دراسة اعتبار رواية «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ» وصلتها بعقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية

الملخص

إن دراسة اعتبار رواية «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» وتبيين صلتها المحتملة بعقيدة الخطيئة الأصلية في الديانة المسيحية، هي المسألة الرئيسة في هذا البحث. وقد أظهرت دراسة أسانيد الرواية أن صحتها السندية معلولة لوجود أنس بن مالك وعلي بن مسعدة في سندها؛ إذ إن الاحتجاج بعلي بن مسعدة، بناءً على آراء علماء الرجال، مشكوك فيه لعدم اتفاق الثقات على صحة أخباره. كما أن كون أنس بن مالك كاذباً بناءً على بعض المستندات الروائية المعتبرة، يمثل علة أخرى تقدح في اعتبار سند هذه الرواية. ومن حيث الدلالة أيضاً، فإن تعارض محتواها مع عقيدة عصمة الأنبياء وأهل البيت (ع) وقرابتها المفهومية مع الفكرة المغلوطة للخطيئة الأصلية في المسيحية، قد أضعف من اعتبارها المضموني.

١. طرح المسألة

إن مقولة الخطيئة قضية حظيت بالاهتمام في جميع الأديان الإلهية وتم تناولها من أبعاد مختلفة. في هذا البحث، تم التطرق إلى الصلة والارتباط المعنوي بين حديث «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» وعقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية. في الدراسات المنجزة، لم يُنشر أي مقال بحثي أو كتاب مستقل يتناول رواية «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» المنسوبة إلى النبي (ص). ولكن هناك العديد من المقالات والمؤلفات التي تناولت نقد وردّ عقيدة الخطيئة الأصلية، ومنها «نقد ودراسة نظرية الخطيئة الأزلية في المسيحية» بقلم بهروز افشار [1]؛ و«عاقبة خطيئة آدم في العهدين والقرآن: السقوط، الخروج أم الهبوط؟» لعبد الرحيم سليماني [2]. وتجدر الإشارة إلى أنه لم يتم العثور على أي كتابة أو مادة تبحث في هذين العنوانين بشكل متوازٍ ومترابط.

لقد استأثر منشأ وكيفية دخول الإسرائيليات إلى المصادر الإسلامية بالعديد من الكتب والمقالات. ولكن ما يتعلق بموضوع هذا المقال هو معيار تشخيصها وتحديدها. ما كان دائماً محط اهتمام مفسري أهل السنة في هذا المجال هو التدقيق في سند الرواية وتراجم رواتها المشكوك في كونها إسرائيلية. فإذا وُجد أشخاص مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهم في سند رواية ما، فإن تلك الرواية تعتبر من الإسرائيليات قطعاً. ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام في هذا المقال هي أن السند وحده لا يمكن أن يكون معياراً لتشخيص رواية إسرائيلية. فمنهج المحققين الإمامية في تحديد الإسرائيليات غالباً ما كان منهجاً يعتمد على المحتوى أكثر من اعتماده على السند. المعيار المهم في كون رواية ما إسرائيلية هو أن يكون محتوى الحديث منسجماً مع المعارف اليهودية والمسيحية والمجوسية من جهة، ومتعارضاً مع المعارف الإسلامية من جهة أخرى. ورغم أن النقل عن شخصيات إسرائيلية يمكن أن يؤيد ذلك، فإن عدم النقل عن شخصيات مشهورة بأنها من الإسرائيليين لا يعني عدم كون الرواية إسرائيلية (فاكر، 1393ش: 380).

تتناول هذه المقالة، بمنهج تحليلي نقدي، البحث في مصادر أهل السنة والشيعة، وتقوم بتقييم سندي لرواية «بني آدم». إن الدلالة النصية ومحتوى هذه الرواية يرتبطان بعصمة الأنبياء وأهل البيت (ع)، مما يفرض على المقالة الدقة والاهتمام الخاص بهذا المضمون. وإضافة إلى ذلك، فإن هذا البحث، بالنظر إلى القرابة المعنوية لهذه الرواية مع عقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية، ينقد صحتها ويعدها من جملة الإسرائيليات.

في هذه المقالة، تم السعي إلى دراسة سلسلة الرواة ووثاقتهم لتقييم صحة سند رواية «بني آدم». ثم جاءت محاولة فهم محتوى الرواية ومضمونها في الخطوة التالية. ونظراً لتشابه مفهوم الرواية المدروسة مع عقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية، تم شرح وتوضيح هذه العقيدة باختصار، وإجراء مقارنة موجزة بين مفهوم هذه العقيدة ورواية «بني آدم».

٢. دراسة المفاهيم

في هذا القسم، سيتم الإشارة باختصار إلى المفاهيم التي يرتكز عليها هذا البحث للتعريف بها.

١-٢. الخطيئة الأصلية (خطيئة آدم)

يعتقد المسيحيون أنه بعد أن عصى آدم (ع) الله وأكل من الشجرة الممنوعة في الجنة، أصبح خاطئاً، وهذه الخطيئة ورثها جميع أبنائه، وبالتالي فإن ذريته ما دامت تتوالد وتتناسل، فإنها تولد خاطئة، وجزاء الخطيئة هو العقاب في الآخرة والهلاك الأبدي الذي لا يمكن الخلاص والفرار منه (الطباطبائي، 1374ش، 3: 459).[3]

٢-٢. رؤية المسيحية

من منظور المعتقدين بالديانة المسيحية، زالت العصمة بفعل خطيئة آدم (ع)، وتشوهت صورة الله التي كانت في الإنسان وضعفت، وأصبح الإنسان عبداً للخطيئة والفوضى ودخل الموت إلى العالم. إلى أن طهّر الله ببركة المسيح (ع) هذه الخطيئة من البشرية؛ وذلك بأن المسيح (ع) الذي كان ابن الله والله نفسه، حلّ في رحم إحدى ذريات آدم، أي مريم البتول، ووُلد منها. تحمل عيسى (ع) الصليب والعذاب والأذى الذي لحق به، وضحى بنفسه لينقذ عباده من عقاب الآخرة ولا يهلكوا هلاكاً أبدياً (نفس المصدر).

٣-٢. عصمة الأنبياء

كلمة «العصمة» – من مادة «عَصَمَ» – تعني في اللغة الإمساك، و«المنع»، و«الحفظ»، والحماية والمنع (الراغب، 1412هـ، 569؛ ابن منظور، 1414هـ، 12: 403). وفي الاصطلاح، تطلق على قوة في وجود الإنسان تمنع صاحبها، مع قدرته على الفعل، من ارتكاب الذنب والخطأ والزلل (مصباح، 1393ش، 121).

يعتقد الشيعة أن النبي (ص) يجب أن يكون معصوماً من جميع الذنوب، صغيرة كانت أم كبيرة، عمداً أم سهواً، قبل النبوة وبعدها (السبحاني، 1372ش، 57).

٣. المصادر والشيوع

تُظهر الدراسات التي أُجريت في المصادر الإسلامية أن هذه الرواية ذُكرت في الغالب في المصادر الروائية والتفسيرية لأهل السنة، ولا يمكن العثور عليها إلا في عدد قليل من الكتب المعاصرة لدى الشيعة. بالإضافة إلى ذلك، ورد نص هذه الرواية بصيغتين:

أ. كُلُّ ابنِ آدمَ خَطَّاءٌ وَ خَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.

ب. كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَ خَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ.

عبارة «كل بني آدم» أكثر شيوعاً من «كل ابن آدم» في مصادر أهل السنة، بينما في مصادر الشيعة، تظهر عبارة «كل ابن آدم» بشكل أكبر. من بين مصادر أهل السنة التي ذكرت هذه الرواية بعبارة «كل بني آدم» يمكن الإشارة إلى مناهل العرفان في علوم القرآن، تهذيب التهذيب، بستان الواعظين ورياض السامعين، ومجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار.[4]

(الزرقاني، بلا تا، 2: 391؛ العسقلاني، 1326هـ، 7: 382؛ الجوزي، 1419هـ، 1: 93؛ الكجراتي، 1387هـ، 5: 403).

من بين كتب الشيعة المشهورة التي استخدمت عبارة «كل ابن آدم»، لم تشاهد إلا في كتاب «مناظرات في الإمامة» (حسن، 1424هـ، 4: 674).

١-٣. مصادر الشيعة

لم يتم تناول هذه الرواية بجدية في مصادر الشيعة. كتاب «نهج الفصاحة» أشار إليها دون ذكر سند (پاینده، 1363ش، 609). «ميزان الحكمة» استخدمها في مدح التوبة إلى الله (محمدي ري شهري، 1377ش، 328). وكذلك كتاب «مناظرات في الإمامة»، في معرض الرد على شبهة التشكيك في صحة الحديث النبوي «الحق مع علي وعلي مع الحق» وتجاهل أفضلية أمير المؤمنين للخلافة و… استعان بهذه الرواية، وفي الكتاب نفسه أجاب على هذه الشبهة (حسن، 1424هـ، 4: 674).

٢-٣. مصادر أهل السنة

بناءً على الدراسات المنجزة، يبدو أن أقدم مصدر نقل هذه الرواية هو مصنف ابن أبي شيبة. وفيما يلي، سيتم التعريف ببعض نماذج مصادر أهل السنة حسب الترتيب التاريخي. وتجدر الإشارة إلى أن هذا العرض لا يعني بالضرورة أن الكتب المتأخرة قد نقلت هذه الرواية وذكرتها عن الكتب المتقدمة.

٣-٣. دراسة اعتبار الإسناد

في سلسلة رواة هذه الرواية، يوجد خمسة رواة: أَحْمَدُ بْنُ مَنِيع، زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَة، قَتَادَة وَأَنَسُ بنُ مَالِك. وفي هذا القسم، سيتم استعراض حال كل منهم رجالياً باختصار.

١-٣-٣. أحمد بن منيع

أحمد بن منيع أبو جعفر البغدادي (ت 244هـ)، من أهل الموصل، وقد ذُكر بالخير في كتب رجال أهل السنة. ينقل المزّي آراء علماء الرجال من أهل السنة فيه فيقول: روى عنه البخاري، ووثقه النسائي. وعرفه أبو زرعة بأنه صدوق، ويعتقد الدارقطني أنه لا بأس به (المزي، 1400هـ، 3: 275). وقد أورده ابن حبان وابن حجر في زمرة الثقات (ابن حبان، 1975م، 2: 78؛ ابن حجر، 1415هـ، 1: 77).

٢-٣-٣. زيد بن الحباب

الحافظ أبو الحسين العكلي الكوفي، أصله من خراسان، ولكنه هاجر إلى الكوفة. يذكر ابن حجر أن وفاته كانت سنة 230هـ، بينما يذكر الذهبي أنها 203هـ. كان رجلاً زاهداً ومحدثاً، وسافر كثيراً إلى الحجاز ومصر والعراق والشام والأندلس في طلب العلم، وكان لعلماء رجال أهل السنة رأي إيجابي فيه. يصفه الذهبي بأنه ثقة، وابن حجر بأنه صدوق، وأبو حاتم بأنه صدوق صالح. وقد أورده ابن حبان والمزي ضمن الثقات (الذهبي، 1998م، 1: 350؛ ابن حجر، 1415هـ، 1: 327؛ الرازي، 1371هـ، 3: 562؛ المزي، 1406هـ، 10: 46؛ ابن حبان، 1975م، 1: 145).

٣-٣-٣. قتادة بن النعمان

ابن نعمان بن زيد بن عامر الأنصاري الظفري، من أصحاب النبي (ص)، ويُروى أنه في غزوة بدر أو أحد خرجت عينه من محجرها، ولكن النبي (ص) أعادها بيده إلى مكانها واستعاد بصره. هذه المسألة تُعتبر فضيلة عظيمة له، وأغنت علماء رجال أهل السنة عن مزيد من التوضيح حول حاله الرجالي (ابن الأثير، 1994م، 4: 370؛ ابن حجر، 1415هـ، 4: 178؛ القرطبي، 1992م، 3: 1275).

٤-٣-٣. أنس بن مالك

أنس، صحابي النبي الكريم (ص) من قبيلة الخزرج في المدينة. كان من المقربين وخادم النبي خلال إقامته في المدينة لمدة عشر سنوات. علماء الرجال الشيعة ليس لديهم رأي إيجابي فيه بسبب سكوته عن واقعة الغدير (ابن أبي الحديد، 1998م، 1: 1022؛ الموحدي الأبطحي، 1375ش، 5: 45؛ الخوئي، 1410هـ، 4: 106).

ينقل أبو يوسف عن أستاذه أبي حنيفة أن جميع الصحابة عدول وموثوقون؛ إلا نفراً منهم أبو هريرة وأنس بن مالك (ابن أبي الحديد، 1998م، 4: 68). وينقل الصدوق في هذا الصدد رواية عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله (ص): أبو هريرة وأنس بن مالك وامرأة» (ابن بابويه، 1403هـ، 190). ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، ويذكره ابن حجر كصحابي مشهور (ابن حبان، 1397هـ، 3: 43؛ ابن حجر، 1415هـ، 1: 84).

٥-٣-٣. علي بن مسعدة

علي بن مسعدة الباهلي البصري، كنيته أبو حبيب البصري. آراء علماء رجال أهل السنة فيه ليست متفقة، وقد سُجلت عنه آراء متناقضة. منهم الجرجاني الذي أورده ضمن الضعفاء (الجرجاني، 1997م، 6: 353).

وفقاً لما نقله المزي، فإن آراء علماء رجال أهل السنة حول علي بن مسعدة هي كالتالي: البخاري: «فيه نظر» (البخاري، بلا تا، 6: 294، 295)، أبو حاتم: «لا بأس به» (الرازي، 1371هـ، 6: 204-205)، يحيى بن معين: «ليس به بأس» (ابن معين، بلا تا، 2: 163)، ابن حجر: «صدوق يهم» (ابن حجر، 1415هـ، 1: 703)، ابن حبان: «يخطئ، ولا يتابع على قلة روايته وانفراده. فالأولى ترك الاحتجاج به إذا انفرد؛ لأن الثقات لم توافق أخباره أخبارهم» (ابن حبان، بلا تا، 2: 111)، العقيلي: «فيه نظر» (العقيلي، 1418هـ، 3: 250).

يذكر المزي، بعد نقل ما سبق، المصادر التي وردت فيها رواية «بني آدم»، وتكملة هذه الرواية كما وردت في مسند أحمد بن حنبل: «… وَلَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ» (المزي، 1406هـ، 21: 130).

بعض علماء أهل السنة، على الرغم من وجود علي بن مسعدة في سلسلة رواته، قد ذكروا أن سند الرواية المذكورة حسن وقوي، واطمأنوا إلى صحته. ذكر ابن ماجه، ضمن نقله لآراء أخرى لعلماء رجال أهل السنة، هذه الرواية في باب التوبة، وحكم على سندها بالحسن. وفيما يلي إشارة موجزة إلى بعض هذه الأقوال.

وثقه أبو داود الطيالسي، وهو عند ابن معين صالح، ولا بأس به في رأي أبي حاتم. ضعفه البخاري وأبو داود والنسائي، ويعده الذهبي وزين العراقي ضعيفاً، ولكن الحاكم النيسابوري يصحح روايته. وأبدى ابن القطان رأياً مبهماً فيه (ابن ماجه، 1430هـ، 321).

وقد حسنه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني وقبله (الألباني، 2000م، 3: 216). ومن جهة أخرى، وصف الترمذي هذا الحديث بأنه غريب ومنفرد (الترمذي، بلا تا، 4: 659 و 240).

في المجمل، على الرغم من أن علماء أهل السنة المعاصرين لا يرون إشكالاً في سند هذه الرواية، إلا أنه بالنظر إلى اختلاف الآراء حول رواتها، لا يمكن الاعتماد على اعتبارها.

٤. الدلالة

في هذا القسم من المقال، سيتم أولاً شرح بعض مفردات رواية «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» باختصار، ثم يتم دراسة محتواها بشكل عام.

١-٤. خطاء

«خطّاء» في معناها الوضعي، هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل «خاطئ» أو «مخطئ». «الخطأ» يعني الذنب، والزلل الذي هو ضد الصواب، والانحراف والابتعاد عن مسار إلى مسار آخر. «خطّاء» هو الشخص الذي يكثر منه الذنب والزلل. وقد عرّف الراغب «الخَطَأ» بأنه العدول عن جهة إلى أخرى (الراغب، 1412هـ، 287). وذكر البعض أيضاً أن معنى «الخطأ» هو الزلل (ضد الصواب) والذنب (الإثم والذنب) (الحسيني الزبيدي، 1414هـ، 1: 145؛ القرشي البنائي، 1412هـ، 2: 258).

ينقسم المعنى الاستعمالي للخطأ والاشتباه إلى ثلاثة أقسام:

القيام بعمل غير لائق عن عمد وعدم اكتراث. هذا النوع من الخطأ يترتب عليه مسؤولية ومساءلة، وهو بمثابة الجهل العمدي.

أن يريد الشخص فعلًا لائقًا، ولكنه يرتكب خلافه؛ كمن يقصد صيد طائر، ولكنه يقتل إنساناً بالخطأ.

أن يريد الشخص فعلًا مخالفًا، ولكنه يقوم بفعل جيد بالخطأ. هذا الشخص مذموم على نيته وغير ممدوح على فعله (الراغب، 1412هـ، 287-288).

بناءً على التوضيحات السابقة، فإن معنى «خطّاء» ينقسم إلى قسمين:

١. فعل عمدي، يطلق عليه في اللغة «خَطَأ» (الحميري، 1420هـ، 3: 1839)، ويُقال لفاعله «خاطئ» (الجوهري، 1407هـ، 1: 47).

٢. فعل سهوي، يعادله في اللغة لفظ «خَطَأ» (الحميري، نفس المصدر)، ويُقال لفاعله «مُخطئ» (الجوهري، نفس المصدر).

وعليه، فإن «خَطَأ» و«خَطّاء» سواء في الحالات العمدية أو غير العمدية، تعني الشخص الذي يشتد خطؤه ويكثر منه (الحسيني الزبيدي، 1414هـ، 1: 147). ويمكن اعتبار هذا المفهوم نفسه بالنسبة للزلل أيضاً.

٢-٤. كل

أحد استخدامات كلمة «كل» في الأدب العربي هو الاستغراق. الاستغراق في اللغة يعني «شمول الجميع»، وفي اصطلاح علم المعاني، هو أن يدل حكم كلي على جميع أفراد جنس ما؛ إلا أن يُستثنى البعض من ذلك الحكم (ابن هشام الأنصاري، 2000م، 3: 84-87). وفي علم أصول الفقه، يكون الاستغراق على عدة أنواع، نشير إلى نوعين منها ونبحث في تطبيقهما في هذه الرواية:

١. استغراق أفرادي ٢. استغراق أجزائي.

• إذا كان لفظ «كل» بمعنى الاستغراق الأفرادي، فإن المراد من الجزء الأول من هذا الحديث سيكون: جميع أفراد البشر، فرداً فرداً، خطّاءون.

• وإذا كان لفظ «كل» بمعنى الاستغراق الأجزائي، فسيكون المعنى كالتالي: جميع أجزاء وجوارح الإنسان، خطّاءة.

يعتقد البعض أنه إذا كان اللفظ بعد «كل» نكرة أو جمعاً معرفاً، فإن المقصود بـ«كل» هو استغراق الأفراد، وفي غير هذه الحالة – أي إذا كان اللفظ بعد «كل» مفرداً معرفاً – فإنه يعني الاستغراق الأجزائي (الخراساني، بلا تا، 216؛ النائيني، 1378ش، 1: 443-444).

بما أن عبارة «بني آدم» معرفة وهي في معنى الجمع، فإن كلمة «كل» في هذا الحديث تفيد معنى الاستغراق الأفرادي.[5]

٣-٤. التوابون

«التَّوَّاب» يعني كثير التوبة. أي كلما تاب من بعض الذنوب، يتوب تباعاً حتى يتركها جميعاً (الراغب، 1412هـ، 169).

٥. دراسة اعتبار المتن

بغض النظر عن دراسة سند الرواية بهدف تحديد صحتها، فإن تناول متنها ومحتواها يُعدّ أيضاً من شروط تقييم الحديث. وفيما يلي، سيتم شرح موجز لمعايير نقد متن الرواية.

١-٥. معايير نقد المتن في دراسة الحديث

لقد وضع باحثو الحديث معايير لتمييز الروايات الصحيحة من غيرها التي تسربت عبر الزمن إلى مجموعات الحديث. هذه المعايير تتعلق من جهة بسند الحديث، ومن جهة أخرى بمتن الأحاديث. وبما أن دراسة سند الحديث تواجه قيوداً، فإن دراسة المتن هي أهم وسيلة لتقييم الحديث، حتى إنه في حال صحة السند، يمكن أن يحكم ببطلان الحديث. القرآن، السنة، شأن المعصوم، العلم، الواقع، العقل، والتاريخ هي أمور يمكن نقد الرواية في حال تعارضها معها. ويجب أن يضاف إلى كل هذا، الانحياز للتيارات السياسية والكلامية والفقهية، والتي تشكل بمجموعها ثمانية معايير أساسية في تقييم المتن (نفيسي، 1380ش، 13).[6]

إن أهم العوامل التي تثير الشك في صحة متن رواية «بني آدم» هي مخالفتها للقرآن والسنة والعقل، والتي سيتم عرض أدلتها فيما يلي.

كما أشير سابقاً، بناءً على معتقدات الشيعة، فإن الأنبياء والأئمة (ع) معصومون من ارتكاب أي ذنب. ولكن هذه الرواية، باستخدام كلمة «كل» التي تفيد العموم، وعدم استثناء الأنبياء والأئمة (ع) من شمول الأفراد، تمهد لزيفها. بعبارة أخرى، رواية «بني آدم» في تعارض واضح مع آيات القرآن. هناك آيات كثيرة تدل على وجود وضرورة عصمة الأنبياء (ع)، على الرغم من أن كلمة «عصمة» لم تذكر فيها. من بينها يمكن الإشارة إلى ما يلي:

أ. في القرآن الكريم، هناك آيات تعد الأنبياء (ع) من المخلَصين، مثل الآيات 45 إلى 48 من سورة «ص». والمخلَص هو من لا تصل إليه يد الشيطان المضلّة.

ب. الآيات التي تدل على وجود «الهداية الإلهية» في الأنبياء كثيرة في القرآن المجيد، مثل الآيات 84 إلى 90 من سورة الأنعام. ومن شملته الهداية الإلهية، لا معنى للضلال والزلل فيه.

ج. أمر الله تعالى في آيات متعددة باتباع الأنبياء (ع)، ودعا الناس إلى طاعتهم طاعة مطلقة. مثل الآيتين 31 و32 من سورة آل عمران، والآية 80 من سورة النساء، والآية 52 من سورة النور. ومن الواضح أن وجوب الطاعة المطلقة لشخص يدل على وجود العصمة في ذلك الفرد.

د. الآيات 26 إلى 28 من سورة الجن، تدل على الحفظ الشامل للأنبياء (ع) من قبل الله.

هـ. آية التطهير (الأحزاب: 32) تدل بوضوح على وجود العصمة في شخص النبي الخاتم (ص).

إن أشهر وأوثق مستند لعصمة أهل البيت في سنة النبي (ص) هو حديث الثقلين المتواتر، وهو دليل آخر على رد هذه الرواية. بالإضافة إلى ذلك، فإن أهم وأقوى رواية تتحدى الشبهات الموجودة حول عدم عصمة الأنبياء على أساس المحتوى هي مناظرة الإمام الرضا (ع) في بلاط المأمون (ابن بابويه، 1404هـ، 2: 171-172).

من جهة أخرى، فإن خاصية الاستغراق الأفرادي لكلمة «كل» في هذه الرواية، بالإضافة إلى نقضها لعصمة الأنبياء والأئمة الأطهار (ع)، تتضمن مضموناً آخر، وهو اعتبار الرضع والأطفال مذنبين. وهذا المفهوم أيضاً في تعارض واضح مع آيات القرآن. آيات مثل «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي…» (الإسراء: 85) و«…وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي…» (الحجر: 29)، تعرف روح الإنسان بأنها إلهية ومنزهة عن كل دنس. وكذلك آيات مثل «ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً… ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» (المؤمنون: 14) تصف مسار خلق الإنسان بطريقة تؤدي إلى خلق روحاني تحت الأمر الإلهي.

من منظور العقل أيضاً، لا يمكن القبول بأن الإنسان يكون مذنباً دون أن يرتكب أي فعل. بعبارة أخرى، يقع الفعل أولاً ثم يتم تقييمه من حيث الخير والشر، وبالتالي الذنب والثواب. في هذه الرواية، تم تجاهل هذه المسألة بالنظر إلى خاصية الاستغراق الأفرادي لكلمة «كل» التي تشمل الرضع أيضاً.

النقطة الجديرة بالاهتمام في رواية «بني آدم» هي تشابه محتواها مع عقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية، مما يرجح احتمال كونها من الإسرائيليات. لذلك، في القسم التالي، سيتم توضيح مفهوم الإسرائيليات ودراسة هذا الادعاء.

٢-٥. معيار كون الروايات من الإسرائيليات

كلمة «الإسرائيليات»، على الرغم من أنها تشير ظاهرياً إلى القصص المروية والمنقولة عن المصادر اليهودية، إلا أن علماء التفسير والحديث قد وسعوا معنى هذه الكلمة لتشمل أكثر من ذلك. هذه الكلمة في اصطلاح العلماء تدل على كل ما ينسب في التفسير والحديث والتاريخ إلى الأساطير القديمة التي تعود في أصل روايتها إلى مصدر يهودي أو مسيحي أو غيرهما. بل إن بعض المفسرين والمحدثين يعتقدون أن الإسرائيليات تشمل تلك الأقوال التي أدخلها أعداء الإسلام من اليهود وغيرهم في التفسير والحديث، والتي لا يوجد لها أي مصدر أو دليل من المصادر القديمة (معرفت، 1418هـ، 2: 80). بعبارة أخرى، يمكن لرواة هذا النوع من الروايات أن يكونوا يهوداً أو غير مسلمين، ولكنهم أخذوا مثل هذه المضامين من حكايات وأحكام التوراة من اليهود ومصادر أخرى.

إن طريقة تشخيص الإسرائيليات، كأي رواية أخرى، هي عرضها على المعايير والمبادئ المقبولة في علم دراية الحديث. إن الاهتمام بمحتوى الرواية لتشخيص كونها إسرائيلية كان دائماً محط اهتمام علماء الشيعة. هناك آيات كثيرة في القرآن حول الأنبياء، استخدم مفسرو أهل السنة الإسرائيليات في تفسيرها، وبسبب اعتبارهم لسند الرواية فقط، سلبوا العصمة من الأنبياء. لكن رد فعل معظم مفسري الشيعة على هذا النوع من الروايات كان سلبياً دائماً. على سبيل المثال، يرفض العلامة الطباطبائي العديد من الروايات ذات السند المعتبر التي تتعارض مع العقل والنص القرآني (أوسي، 1381ش، 351-357). من بينها الروايات المتعلقة بعصمة النبي يوسف (ع)، وأسطورة الغرانيق، وقصة هاروت وماروت (الطباطبائي، 1417هـ، 11: 127-306 و 14: 396 و 1: 239).

مثال آخر هو قصة زوجة أوريا والنبي داود، والتي تم نفيها بناءً على متن الرواية (الطوسي، بلا تا، 8: 554-555؛ الطبرسي، 1406هـ، 8: 354-355). بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض المفسرين في جميع العلوم يبحثون في المحتوى فقط ولا يولون أهمية لسند الرواية (ياقوتيان، 1380ش: 88 – 110).

على الرغم من أنه لا يمكن الجزم بناءً على سند الرواية بأن رواتها كان لديهم ميل لتعاليم المسيحية أو كانوا على علم بهذا النوع من المعتقدات في المسيحية، إلا أن تشابه محتوى ومضمون هذه الرواية مع عقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية من جهة، وعدم اعتبار سند هذه الرواية من جهة أخرى، يزعزع أسس قبول صدور هذه الرواية عن النبي (ص) ويعزز احتمال كونها إسرائيلية.

لتوضيح التشابه بين هذه الرواية وعقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية وكونها إسرائيلية، سيتم في ما يلي الإشارة إلى شرح موجز لهذا المعتقد في المسيحية.

٦. صلة الرواية بعقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية

وفقاً لما قيل حول الاستغراق الأفرادي لكلمة «كل»، فإن جميع البشر، فرداً فرداً، مذنبون. نطاق هذا التعريف يشمل جميع الأعمار والأجناس عبر التاريخ، حتى الرضع. كأن الإنسان يولد بالخطيئة والخطأ، وارتكاب الخطيئة في ذاته. هذا المعنى يشبه إلى حد كبير الاعتقاد الخاطئ للمسيحيين بعقيدة الخطيئة الأصلية، مما أدى إلى التشكيك في اعتبار هذه الرواية. وفيما يلي، سيتم دراسة هذه العقيدة.

١-٦. عقيدة الخطيئة الأصلية

إن اعتبار الخطيئة ذاتية للإنسان، يدفع الباحثين نحو الإيمان وعقيدة «الخطيئة الأصلية» في المسيحية، ويبرز تشابهها مع مفهوم هذه الرواية. إن أوضح وأبلغ مصدر لشرح هذا الاعتقاد هو الكتب المقدسة في العهد القديم والجديد، والتي سيتم الإشارة إلى بعض الأدلة منها فيما يلي.

كان آدم (ع) يعيش في الجنة حياة مرفهة ومريحة. عصى أمر الله بأكله من الثمرة الممنوعة وتلوث بالخطيئة (توكلي، 1384ش، 136). هذا الأمر نفسه أدى إلى انقطاع علاقة المحبة التي كانت له مع الله (أوغسطين، 1890م، 436)، وهبوطه من الجنة إلى الأرض، وحُكم عليه بالموت والمعاناة والعذاب. عندما ارتكب آدم (ع) مثل هذه الخطيئة، امتزجت ذاته بالخطيئة، وأهدى هذه الخاصية للبشر. بحيث يولد جميع البشر بفطرة ملوثة بالخطيئة ويرثون هذه الخطيئة. في التوراة، المزامير، يقول داود هكذا: «هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيئَةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي» (مزامير 51: 5). بناءً على هذه الآية، يُقال إن داود نفسه يعترف بأنه كان خاطئاً منذ أن كان في بطن أمه. في الإنجيل، يُعرّف الإنسان بأنه معيب ومغضوب عليه من الله. جاء في هذه الآية: «وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا» (رسالة بولس إلى أهل أفسس 2: 3).

بعبارة أخرى، الإنسان يخطئ بالطبيعة ولا خيار له سوى ذلك. بسبب خطيئة آدم (ع)، شمل الغضب واللعنة جميع البشر وهم مستحقون للعقاب، والموت والعذاب الذي نعاني منه نحن البشر هو عقاب على هذه الخطيئة الأصلية (رومية، 5: 12؛ 8: 9). بناءً على هذه النظرية، فإن الرضع أيضاً ليسوا مستثنين من هذا الأمر. قرر الله من خلال عيسى المسيح أن ينقذ الإنسان من هذه الحالة الملوثة بالخطيئة؛ لذا صُلب المسيح ليُكفِّر عن هذه الخطيئة. في الواقع، صُلب المسيح لتُطهَّر خطايا البشر (نفس المصدر، 3: 6؛ 5: 8-9).

وقد ذُكر أن الخطيئة الأصلية هي عدم الإيمان، والتكبر، والشهوة (تيليخ، 1381ش، 2: 71-83). سواء كانت شهوة جسدية أو شهوة روحية وفي جميع أعضاء الجسد. على الرغم من أن المراد بالشهوة غالباً هو الشهوة الجنسية (أوغسطين، 1890م، 443).

إيريناوس، الكاتب واللاهوتي في القرن الثاني الميلادي (خوشقاني، عليزماني، 1389ش، 2)، يكتب عن الخطيئة الأصلية: «حواء بهذه المعصية، جلبت الموت لنفسها ولجميع الجنس البشري. نحن جميعاً من آدم، وبما أننا جميعاً من آدم، فإننا ورثة لصفاته. في الواقع، من خلال آدم الأول، عصينا الله» (إيريناوس، 1992م، 3: 22، 4، 3: 23، 2). ترتليان، من الكتاب قبل أوغسطين، يعتقد أيضاً: «بسبب خطيئة آدم، أصاب الموت الإنسان، وكل الجنس البشري الذي كان من نطفة آدم، كان ناقلاً للحكم» (ترتليان، 1914م، 3: 2).

٢-٦. مقارنة محتوى الرواية بعقيدة الخطيئة الأصلية

تتوافق عقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية مع الجزء الأول من رواية «كل بني آدم». كما أشير إليه، في عقيدة الخطيئة الأصلية، يولد جميع البشر، سواء كانوا عاديين أو أنبياء (ع)، ملوثين بالخطيئة إلى الدنيا. هذه الخطيئة ذاتية في الإنسان وملازمة له.

يقول الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: «… كلنا نموت لأننا من نسل آدم الخاطئ، لأنه حيثما توجد الخطيئة، يوجد الموت أيضاً» (رسالة بولس إلى أهل كورنثوس 15: 21-22). وكذلك في رسالته إلى أهل أفسس يكتب: «… أسلوب حياتنا كان يدل على طبيعتنا الدنسة. كنا أسرى لأهوائنا وأفكارنا القذرة، وكنا نقدم على كل عمل شنيع. ولدنا بهذه الطبيعة المتمردة، ومثل الآخرين تماماً، كنا تحت غضب الله وسخطه» (رسالة بولس إلى أهل أفسس 2: 1-3) (ملا يوسفي، معماري، 1390ش، 109).

هذا المضمون يمكن أن يكون فهماً آخر للجزء الأول من رواية «بني آدم». بمعنى أن شمول كلمة «كل» يشمل جميع البشر، ومثل عقيدة الخطيئة الأصلية، لا يستثني الأنبياء (ع) ولا حتى الرضع. هذا الأمر نفسه يعزز احتمال كونها إسرائيلية.

لا يتقبل العلامة الطباطبائي تلوث آدم وذريته وذاتية الخطيئة فيهم، ويرى هذا الادعاء غريباً عن العقل والنقل. من وجهة نظره، قول المسيحيين بأن آدم أخطأ وأصبحت الخطيئة ملازمة له، هو قول غير مدروس وغير لائق؛ لأن الله بعد أن أكل آدم من تلك الشجرة، وخروجه من الجنة وقبول توبته، اجتباه ونظر إليه بعين الرحمة: «… ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ». ويؤيد عقل الإنسان أيضاً توجه القرآن؛ لأن من شؤون المولى أن يضع ثواباً وعقاباً لضمان بقاء التكليف وضمان تنفيذه مقابل امتثال الأمر والنهي، والتمرد عليه. ومن شؤون المولوية أيضاً، توسيع نطاق الثواب والعقاب ليشمل جميع المطيعين والعصاة. وكذلك من شؤونه، حرية المولى في دائرة المولوية والتصرف فيها كيفما يشاء، أي يمكنه أن يغض الطرف عن زلات المذنبين بمغفرته. ولا شك في حسن المغفرة من السادة وأصحاب القدرة، ومع افتراض ملازمة الخطيئة للإنسان، لا يبقى مجال للمغفرة. في حين أن القرآن الكريم وحتى الكتاب المقدس قد تطرقا لذلك. ويضيف: وأما أن خطيئة آدم قد جعلت أبناءه ونسله مذنبين أيضاً، فهذا بعيد عن الحقيقة؛ لأن لازم ذلك هو أن خطيئة كل إنسان تُعتبر خطيئة للآخرين، وأن العواقب الوخيمة لكل خطيئة تلحق بالآخرين الذين لم يرتكبوها. القرآن لا يقبل هذا القول بأن خطيئة شخص معين تُعتبر خطيئة لأبنائه أيضاً، سواء رضوا بذلك أم لم يرضوا! آيات مثل: «أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» (النجم: 38-39) تشير إلى هذه الحقيقة (الطباطبائي، 1417هـ، 1: 133-137؛ ملا يوسفي، معماري، 1390ش، 120-121).

يجب ألا يغيب عن البال أن وجه التمايز بين هذه الرواية وتعاليم المسيحية هو الجزء الثاني من الرواية. التشجيع على التوبة والعودة إلى الله، هو موضوع أدى إلى استخدام معظم علماء أهل السنة ومجموعة من الشيعة لهذه الرواية، كما أن اختلاف تعاليم المسيحية في باب التوبة مع الإسلام يمثل عائقاً أمام الالتفات إلى الجزء الأول من الرواية.[7]

٧. الاستنتاج

إن دراسة رواية «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» تكشف عن نقاط مهمة، يسهم استعراضها في تمييز صحة هذه الرواية. وهذه النقاط هي كالتالي:

إن وجود رواة مثل علي بن مسعدة وأنس بن مالك في سلسلة رواة هذه الرواية، على الرغم من وجود رواة ثقات في سندها وحسن ظن علماء أهل السنة باعتبارها، يجعل قبولها كرواية صحيحة أمراً صعباً.

أنس بن مالك، بسبب سكوته عن واقعة الغدير، ووصفه بالكاذب من قبل الإمام الصادق (ع)، ليس له سجل مشرق بين الشيعة. من ناحية أخرى، يقول ابن حبان عن علي بن مسعدة: «يخطئ، ولا يتابع على قلة روايته وانفراده. فالأولى ترك الاحتجاج به إذا انفرد؛ لأن الثقات لم توافق أخباره أخبارهم».

إن شيوع هذه الرواية في مصادر أهل السنة مقارنة بمصادر الشيعة يدل على عدم اهتمام علماء الشيعة بها، سواء من حيث السند أو المحتوى.

«خطّاء» تعني الشخص الذي يكثر منه الذنب والزلل. وبما أن عبارة «بني آدم» في هذه الرواية معرفة، وهي في معنى الجمع، فإن كلمة «كل» في هذا الحديث تفيد معنى الاستغراق الأفرادي.

«التَّوَّاب» يعني كثير التوبة. وبناءً على ذلك، سيكون معنى الرواية كالتالي: جميع أفراد البشر، فرداً فرداً، خطّاءون جداً. هذا المضمون لا يتعارض فقط مع عصمة الأئمة وأهل البيت، بل يتعارض أيضاً مع روح تعاليم دين الإسلام التي تعتبر فطرة الإنسان وذاته مطهرة ومستمدة من روح الله.

من خلال نظرة أدق إلى مضمون ومحتوى هذه الرواية ومراجعة موجزة لمبادئ العقيدة المسيحية، يتضح أن بصمات عقيدة الخطيئة الأصلية في عالم المسيحية تظهر في هذه الرواية. في هذه العقيدة، تنتقل خطيئة آدم (ع) وعصيانه لأمر الله كخطيئة موروثة إلى نسل البشر، ويولد الناس منذ البداية كخاطئين بالطبيعة، وهذا التصور مرفوض من وجهة نظر الإسلام.

في المجمل، من ناحية، بالنظر إلى السند المعلول للرواية، ومن ناحية أخرى، محتواها المثير للشبهات، فإن قبول صدورها عن النبي محمد (ص) أمر صعب. بالإضافة إلى ذلك، فإن تطابق مضمون الرواية مع عقيدة الخطيئة الأصلية في المسيحية يعزز نظرية اقتباس هذه الرواية من الديانة المسيحية، على الرغم من عدم وجود دليل سندي يثبت تدخل رواة لديهم علاقة أو سابقة بالدين المسيحي.

الهوامش

1. معرفة الأديان، السنة الخامسة، العدد الأول، المسلسل ١٧، شتاء ٢٠١٤م، ص ٦٩-٧٩.

2. هفت آسمان (السماوات السبع)، ربيع ٢٠٠٧م، العدد ٣٣، ص ١٩٣-٢١٨.

3. Original Sin (الخطيئة الأصلية).

4. للأسف، توجد في كتب أهل السنة المشهورة معتقدات باطلة في هذا المجال حول الأنبياء (ع)، وقد بيّن العلامة الحلي (قدس سره) بعض تلك الموارد والرد عليها في كتاب «عصمة الأنبياء» ابتداءً من الصفحة ١٤٢ وما بعدها (الحلي، ١٩٨٢م، ص ١٤١).

5. في فهم هذه الرواية، استفدتُ كثيراً من شرح حديث: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَ خَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» لمسعود رضانژاد فهادان المنشور في موقع راسخون. (المؤلف).

6. بعض هذه المعايير هي: «التعارض مع الآيات القرآنية، التعارض مع الروايات القطعية، التعارض مع التاريخ القطعي، التعارض مع العقل…»

7. في المسيحية، هناك طريقان للتوبة: المعمودية والاعتراف لدى الكاهن. المعمودية متجذرة في نظرية الخطيئة الأولى. فالمعمودية في الواقع هي الخروج من هذا التلوث والدخول إلى الطهارة. وبالتالي، فالمعمودية هي تطهير نفس الإنسان من الخطيئة الأصلية. في المسيحية، يتمتع الكهنة بالحجية والحصانة وقد أخذوا مصداقيتهم من عيسى المسيح (آقچه كهريزي، ١٣٩٠ش، ٤٧-٤٨). بناءً على معتقد المسيحيين، أعطى عيسى (ع) صلاحيات لرسله: «فقال لهم يسوع أيضا: سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت» (يوحنا، ٢٠: ٢١-٢٣). في مسار مراحل التوبة، يعترف الشخص المذنب لدى الكاهن، والكاهن أيضاً يغفر خطاياه بفرض فدية وكفارة، وبهذه الطريقة يُغفر للشخص المذنب.

Scroll to Top