المستخلص
إنّ الإلمام بمباني فقه الحديث ضروريّ لمعرفة الحقائق والمقاصد المطروحة في الروايات. ويحتاج المفسرون، شأنهم شأن المتكلمين والمحدثين والفقهاء، إلى توظيف هذه المباني. فهم، بالاستناد إلى هذه المباني، يكشفون عن مقصود الروايات التفسيرية ويوظفونها في تبيين كلام الله. إن تشتت المباحث الحديثية في التفاسير، وكونها فرعًا على المباحث التفسيرية، والاجتناب عن المباحث النظرية الصرفة، قد جعل الإحاطة بمباني فقه الحديث لدى المفسرين والحكم عليها أمرًا عسيرًا. تسعى هذه الدراسة، بالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، إلى استخراج مباني فقه الحديث لدى جوادي آملي وتبويبها وتحليلها. وبناءً على نتائج هذا البحث، فإن أهم مبانيه في فقه الحديث تتمثل في: قبول نظام تعدد المعاني في الروايات، وضع اللفظ لروح المعنى، أصالة استعمال ألفاظ الروايات في المعنى الحقيقي، والتوجه إلى الاجتهاد على أساس الروايات. وتتجلى فائدة هذا البحث بوضوح في مجال دراسات منهجية التفسير، وكذلك في الدراسات التأسيسية لعلوم الحديث، ولا سيما فقه الحديث.
1. طرح المسألة
الحديث هو المصدر الثاني المعتبر لفهم المعارف الإسلامية بعد القرآن الكريم. ولهذا السبب، حظيت علوم الحديث باهتمام المحدثين والفقهاء والمتكلمين والمفسرين منذ القدم. وقد تركزت جُلُّ جهود العلماء في مجال علم الحديث على محورين أساسيين: إحراز اعتبار سند الحديث، وبعد ذلك، «فقه الحديث».
وقد أولى المفسرون، من بين المحورين المذكورين، اهتمامًا أكبر بفقه الحديث؛ إذ إن التوصل إلى المعنى الصحيح للحديث، بهدف الاستفادة منه في تفسير الآيات، رهين بهذا العلم. وقد عمدوا، خاصة في التفاسير الجامعة، بالاعتماد على التعاليم المستقاة من الأحاديث التفسيرية، إلى تبيين الآيات. ويعد تفسير “تسنيم” أحد هذه التفاسير التي أفادت من الحديث بشكل واسع ومكثف. ويهدف هذا البحث إلى دراسة أهم مباني فقه الحديث لدى جوادي آملي في تفسير تسنيم.
إن دراسة تاريخ علم التفسير منذ نشأته وحتى يومنا هذا، قبل تشكل المدارس والمناهج التفسيرية وبعدها، تشير إلى حضور بارز للحديث إلى جانب التفسير. فقبل ظهور هذه المدارس، كانت التفاسير الأولى المدونة تعتمد في معظمها على الروايات المبيّنة للتفسير. ولم يستطع تشكّل المدارس والمناهج التفسيرية المتنوعة أن يقلل من حضور الحديث ودوره الفاعل في التفسير، بل استمر هذا التلازم بصورة منظمة في إطار المدرسة التفسيرية الروائية، حتى أصبحت مدرسة راسخة. كما أن المدارس التفسيرية الأخرى لم تستغنِ عن الرجوع إلى الحديث والاستفادة منه.
بيد أن كمية وكيفية الاستفادة من الحديث في التفاسير ليست متساوية؛ فبعض المفسرين يستعين به على نطاق واسع، وبعضهم الآخر بصورة محدودة. ولكن ما يؤدي دورًا حاسمًا في كيفية تعامل كل مفسر مع الحديث هو مبانيه التفسيرية. وفي هذا السياق، كان لطرح نظرية «استغناء القرآن عن غيره في إلقاء مقصوده» دور في تمهيد الطريق لمبدأ جديد في ساحة التفسير. فبناءً على هذه النظرية – التي تبناها العلامة الطباطبائي ومن وافقه في الفكر – فكما أن القرآن تبيان لكل شيء غيره، فهو في مقام بيان مقصوده لا يعتمد على أي مصدر آخر ولا يحتاج إلى أي عنصر خارجي (الطباطبائي، د.ت، 1: 6، 11؛ 3: 35، 85). وقد شكلت هذه الرؤية، على الأقل في الوهلة الأولى، تحديًا أساسيًا أمام دور التفاسير الروائية والأحاديث التفسيرية.
وقد عمد عدد من المفسرين، مع التزامهم الكامل بالنظرية المذكورة، إلى النقل الواسع للأحاديث التفسيرية. وأثار هذا التوجه الجديد تساؤلات مهمة، منها: «إذا كان القرآن في إلقاء معارفه مستغنيًا عن غيره، فما ضرورة ذكر الروايات التفسيرية عن المعصومين (ع)؟» و «أي حاجة في علم التفسير تلبيها الروايات التفسيرية؟».
يبدو أن الإجابة عن هذه الأسئلة فيما يتعلق بمكانة الروايات في تفسير تسنيم ضرورية في هذا المقام، ولو بشكل موجز.
يُعد جوادي آملي من المفسرين الذين يعتقدون أن القرآن لا يحتاج في تفسيره إلى غيره، وأن تفسير أي آية لا يتوقف على السنة (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 138). ولكنه يؤكد دائمًا أنه لا يمكن العلم بمفاد القرآن دون الرجوع إلى الروايات (نفسه، 164)، وأن الفصل بين هذين الأمرين في مجال ألفاظ القرآن، وآيات الأحكام، والمعارف الكلامية والعرفانية وغيرها، غير ممكن (نفسه، 9: 564). وهو في الواقع يلتزم بهذا القول التزامًا تامًا. وعليه، فإن هذا السؤال المهم حول تفسير تسنيم مطروح بقوة.
النقطة المهمة في الإجابة عن هذا السؤال هي أن جوادي آملي يرى أن القرآن مستغنٍ عن الروايات في باب «التفسير» فقط، و«التفسير» في نظره هو كشف القناع عن وجه الكلام الذي أُلقي وفقًا لقانون المحاورة ولم يكن معناه واضحًا (نفسه، 1: 53). وبما أن القرآن واضح وخالٍ من الإبهام، فهو لا يحتاج حتى إلى التفسير الروائي (جوادي آملي، قرآن در قرآن، 1388ش، 389).
ولهذا السبب، يعتقد أنه حتى الروايات التي تأتي في مقام تبيين الجزئيات لا تُعد تفسيرًا، وإنما هي مجرد مبيِّنة لحدود جزئيات الآيات (نفسه، تسنيم، 1388ش، 1: 140).
ويرى الأستاذ أنه إذا ما ذُكر التفسير الروائي، فإما أن يكون من باب تطبيق الآية على مصداق، وإما أن الأئمة (ع) يزيحون حجب الإدراك والشهود ليرى الناس تجلي الرب بصورة أفضل (شاهرودي، 1379ش، 85). وبما أن «التفسير» هو لبيان المعاني المستعملة فيها الألفاظ، والمصاديق الخارجية ليست من المستعمل فيه للألفاظ أبدًا (نفسه، 13: 152)، وهذا الأمر يصدق بوضوح أيضًا على الطبقات الباطنية للآيات، فإن الروايات التطبيقية والباطنية لا تُحسب من تفسير الآيات.
بناءً على ذلك، يكون اعتقاد المفسر بأن القرآن لا يحتاج في تفسيره إلى غيره، ولا حتى إلى الروايات، صحيحًا؛ لأن جزءًا كبيرًا من روايات تفسير تسنيم هي من باب التأييد فقط. ولو لم تصدر هذه الروايات عن لسان المعصومين (ع)، لكان بإمكان المفسر أن يستنبط المعنى الصحيح للآيات عن طريق تفسير القرآن بالقرآن (كمثال، انظر: تسنيم، 1388ش، 1: 142؛ 1389ش، 165؛ 1388، 8: 442، 343؛ 16: 210؛ 1389ش، 17: 51، 444). إلا أن الاهتمام الشديد للمفسر بنقل هذه الأحاديث خطوة بخطوة يرجع إلى الأهمية التي يوليها للصلة بين القرآن والسنة.
أما القسم الكبير من أحاديث تسنيم، فهو من قبيل التطبيق، وبيان الجزئيات، والبطن، وتأويل الآيات، والتي لا يمكن إنكار دورها في فهم القرآن فهمًا أعمق. وعليه، فإن الاعتقاد باستقلال القرآن لا يعني أبدًا الاستغناء عن السنة، بل هناك ارتباط مباشر بين نجاح المفسر في تبيين آيات القرآن وكيفية فهمه للروايات.
نقطة أخرى هي أن سعي مفسرين مثل جوادي آملي لطرح نظرية استقلال القرآن في التفسير يهدف إلى إزالة وهم أن آيات القرآن ألغاز لا يفهمها إلا المعصومون (ع)، وبالتالي لا يجوز استنباط الأحكام من ظاهر القرآن دون الروايات (استرآبادي، 1424ق، 47-48) (انظر: جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 86).
وفي هذا السياق، تكتسب كيفية فهم الروايات أهمية بالغة، وما ينظم هذه العملية هو مباني فهم الحديث. ويهدف هذا البحث، من خلال التأمل في مباني فقه الحديث لدى المفسر والتركيز على تفسير تسنيم، إلى إيضاح أبعاد مهمة من هذا الموضوع.
ويسعى هذا البحث للإجابة عن الأسئلة التالية:
إلى أي مدى يهتم تفسير تسنيم بمباحث فقه الحديث؟
ما هي أهم مباني فقه الحديث لدى جوادي آملي؟
ما الدور الذي تؤديه النتائج المستخلصة من فقه الحديث في تفسير تسنيم؟
1-1. الدراسات السابقة
تناولت أعمال عديدة دراسة مباني فقه الحديث. بعض هذه الكتب تناولتها بشكل عام، مثل «شناخت حديث» لمجيد معارف، و«روش و مباني فقه الحديث» لعلي محمد ميرجليلي، و«اصول و قواعد فقه الحديث» لمحمد حسن رباني، و«حديث شناسي» لعلي نصيري، و«منطق فهم حديث» لمحمد كاظم طباطبائي، والذي يبدو أنه في بعض أقسام هذه الكتب قد حدث خلط بين قواعد ومباني فهم الروايات.
وهناك كتب أخرى تناولت مباني فقه الحديث في كتاب حديثي معين، مثل ما ورد في كتب «علامه مجلسي و فهم حديث» لعبد الهادي فقهي زاده، و«وافي، مباني و روش هاي فقه الحديثي در آن» لعلي محمد ميرجليلي، و«روش هاي فقه الحديثي امام خميني» لمحمد عصار بورآراني، و«علامه طباطبايي و حديث» لشادي نفيسي، و«امام خميني و روايات تفسيري» لعلي رضا كوهي شاهد.
بالإضافة إلى الكتب، تناولت عدة مقالات هذا الموضوع. من بينها مقالة «مباني فقه الحديث» لداود سليماني (1385ش)، حيث قسّم هذه الأصول إلى مبانٍ مشتركة، واختصاصية، واعتقادية، وعقلية، وهو تقسيم يبدو مناسبًا ومقبولًا. ومن المقالات الأخرى: «مباني فقه الحديثي مرحوم آيت الله ميرزا مهدي اصفهاني» لمحسن احتشامي نيا، و«فقه الحديث در نگاه آيت الله بروجردي» لمحمد علي سلطاني، و«امام خميني و فقه الحديث» لمهدي مهريزي، و«فقه الحديث عند العرفاء» لسيد علي عباس موسوي، وهي مقالات تناولت جانبًا من مباني أشخاص أو مدارس فكرية معينة.
تتشابه بعض مباني فقه الحديث لدى جوادي آملي في تفسير تسنيم مع مباني مفسرين آخرين مثل العلامة الطباطبائي، والإمام الخميني (ره)، والفيض الكاشاني، إلا أنه أول مفسر في تفسيره – الذي يمثل آخر ما توصل إليه علم التفسير في الحوزة الشيعية – يركز عليها بشكل خاص ويطرحها على نطاق واسع.
والنقطة الأخرى هي أن أهم أصول فقه الحديث في تسنيم مشتركة مع مباني الحديث لدى العرفاء والفلاسفة المسلمين، وبما أن هذا التفسير كُتب في زمن قيام النظام الإسلامي، فقد أُتيح المجال للمفسر أن يتحدث عن هذه المباني بشفافية، بعيدًا عن سهام الوهم التي كانت موجهة إلى الحقائق العرفانية في زمن تأليف الميزان (جوادي آملي، 1388ش، 1: 20).
لذلك، تُعد دراسة هذا الموضوع بحثًا جديرًا بالاهتمام في مجال الدراسات القرآنية والحديثية.
2. مباني فقه الحديث في تفسير تسنيم
من الموضوعات الهامة في علم فقه الحديث، مبانيه. والمقصود بالمباني القضايا القبلية التي يتوقف عليها حصول الفهم الصحيح للحديث. ولفقه الحديث ثلاثة أنواع من المباني: مبانٍ مشتركة لفهم النص، ومبانٍ خاصة بالنصوص الوحيانية، ومبانٍ اعتقادية، ولكل منها دور أساسي في فهم الروايات.
في هذا البحث، نتناول فقط المباني الخاصة بفقه الحديث في تفسير تسنيم، وندرس أهمها التي تؤدي دورًا رئيسيًا في كيفية فهم الحديث.
يؤكد جوادي آملي على أهمية مباني فقه الحديث، ويعتقد أن تفسير النص المقدس، كسائر النصوص، لا يمكن دون وجود أصول موضوعة. وإذا أقبل الإنسان على هذا النوع من النصوص دون فهم مسبق، فلن يستفيد منها شيئًا (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 224). ويصرح بأن التأكيد على هذه الأصول لا يستلزم تحميل مبانٍ مسبقة على الروايات، بل إن هذه المباني نفسها هي نتاج تبيين الخطوط العامة المستفادة من القرآن والعقل والروايات (انظر: جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 18: 685). ومن هنا، إذا لم يتمكن عالم الحديث من استخراجها بشكل صحيح من صميم الآيات والروايات، فسيواجه مشكلة في تبيين كلام المعصومين (ع)، لأن البناء الذي يقيم عليه فهمه لن يكون بناءً مرصوصًا.
2-1. قبول نظام تعدد المعاني في الروايات
يُظهر التأمل في آثار جوادي آملي أن قبول نظام تعدد المعاني في الروايات هو من أهم مباني فهم الحديث من وجهة نظره. والمقصود بنظام تعدد المعاني هو أن الألفاظ المستخدمة في الروايات تدل على معانٍ متعددة. وهذه المعاني تقع في مراتب وبطون أعلى، وتُستخدم استعمالًا حقيقيًا دون الحاجة إلى تأويل ظاهر الكلام أو حمله على خلاف المعنى الظاهري.
وهو يعتقد أن الروايات – خاصة الروايات الأخلاقية، وأبواب معرفة النفس، وروايات التوحيد – شأنها شأن القرآن، لها ظاهر وباطن وتأويل وتنزيل (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 145؛ قرآن در قرآن، 1388ش، 393؛ توحيد در قرآن، 1383ش، 175). ويصرح بأن هذا المبدأ لا يعني أبدًا مخالفة المعنى الظاهري، بل إن وصول عالم الحديث المتبحر إلى البطن يتم مع الحفاظ على ظاهر الألفاظ. وإذا ما حاول شخص الوصول إلى الباطن دون الحفاظ على الظواهر، فسيسقط حتمًا (جوادي آملي، شمس الوحي تبريزي، 1388ش، 140). وبعبارة أخرى، إن قابلية الروايات للبطون لا تعني أن يقول الإنسان إن المعنى هو هذا وفقط، بل المراد أن طبقات المعنى الثانية والثالثة والرابعة يمكن أن يحتملها الحديث أيضًا (جوادي آملي، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، 1389ش، 225).
وشواهد هذا المبدأ من وجهة نظره هي:
2-1-1. شواهد نظام تعدد المعاني في الروايات
2-1-1-1. تماثل الثقلين
لقد حظي حديث الثقلين المتواتر بالاهتمام من جوانب مختلفة، وأحد هذه الجوانب هو تماثل القرآن والعترة. يعتقد جوادي آملي أن تماثل الهوية الذاتية للقرآن والعترة هو أساس لكثير من أوجه التشابه التي وردت في الروايات بين هذين الثقلين. فالنبي (ص) والإمام (ع)، بوصفهما مصداقين تامين للإنسان الكامل، قد حصلا على العلم اللدني، وهما قرآن مجسّم أو ممثَّل. ولهذا السبب، فإن معارفهما تماثل القرآن، وهي قول ثقيل (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 142).
كذلك، إذا تجلى الله في كلامه، فإن الأئمة (ع) أيضًا، بوصفهم خلفاءه الحقيقيين، قد تجلوا في كلامهم (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 148). ويرى جوادي آملي أن تجذر الروايات في القرآن يُبيَّن بهذا الاستدلال نفسه، لأن الأئمة (ع) كانوا يشيرون مرارًا إلى الجذر القرآني لكلامهم.
وعلى هذا الأساس، فإن الروايات أيضًا، مثل القرآن، لها درجات ومراتب (جوادي آملي، تسنيم، 1390ش، 24: 121).
ومن هنا، يمكن الإذعان بسهولة بأن من لوازم هذا التشابه، قبول نظام تعدد المعاني في الروايات، تماشيًا مع قبول الظهر والبطن ونظام تعدد المعاني في القرآن.
2-1-1-2. شهادة الروايات
توجد في المصادر الحديثية روايات متعددة تصرح بصعوبة فهم كلام المعصومين (ع)، ويمكن الاستفادة منها كأدلة لإثبات وجود بطن للروايات.
الرواية الأولى منقولة عن الإمام الصادق (ع): «إِنَّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ …» (الكليني، 1407ق، 1: 401). وهذا المضمون ورد أيضًا عن الإمام علي (ع) (الشريف الرضي، 1414ق، الخطبة 189). ومن الواضح أن هذه الصعوبة تتجاوز ما يُطرح عادة تحت عنوان الدراسات الرجالية والسندية والدلالية، ولهذا السبب، يرى مفسر تسنيم أن فهم الحديث لا يتيسر إلا بقدر طاقة الإنسان (جوادي آملي، سيره رسول اكرم (ص) در قرآن، 1385ش، 185؛ تسنيم، 1388ش، 9: 50؛ نزاهت قرآن از تحريف، 1389ش، 89)، ولازم ذلك هو وجود نظام متعدد المعاني للروايات.
الرواية الثانية هي قول الإمام الصادق (ع) حيث يقول: «مَا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) الْعِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ» (الكليني، 1407ق، 8: 268). وبناءً على استنباط جوادي آملي من هذا الحديث، فإن كلام النبي (ص) أيضًا، كالقرآن، له ظاهر وباطن، وتنزيل وتأويل، ومحكم ومتشابه، وإدراك عمقه لا يمكن إلا لأهل البيت (ع) (جوادي آملي، تسنيم، 1: 144).
وتجدر الإشارة إلى أنه من وجهة نظر صاحب تسنيم، فإن قبول نظام تعدد المعاني لا يستلزم نفي الرجوع إلى عرف العرب، بل يعني أن الأئمة (ع) لم يتحدثوا فقط وفقًا للأسلوب الشائع بين قومهم (كمثال، انظر: كوهي، 1392ش، 136-137؛ عصارپور، 1385ش، 162-164). بناءً على ذلك، فإن الرجوع إلى عرف العرب وأدبياتهم ليس كافيًا لفهم الروايات، لأن الكثير من المعارف الروائية التي لا تتعلق بمكان أو لغة أو زمان معين، لا يمكن إرجاعها إلى الاستعمالات العرفية. وإذا كان الرجوع إلى العرف مفيدًا في هذا النوع من المعارف، فإن الاستشهاد بعرف لغة واحدة لا يكفي، بل يجب استقصاء أعراف اللغات الأخرى أيضًا (انظر: جوادي آملي، رحيق مختوم، 1386ش، 1-5: 516).
2-1-1-3. تنوع بيان الأئمة (ع) في تفسير الآيات
توجد شواهد كثيرة على أن الأئمة (ع) كانوا يفسرون آية واحدة لفرد بطريقة، ولفئة أخرى بطريقة مختلفة. وهذه المسألة من أهم شواهد تعدد مستويات المعنى في الروايات. والمثال الواضح على هذا النوع من التفسير هو الحديث الذي رواه ذريح المحاربي في تفسير آية «ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ» (الحج: 29)، حيث ذكر أن المقصود بالآية هو لقاء الإمام. بينما في رواية أخرى عن عبد الله بن سنان، جاء أن المراد بقضاء التفث هو أخذ الشارب وتقليم الأظافر. وعندما سمع هذه الرواية، سأل عن رواية ذريح. فقال الإمام الصادق (ع): «صدق ذريح وصدقت أنت، إن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، ومن يحتمل ما يحتمل ذريح؟» (الكليني، 1407ق، 4: 549). وبتعبير جوادي آملي، فإن كلام الإمام هذا يدل على أن القدرة على تلقي بعض علوم الأئمة (ع) لا تتوفر إلا لبعض أصحاب البصائر (جوادي آملي، عين نضاخ، 1387ش، 3: 244).
ما تدل عليه هذه الرواية هو أن فهم بعض كلام الأئمة (ع) صعب لأنه تفسير باطني للقرآن وتأويلاته. ومن هنا، يجب البحث عن سر اختلاف مجموعة من الروايات التفسيرية في أن الأئمة (ع) كانوا يخاطبون كل شخص على قدر فهمه؛ مثل ما ورد في ذيل آية «ن وَالْقَلَمِ وَ…» (القلم: 1)، حيث ورد أن «القلم» فيها هو «آلة كتابة من نور» (ابن بابويه، 1376ش، 318)، و«ملكان» (نفسه، 1403ق، 30)، وفي رواية أخرى، وُصف بأنه نهر جارٍ تحول بأمر إلهي إلى مداد (نفسه، 1385ش، 2: 402). (انظر: جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 3: 359).
2-1-1-4. تصريح الأئمة (ع) بوجود معانٍ متعددة للألفاظ في الروايات
كان الأئمة (ع) يذكرون أحيانًا وجوهًا متعددة للمعنى للفظ واحد. كمثال، يمكن الإشارة إلى سؤال وجواب الرجل الشامي مع الإمام الحسن (ع) حيث سأله: «كم بين السماء والأرض؟» فأجاب الإمام: «دعوة المظلوم ومد البصر» (ابن بابويه، 1362ش، 2: 441). اعتبر جوادي آملي هذه الرواية شاهدًا على تعدد معنى السماء إلى سماء ظاهرة وسماء غيب، لأن الجواب الثاني، أي امتداد النظر، يشير إلى السماء الظاهرة، والجواب الأول، أي دعاء المظلوم، يشير إلى سماء الغيب (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 12: 662).
وتبيين كنية «أبو القاسم» للنبي (ص) في كلام الإمام الرضا (ع) شاهد آخر. فالجواب الأول للإمام بأن هذه الكنية ترجع إلى أن له ولدًا اسمه «قاسم» لم يقنع الراوي، ثم قال الإمام في جوابه الثاني: لأن أمير المؤمنين (ع) هو «قسيم الجنة والنار»، وهو تلميذ رسول الله (ص)، والمعلم بمنزلة الأب، فكنيته «أبو القاسم» (ابن بابويه، 1385ش، 1: 127؛ جوادي آملي، بنيان مرصوص امام خميني (ره)، 1384ش، 99).
هذا النوع من الروايات هو شاهد واضح على نظام تعدد المعاني في الروايات، والأمثلة من هذا القبيل ليست قليلة في مجامعنا الروائية. ومن هنا، وبتعبير بعض الباحثين، فإن لتأويل الروايات تاريخًا يمتد بتاريخ صدورها (مطهري، 1389ش، 24).
بناءً على هذا المبدأ، نواجه في تفسير تسنيم استنباطات جديدة يمكن اعتبارها تتجاوز الفهم العرفي. كمثال، يمكن الإشارة إلى الحديث النبوي المشهور «من أحيا أرضًا مواتًا فهي له» (ابن بابويه، 1403ق، 292). استدل الفقهاء بهذه الرواية قائلين: من أحيا أرضًا ميتة، فهو يملكها (انظر: تسخيري، 1383ش، 2: 112).
أشار جوادي آملي في تفسير الآية 259 من سورة البقرة، بناءً على الحديث المذكور، إلى أن «إحياء الأرض» مثل إعمارها، يسبب السيطرة على القلب، وقلب الإنسان لمن يزرع فيه فكرة (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 12: 267).
نُقل عن الإمام الكاظم (ع) أنه قال: «إِنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ آيَاتِ الْقُرْآنِ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَ فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْقَى» (الكليني، 1407ق، 2: 606). يعتقد المفسر أن هذه الرواية لا تقتصر على قراءة الألفاظ ولا تخص أهل الجنة فقط، بل تشمل المفسرين ذوي البصيرة العميقة القادرين على الجمع بين ظاهر القرآن وباطنه (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 129؛ سرچشمه انديشه، 1386ش، 1: 97). وهذا البيان يعني أن عبارة «مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا وَشِيعَتِنَا وَلَمْ يُحْسِنِ الْقُرْآنَ عُلِّمَ فِي قَبْرِهِ» التي تشير إليها الرواية، وكذلك فعلي «اقرأ» و«ارق» يمكن أن تعكس طبقات باطنية أخرى، وهي بالترتيب: «المفسرون الذين يستكشفون في هذه الدنيا بطريقة اجتهادية الطبقات الباطنية للقرآن»، و«التدبر العميق»، و«الصعود إلى قمة الكمالات المصحوبة بالعلم الحضوري والعرفان القلبي».
والأهم من ذلك أنه بهذا البيان اعتبر وجود مثل هذا المفسر جنة بحد ذاتها. وهذا ما قاله بعض المفسرين مثل الملا صدرا في حديث «الْقَبْرُ إِمَّا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» (قمي، 1404ق، 2: 94)، حيث قالوا إن المقصود بهذا الحديث ليس فقط الجنة والنار الأخرويتين، بل هي صور تبنيها أنفس البشر بأعمالها وتدركها بعد الموت (صدرالدين الشيرازي، 1354ش، 409). ورغم أن جوادي آملي أشار مرارًا إلى هذا الحديث في ثنايا مباحثه (جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 13: 345؛ 1389ش، 14: 555؛ 1388ش، 16: 284؛ 1389ش، 18: 136؛ 1395ش، 39: 415، 330)، إلا أنه نادرًا ما صرح بالمعنى المذكور. كمثال، في لطائف الآية التاسعة من سورة النساء، اعتبر صحيفة الإنسان مجموعة من الأعمال والأخلاق والعقائد التي يلتزم بها الفرد، وعندما تُفتح هذه المجموعة يوم القيامة، تكون تارة روضة من رياض الجنة وتارة حفرة من حفر النار (جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 17: 454). كما أنه في موضع آخر، فسّر «روضة من رياض الجنة» بأنها الجنة المتحركة التي لا نار فيها (نفسه، مبادي اخلاق در قرآن، 1387ش، 154)، واعتبر بعض الناس جديرين بلقب «ليلة القبر» (نفسه، سروش هدايت، 1381ش، 2: 140، 155).
نُقل عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «إِيَّاكُمْ وَالدَّيْنَ فَإِنَّهُ هَمٌّ بِاللَّيْلِ وَذُلٌّ بِالنَّهَارِ» (ابن بابويه، 1413ق، 3: 182). بناءً على هذه الرواية، فإن الاستدانة لغير ضرورة تسبب ذل النفس، لكن جوادي آملي، حيث تحدث عن عدم تساوي صعوبة فهم الأحاديث لطلاب الحديث، استشهد بها وكتب: «المقلد الذي يصل إلى الماء في ظل التقليد ويرتوي، بمجرد أن يسلب منه توفيق التقليد، يبتلى بالسراب. فما أجمل أن يؤمن المرء نفعه من وجوده، وألا يقترض من غيره، فإن مثل هذا الدين سبب للحزن والهوان» (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 148). وفي موضع آخر، اعتبر الأمة المحتاجة والمدينة التي تخضع لرغبات الأجانب مشمولة بذلك (نفسه، سروش هدايت، 1381ش، 3: 82).
وجدير بالذكر أن الأستاذ أحيانًا ينقل تأويلات ذكرها علماء آخرون للروايات في تسنيم. على سبيل المثال، في لطائف الآية 57 من سورة البقرة، حول الرواية التي تحكي عن عدم وجود ظل للنبي (ص): «يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ أَمَامِهِ» (الكليني، 1407ق، 1: 388)، نقل نقاطًا مهمة عن صدر المتألهين (جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 4: 538)، وتحدث هو نفسه في هذا الشأن في موضع آخر (نفسه، عين نضاخ، 1387ش، 1: 113؛ تسنيم، 1388ش، 1: 504؛ 1390ش، 24: 140؛ ادب فناي مقربان، 1389ش، 1: 230). كما أنه أحيانًا يرد التأويل غير الصحيح للروايات (نفسه، تسنيم، 1389ش، 17: 182).
2-2. وضع اللفظ لروح المعنى
أحد الأصول الهامة في فهم الحديث هو الاهتمام بروح معاني الألفاظ. للألفاظ معانٍ ظاهرة ملموسة في ذهن الإنسان، ولكن بالتدقيق في المفردات نكتشف أن لها معيارًا في معانيها يمكن أن يصدق على معانٍ أخرى أيضًا. من تقريرات جوادي آملي يمكن الاستفادة تمامًا بأن وضع الألفاظ لروح المعنى هو أحد الأصول الهامة للاستنباط الصحيح من الروايات، والنتيجة الحتمية للإيمان به هي أن الإنسان يسافر من كل مصداق إلى مصداق أسمى وأعلى (جوادي آملي، بنيان مرصوص امام خميني (ره)، 1384ش، 172). ويرى أنه بقبول هذا الأصل، تُستعمل الألفاظ في معانٍ عامة، وتطبيقها على مصاديق متنوعة لا يؤثر في نطاق استعمالها.
إن القول بهذا المبدأ يؤدي إلى أن تطبيق الألفاظ على المصاديق المادية والمجردة لا يحتاج إلى قرينة. على سبيل المثال، بناءً على استعمال لفظ «باب» في معناه الجامع، فكما أن إطلاقه على الأبواب الصناعية التي لم تكن موجودة في زمن وضع الكلمة لا في الخارج ولا خطرت ببال أحد، لا يحتاج إلى قرينة، فإن تطبيقه على إنسان كامل مثل الإمام علي (ع) لا يحتاج إلى قرينة أيضًا (نفسه، ادب فناي مقربان، 1389ش، 1: 274).
الركيزتان الأساسيتان لهذه النظرية هما: أولًا، في وضع الألفاظ، لم تؤخذ خصوصيات المصاديق بعين الاعتبار. وثانيًا، الموضوع له للألفاظ هو روح المعنى المشترك بين المصاديق المختلفة. وقد ورد هذان المكونان مرارًا في آثار جوادي آملي (نفسه، تسنيم، 1389ش، 2: 302، 170؛ 1389ش، 3: 427؛ 1388ش، 12: 143، 101؛ 15: 417؛ 10: 310؛ 23: 639؛ معاد در قرآن، 1387ش، 5: 393).
على سبيل المثال، أشار تحت روايات قسوة القلب إلى أن الألفاظ وُضعت للمفاهيم العامة وروح الأهداف، وأن استعمال القسوة في الأمور المجردة، مثل القلب المعنوي للإنسان، هو حقيقة (نفسه، تسنيم، 1389ش، 5: 245). أو في بحث رواية آية «قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ…» (المائدة: 100)، ذكر رواية تدل على خبث الشيطان: «فَإِنَّ الشَّيْطَانَ خَبِيثٌ يَعْتَادُ لِمَا عُوِّدَ…» (الكليني، 1407ق، 3: 358)، ثم يكتب: «وسوسة إبليس، كدسيسة أهل الكيد، خبث معنوي، وكلاهما (المادي والمعنوي) يشتركان في المفهوم الجامع، وخصوصية المادية من لوازم المصداق الخاص، لا مأخوذة في المفهوم» (جوادي آملي، تسنيم، 1390ش، 23: 639). إذن، وفقًا لقاعدة وضع الألفاظ لروح المعنى، فإن كلمة «خبيث» لها جوهر معنوي ينطبق على المصاديق المادية والعوالم غير المادية على حد سواء.[5]
2-2-1. أدلة وشواهد وضع اللفظ لروح المعنى
يعتقد بعض الباحثين أنه من بين أنصار هذه النظرية، لم يُشر إلى أساسها ودليلها إلا في كلمات جوادي آملي. ووفقًا لرأيهم، فإن هذه النظرية مبنية على الحدس ولا يوجد لها برهان (شيواپور، 1394ش، 311). ويكتب في هذا الصدد: «وضع الألفاظ للمفاهيم العامة، التي يُشار إليها بروح المعنى، لا يستند إلى برهان عقلي أو نقلي، بل يستند إلى الحدس. ومنشأ هذا المبدأ الحدسي هو دراسة وضع الألفاظ الجديدة للتكنولوجيا والاختراعات الصناعية، لأن مرتكز المبتكرين في تسمية الصناعات وقطعها هو أنه إذا اكتملت الصناعة المذكورة يومًا ما، وتم تأمين وتصنيع موادها الأصلية وقطع غيارها من جنس آخر وبوضع أفضل، فسيظل هذا الاسم وهذا العنوان يطلق على هذه الصناعة وقطعها. وبناءً على تشابه الأزمان، والأوضاع، والأفراد، والأدبيات، يُحدس أن الموضوع له للألفاظ هو المفاهيم العامة» (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 4512).
النقطة التي يجب الانتباه إليها هنا هي معنى مصطلح «الحدس». فالمقصود بهذا المصطلح، الشائع في الفلسفة، هو سرعة انتقال الذهن من المبادئ إلى المطلوب (سجادي، 1362ش، 3: 701). وفي المنطق، يُطلق «الحدسيات» على القضايا اليقينية التي وإن كانت تحتاج إلى استدلال، إلا أن حدودها الوسطى تحصل في الذهن دون الحاجة إلى تفكير. وبالتالي، يوجد في الحدسيات أيضًا قياس خفي (جوادي آملي، معرفت شناسي در قرآن، 1384ش، 156). وفي الحقيقة، «الحدس» نوعان: «علمي» و«غير علمي». وبتعبير الأستاذ، يجب الانتباه إلى عدم الخلط بين العلم اليقيني الناتج عن سرعة الانتقال، الذي يُلحق بالعلوم البديهية وهو من قبيل الحدس، وبين ما هو مجرد عادة (نفسه، فطرت در قرآن، 1384ش، 310؛ نقلًا عن الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين، القسم الأول: 204).
على الرغم من أن صاحب تسنيم استند في هذا المبدأ اللغوي إلى الحدس، إلا أنه في مواضع أخرى، قد تناول هذا الموضوع بشكل خاص في باب آيات القرآن، وبالتالي الروايات، ويمكن طرحه تحت عنوان «ارتقاء مستوى الأدب العربي وتوسيع ثقافة التفاهم من قبل الله تعالى». مجمل ما ذكره في هذا الشأن هو أن الله تعالى، بصنعة أدبية خاصة بالوحي، قد ارتقى بمستوى الأدب العربي ووسع من طاقته.
شواهد وقرائن هذا الأمر هي: أولًا، كان أهل عصر النزول محرومين من إدراك حقائق التوحيد الخالصة. ثانيًا، وضع الألفاظ لكل قوم محدود بالمفاهيم التي يستعملونها، ومن لا نصيب لهم من المعارف الإلهية الخالصة، فإن جميع ألفاظهم تنحصر في المفاهيم التي يدركونها، ومن هنا لا يمكن القول إن الألفاظ الشائعة بين قوم كهذا يمكن أن تفيد مفاهيم لم يكن لها سابقة بينهم. وثالثًا، لجميع الصنائع الأدبية حدود خاصة؛ أي أن الأمة التي لا تستطيع إدراك معارف الإسلام الخالصة، لا يمكنها برأس مال الكناية والمجاز أن تصل إلى إدراك مفاهيم يصعب الوصول إليها. ومن هنا، إذا صُبت هذه المعارف في قالب اللغة العربية دون أن تتوسع المفردات من الناحية الأدبية، فإما أن تشوب المعارف الخالصة، وإما أن يتداعى نسيج الأدب العربي، لأن أي وعاء لا يستطيع أن يتحمل أكثر من سعته الخاصة (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 216-217).
بناءً على ذلك، يعتقد جوادي آملي أنه في المعارف العادية للنصوص الدينية، حيث يمكن للأدب العربي أن ينقل المعاني بشكل كامل، يمكن الاستفادة من القواعد العامة وفهم الأدب العربي كله، ولكن ما وراء تلك المنطقة التي لا يستطيع اللفظ العربي أن يتحمل فيها المعارف العميقة التوحيدية والأخلاقية وما شابهها، فمن الضروري ملاحظة الصنعة الأدبية الخاصة بالوحي، وبها يتم استنباط المعارف الإسلامية من النصوص الدينية (نفسه). وقاعدة «وضع الألفاظ لأرواح المعاني» هي من أهم طرق هذا التوسع في ثقافة التفاهم، وإذا لم يُلتفت إليها في مسار فهم الروايات، فسيحدث المحذوران المذكوران (نفسه، وأيضًا انظر: نفسه، 1392ش، 31: 306-307).
2-3. الاستعمال الحقيقي لألفاظ الروايات
على الرغم من أن ظواهر المجاز والتشبيه والاستعارة والتمثيل قد شقت طريقها بشكل ملحوظ في الأحاديث، إلا أن هذا لا يعني أن باحث الحديث، كلما واجه تعبيرًا لم يرق له، حمله على التأويل والمجاز أو المبالغة. بالتأمل الدقيق في نقاط فقه الحديث عند جوادي آملي، يمكن القول إن الأصل الأولي هو استعمال الألفاظ في معناها الحقيقي. وهو يعتقد أن ما يدفع الإنسان إلى تأويل كل آية ورواية تصل إليه، أو حملها على المجاز والتمثيل والمبالغة، هو الحرمان من النظرة التوحيدية (نفسه، رحيق مختوم، 1386ش، 34: 1-4).
بالتأمل في كلام جوادي آملي، يمكن ذكر أدلة لهذا المبدأ.
الدليل الأول: كما أن كلام الله سبحانه بعيد عن المجاز والهزل: «إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ» (الطارق: 13-14)، فكلام النبي الأكرم (ص) يُقيّم على نفس المنوال: «وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ» (النجم: 3-4)، وكلام سائر المعصومين (ع)، وهم مظاهر الله سبحانه، منزه عن كل إغراق ومبالغة، وكلامهم ليس تشبيهات شعرية (انظر: نفسه، تسنيم، 1388ش، 1: 482؛ 1389ش، 2: 186؛ 1389ش، 18: 98).
الدليل الثاني: هو المبدأ السابق، أي «وضع اللفظ لروح المعنى». فتنزيه الروايات عن الإغراق والمبالغة وأمثالها من الصنائع الأدبية هو في الحقيقة من النتائج المترتبة على مبدأ «وضع الألفاظ لروح المعنى». فإذا التزمنا بهذه القاعدة، فإن هذا النوع من المفاهيم لن يحتاج إلى قرينة، وبالتالي، سيكون استعمالها في المواضع الأخرى حقيقة لا مجازًا. وبتعبير بعض الباحثين، فإن هذه النظرية رؤية ذكية تمنع خروج ألفاظ النصوص المقدسة عن معناها الحقيقي واستعمالها في نفس المعنى (شيواپور، 1394ش، 70).
لهذا السبب، فإن هذه القاعدة اللغوية، مع تنزيه كلام المعصومين (ع) عن المجاز والإغراق والمبالغة والاستعارة ونظائرها، لها ارتباط لا ينفصم. لأنه في كثير من الحالات، إذا قلنا بمجازية تعابير الروايات، فلن نتمكن من إثبات وجود طبقات باطنية لها تتجاوز المعنى الظاهري. فالألفاظ هي ظاهر المعاني، ومعاني الظاهر هي حقائق (جوادي آملي، 1386ش، سرچشمه انديشه، 1: 7)، وعندما يقول الإنسان بالمجاز، فكأنه ينكر وجود أي حقيقة وراء الألفاظ.
على سبيل المثال، استنادًا إلى «وضع الألفاظ لروح المعنى»، اعتبر حمل «تعليم الأسماء» على «التمثيل» في تفسير آية «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا…» (البقرة: 31) تكلفًا في الاستظهار، ويعتقد أن المعنى الجامع لهذه الكلمة يمكن أن يشمل مصاديق طبيعية، ومثالية، وعقلية. ومن هنا، فإن عناوين «التعليم»، و«الاسم»، و«العرض»، و«القول»، و«الإنباء»… التي وردت في الآيات المذكورة، يمكن أن يُنظر لها في مفاهيم جامعة تشمل الإشهاد الحضوري للملائكة أيضًا، ولا يلزم أي مجاز (نفسه، تسنيم، 1389ش، 3: 228).
بناءً على ذلك، من وجهة نظر جوادي آملي، فإن الأمثال تعبر عن وجود حقائق مثالية (نفسه، 1389ش، تسنيم، 2: 331)، ورغم أن القيامة هي ظرف شهودها وظهورها، إلا أنها ستكون مشهودة لأفراد من أهل المعنى في الدنيا في حال اليقظة وحتى في غير عالم الرؤيا (نفسه، 8: 365؛ 12: 220).
مثال على هذه الروايات، كلام أمير المؤمنين (ع) في وصف وعاء مغطى أتاه به شخص في منتصف الليل (بقصد الرشوة). قال الإمام (ع): «… وَمَعْجُونَةٍ شَنِئْتُهَا، كَأَنَّمَا عُجِنَتْ بِرِيقِ حَيَّةٍ أَوْ قَيْئِهَا. فَقُلْتُ: أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. فَقَالَ: لَا ذَا وَلَا ذَاكَ، وَلَكِنَّهَا هَدِيَّةٌ…» (الشريف الرضي، 1414ق، الخطبة 215).
كتب الأستاذ في هذا الصدد: «أن يكون باطن الرشوة كطعام أُعد من قيء أفعى ليس تشبيهًا شعريًا أو كلامًا من باب الإغراق والمبالغة، بل هو تبيين لحقيقة ستكون اليوم مشهودة لأولياء الله، وغدًا مشهودة للجميع» (جوادي آملي، تسنيم، 1388ش، 1: 482). كما يرى أن التعابير الموجودة في الروايات التي تفيد بأن بعض الناس يبلغون من دركات الانحطاط الإنساني حدًا يصبحون فيه «شياطين» أو «بهائم» ليست تنظيرًا أدبيًا أو مجازًا أو تشبيهًا أو استعارة (نفسه، تسنيم، 1388ش، 8: 76).
يؤكد جوادي آملي بناءً على هذا المبدأ الحديثي المهم دائمًا على أن حمل الرواية على «التمثيل» يحتاج إلى مصحح، لأنه بناءً على تفسير النص على محور ظهور الألفاظ، إذا ظهر لفظ في التمثيل أو كان مصحوبًا بقرينة، فإنه يُحمل على «التمثيل»، ولكن إذا كان ظهوره في المحاورة العادية، فسيُعمل بظاهره (نفسه، تسنيم، 1392ش، 31: 95). لهذا السبب، على سبيل المثال، اعتبر فهم الروايات المتعلقة بمشاهدة أهل الجنة وأهل النار في معراج النبي (ص) بمعنى مشاهدة الأوصاف أو الأسماء فقط، فهمًا غير صحيح، ويعتقد أن هذا النوع من الروايات، مثل الروايات التي تدل على شهود الأنبياء وأحوال الملائكة في المعراج، يجب أن تبقى على معناها الظاهري، لأنها لا تخالف أي أصل معقول أو مقبول حتى تُؤوّل (نفسه، سيره رسول اكرم (ص) در قرآن، 1387ش، 9: 84؛ وأيضًا انظر تسنيم، 1388ش، 8: 375).
2-4. التوجه إلى الاجتهاد على أساس الروايات
المبدأ الرابع من مباني فقه الحديث لدى جوادي آملي هو استخراج الفروع المنضبط من الأصول التي ذكرها المعصومون (ع)، أو بعبارة أخرى، الاجتهاد على أساس الروايات. يعتقد أن الأئمة (ع) قد بينوا في موارد وموضوعات مختلفة، الأصل الكلي والجامع في ذلك الباب. حديث النبي «أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» (ابن بابويه، 1413ق، 1: 241) ورواية «أَعْطَانِي جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَأَعْطَى عَلِيًّا جَوَامِعَ الْعِلْمِ» (نفسه، 1362ش، 1: 293) تدل على أن كلام النبي وخلفائه جامع لفوائد كل الكلمات والأقوال، وتُستنبط منه أمور لا تُحصى (جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 5: 371؛ نفسه، 1389ش، 4: 162؛ 1388ش، 8: 249؛ 1389ش، 18: 118؛ 19: 287؛ ادب فناي مقربان، 1388ش، 6: 334؛ نفسه، 1389ش، 7: 117).
بناءً على هذه الخاصية، وكذلك الروايات التي أكدت صراحة على هذا الأمر،[6] طلبوا من طالبي الحقيقة أن يستخرجوا الفروع بناءً على هذه الأصول.
وهو يرى أنه إذا كان الفقه وأصول الفقه قد ازدهرا على يد علماء مثل الشيخ المفيد أو الشيخ الطوسي، فإن جزئيات النصوص الروائية المتعلقة بأصول الدين، ورؤية العالم، والأنثروبولوجيا… يمكن أيضًا أن يستخرجها العرفاء والحكماء ويدونوها (جوادي آملي، 1389ش، 2: 128؛ 3: 138؛ 1386ش، 215).
من وجهة نظر جوادي آملي، ليست تعاليم الدين مجرد أوامر ونواهٍ وأحكام فردية واجتماعية، بل إن الطبقات الأصلية للدين هي المعارف والأخلاق. وبالتالي، فإن المحدث الناجح في علم الحديث هو الذي يسعى، مع التزامه بأصول الوحي، إلى استنباط الفروع (نفسه، سروش هدايت، 1381ش، 2: 164). وهذا الاجتهاد العميق الذي يتم تحت قبة النصوص المقدسة وليس في مواجهتها، ليس من وجهة نظر الأستاذ أحد أهم لوازم توفيق عالم الحديث في فهم الحديث فحسب، بل هو الأصل الحاكم على جميع المناهج والتوجهات، لأن الاعتماد على النقل يكون مثمرًا ومفيدًا عندما يتم بعقلانية، ويمكنه أن يغلق طرق التحجر والركود والانغماس في الجهل والتقليد (نفسه، شمس الوحي تبريزي، 1386ش، 43).
في هذا السياق، يعتقد المفسر بناءً على شواهد روائية (انظر: الشريف الرضي، 1414ق، الحكمة 98) أن المنقول يجب تقييمه بعقلانية ليصبح معقولًا، ولا جمود في مجال التتبع والتحديث ورواية الحديث؛ لأن الذين يكتفون بحفظ اللفظ والمفهوم كثر، أما الذين يجتهدون بعقلانية وإبداع، وهم في الواقع حراس الدين المعنويون، فهم قلة (انظر: جوادي آملي، ادب فناي مقربان، 1388ش، 2: 73). ورغم أن لهذا الاجتهاد لوازمه وآلياته، إلا أنه يجب الانتباه إلى أن الخطوة الأولى هي التدبر التام في النصوص الروائية بالاعتماد على قواعد علم الحديث الصحيحة، وقد أوصى الأستاذ بذلك في مواضع متعددة (نفسه، تسنيم، 1389ش، 4: 296). ويتم هذا التدبر أحيانًا من خلال التأمل في المصادر الأخرى، وأحيانًا من خلال التفكر في نفس النصوص الروائية، وهذان الأمران، بلا شك، متلازمان بشكل مباشر. وهو أحيانًا يجيب ضمنيًا على الشبهات التي طرحها بعض علماء الحديث حول نوع فهم المفسرين من النصوص النقلية. على سبيل المثال، تحت رواية معروفة «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَ… وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا…» (المفيد، 1413ق، 136)، بالتعريف الصحيح لـ«الاستنان»، و«الاجتهاد»، و«جعل السنة»، و«جعل البدعة»، أشار إلى النقاط الفاصلة بين «الاجتهاد الصحيح» و«تحميل العقائد الشخصية على النصوص النقلية» التي يتهم بها البعض العرفاء والفلاسفة، وعرّف «الاجتهاد» بأنه التحقيق في النصوص النقلية والبراهين العقلية، والجمع النهائي، وتقديم فكر ونظر جديد (جوادي آملي، 1389ش، 4: 107).
يمكن مشاهدة مثال على هذا النوع من الاجتهاد في الرواية التي وردت تحت الحرف المقطّع «ص»؛ يقول رسول الله (ص): «وَأَمَّا «ص» فَعَيْنٌ تَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ وَهِيَ الَّتِي تَوَضَّأَ مِنْهَا النَّبِيُّ لَمَّا عُرِجَ بِهِ وَيَدْخُلُهَا جَبْرَئِيلُ كُلَّ يَوْمٍ…» (ابن بابويه، 1403ق، 22). استخلص المفسر من هذه الرواية عدة نقاط: أ) الجنة موجودة الآن. ب) الجنة مرتبطة بالعرش الإلهي. ج) ماء ذلك النهر السماوي هو سبب العروج. د) في الجنة، الليل أيضًا نهار؛ لأن النبي (ص) دخل الجنة في «ليلة» المعراج، وفي الوقت نفسه صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وعاد من المعراج في نفس الليلة (نفسه، تسنيم، 1389ش، 2: 128).
في هذا النوع من الاجتهاد العميق، يُستنتج أحيانًا من رواية واحدة أصل كلي. على سبيل المثال، في حديث، سأل شخص الإمام الصادق (ع): «صَلَّيْتُ فَوْقَ أَبِي قُبَيْسٍ الْعَصْرَ فَهَلْ يُجْزِي ذَلِكَ وَالْكَعْبَةُ تَحْتِي؟»، فأجاب: «نَعَمْ إِنَّهَا قِبْلَةٌ مِنْ مَوْضِعِهَا إِلَى السَّمَاءِ» (الحر العاملي، 1409ق، 4: 339).
بتعبير الأستاذ، ظاهر هذا الحديث من الناحية الفقهية يدل على وجوب التوجه إلى الكعبة، ولكن بما أنه يقول إن الكعبة قبلة من موضعها إلى أعماق السماء، فإن باطنه يحكي عن الارتباط الوجودي بين عوالم الطبيعة والمثال والعقل. وهو يعتبر التدبر في المعارف المستفادة من «التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير» طريقًا للوصول إلى هذه الحقائق (جوادي آملي، تسنيم، 1389ش، 6: 552).
من وجهة نظر المفسر، فإن غض الطرف عن هذا النوع من التأملات الدقيقة في النصوص الدينية يمكن أن يهدر تعابيرها اللطيفة، بل قد يفتح الباب لسوء استغلال الآخرين لها (نفسه، تسنيم، 1389ش، 17: 574). والمثال البارز في هذا المجال في تسنيم وسائر آثاره هو حديث قرب النوافل (انظر: الكليني، 1407ق، 2: 352)، الذي يعد من وجهة نظره من غرر الروايات (نفسه، تسنيم، 1389ش، 9: 145؛ 1389ش، 19: 145) وشاهدًا على نظرية وحدة الوجود والتوحيد الأفعالي (نفسه، سرچشمه انديشه، 1385ش، 1: 339). وهو يرى أن عدم التدبر التام في هذا الحديث قد أدى من جهة إلى أن يستغله بعض الملحدين والصوفية والحلولية استغلالًا خاطئًا.[7]
ومن جهة أخرى، اعتبر البعض فهم العرفاء له قابلًا للنقاش لعدم انسجامه مع مدلول الآيات والروايات (انظر: معارف، آذرخشي، 1389ش، 40-42). وكل هذا يعني الحرمان من بركات هذه الروايات الوافرة التي يمكن أن ترفع المؤمن إلى حد مظهريته لفعل الله وتسير به إلى أوج ملكوت الرب.
النقطة التالية هي أن الاجتهاد في النص، دون أي تحميل أو تأويل غير صائب، يمكن أن يستخرج فروعًا من صميم الروايات تؤدي إلى الولوج إلى باطنها العميق (جوادي آملي، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، 1389ش، 217). على سبيل المثال، قال رسول الله (ص) في رواية: «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ، اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ» (المفيد، 1413ق، 81).
السؤال هو: طبقًا لهذه الرواية، هل «الحق» يدور حول محور كمال وجود الإمام علي (ع)، أم أن الإمام يدور في فلك الحق؟ يجيب جوادي آملي على هذا السؤال بأن ذيل الحديث، أي «اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ»، يعني: يا الله، اجعل الحق يدور على مدار علي واجعله محورًا يدور حوله الحق، ليبحث الآخرون عن الحق في مسار علي؛ لا أن تجعله هو مدار الحق، فيحتاج إلى تشخيص الحق. وبهذا، فإن معنى الجملة المذكورة، بمساعدة ذيلها من جهة، وبمساعدة كلام آخر له (ع) حول عترة النبي (ص) حيث قال: «أَزِمَّةُ الْحَقِّ» (الشريف الرضي، 1414ق، الخطبة 87)، سيكون أن أول مرحلة للحق الفعلي في نظام الخلق هو الإنسان الكامل، وسائر الحقوق تُعد من المراحل اللاحقة (جوادي آملي، سرچشمه انديشه، 1385ش، 2: 134-135). وبالتالي، فإن الإمام (ع) في مقام ظهور وفعل الله هو الحق المتمثل، ونتيجة لذلك، هو منشأ ظهور العلوم الصائبة والأخلاق والأعمال الصالحة (نفسه، حيات عارفانه امام علي(ع)، 1389ش، 95). ويعتقد أن هذا الكلام هو المعنى الأدق لهذه الرواية، ومعناها الظاهري هو ما يفهمه الجميع، وهو أن عمل المعصوم مطابق للحق (نفسه، تسنيم، 1389ش، 2: 508). وهذا المعنى أيضًا صحيح في محله (انظر أيضًا: رحيق مختوم، 1386ش، 2-5: 350).
3. الاستنتاج
يُظهر البحث في المباحث الروائية لتفسير تسنيم ما يلي:
1. من وجهة نظر جوادي آملي، على الرغم من أن القرآن في مرحلة التفسير مستغنٍ عن غيره وحتى عن الروايات، إلا أن الاستفادة المنضبطة والواسعة من كلام المعصومين (ع) ضرورية لفهم القرآن فهمًا عميقًا ودقيقًا.
2. يعتقد أن عالم الحديث، دون امتلاك أصول موضوعة وقضايا قبلية، لن ينال نصيبًا من بحر كلام المعصومين (ع).
3. بناءً على أدلة وشواهد متعددة، يعتبر المفسر أن «وضع اللفظ لروح المعنى» و«الاستعمال الحقيقي لألفاظ الروايات» من الأصول الضرورية في الاستنباط الصحيح من الروايات. ويعتقد أن هذين المبدأين مهمان لأنه بعدم قبولهما والاعتماد على المعنى الظاهري للرواية، قد لا يتمكن عالم الحديث من فهم معناها الصحيح، فيلجأ إلى تأويل ظاهرها، أو حتى يعتبرها غير صحيحة وموضوعة.
4. من وجهة نظره، فإن الاجتهاد العميق والاعتقاد بدرجات ومراتب لمعاني الروايات يُعدان أيضًا من أهم أسس توفيق عالم الحديث في فهم الحديث، مما يؤدي إلى كشف الجزئيات الخفية في النصوص الروائية ويفتح أبوابًا واسعة من المعارف أمام الإنسان.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن إدريس، محمد بن أحمد، السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى، ج3، قم: دفتر انتشارات اسلامي، الطبعة الثانية، 1410هـ.
ابن بابويه، محمد بن علي، علل الشرائع، ج1، قم: كتابفروشي داوري، 1385ش.
ــ، التوحيد، قم: جامعة مدرسين، 1389ق.
ــ، معاني الأخبار، قم: دفتر انتشارات اسلامي، 1403ق.
ــ، من لا يحضره الفقيه، ج3 و4، قم: دفتر انتشارات اسلامي، 1413ق.
ــ، عيون أخبار الرضا (ع)، ج1 و2، طهران: نشر جهان، 1378ق.
استرآبادي، محمد أمين، الفوائد المدنية، قم: دفتر انتشارات اسلامي، 1424ق.
تسخيري، محمد علي، القواعد الأصولية والفقهية على مذهب الإمامية، ج2، طهران: مجمع جهاني تقريب مذاهب اسلامي، 1383ش.
جوادي آملي، عبد الله، حيات عارفانه امام علي (ع)، قم: نشر اسراء، الطبعة السابعة، 1389ش.
ــ، سيره رسول اکرم (ص) در قرآن، ج9، قم: نشر اسراء، الطبعة الخامسة، 1387ش.
ــ، رحيق مختوم، ج2-5، 1-1، 4-5، قم: نشر اسراء، الطبعة الثالثة، 1386ش.
ــ، ادب فناي مقربان، ج1، ج3، قم: اسراء، الطبعة الخامسة، 1389ش.
ــ، بنيان مرصوص امام خميني (ره)، قم: نشر اسراء، الطبعة الثامنة، 1384ش.
ــ، تفسير انسان به انسان، قم: نشر اسراء، الطبعة الخامسة، 1389ش.
ــ، توحيد در قرآن، قم: نشر اسراء، 1383ش.
ــ، سرچشمه انديشه، ج1، ج2، قم: نشر اسراء، الطبعة الخامسة، 1386ش.
ــ، شمس الوحي تبريزي، قم: نشر اسراء، الطبعة الخامسة، 1386ش.
ــ، عين نضّاخ (تحرير تمهيد القواعد)، ج3، قم، 1387ش.
ــ، فطرت در قرآن، قم: نشر اسراء، الطبعة الثالثة، 1384ش.
ــ، قرآن در قرآن، قم: نشر اسراء، الطبعة الثامنة، 1388ش.
ــ، سروش هدايت، ج2، قم: نشر اسراء، الطبعة الخامسة، 1381ش.
ــ، تسنيم، ج1، 2، 3، 4، 7، 8، 9، 10، 12، 13، 14، 16، 18، 19، 24، 26، 31، 37، قم: نشر اسراء، 1388ش.
ــ، منزلت عقل در هندسه معرفت ديني، قم: اسراء، الطبعة الرابعة، 1389ش.
ــ، معاد در قرآن، ج5، قم: نشر اسراء، الطبعة الرابعة، 1388ش.
ــ، معرفت شناسي در قرآن، قم: نشر اسراء، الطبعة الثالثة، 1384ش.
ــ، نزاهت قرآن از تحريف، قم: اسراء، الطبعة الرابعة، 1383ش.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، ج4، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1409ق.
سجادي، جعفر، فرهنگ معارف اسلامي، ج3، طهران: شركت مترجمان و مؤلفان ايران، 1362ش.
الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة، تصحيح: صبحي صالح، قم: هجرت، 1414ق.
شاهرودي، عبد الوهاب، نردبان آسمان (جستاري در قرآن و عرفان)، طهران: قلم، 1379ش.
شيواپور، حامد، نظريه روح معنا در تفسير قرآن، قم: دانشگاه مفيد، 1394ش.
صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، المبدأ و المعاد، تصحيح: جلال الدين آشتياني، طهران: انجمن حكمت و فلسفه ايران، 1354ش.
الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج1 و3، قم: جامعة مدرسين، د.ت.
عصار پور آراني، محمد، روش هاي فقه الحديثي امام خميني، طهران: پژوهشكده امام خميني، 1385ش.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج8، مصحح: غفاري، علي أكبر و آخوندي، محمد، طهران: دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407ق.
كوهي، علي رضا، امام خميني و روايات تفسيري، طهران: مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني، 1392ش.
القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، ج2، قم: دار الكتاب، الطبعة الثالثة، 1404ق.
معارف، مجيد، مصطفى آذرخشي، «جايگاه حديث قرب نوافل در منابع فريقين و بررسي تطبيقي رويكرد عرفا و محدثان نسبت به آن»، پژوهشنامه قرآن و حديث، 1389ش، ش7، ص 7-49.
المفيد، محمد بن محمد، الجمل و النصرة لسيد العترة في حرب البصرة، قم: كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
ــ، الفصول المختارة، قم: كنگره شيخ مفيد، 1413ق.
مطهري، مجتبى، «درنگي در تأويل»، علوم حديث، 1389ش، شماره 56، ص 171-205.
الهوامش
1. طالبة دكتوراه في علوم القرآن والحديث بجامعة مازندران (المؤلف المسؤول) – naji313t@yahoo.com
2. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة مازندران – sm.musavi55@yahoo.com
3. أستاذ مساعد في قسم علوم القرآن والحديث بجامعة مازندران – m.nouraei@umz.ac.ir
4. أستاذ مشارك في جامعة بابل للعلوم الطبية – baghekhial@gmail.com
5. استخدم جوادي آملي هذه القاعدة مرارًا في تفسير آيات القرآن في تسنيم وسائر آثاره (على سبيل المثال، انظر تسنيم، 1388ش، 1: 383؛ 1389ش، 3: 228؛ 1389ش، 10: 310، 286؛ 1389ش، 14: 624؛ 1388ش، 16: 281).
6. عن أبي الحسن الرضا (ع) قال: «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ إِلَيْكُمْ وَعَلَيْكُمُ التَّفَرُّعُ». وعن أبي عبد الله (ع) قال: «إِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُلْقِيَ إِلَيْكُمُ الْأُصُولَ وَعَلَيْكُمْ أَنْ تُفَرِّعُوا» (ابن إدريس، 1410ق، 3: 557). وقد وردت تعابير أخرى بنفس المضمون في روايات أخرى عن الإمام (انظر: ابن بابويه، 1389ق، 432).
7. غرر الروايات هي أحاديث رئيسية ذات مضمون رفيع، ومحتوى بديع، ونتيجة براهين قاطعة، أو محور استقرارها، وبالإضافة إلى بريقها وتميزها، تكون مرشدة لآيات وروايات متعددة، بحيث تُستنبط منها فروع كثيرة في العقيدة أو الفقه أو الحقوق أو الأخلاق. وقد أشار جوادي آملي مرارًا إلى هذه الروايات (انظر تسنيم، 1388ش، 7: 393؛ 1388ش، 8: 249؛ 9: 239؛ 1389ش، 19: 287؛ 1394ش، 37: 159؛ ادب فناي مقربان، 1388ش، 3: 393).