبالاستفادة من قياس الأولوية، ستكون شرطاً أيضاً في أمور أكثر أهمية مثل قيادة المجتمع الإسلامي التي ترتبط بها حقوق جماهير الناس. ونظراً لهذه الأدلة، اعتبر الفقهاء العدالة أحد شروط الحكام المسلمين (راجع: السبحاني، 1431هـ، 2: 247؛ منتظري، 1408هـ، 1: 289؛ الشيرازي، 1407هـ، 106: 283؛ الخياط، 1425هـ، 160؛ الآصفي، 1426هـ، 122؛ المظاهري، 1386ش، 1: 268؛ السبحاني، 1431هـ، 2: 247؛ الماوردي، 1420هـ، 31).

يعتقد البعض بحق أن شرط العدالة لازم في جميع المجالات التي يؤدي فيها فعل أو قول الشخص إلى إسقاط حق أو فقدان شيء للآخرين (المراغي، 1417هـ، 2: 726). وبناءً على هذا التعريف، فإن التمتع بعنصر العدالة سيكون أحد شروط المرشحين الذين يسعون لتولي المسؤوليات عن طريق الانتخابات لكسب الأصوات، لأن تحصيل كثير من حقوق جماهير الناس يعتمد على مدى عدالة الحاكم الذي يتمتع بالعدالة في سلوكه وقوله. ومن الجدير بالذكر أن النطاق المفاهيمي لعنصر العدالة للحاكم الإسلامي أضيق من مفهوم شرطية العدالة في أبواب مثل إمامة الجماعة، القضاء، الشهادة، والإفتاء (البحراني، 1363ش، 10: 58). وفي هذا السياق، يعتقد مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنه في مجال الحكم، فإن كذبة واحدة أو نظرة إلى غير محرم تؤدي إلى إسقاط عدالة الحاكم (الموسوي الخميني، 1361ش، 11: 133).

3. أدلة لزوم الوفاء بالوعود الانتخابية

بعض هذه الأدلة هي أدلة إيجابية تثبت التزام المسؤولين السياسيين بالعمل بالوعود الانتخابية، وبعضها الآخر يمكن تقييمه في إطار الأدلة السلبية التي تبين العواقب الوخيمة لعدم الالتزام بهذا المبدأ. وبما أن هاتين الفئتين من الأدلة تتداخلان في بعض الحالات، فسيتم تبيينهما فيما يلي تحت العنوان العام لأدلة لزوم الوفاء بالوعود الانتخابية.

1-3. إطلاق أدلة الوفاء بالعهد

لقد أشارت التعاليم الإسلامية مراراً إلى مبدأ الوفاء بالعهود. انظر آيات من القرآن: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُود» (المائدة: 1)[5]؛ «الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا» (البقرة: 177) و«وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُلاً» (الإسراء: 34).

وفي آيات أخرى أيضاً، اعتُبر الوفاء بالعهد أحد مصاديق التقوى.[6] يرى مفسرو القرآن أن الآية الأولى من سورة المائدة توجه إلى الوفاء بكل عقد وعهد أكد عليه القرآن بشدة (على سبيل المثال، راجع: الطباطبائي، 1390هـ، 5: 159؛ صادقي تهراني، 1406هـ، 8: 13؛ ابن عاشور، 1420هـ، 5: 10). بعبارة أخرى، توجه هذه الآية إلى مراعاة مبدأ الوفاء بجميع العهود (صادقي تهراني، 1393هـ، 164) وحرمة نقض العهد (نفس المصدر، 134).

كما حذر المعصومون (ع) في رواياتهم بشدة من نقض العهود واعتبروا نقض العهد مساوياً لعدم الدين. انظر: «لَا دِینَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَه» (ابن الأشعث، د.ت، 36)؛ «ما أَيْقَنَ بِاللَّهِ مَنْ لَمْ يَرْعَ عُهُودَهُ وَ ذِمَّتَه» (الليثي الواسطي، 1376هـ، 476). واعتبر أهل البيت (ع) الوعود التي قطعوها بمثابة دينهم الذي هم ملزمون بأدائه (راجع: المجلسي، 1403هـ، 72: 97). وفي وصية لأمير المؤمنين علي (ع) جاء: «إِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاء» (نفس المصدر، 97: 47). وفي هذه الرواية، يُوصى بالحفاظ على العهود والأقوال حتى مع الأعداء. وبطريق الأولوية، يمكن فهم أن مراعاة مضمون أي عهد، بما في ذلك وعود الحملات الانتخابية، مع أفراد المجتمع الإسلامي، يحتاج إلى مزيد من الحفاظ. بالإضافة إلى وجود الأدلة اللفظية، فإن بناء العقلاء يقوم على أن العهود تُعقد لتحقيقها ولوازمها، لا لفسخها.

2-3. عمومات الأداء للأمانة

في آيات من القرآن المجيد، أُشير إلى مبدأ الأمانة والمسؤولية تجاه التعهدات: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» (النساء: 58)؛ «يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (الأنفال: 27). يرى المفسرون بشأن الآية الأولى أن «ال» في «الأمانات» توجه إلى شمول حكم أداء الأمانات في مختلف المجالات (الطباطبائي، 1390هـ، 4: 378؛ مكارم الشيرازي، 1371ش، 3: 430؛ صادقي تهراني، 1406هـ، 7: 103؛ درويش، 1415هـ، 2: 242؛ حوّى، 1424هـ، 2: 1088).

وفي حديث صحيح عن الإمام الصادق (ع) أيضاً، نُقل عن لزوم الأمانة مع الجميع ما يلي: «اتَّقُوا اللَّهَ، وَ عَلَيْكُمْ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ، وَلَوْ أَنَّ قَاتِلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ائْتَمَنَنِي عَلَى أَمَانَةٍ، لَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ» (الكليني، 1429هـ، 9: 710). وفي حديث آخر جاء: «لَا عُذْرَ لِأَحَدٍ فِيهَا: أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ، وَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، بَرَّيْنِ كَانَا أَوْ فَاجِرَيْنِ» (نفس المصدر، 9: 708).

إن التنبيه على مفهومي الأمانة والعهد في هذه الرواية يبين أيضاً الفروق الجوهرية بينهما. ويمكن الاستفادة من الروايات التالية في هذا السياق: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» (ابن الأشعث، د.ت، 36)؛ «الْإِمَارَةُ أَمَانَةٌ، وَهِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَ نَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِحَقٍّ، وَ أَدَّى بِالْحَقِّ عَلَيْهِ فِيهَا» (الحاكم النيسابوري، 1435هـ، 7: 136). وقد أجاب الإمام الرضا (ع) أيضاً على سؤال المأمون الذي كان يبحث عن علامات الإسلام الخالص، فقال: «… أَدَاءُ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ» (الصدوق، 1378هـ، 2: 123).

من عمومات وإطلاقات هذه الأدلة اللفظية، يتضح أن الأمانة في جميع المجالات مبدأ لا يمكن التخلف عنه. وتُعتبر المسؤوليات الاجتماعية والحكومية نوعاً من الأمانات. وكذلك سيرة العقلاء، تقبل تماماً أمانة الحكومة في الأموال والمصالح والأرواح والأعراض، وتعتبرها معياراً لتقييم نجاح الحكومات. وفي نظرية العقد الاجتماعي، تُعتبر السلطة السياسية أمانة من الشعب لدى الحكومة (طاهري، 1386ش، 76).

بعبارة أخرى، الناس بتفويضهم حق الحكم إلى أفراد منتخبين، قد أودعوهم أمانة يجب على المسؤولين أن يكونوا مسؤولين عن حفظها. هذا التفويض هو نوع من إيداع السلطة، وفي حالة انحراف الحكام، يبقى حق الاعتراض وتغيير الحكومة محفوظاً للشعب (راجع: عالم، 1377ش، 2: 283؛ ارژنگ ومطهري فرد، 1396ش، 12).

إضافة إلى هذه الحالات، يمكن اعتبار الوعود التي لا تتحقق أحد مصاديق «الغش». «الغش» في اللغة يعني الخداع، والعمل بخلاف الباطن، وسوء النية (الفراهيدي، 1409هـ، 4: 340؛ الأزهري، 1421هـ، 8: 6؛ ابن فارس، 1406هـ، 4: 383)، و«الغش» هو اسم مصدر له. ويتوافق الغش أيضاً مع التخلف عن أداء الأمانة بسبب الخداع في ثقة الطرف الآخر. وفي هذا الشأن، ينقل الشيخ الصدوق بأسانيده عن الإمام الرضا (ع) قوله: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَ مُسْلِماً وَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَانَ مُسْلِما» (الصدوق، 1378هـ، 2: 50). وقد وصف الإمام علي (ع) أشد أنواع الغش بأنه خداع الحاكم للمجتمع (التميمي الآمدي، 1410هـ، 190).

ويقول في رسالة إلى مصقلة بن هبيرة: «فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْخِيَانَةِ خِيَانَةَ الْأُمَّةِ وَ أَعْظَمُ الْغِشِ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ غِشُ الْإِمَامِ» (الثقفي، 1410هـ، 1: 247). يُعتبر خداع الناس من قبل مدير المجتمع الإسلامي أخبث أنواع المكر، لأن اختيار أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم بيده (جوادي آملي، 1363ش، 31)، وخداعه يسبب ضرراً لهذه الثروات. ويمكن اعتبار التخلف عن الوعود الانتخابية أحد مصاديق الغش.

3-3. عمومات التوجيه إلى الصدق

لقد حذر القرآن الكريم في آيات عديدة من الكلام الفارغ والكذب (على سبيل المثال، راجع: النحل: 105؛ الحج: 30؛ الأعراف: 152؛ التوبة: 119). على سبيل المثال، في آية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ؛ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» (الصف: 2-3)، نُهي عن قول ما لا يُفعل. ومن اقتران الصادقين والمنافقين في آية «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» (الأحزاب: 24)، يمكن أيضاً فهم أن المنافقين قد وُبّخوا بسبب كذبهم في هذه الآية (صادقي تهراني، 1393ش، 167).

وفي عدد من الروايات، عُرف «صدق الحديث» كأحد معايير اختبار الأفراد (راجع: البرقي، 1371ش، 1: 18؛ الكليني، 1429هـ، 3: 269؛ الحراني، 1404هـ، 487). على سبيل المثال، يروي الكليني عن الإمام الصادق (ع) قوله: «لا تَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ وَ لَا بِصِيَامِهِمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلَاةِ وَ الصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَهُ اسْتَوْحَشَ، وَلَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَة» (الكليني، 1429هـ، 3: 269). وبناءً على هذه الرواية، يمكن اعتبار الصدق في القول أحد معايير اختيار الأفراد.

في رواية صحيحة، سأل ابن أبي يعفور الإمام الصادق (ع) عن طريقة معرفة عدالة الأفراد. فأجاب الإمام (ع) بقوله: «أَنْ تَعْرِفُوهُ بِالسِّتْرِ وَ الْعَفَافِ وَكَفَّ الْبَطْنِ وَ الْفَرْجِ وَ الْيَدِ وَ اللَّسَانِ» (الصدوق، 1413هـ، 3: 38). المراد من مفهوم «الستر» في هذه الرواية هو الحفاظ على الحياء والعفة أمام الله والناس، وهو ما يتحقق بالنسبة للسان بتجنب الذنوب مثل الغيبة والكذب (الأنصاري، 1414هـ، 15).

4-3. التعاليم الموجّهة نحو الأخلاق والصدق

الأخلاق هي مجموعة من المبادئ التي يعد اتباعها ضرورياً للوصول إلى السعادة والكمال. تنبع هذه القواعد من الوجدان ونداء الفطرة وتعتبر معياراً لتشخيص الخير والشر. وقد أرست آيات من القرآن أيضاً أساس فهم أصول الخير والشر في وجود الإنسان (الشمس: 8؛ البلد: 10).

الهدف من علم الأخلاق هو تحسين أفعال الإنسان الإرادية وتحقيق سعادته وكماله الأبدي. ويمكن تقسيم المؤسسات والتعاليم الأخلاقية من جهة إلى فئتين: فردية واجتماعية. نطاق تطبيق الأخلاق الفردية هو أفعال الشخص الفردية التي يكون تأثيرها في المجال الفردي كبيراً جداً. أما نطاق الأخلاق الاجتماعية فيتعلق بعلاقة الفرد بالآخرين. ويمكن اعتبار الأخلاق السياسية أحد أقسام الأخلاق الاجتماعية التي تتناول العلاقة بين المواطنين والمسؤولين وكذلك العلاقة بين المسؤولين أنفسهم. وفي الأخلاق السياسية، يتم تبيين الواجبات والمحظورات في السلوك السياسي وإصلاح السلوك (شريعتي، 1382ش، 133).

في علم الأخلاق، تتألف أسس الفضائل الإنسانية من: الحكمة، الشجاعة، العدالة، والعفة. وقد اعتبر بعض المفكرين في هذا المجال العدالة هي نفسها ازدهار العناصر الثلاثة: الحكمة، العفة، والشجاعة (النراقي، 1383ش، 1: 54؛ حسني، 1403هـ، 158). الحد الأدنى من أساس الشجاعة هو الجبن، ويُسمى طرفه المفرط التهور. إن التهور في الوعود الانتخابية هو نوع من تجلي التهور.

في حديث بليغ، يصف الإمام الثامن (ع) أناساً تركوا ملذات الدنيا ليجعلوها وسيلة للوصول إلى الرئاسات الظاهرية (راجع: الحر العاملي، 1409هـ، 8: 317). في السياسات التي تستند إلى أسس أخلاقية، يكون استخدام أي وسيلة للوصول إلى الهدف مبرراً. أما في المبادئ الإسلامية للسلوك السياسي، فيُعتبر الالتزام بالمبادئ الأخلاقية نهجاً أساسياً، والتخلف عنه سيؤدي إلى الخروج عن النهج الإسلامي. وفي نهج تبرير الوسيلة للوصول إلى الغاية، يُعتبر الالتزام بالمبادئ الأخلاقية مثل الصدق والاستقامة سبباً في ضعف الحكام (مكيافيلي، 1377ش، 168-169). يقول أحد المؤمنين بهذا النهج: «لا ينبغي للحاكم الذكي أن يلتزم بعهد يضره، وليس هناك حاكم لا يملك عذراً مقبولاً لنقض عهده» (نفس المصدر، 1366ش، 148).

5-3. الإخلال بالدوافع في النظام عند عدم العمل بالوعود

كلمة «نظام» من جذر «نظم» تعني الخيط الذي يربط اللآلئ، التجميع، الملاك، ترتيب وتأليف شيء مع شيء آخر (الفراهيدي، 1409هـ، 8: 165؛ ابن فارس، 1406هـ، 5: 443). في كلام الفقهاء، يُستخدم النظام بمعنيين: 1) أساس الإسلام وأراضي المسلمين (النائيني، 1424هـ، 76)، و2) الحكم السياسي (راجع: الموسوي الخميني، 1381ش، 3: 510). وقد فسر البعض المراد من النظام بأنه النظام المتناسب مع العصر والزمان (الإيرواني، د.ت، 1: 52).

العبارات التالية في كلام الفقهاء تتوافق مع مفهوم حفظ النظام: «تلبية حقوق الناس» (العراقي، د.ت، 7) و«تأمين احتياجات الناس» (الأصفهاني، 1409هـ، 211). يعتقد البعض أن إقامة النظام الاجتماعي والحيوي للبشر من الواجبات المطلقة التي تقع على عاتق الجميع كفاية (المحقق الكركي، 1414هـ، 4: 6). في المقابل، يُستخدم مفهوم الإخلال بالنظام. ولهذا المفهوم، استُخدمت عبارات مثل: «فساد أمور الناس» (اللاري، 1318هـ، 2: 157)؛ «الهرج والمرج الاجتماعي» (الموسوي الخميني، 1379ش، 2: 620) و«الإخلال في أمور المسلمين» (نفس المصدر، 1392ش، 2: 657). كل عمل يؤدي إلى الهرج والمرج ويخل بالنظام الاجتماعي، فهو ممنوع بحكم العقل (الخميني، 1376ش، 1: 475؛ المظاهري، 1386ش، 1: 324).

يعتقد الإمام الخميني في رؤية شاملة أن الضرورة تحكم بأن كل عمل يمنع وقوع ضرر على أراضي المسلمين، فهو واجب الإتيان (الموسوي الخميني، 1385ش، 2: 191). في تعريف عام، المراد من النظام هو الهيكل الشامل الذي يصل به البشر إلى نهاية حسنة بحفظه والتوافق معه في حركاتهم (راجع: عليدوست، 1388ش، 125). بناءً على ذلك، فإن جميع التشريعات البشرية، بشرط أن تنبع من حكم العقل وتتوافق مع المصالح العامة، تكون في سبيل حفظ النظام، وتجاهلها يسبب الإخلال بالنظام. المراد من حفظ النظام في هذا البحث هو المفهوم العام الذي يُستخدم في سبيل حفظ الإنسانية، والبنى الاجتماعية، ودين الإسلام، وحضارة أراضي المسلمين. في رؤية أخرى، إن القيام بعمل يعتمد عليه حفظ النظام واجب من باب مقدمة الواجب، وكذلك العمل الذي يسبب الإخلال بالنظام حرام من باب مقدمة الحرام (مكارم الشيرازي، 1377ش، 417). إن عدم الالتزام بالوعود الانتخابية سيؤدي إلى سلب الثقة العامة لجماهير الشعب في هوية النظام. إلى درجة أن الوفاء بالعهود هو المبدأ الأساسي لحفظ المجتمع (مغنية، 1426هـ، 3: 7). وكذلك، فإن خروج المسؤولين عن مسار العدل والقسط، بمثابة خروج النظام عن السمة التوحيدية والوقوع في دوامة الشرك والكفر (عميد زنجاني، 1366ش، 2: 289).

6-3. التعدي على الحقوق العامة

في تعريف شامل، الحقوق العامة هي الحقوق الأساسية للبشر التي تشمل قضايا مثل الحقوق الاجتماعية، الثقافية، السياسية، الرفاهية، الاقتصادية، والقضائية (نقره كار، 1388ش، 26). وقد عرّفها البعض بأنها الحقوق المشتركة بين الناس مثل حق الانتفاع العام بالممرات العامة والمساحات الخضراء (جعفري لنگرودي، 1378ش، 3: 1730). وفي تعريف آخر، يُعتبر حق المجتمع في النظام العام وأمن المواطنين من الحقوق العامة (هادي، 1390ش، 13). وفي الأصل 156 من الدستور الإيراني، تُعتبر إحدى وظائف السلطة القضائية إحياء الحقوق العامة ونشر العدل والحريات المشروعة (مجموعة القوانين الأساسية – المدنية، 1375ش، 114).

إن اتساع مصاديق الحقوق العامة في مجال حقوق الإنسان وحقوق الأمة يمنع من وضع تعريف حدي ورسمي دقيق لهذا المفهوم. ومع ذلك، فإن المراد من الحقوق العامة في هذا البحث هو الحقوق المتعلقة بالمصالح العامة أو بجزء كبير من المجتمع، والتي يجب استيفاؤها من خلال المؤسسات الحكومية. ترتبط الوعود الانتخابية، بسبب طابعها العام وتأثيرها على عملية الانتخابات وحياة جزء كبير من المجتمع، بالحقوق العامة ومصالحها. لذلك، من الضروري وضع ضوابط فقهية وقانونية حتى يصبح المساس بهذه الحقوق قابلاً للعقاب. ويمكن اعتبار إسقاط عدالة المسؤولين في حال التخلف عن الوعود الانتخابية أحد هذه الضوابط.

بما أن الوعد الانتخابي يتعلق بمجال الحقوق العامة والفقه الاجتماعي، فإن عنوان التعهد الاجتماعي ينطبق عليه. ومن ناحية أخرى، فإن لهذه الوعود آثاراً كبيرة على طريقة الحكم وحياة الأفراد والجماعات. لذلك، فإن التخلف عن هذه الوعود سيؤدي إلى ضرر وتوتر في المجالات المذكورة.

7-3. إسقاط الكفاءة السياسية

إن التمتع بالدراية والبصيرة والكفاءة هو أحد الشروط المفترضة لإدارة المجتمع (ابن سينا، 1404هـ، 451؛ الحلي، 1419هـ، 9: 394؛ السبحاني، 1431هـ، 2: 245؛ الماوردي، 1420هـ، 32). وقد عرّف البعض الكفاءة السياسية بأنها تحمل تبعات المسؤولية والحكم (الخياط، 1425هـ، 161). وقد ورد هذا المفهوم في الروايات بمعنى أوسع بمفهوم «حسن الولاية». انظر: «مَنْ حَسُنَتْ سِيَاسَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُه» (الليثي الواسطي، 1376هـ، 431). «لَا تَصْلُحُ الْإِمَامَةُ إِلَّا لِرَجُلٍ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: وَرَعٌ يَحْجُزُهُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَ حِلْمٌ يَمْلِكُ بِهِ غَضَبَهُ، وحُسْنُ الْوِلَايَةِ عَلى مَنْ يَلِي، حَتَّى يَكُونَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ الرَّحِيمِ» (الكليني، 1429هـ، 2: 348).

وفي رواية أخرى، أُشير إلى مبدأ البصيرة العام. على سبيل المثال، يروي أحمد بن محمد بن خالد البرقي في كتاب «المحاسن» بأسانيده عن الإمام الصادق (ع) قوله: «الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ لَا يَزِيدُهُ سُرْعَةُ السَّيْرِ إِلَّا بُعدا» (البرقي، 1371ش، 1: 198). أحد مصاديق عدم التمتع بالبصيرة هو إطلاق وعود يكون تحقيقها صعباً وبعيد المنال. إن عدم الانتباه إلى العواقب العملية لعدم تحقق هذه الوعود على المستوى العام وأضرارها الجسيمة، يدل على عدم تمتع المرشحين لمناصب حكومية بجوهر البصيرة. ومن الواضح جداً أن أصحاب البصيرة وبعد النظر، قبل البدء بعمل أو إطلاق وعد، يفكرون في إمكانية تحقيقه.

4. الاستنتاج

بناءً على ما قيل، فإن نتائج هذا البحث هي كالتالي:

1- العمومات والإطلاقات الموجهة نحو الوفاء بالعهود، الصدق، وأداء الأمانة، تثبت ضرورة الالتزام بالوعود الانتخابية.

2- في مقاربة فقهية، يمكن اعتبار هذه الوعود بمثابة إيجاب مشروط، حيث يكون قبول الناخبين وقت انتخاب الشخص مشروطاً بتحقق الوعود. كما أن تفويض حق الحكم للمنتخبين هو نوع من إيداع الأمانة التي يجب على المتولين حفظها.

3- يختلف مقدار الأمانة والنتائج المترتبة على التعهد بالأمانة السياسية في مختلف مستويات الحكم، من رئيس الحكومة إلى المسؤولين الأدنى، والتخلف عنه يترتب عليه عقوبة تتناسب مع التبعات الناتجة عن التخلف عن الوعود.

4- الالتزام بالوعود التي يتعهد بها الحاكم مع الشعب واجب، بناءً على المبدأ الأخلاقي والعقلي للمساءلة. كما أن إطلاق وعود غير قابلة للتحقق والتخلف عنها يؤدي إلى انعدام الثقة العامة، وهو بحد ذاته عامل مخل في نظام معيشة الناس واستقرار النظام الإسلامي.

5- مؤهلان لإثبات الكفاءة السياسية للأفراد هما التمتع بالقدرة الإدارية والتدبير.

إن عدم قابلية تحقيق الوعود الانتخابية بسبب مخالفتها لهذين المؤهلين، يوفر وسيلة لمعرفة عدم الكفاءة السياسية للمتخلفين عن الوعود.

6- إسقاط عدالة المسؤولين السياسيين لا يوفر مبرراً للتخلف عن أوامرهم وقت توليهم المسؤولية، لأن الحكم بالتخلف عن أوامرهم يؤدي إلى الهرج والمرج الاجتماعي.

باختصار، بناءً على ما قيل، فإن المسؤول الذي يصل إلى منصب عن طريق الانتخابات ورسم وعود، ثم لا يعمل بوعوده وقت توليه المسؤولية، لن يكون لديه الأهلية الفقهية والأخلاقية لتولي المسؤولية والبقاء فيها.

توافر البيانات

البيانات التي تم إنتاجها في هذا البحث متاحة ضمن نص المقال.

تضارب المصالح

يعلن مؤلفو هذه المقالة أنه لا يوجد أي تضارب في المصالح فيما يتعلق بكتابة هذه المقالة أو نشرها.

المصادر

القرآن الكريم، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي، طهران، نقش نگار، 1387ش.

الآصفي، محمد مهدي، ولاية الأمر، طهران، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1426هـ.

آل كاشف الغطاء، محمد حسين، تحرير المجلة، قم، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، 1422هـ.

ابن الأشعث، محمد بن محمد، الجعفريات (الأشعثيات)، طهران، مكتبة النينوي، د.ت.

ابن دريد، محمد بن الحسن، جمهرة اللغة، بيروت، دار العلم للملايين، 1988م.

ابن زهرة، السيد حمزة بن علي، غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، 1417هـ.

ابن سينا، عبد الله بن الحسين، الشفاء (قسم الإلهيات)، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.

ابن عاشور، محمد الطاهر، التنوير والتحرير، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، 1420هـ.

ابن الغضائري، أحمد بن الحسين، الرجال، قم، دار الحديث، 1422هـ.

ابن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، قم، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.

ارژنگ، اردوان ومرتضى مطهري فرد، «قاعدة فقهي كل اماره امانه»، حكومت اسلامي، 22 (1396): 4-32.

أرسطو، محمد جواد، جزوه مباني قانوني حكومت اسلامي، بدون مكان، د.ت.

الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1425هـ.

إسماعيلي، محمد، وأحمد حبيب نژاد، «مباني فقهي حقوقي لزوم عمل به وعده هاي انتخاباتي و مقابله با وعده هاي دروغين»، مطالعات حقوق عمومي، 47 (1396): 105-135.

الهوامش

1. «لَا يَصْلُحُ الْحُكْمُ وَلَا الْحُدُودُ وَ لَا الْجُمُعَةُ إِلَّا بِإِمَامٍ عَدْلٍ» (النوري، 1408هـ، 6: 13).

2. يتم تقييم سند هذه الرواية على النحو التالي: أ – «عدة من أصحابنا»: في أسانيد كتاب الكافي، توجد حالات كثيرة تبدأ بعبارة «عدة من أصحابنا». والمراد بهذه العبارة مجموعة من مشايخ الكليني الذين رووا الحديث مباشرة عنهم. وبناءً على نقل العلامة الحلي، كلما روى الكليني عن عدة عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، فإن المراد بـ«العدة» هم الأشخاص التالية أسماؤهم: علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، علي بن الحسين السعدآبادي، علي بن محمد بن عبد الله بن أذينة، وأحمد بن عبد الله بن أمية (الحلي، 1402هـ، 271). من بين هؤلاء الأفراد، تم توثيق علي بن إبراهيم وعلي بن الحسين فقط، ولكن لا توجد معلومات عن وضع علي بن محمد وأحمد بن عبد الله (راجع: الكني الطهراني، 1421هـ، 116-117). ومع ذلك، فإن نقل الرواية عن طريق هذه العدة يكتسب الوثاقة للأسباب التالية: 1- وجود راويين ثقة على الأقل ضمن مشايخ الكليني المعروفين، 2- استبعاد تواطؤ المشايخ على الكذب (النمازي الشاهرودي، 1422هـ، 208). ب – «أحمد بن محمد بن خالد البرقي»: هو من رواة الكوفة الأصل، وقد ذكره علماء الرجال بوصف «ثقة» (النجاشي، 1365ش، 76؛ الطوسي، 1420هـ، 51). في زمن وجوده في قم، أساء أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الظن به وأخرجه من قم، ولكنه اعتذر منه بعد فترة وأعاده إلى قم (ابن الغضائري، 1422هـ، 39). ج – «عثمان بن عيسى»: كان من وكلاء الإمام الكاظم (ع) وله كتب، وبعد شهادة الإمام (ع)، أصبح من كبار الواقفة (الطوسي، 1373ش، 360). وبحسب رواية، تاب بعد فترة وسلم الأموال المتعلقة بالوكالة إلى الإمام الرضا (ع) (الحلي، 1342هـ، 476). بالإضافة إلى أن كونه واقفياً لا يستلزم عدم الوثاقة، لم يذكر أي من علماء الرجال شيئاً عن عدم وثاقته في نقل الحديث. ومن جهة أخرى، يمكن إثبات وثاقته بالقرائن التالية: وجوده ضمن أصحاب الإجماع ورواية الأجلاء عنه مثل صفوان بن يحيى وعلي بن مهزيار (راجع: النمازي الشاهرودي، 1422، 280). د – «سماعة بن مهران»: كان من أصحاب الإمام الصادق (ع) والإمام الكاظم (ع)، وقد ذُكر بعبارة التبجيل «ثقة ثقة» (النجاشي، 1365ش، 193؛ الحلي، 1402هـ، 228). مع التوضيحات المذكورة، يمكن استنتاج أن الرواية المذكورة، على الأقل من الناحية الاصطلاحية، تُقيّم بأنها موثقة. وقد ذكر بعض علماء الحديث سند الرواية بعبارة «موثق كالصحيح» (المجلسي، 1406هـ، 12: 23).

3. تم استخلاص هذا التعريف من حوار مؤلف المقال المشار إليه مع الأستاذ مهدي مهريزي.

4. لمزيد من الدراسة (راجع: الشريعتي، 1387ش، 141-150؛ 212-223؛ 295-299).

5. في بعض الروايات التفسيرية، ذُكر أن العهد يعتبر نوعاً من العقد (راجع: القمي، 1404هـ، 1: 160).

6. على سبيل المثال: «مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَ اتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين» (آل عمران: 76).

Scroll to Top