الملخص
نُقلت في كتاب الكافي رواية صحيحة السند تفيد بإذعان الإمام السجاد (ع) ليزيد. وقد بلغ هذا الخضوع حدًا سلّم فيه الإمام نفسه ليزيد وأقرّ له بالعبودية. وفي تاريخ اليعقوبي، ورد هذا الإقرار الاضطراري بصورة أشد، في مقابل مسلم بن عقبة، إلى درجة أن الإمام هو من يحدد بنفسه كيفية عبوديته. ورغم أن هذا الحديث التاريخي صحيح السند، إلا أنه لتقييمه لا بد من دليل آخر متقن، وهو نقد المتن. تسعى هذه المقالة إلى نقد رواية الشيخ الكليني من خلال دراسة الأخبار المشابهة في المصادر التاريخية الأخرى. إن الرواية الواردة في روضة الكافي، بالإضافة إلى تعارضها مع الأخبار التاريخية الواردة في كتب أهل السنة أو حتى الكتب الشيعية، هي رواية معيبة من الناحية العقلية، وتعاني من ركاكة المعنى، وتتعارض كذلك مع روايات وسنة المعصومين.
۱. طرح المسألة
بعد فترة من واقعة كربلاء – أي في عام 63 هـ – ثار أهل المدينة على الأمويين، ونظموا ثورة الحرّة. كانت هذه الثورة بقيادة عبد الله بن حنظلة المعروف بغسيل الملائكة (ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 230؛ أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 265؛ اليعقوبي، د.ت، ج2، ص 251؛ ابن سعد، 1410هـ، ج5، ص 49؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 495؛ ابن كثير الدمشقي، 1407هـ، ج6، ص 234). كان هذا القيام مناهضًا للأمويين وضد حكومة يزيد. وبالطبع، تأثرت هذه الثورة بعدة تيارات، منها حركة عبد الله بن الزبير الذي كان في أوج قوته بمكة في تلك الأوضاع (ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 102)، وكذلك سوء تدبير يزيد في بذل العطايا والهبات الكثيرة لجماعة من أهل المدينة الذين وفدوا عليه في الشام (البلاذري، 1397هـ، ج5، ص 322؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 480).
من العوامل الأخرى التي مهدت لهذه الثورة، تسلط أهل الشام على الحجاز واستياء الناس من هذا الأمر (الطبري، 1387هـ، ج5، ص 482). في خضم هذه الأحداث، اندفع الناس لمواجهة الأمويين وأخرجوهم من المدينة، وتولى الناس السلطة في المدينة بقيادة عبد الله بن حنظلة، الذي عينه عبد الله بن الزبير واليًا على المدينة (نفس المصدر؛ ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 102). لم يكن للإمام السجاد (ع) وبقية الهاشميين موقف مؤيد لهذا الحادث. ولهذا السبب، خرج من المدينة مع عدد من أفراد أسرته (ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 231؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 485؛ ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 113).
من وجهة نظر الإمام، بالإضافة إلى أن الحركة المذكورة لم تكن ذات طابع شيعي، فقد كانت تقع بالضبط في خط الزبيريين الذين كانت قيادتهم بيد عبد الله بن الزبير، والذي كان يُعد من مثيري حرب الجمل. إن اتخاذ الإمام لأدنى موقف كقائد للشيعة كان سيترتب عليه أخطر العواقب على الشيعة. لهذا السبب، لم يشارك الإمام في هذا الحادث الذي لم يكن له خط واضح (ابن سعد، ج5، ص 166؛ أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 266).
إضافة إلى ذلك، حتى عندما طرد الناس الأمويين من المدينة في البداية، آوى الإمام زوجة مروان بن الحكم بناءً على طلب مروان، وذلك في حين أن مروان كان قد ذهب أولاً إلى عبد الله بن عمر وطلب منه أن يأوي أسرته ولكنه رفض (ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 231).
يعتقد الطبري أن هذا التصرف كان بسبب الصداقة القديمة بين الإمام ومروان (الطبري، 1387هـ، ج5، ص 485؛ ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 113). هذا الادعاء محل تأمل، فمن حيث المبدأ، لم يكن بإمكان الإمام، في ذلك السن وفي ذلك الموقف الذي خاض فيه أبوه وجده أعنف الصراعات مع هذه الأسرة، أن يقيم علاقة وثيقة مع مروان الذي يمكن القول إنه كان أبشع وجوه الأمويين (للمزيد من الاطلاع، راجع: جعفريان، 1386ش، ص 270-271). علاوة على ذلك، لم يُظهر مروان قط وجهًا حسنًا لبني هاشم (كمثال، راجع: ابن أبي الحديد، 1378ش، ج4، ص 70-73؛ ج16، ص 13-14). بناءً على ذلك، لا يمكن تصور وجود صداقة بينه وبين علي بن الحسين (ع). يكتب السيد جعفر الشهيدي: «لقد قصد الطبري أن يتجاهل المروءة التي تحلى بها آل هاشم إلى أقصى حد، وأن ينسبها إلى حساب صداقة شخصية» (للمزيد من الاطلاع، راجع: شهيدي، 1386ش، ص 83).
على كل حال، بعد وصول خبر الثورة إلى الشام، أرسل يزيد مسلم بن عقبة إلى المدينة. ودارت معركة عنيفة بين أهل المدينة والشاميين في الحرة الشرقية بالمدينة، إلى أن حاصر مسلم بن عقبة المدينة وأمهل أهلها ثلاثة أيام لتسليم أنفسهم (ابن أعثم الكوفي، 1411هـ، ج5، ص 159-169؛ الذهبي، 1410هـ، ج5، ص 23-32). لكن الناس بعد مقاومة كبيرة، هُزموا، ونتيجة لهذه الهزيمة، استولى الشاميون على المدينة وأباحوها للنهب لثلاثة أيام، وأُعلنت دماء وأموال وأعراض الناس مباحة، وفعلوا ما أرادوا (البلاذري، 1397هـ، ج5، ص 325-348؛ ابن أعثم الكوفي، 1411هـ، ج5، ص 167-169). خيّر مسلم أهل المدينة بين القتل أو أن يصبحوا عبيدًا ليزيد، فاختار البعض القتل على العبودية، والبعض الآخر فضل عبودية يزيد على القتل. كان يتم إحضار بعض الشخصيات البارزة في المدينة إلى مسلم بن عقبة ليختاروا أحد هذين الشرطين. ومن بين هؤلاء الأفراد كان الإمام السجاد (ع) (ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج2، ص 13؛ أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 264؛ البلاذري، 1397هـ، ج5، ص 319-348؛ ابن أعثم الكوفي، 1411هـ، ج5، ص 165-169؛ الذهبي، 1410هـ، ج5، ص 30-32).
وقد نُقل هذا الحدث بصورة أخرى، مع فارق أن يزيد في هذه الرواية يحل محل مسلم بن عقبة؛ بالإضافة إلى أن ظاهر الرواية يدل على أن هذا الحدث وقع في حادثة غير واقعة الحرة. وقد نقل المرحوم الكليني هذه الرواية في كتاب روضة الكافي، وهذا البحث يسعى إلى تمحيص هذه الرواية. نص الرواية مع سند الشيخ الكليني هو كما يلي:
«ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ هُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: أَتُقِرُّ لِي أَنَّكَ عَبْدٌ لِي إِنْ شِئْتُ بِعْتُكَ وَ إِنْ شِئْتُ اسْتَرْقَيْتُكَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَ اللَّهِ يَا يَزِيدُ مَا أَنْتَ بِأَكْرَمَ مِنِّي فِي قُرَيْشٍ حَسَباً وَ لَا كَانَ أَبُوكَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْإِسْلَامِ وَ مَا أَنْتَ بِأَفْضَلَ مِنِّي فِي الدِّينِ وَ لَا بِخَيْرٍ مِنِّي فَكَيْفَ أُقِرُّ لَكَ بِمَا سَأَلْتَ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُقِرَّ لِي وَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ لَيْسَ قَتْلُكَ إِيَّايَ بِأَعْظَمَ مِنْ قَتْلِكَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (ع) ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) مَعَ يَزِيدَ لَعَنَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (ع) فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ لِلْقُرَشِيِّ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع): أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُقِرَّ لَكَ أَلَيْسَ تَقْتُلُنِي كَمَا قَتَلْتَ الرَّجُلَ بِالْأَمْسِ؟ فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ: بَلَى فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) قَدْ أَقْرَرْتُ لَكَ بِمَا سَأَلْتَ أَنَا عَبْدٌ مُكْرَهٌ فَإِنْ شِئْتَ فَأَمْسِكْ وَ إِنْ شِئْتَ فَبِعْ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ: أَوْلَى لَكَ حَقَنْتَ دَمَكَ وَ لَمْ يَنْقُصْكَ ذَلِكَ مِنْ شَرَفِكَ» (الكليني، 1388هـ، ج8، ص 234-235، ح313؛ الحر العاملي، 1409هـ، ج16، ص 253، ح21498؛ المجلسي، 1403هـ، ج46، ص 138-139، ح29).
يروي ابن محبوب عن أبي أيوب عن بريد بن معاوية قال: سمعت الإمام الباقر (ع) يقول: «إن يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحج، فأرسل إلى رجل من قريش، فلما أتاه قال له يزيد بن معاوية: أتقر بأنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرققتك؟ فقال الرجل: والله يا يزيد، ما أنت بأكرم مني حسبًا ونسبًا في قريش، ولا كان أبوك في الإسلام والجاهلية أفضل من أبي، ولست أنت أفضل مني في الدين ولا خيرًا مني، فكيف أقر لك بما طلبت؟ فقال له يزيد: والله لئن لم تقر بذلك لأقتلنك. فقال الرجل: ليس قتلك إياي بأعظم من قتلك الحسين بن علي (ع) ابن رسول الله (ص). فأمر يزيد بقتله فقُتل. ثم أرسل إلى علي بن الحسين (ع) وقال له مثل ما قال للقرشي. فقال له علي بن الحسين (ع): أرأيت إن لم أقر، أليس تقتلني كما قتلت الرجل بالأمس؟ فقال يزيد – لعنه الله -: بلى. فقال له علي بن الحسين (ع): إني أقر لك بما تريد، فأنا عبدك مُكرَه ومُجبَر، ومن خوفي على نفسي أقر بهذا، فإن شئت فأبقني وإن شئت فبعني. فقال له يزيد – لعنه الله -: هذا خير لك، فقد حقنت دمك ولم ينقص ذلك من شرفك».
بناءً على هذه الرواية، فإن الإمام السجاد (ع) بصفته إمامًا وقائدًا للمجتمع الشيعي – الذي كانت جميع أفعاله تحت مجهر الناس وخاصة شيعته – يدعي العبودية والرق لفرد مثل يزيد. من هذا المنطلق، ونظرًا للمباني الشيعية، تقتضي الضرورة أن تخضع رواية الشيخ الكليني لمزيد من البحث والتأمل. والجدير بالذكر أنه سبق وأن كُتبت مقالة بعنوان «تأمل في أخبار ملاقات الإمام زين العابدين عليه السلام بمسلم بن عقبة في قيام الحرة» والتي نظرت إلى هذه الواقعة بمنظور تاريخي. هذا التحقيق يسعى من خلال نظرة تاريخية وحديثية إلى الإجابة على الأسئلة التالية:
1. بالنظر إلى مقام إمامة الإمام السجاد (ع)، هل يمكن الاستناد إلى ارتكاب مثل هذا الفعل من قبله؟ وما هي الأدلة التي يمكن إقامتها على القيام بهذا الفعل؟
2. هل هذه الرواية قابلة للتطبيق على العقل، والتاريخ المسلم، والروايات، والسنة؟
3. هل هذه الواقعة تتناسب مع عزة أهل البيت في واقعة كربلاء؟ و… تسعى هذه المقالة إلى دراسة الرواية الموجودة في الكافي من الناحية السندية والمتنية.
۲. دراسة سند الحديث
سند رواية الكليني هو على النحو التالي:
«ابْنُ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ» (الكليني، 1388هـ، ج8، ص 234-235، ح313).
من خلال دراسة مشايخ الكليني في الكافي، يُستنتج أن الحسن بن محبوب ليس شيخ الكليني المباشر. من هنا يمكن استنتاج أن سند الرواية يعاني من التعليق. بدراسة الروايات التي تسبق هذا السند، والتي نُقلت جميعها عن الحسن بن محبوب، يمكن رفع التعليق. رقم هذا الحديث في الكافي هو 313، وبداية سند الحديث 309 هو: «عَنْهُ عَنْ أَبِيهِ» وسند الحديث 308 هو: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ» (نفس المصدر، ج8، ص 233، ح308). بناءً على ذلك، فإن سند الرواية قيد البحث يكون على النحو التالي:
«عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ: …». لا بد من الذكر أن هذا السند قد رُفع تعليقه في وسائل الشيعة وبحار الأنوار اللذين نقلا عن الكافي (الحر العاملي، 1409هـ، ج16، ص 253، ح2149؛ المجلسي، 1403هـ، ج46، ص 138-139، ح29).
1. علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، من مشايخ الكليني المباشرين، وهو في الحديث ثقة… وقد ثبت أنه معتمد وصحيح المذهب. (النجاشي، 1416هـ، ص 260؛ العلامة الحلي، 1417هـ، ص 49؛ ابن داود، 1392هـ، ص 237؛ الخوئي، 1413هـ، ج12، ص 212).
2. إبراهيم بن هاشم القمي، أصله كوفي وانتقل إلى قم. ينقل النجاشي عن أبي عمرو الكشي قوله: «هو تلميذ يونس بن عبد الرحمن من أصحاب [الإمام] الرضا (ع)… أصحابنا يقولون: هو أول من نشر حديث أهل الكوفة في قم» (النجاشي، 1416هـ، ص 16). يعتقد آية الله الخوئي أن رواية إبراهيم بن هاشم مقبولة بلا تردد، مع أنه لم يرد أي توثيق له في كتب الرجال، ثم يطرح أدلة على وثاقته (الخوئي، 1413هـ، ج1، ص 316 و 317).
3. الحسن بن محبوب الزرّاد أو السرّاد، في كتاب رجال الكشي يُدّعى على جماعة من الرواة الثقات أنهم من أصحاب الإجماع، وبناءً على قول البعض، فإن الحسن بن محبوب من هؤلاء الأفراد (الطوسي، د.ت، ج2، ص 831 و 851؛ وراجع أيضاً: الحلي، 1381ش، ص 151؛ ابن داود، 1392ق، ص 116). وقد صرح الشيخ الطوسي بوثاقته (الطوسي، 1415ق، ص 354؛ حول وثاقته راجع: العلامة الحلي، 1417ق، ص 37؛ الخوئي، 1413ق، ج6، ص 96). صاحب معجم رجال الحديث يعرف الحسن بن محبوب بأنه تلميذ لأبي أيوب الخزاز وأنه نقل عنه الحديث (الخوئي، 1413ق، ج6، ص 99).
4. أبو أيوب إبراهيم بن عيسى الخزاز: يقول الكشي عنه: «أبو أيوب إبراهيم بن عيسى الخزاز: قال محمد بن مسعود: عن علي بن الحسن أبو أيوب كوفي اسمه إبراهيم بن عيسى ثقة» (الطوسي، د.ت، ج2، ص 661؛ وراجع أيضاً: العلامة الحلي، 1417ق، ص 5). بمعرفة الطبقات والعثور على التلميذ والأستاذ، يمكن فهم أن أحد رواة أو تلاميذ أبي أيوب هو الحسن بن محبوب (الخوئي، 1413ق، ج1، ص 242).
5. بريد بن معاوية أبو القاسم العجلي: يدعي الكشي أنه من أصحاب الإجماع (الطوسي، د.ت، ج2، ص 507). ويذكره النجاشي ضمن الفقهاء البارزين من أصحاب الصادقين (ع) الذين توفوا في حياة الإمام الصادق (ع) (النجاشي، 1416ق، ص 112). بمعرفة الطبقات والأساتذة والتلاميذ، يمكن استنتاج أن أبا أيوب الخزاز قد نقل عنه الحديث (الخوئي، 1413ق، ج4، ص 192).
مما قيل، وبمعرفة أساتذة وتلاميذ الرواة، فإن سند هذه الرواية متصل، مسند وصحيح.
۳. دراسة متن الحديث ونقده
صحة السند لا يمكن أن توجب اليقين بصدور الحديث عن المعصوم (ع)، باستثناء الأخبار المتواترة. هناك أحاديث هي من أفضل الأحاديث الصحيحة ولكنها تُعد من أخبار الآحاد ولا يمكن نسبتها إلى المعصوم على وجه القطع (المامقاني، 1411هـ، ج1، ص 88-127). إضافة إلى أن التاريخ شاهد واضح على أن وضاعي الحديث الأذكياء كانوا أحيانًا يضعون أحاديث بأسانيد صحيحة.[2] لمواجهة مثل هذه الحركة الخفية، بادر الأئمة إلى فضح أسماء الشخصيات التي كانت تختلق الأحاديث باسمهم وتدسها في كتب أئمة الحديث أثناء استنساخها، والمغيرة بن سعيد هو من هؤلاء الذين لعنهم أهل البيت بسبب هذا السلوك (الصفار، 1404هـ، ج1، ص 238، ح460). من هنا، فإن صحة السند بشكل كامل لا يمكن أن توجب اليقين بصدور الرواية عن المعصوم، ودراسة السند لا تشمل سوى جزء من تقييم الرواية. وفي هذا السياق، إذا اعتبر سند الرواية ضعيفًا، يمكن أن يكون ذلك مجرد قرينة على عدم ثبات الرواية، ولكن لرد الرواية، نحتاج إلى أدلة أقوى. لذا، يجب اعتبار نقد المتن أهم وسيلة لتقييم الرواية، على الرغم من أنه لتقييم الرواية يُبدأ بسندها أولاً (للمزيد من الاطلاع، راجع: نفيسي، 1380ش، ص 13-44).
المراد بنقد المتن هو دراسة ألفاظ الحديث ومفاهيمه للتأكد من صدوره أو عدم صدوره، وهو ما يشمل الدراسات اللغوية والأدبية وصولاً إلى استكشاف الأجواء الثقافية والاجتماعية لزمن صدور الحديث. وهذه الأنواع من الدراسات حول الصدور هي ما اشتهر بنقد المتن أو النقد المضموني (للمزيد من الاطلاع، راجع: مهريزي، 1381ش، ص 3). من خلال دراسة سند الرواية، اتضح أن سند الحديث قيد البحث صحيح. ونظرًا لأن صحة السند ليست دليلاً على صحة الصدور عن الإمام، فإنه من الضروري دراسة متن الحديث. ونظرًا لأن هذه الرواية هي خبر تاريخي، نبدأ أولاً بالدراسة التاريخية.
۱-۳. الدراسة التاريخية
۱-۱-۳. دراسة الرواية وتطبيقها على المصادر التاريخية
هذه الرواية نُقلت في الكتب التاريخية بأشكال مختلفة، مع فارق مهم وهو أن مسلم بن عقبة في الكتب التاريخية يلعب دور يزيد، وكما مر تفصيلاً، فإن الحادثة تتعلق بواقعة الحرة. يوجد في الكتب التاريخية ثلاث فئات من الروايات حول هذا الموضوع تستدعي الدراسة:
أ) الرواية الموجودة في كتاب اليعقوبي.
ب) الروايات المتعددة في الكتب التاريخية.
ج) الرواية الموجودة في كتاب المسعودي.
أ) رواية الكافي تشبه إلى حد كبير رواية اليعقوبي. وقد نقل هذا الأخير الحادثة كما يلي: «… ثم [مسلم] بايع الناس على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية، فأُتي برجل من قريش فقيل له: بايع على أنك عبد خالص ليزيد. قال: لا. فضُربت عنقه. ثم أُتي بعلي بن الحسين، فقال: كيف يريد يزيد أن أبايع؟ قال مسلم بن عقبة: على أنك أخ وابن عم. فقال علي بن الحسين: إن شئت بايعتك على أني عبد مملوك ليزيد. فقال مسلم: إنه لم يأمرني فيك بشيء. فلما رأى الناس قبول علي بن الحسين قالوا: هذا ابن رسول الله وقد بايعه على ما يريد، فما لنا لا نبايع؟ فبايعوه على ما أراد، وكان ذلك سنة اثنتين وستين» (اليعقوبي، د.ت، ج2، ص 251).
ب) هذه الرواية لم توجد بهذا الشكل في كتب التاريخ الأخرى؛ بل نُقلت الحادثة بأشكال أخرى لا تتوافق إطلاقًا مع رواية الشيخ الكليني واليعقوبي. حيث إنه في كتب مثل الأخبار الطوال، والإمامة والسياسة، وتاريخ الطبري، والفتوح، والإرشاد، والمنتظم، والكامل، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، وكشف الغمة، والبداية والنهاية، ورد خبر مختلف عن رواية الكليني واليعقوبي ولكنه متشابه فيما بينها:
«كان مسلم يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على شرط أن يكونوا عبيدًا له، وكان هذا شرط البيعة يوم حرب الحرة، إلا في حالة علي بن الحسين (ع)، حيث أكرمه مسلم بن عقبة وأجلسه معه على سريره، وأخذ منه البيعة على أنه أخ وابن عم ليزيد، وهذا يختلف عن البيعة التي أخذها من الآخرين ولم يكن فيها قيد العبودية، وكان هذا بناءً على توصية بشأن الإمام (ع)». وقد كتب الطبري وآخرون في تتمة نقل هذه القصة: «لما أُتي بالإمام إلى مسلم، رحب به مسلم وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك. هؤلاء الخبثاء شغلوني عنك وعن حرمتك».
ثم قال: هل أصاب أهلك فزع؟ قال الإمام: نعم. ثم قال: بلى، ثم أمر له بدابة فركبها ورجع إلى منزله. وقد وصف ابن أعثم ترحيب مسلم بالإمام بأنه قام مسلم لاستقبال الإمام ووقف على قدميه وقبّله بين عينيه وأجلسه إلى جانبه. وقدم الشيخ المفيد توضيحًا مشابهًا لهذا المحتوى، مع إضافة أنه كتب: قال مسلم: لقد أوصاني أمير المؤمنين أن أفصل حسابك عن الآخرين. ثم يضيف: قال مسلم للإمام: لو كان عندنا شيء يليق بك وبقدرتك عليه، لوصلناك به… (ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 241؛ أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 266؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 494؛ المفيد، 1414هـ، ج2، ص 152؛ ابن أعثم الكوفي، 1411هـ، ج5، ص 163؛ ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 119؛ ابن كثير الدمشقي، 1407هـ، ج8، ص 219؛ ابن الجوزي، 1412هـ، ج6، ص 13؛ الإربلي، 1405هـ، ج2، ص 300-301؛ ابن أبي الحديد، 1378هـ، ج3، ص 259 و ج15، ص 242). تستند هذه الأخبار، خاصة ما ذكره ابن الأثير وابن أبي الحديد، إلى أن بيعة الإمام لمسلم كانت مختلفة عن شكل بيعة الناس، على الرغم من أن ابن أبي الحديد يصرح بأن الإمام بايع مسلمًا كأخ وابن عم ليزيد. والتعارض الموجود بين معظم النصوص التاريخية المذكورة أعلاه والنص الشاذ لليعقوبي واضح. إن مبادرة الإمام في البيعة لمسلم بحيث لم يكلفه يزيد بمثل هذا الأمر هي من مواطن ضعف رواية اليعقوبي.
ج) الرواية الثالثة هي نقل المسعودي الذي يصور هذا اللقاء بشكل مختلف: «رأى الناس علي بن الحسين قد لجأ إلى قبر النبي يدعو، فأتوا به إلى مسرف [= مسلم بن عقبة]، وكان غاضبًا عليه ويتبرأ منه ومن آبائه، فلما رآه يقترب، ارتعد وقام احترامًا له وأجلسه إلى جانبه وقال: اطلب مني حاجاتك. فقبل شفاعته في كل من كان معرضًا للقتل. ثم ذهب إلى مسرف… فقيل لمسلم: كنت تسب هذا الشاب وآباءه، فلما أتى إليك حرمته. فقال: لم يكن ذلك باختياري، فقد امتلأ قلبي منه رعبًا» (المسعودي، 1409هـ، ج3، ص 70). هذا القول لا يبدو صحيحًا، فمن المستبعد أن يغض مسلم المتعطش للدماء الطرف عن قتل أحد بشفاعة علي بن الحسين. الأمر المؤكد هو أن مسلمًا، بأمر من يزيد، لم يكتفِ بعدم تكليف الإمام بمهمة صعبة، بل أكرمه (للمزيد من الاطلاع، راجع: الشهيدي، 1386ش، ص 86).
۲-۱-۳. دراسة أخبار بيعة الإمام السجاد (ع)
فيما نقلته كتب التاريخ، لم تُرَ عبارات شبيهة برواية الكليني واليعقوبي. بناءً على ذلك، فإن الروايتين في كتب التاريخ ليستا متطابقتين مع رواية الكليني واليعقوبي. إضافة إلى هذا، سجلت كتب التاريخ أسماء أفراد بايعوا وفق ما طلبه مسلم بن عقبة بشأن البيعة، وفي حال عدم البيعة كانوا يُقتلون. أول من بايع كان مروان بن الحكم، ثم كبار بني أمية وبعض بني أسد (راجع: ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 236).
لكن في هذه الأثناء، رفض أفراد البيعة. يذكر التاريخ أسماء أفراد أُحضروا إلى مسلم بن عقبة، لكنهم لم يرضخوا لذل البيعة وقُطعت رؤوسهم. من هؤلاء: يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود (أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 265؛ ابن الجوزي، 1412هـ، ج6، ص 15؛ ورد اسم آخر هو يزيد بن عبد الله بن زمعة في الكتب، والذي قد يكون هو نفسه يزيد بن عبد الله بن ربيعة الذي صُحّف اسمه. ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 236؛ البلاذري، 1397هـ، ج5، ص 328)، محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي (أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 265؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 492)، معقل بن سنان الأشجعي (أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 265؛ ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 236؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 492؛ المقريزي، 1420هـ، ج12، ص 245)، عمرو بن عثمان (أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 266-267؛ ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 120؛ ابن الجوزي، 1412هـ، ج6، ص 15)، يزيد بن وهب بن زمعة (الطبري، 1387هـ، ج5، ص 492). النقطة المهمة هنا هي أن هؤلاء الأفراد ذُكروا بالترتيب في كتب التاريخ، والإمام السجاد (ع) أيضًا كان إلى جانبهم؛ ولكن لم يُسجل أي كلام حول بيعة الإمام، بينما بالنسبة لهؤلاء الأشخاص، الحديث يدور حول عدم البيعة. بناءً على ذلك، ووفقًا للأخبار، يمكن الجزم بأنه جرى حوار بين الإمام ومسلم. وقد أكرم مسلم الإمام بتوصية من يزيد، لكن يزيد لم يوصه بأخذ البيعة منه، لأن الإمام السجاد (ع)، وفقًا لكتب التاريخ، كان الشخص الوحيد الذي استثناه يزيد من البيعة والأذى. بالإضافة إلى أن الإمام لم يتدخل في ثورة المدينة، ولهذا السبب لم يأمر مسلم من قبل يزيد بإيذائه، بل كان مأمورًا بتكريمه وتوقيره. من كل ما سبق، يتضح أن موضوع «بيعة الإمام» – الذي طُرح في الكافي وفي تاريخ اليعقوبي – منتفٍ ولا يتوافق مع الحقائق التاريخية.
جدير بالذكر أن المسعودي يكتب عن بيعة أهل المدينة: «بايع الناس على أنهم عبيد ليزيد، وكل من امتنع عن البيعة قُتل، إلا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الملقب بالسجاد، وعلي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب» (المسعودي، 1409هـ، ج3، ص 70). هذا بينما ذكر البعض أن علي بن عبد الله بن عباس لم يُقتل لأن حصين بن نمير، قائد جيش مسلم، كان من أخواله، وفي النهاية بايع (أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 267؛ البلاذري، 1397هـ، ج5، ص 330؛ ابن أعثم الكوفي، 1411هـ، ج5، ص 162؛ ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 120).
بالطبع، المصدر الوحيد الذي ذكر بيعة الإمام هو «الكامل»، هذا في حين أن ابن الأثير صاحب الكامل قد نقض كلامه بنفسه؛ حيث يكتب: «… أمر مسلم أن يُسرج له [للإمام السجاد (ع)] مركب. أُسرج المركب وأُعد. فأرجع الإمام ولم يكلفه بالبيعة، وامتنع عن الشروط التي أخذها من الناس في بيعة يزيد. ثم استدعى علي بن عبد الله بن عباس ليبايع. قال حصين بن نمير السكوني: ابن أختنا لن يبايع بشروطكم، وسيبايع مثل بيعة علي بن الحسين» (ابن الأثير، 1385هـ، ج4، ص 120). يطرح ابن الأثير أولاً موضوع عدم بيعة الإمام ثم يكتب أن حصين بن نمير حال دون بيعة علي بن عبد الله بن عباس بنفس شروط بيعة العبودية ليزيد، ليبايع مثل علي بن الحسين (ع) (نفس المصدر). كما مر، في المصادر التاريخية والروائية لا يوجد ذكر لبيعة الإمام، وما هو موجود هو أن مسلمًا احترم الإمام بسبب توصية سياسية من يزيد، ولم تتم أي بيعة. النقطة البالغة الأهمية هي أن الشخص الذي لم يأتِ أي ذكر لبيعته أو عدمها في كتب التاريخ هو الإمام السجاد (ع).
۳-۱-۳. دراسة حضور يزيد في المدينة
أ) ما هو مُسلّم به بين المؤرخين هو أن يزيد بعد أن تولى الخلافة لم يذهب قط إلى الحج أو مكة والمدينة، فما بالك بأن يكون قد دخل المدينة في طريقه إلى مكة؛ حتى إنه لم يخرج من الشام حتى مات، لأن مكة كانت قاعدة لابن الزبير وتحت سيطرته الكاملة، ومثل هذا الحدث يبدو بعيد الاحتمال جدًا. ونتيجة لذلك، لم يقع مثل هذا اللقاء بينه وبين الإمام السجاد (ع). وكما مر، فإن الكتاب الوحيد الذي نقل لقاء الإمام بيزيد هو كتاب الكافي، في حين أن كتب التاريخ لم تذكر مثل هذا اللقاء بيزيد في المدينة بهذه الكيفية.
ب) يعتقد العلامة المجلسي في تبريره لرواية الكليني أنه من الممكن أن يكون بعض الرواة قد اشتبهوا بين يزيد ومسلم بن عقبة وخلطوا بينهما، لأن الرواية تقول إن مسلم بن عقبة أجرى حوارًا مع الإمام، وليس يزيد (المجلسي، 1403هـ، ج46، ص 138).
ج) يكتب العلامة المجلسي في شرح الحديث الموجود في الكافي في كتاب مرآة العقول: «غريب، لأنه من المعروف بين كتاب السيرة أن هذا الملعون [يعني يزيد] لم يدخل المدينة بعد خلافته، بل لم يخرج من الشام حتى مات ودخل النار، ولعل هذا هو مسلم بن عقبة، وكيل هذا الملعون، الذي أرسله لقتل أهل المدينة، وبعده وقعت واقعة الحرة، ويُنقل أن ما يقرب من هذه الرواية قد وقع بينه وبين علي بن الحسين (ع)، ولكن نتيجة لذلك اشتبه الأمر على بعض الرواة» (المجلسي، 1404هـ، ج26، ص 178-179).
د) النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنه، على فرض صحة الاحتمال الذي ذكره العلامة المجلسي، القائم على إمكانية أن يكون الراوي قد أخطأ وأن المقصود هو مسلم وليس يزيد، يمكن الرد بالقول إن متن الرواية يذكر أن يزيد أرسل في طلب رجل من قريش، فلما أتاه قال له يزيد: هل تقر بأنك عبد لي، إن شئت بعتك وإن شئت استرققتك؟ قال الرجل: والله يا يزيد ما أنت في قريش بأشرف مني حسبًا ونسبًا… إلخ. بناءً على ذلك، إذا قيل إن الرواة أخطأوا وأن المقصود حسب رواية الكافي هو مسلم، يمكن الرد بالقول: لم يكن مسلم بن عقبة من قريش ليُطرح مثل هذا الاحتمال، بل كان من قبيلة بني مرة من بطن بني غطفان (للمزيد من الاطلاع في هذا المجال، راجع: الأندلسي، 1403هـ، ص 254؛ ابن خلدون، 1408هـ، ج2، ص 366؛ ابن حجر العسقلاني، 1415هـ، ج6، ص 232).
هـ) العلامة الشعراني، في تعليقه على شرح المولى صالح المازندراني على الكافي، لا يقبل باشتباه الأمر على الرواة كما ذكر العلامة المجلسي، ويعتقد في ذيل هذه الرواية أنه على الرغم من وجود العديد من المدن بين بغداد وسُرّ من رأى، لم يرَ أحد يزيد في منتصف الطريق ولم يُسجل ذلك في الكتب، بالإضافة إلى أن سفر يزيد إلى الحجاز لم يذكره أحد (المازندراني، 1382هـ، ج12، ص 303).
و) كذلك، كان إيواء أسرة مروان وعدم التدخل في الثورة من أهم أسباب عدم التعرض للإمام واحترامه، ولم يكن (ع) من الذين أُخذ منهم عهد العبودية، كما صرح بذلك العديد من المؤرخين (أبو حنيفة الدينوري، 1368ش، ص 266؛ ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 241؛ الطبري، 1387هـ، ج5، ص 494؛ المسعودي، 1408هـ، ج3، ص 70).
ز) نقطة أخرى في رواية الكافي هي أن الشخص الذي التقى به كان ينوي أداء الحج ودخل المدينة. بالنظر إلى أن واقعة الحرة وقعت بعد مراسم الحج، فمن غير المقبول أن يكون الشخص الذي التقى به هو مسلم بن عقبة، لأن مراسم الحج تنتهي في أيام التشريق (الطوسي، د.ت، النهاية، ص 255-256 و 280). لكن واقعة الحرة، حسب رواية الطبري، حدثت بعد يومين (الطبري، 1387هـ، ج5، ص 487)، وحسب رواية ابن قتيبة (ابن قتيبة الدينوري، 1410هـ، ج1، ص 239)، بعد ثلاثة أيام من انتهاء ذي الحجة، أي بعد حوالي أربعة عشر يومًا من انتهاء الحج. بناءً على ذلك، فإن فرضية حضور مسلم بن عقبة بقصد الحج في المدينة أثناء واقعة الحرة هي فرضية مرفوضة، ونتيجة لذلك لا يمكن تطبيق خبر لقاء الإمام السجاد (ع) بشخص دخل المدينة بقصد الحج في رواية الشيخ الكليني على لقاء الإمام السجاد (ع) بمسلم بن عقبة في واقعة الحرة.
ح) بالإضافة إلى ذلك، في وقت وقوع واقعة الحرة، كانت مكة تحت سيطرة عبد الله بن الزبير، وفي عام 63، أدى هو الحج بالناس (الطبري، 1387هـ، ج5، ص 487). بناءً على ذلك، ونظرًا لعداوة أهل الحجاز ليزيد بن معاوية والخطر الذي كان يتهدده من تلك المنطقة في ذلك الوقت، لا يمكن قبول أن يزيد قد قصد الحج في ذلك العام (للمزيد من الاطلاع، راجع: زاهدي توچايي، 1391ش، ص 107).
۲-۳. الدراسة العقلية والروائية
۱-۲-۳. ركاكة معنى الحديث
الإمام هو أسوة الأدب والكرامة الإنسانية، لا يتكلم بفظاظة ويبتعد عن التصرفات غير الإنسانية، ولا يُعتبر فقط أكمل مصداق الإيمان بالله والتحلي بالحق في ميزان الدين، بل في ميزان الإنسانية أيضًا لا يتكلم ولا يفعل إلا من منطلق الرحمة والرجولة والتضحية والصدق والصبر وعزة النفس. لذا، كلما تعارضت رواية مع السجايا الإنسانية والشخصية الإسلامية للمعصوم (ع)، تُعتبر فاقدة للاعتبار. ركاكة المعنى في نقد متن الحديث تعني عدم تناسب المعنى مع مكانة وشأن الإمام المعصوم (للمزيد من الاطلاع في هذا المجال، راجع: نفيسي، ص 28). أي ضعف أو نقص أو خلل في لفظ أو معنى الحديث إلى درجة تخرجه عن التوافق مع كلام المعصومين… (نصيري، 1390ش، ص 676).
الحديث الموجود في كتاب الكافي يعاني من ركاكة معنوية، بمعنى أنه في موضع لا يشبه فيه مضمونه ودلالاته المطلوبة في الروايات كلام المعصومين بسبب ضعفه ووهنه (نفس المصدر). بناءً على رواية الشيخ الكليني في الكافي، فإن الحوار الذي جرى بين الإمام السجاد (ع) ويزيد لا يتناسب أبدًا مع المقام الرفيع للعصمة والطهارة الذي يعتقده الشيعة للأئمة المعصومين. إن عزة وكرامة أسرة الإمام أسمى بكثير من أن يظهر بهذا الشكل من الهوان والذل أمام كائن بلا أصل وحقير مثل يزيد، ويضع كل شيء تحت قدميه ثمنًا لحياته. بناءً على ذلك، يمكن القول إن هذا الحديث لا يمكن أن يكون قد صدر عن الإمام الباقر (ع).
۲-۲-۳. التعارض مع الروايات والسنة
في الدراسة المضمونية لهذه الرواية التاريخية، يمكن من خلال أداء الأئمة على مدار حياتهم أن ندرك عدم واقعية هذا الحدث. وذلك لأن الأئمة المعصومين (ع) لم يرضخوا للذل أبدًا، ولم يطلبوا من أي شخص آخر طلبًا ذليلاً منقادًا متوسلاً، ليدوسوا نتيجة لذلك على عزة نفسهم، فما بالك بأن يعرفوا أنفسهم عبيدًا لآخرين (للمزيد من الاطلاع في هذا المجال، راجع: دلشاد تهراني، الدفتر الأول، 1385ش، ص 166).
جدير بالذكر، كيف يمكن لرجل قرشي مغمور أن يقف في وجه يزيد بهذه الشجاعة، ويقف منتصب القامة بكرامة أمام شخصية مثل يزيد – يزيد الذي قتل والد الإمام السجاد (ع) بتلك الطريقة في يوم عاشوراء – بينما إمام هو نفسه أسوة العزة والكرامة وإمام الباحثين عن الحقيقة الأحرار، ينحني له بهذا الشكل ويضع رأس الذل والعبودية على الأرض أمام أخبث شخصية في تاريخ الإسلام؟!
هذا في حين أن الإمام السجاد (ع) نفسه قال في رواية: «مَا يَسُرُّنِي بِنَصِيبِي مِنَ الذُّلِّ حُمْرُ النَّعَمِ» (المجلسي، 1403هـ، ج46، ص 100، ح88). ورواية أخرى شبيهة بهذه: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِذُلِّ نَفْسِي حُمْرَ النَّعَم…»، أي لا أحب أن أحصل على أفضل النعم والثروات – أي الإبل الحمر – مقابل إذلال نفسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن أقوال القرآن وروايات وسيرة الأئمة تدل على هذا المطلب، كما قال النبي (ص): «مَنْ أَقَرَّ بِالذُّلِّ طَائِعاً فَلَيْسَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ» (ابن شعبة الحراني، 1404هـ، ص 58): «من أقر بالذل طائعًا فليس من أهل بيتنا». في هذه الرواية، يعرّف النبي (ص) سمة أهل بيته بأنها عدم قبول الذل، والتي بلا شك وبرهان، إذا صحت هذه الرواية الموجودة في الكافي، فإن الإمام السجاد (ع) لا يُعتبر من أهل البيت!
في القرآن أيضًا، أُشير إلى عزة المؤمن وعدم قبوله للظلم. آيات القرآن تعد العزة وعدم الرضوخ للهوان من خصائص وصفات الله الخاصة، والنبي، والمؤمنين؛ كما يقول: «وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» (المنافقون: 8). والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. لا شك أن الإمام السجاد (ع) سمع كلمات والده الشامخة في كربلاء. الإمام الحسين (ع) في ملحمة عاشوراء كان المصداق الكامل لعبارة «هَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ»، وكما قال الإمام الحسين (ع) نفسه: «أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ» (ابن أبي الحديد، 1378هـ، ج3، ص 249-250؛ ابن شعبة الحراني، 1404هـ، ص 241؛ ابن طاووس، 1348ش، ص 97).
الإمام الحسين (ع) يعرّف الموت بعزة بأنه أفضل من الحياة بذل، وفي قبح ومذمة قبول الذل يقول يوم عاشوراء: «مَوْتٌ فِي عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي ذُلٍّ»، وأنشأ (ع) يوم قتله:
الموت خير من ركوب العار … والعار أولى من دخول النار
والله ما هذا وهذا جاري (المجلسي، 1403هـ، ج44، ص 192، ح4).
الإمام الصادق (ع) أيضًا في حديث يقول: إن الله قد فوض كل شيء للمؤمن إلا أن يذل نفسه. «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا إِذْلَالَ نَفْسِهِ» (الكليني، 1388هـ، ج5، ص 63، ح3؛ للمزيد من الاطلاع على هذه الروايات، راجع: الريشهري، 1416هـ، كتاب الذلة، ج2، ص 982-984 وكتاب العزة، ج3، ص 1955 و 1964؛ وراجع أيضًا: دلشاد تهراني، الدفتر الأول، 1385ش، ص 513-592).
الآيات والروايات المذكورة أعلاه تشير إلى أن الأئمة المعصومين (ع) لم ينهوا الناس فقط بجواهرهم الثمينة عن الدوس على عزة النفس والكرامة، بل كانوا هم أنفسهم القادة والمرشدين في هذا المسار، ليتبعهم الناس ويتمسكوا بهم. من جميع هذه الروايات يُستنتج أن المؤمن لا يرضخ للذل أبدًا، لدرجة أن الله نفسه لم يعطه سلطة إذلال نفسه.
۳-۲-۳. وضع الحديث لتبرير بيعة المبايعين
بالإضافة إلى الأدلة التي ذُكرت، من المؤكد أن هذا الخبر قد وُضع لاحقًا لتبرير بيعة العبودية ليزيد، كما أورد اليعقوبي أنه عندما رأى الناس قبول علي بن الحسين، قالوا: هذا ابن نبي الله وقد بايعه على ما يريد، فلماذا لا نبايع نحن هكذا؟ ثم بايعوه على ما أراد (اليعقوبي، د.ت، ج2، ص 251).
هذا الخبر يظهر أنه من المحتمل بعد سنوات، أن بعض أبناء كبار المدينة الذين بايع آباؤهم مسلمًا [أو حتى يزيد] تحت هذا الشرط خوفًا على حياتهم، قد اختلقوا هذه الرواية ليجعلوا فعل أسلافهم مقبولاً لدى الناس. دليل كذب هذا المطلب هو أن السلوك الذي أظهره علي بن الحسين (ع) تجاه أسرة مروان لم يكن خافيًا على بني أمية وشخص يزيد ووكيله مسلم. كذلك، فإن علي بن الحسين قد نأى بنفسه عن الثورة منذ بدايتها ولم يشارك الناس، لأنه كان يعلم نهاية الأمر. لذلك، وكما مر، لم يكن مسلم مأمورًا بإيذائه، بل كان مأمورًا بمعاملته بلطف (للمزيد من الاطلاع، راجع: الشهيدي، 1386ش، ص 85-86). خبر اليعقوبي وُضع بوقاحة لدرجة أن مسلم بن عقبة لا يفرض على الإمام أي تكليف ويذكّره بأن يزيد طلب منه أن يعتبره أخًا وابن عم، لكن الإمام يصر على أن يكون عبدًا ليزيد! فيرى الناس ذلك، فيرضخون لأي ذل! من الواضح جدًا لأي أهداف وُضعت مثل هذه الأخبار، وما هي نتائجها وآثارها!
كان نهج أئمة الحق هو نفي الاسترحام وإزالته من داخل الأفراد وكيان المجتمع، ليتحقق المجتمع بالعزة وتكتسب الحياة السليمة معناها (للمزيد من الاطلاع، راجع: دلشاد تهراني، الدفتر الثاني، 1385ش، ص 169).
بالطبع، برر البعض صحة هذا الحديث بالقول: ليس من المستبعد أنه بعد واقعة الحرة واستسلام أهل المدينة، قام يزيد برحلة إلى المدينة بعنوان الحج، وعلى الرغم من أنها كانت قصيرة جدًا، إلا أن هذه الرحلة تبدو مناسبة جدًا لأوضاع ذلك اليوم، سواء لترميم خراب المدينة وكسب قلوب الناس، أو لإظهار التدين بعد كل تلك الخبائث كما هي عادة السياسيين، أو لتقوية جبهة جيش مكة ضد عبد الله بن الزبير في المعركة، كان غرض هذه الرحلة القصيرة ممكنًا بوسائل النقل السريعة في ذلك الوقت ومناسبًا أيضًا، والرواية معتبرة، ومجرد عدم ذكر المؤرخين أو عدم اطلاعهم ليس دليلاً مقابل هذه الرواية، وإذا صرحوا بخلافها، فإن هذه الرواية أكثر جدارة بالثقة من كلامهم (الكليني، ترجمة كمرهاي، 1382ش، ج2، ص 64). بخصوص هذا الادعاء، النقاط التالية جديرة بالاهتمام:
1. الأدلة التاريخية، العقلية، والروائية التي مرت هي نفسها دليل على بطلان هذا الادعاء.
2. السنة التي تلت واقعة الحرة، أي عام 64 هـ، تُعرف بالسنة التي أحرق فيها جيش يزيد الكعبة. إذا كانت الحادثة المتعلقة بالإمام السجاد (ع) لكسب قلوب الناس، فما هو تبرير إحراق الكعبة؟
3. السفر بوسائل النقل السريعة في ذلك الوقت، حتى لو حدث، فإن المؤرخين الذين كانوا يدققون في تفاصيل الأخبار كانوا على الأقل سيلتفتون إلى هذه المسألة، لأن سفر شخصية مثل يزيد إلى المدينة أو مكة، الذي كان مثلاً الحاكم الإسلامي، لا يغيب عن أعين المؤرخين، لأن أحداث وأوضاع ذلك الزمان – من أحداث ما بين الحرة وأوضاع المدينة والأحداث المتعلقة بآل الزبير وحادثة إحراق الكعبة – كانت معقدة لدرجة أن هذه المسألة، أي لقاء الإمام بيزيد، لكونها مسألة حساسة بحد ذاتها، لا يمكن أن تكون قد أُغفلت.
4. يبدو أن ادعاء المبرر يستند إلى المنهج الأخباري، وبالطبع لا يُنكر قبول الرواية الصحيحة السند والصحيحة المتن مقابل رواية المؤرخين المشكوك فيها، لكن الأدلة المذكورة تظهر في هذا المطلب أن لقاء الإمام بيزيد لا يمكن أن يكون صحيحًا.
ربما يُدّعى أنه نظرًا للأجواء الخانقة التي سادت بعد واقعة الحرة، من الممكن أن يكون هذا الإعلان بالعبودية قد تم في إطار سياسة التقية من قبل الإمام السجاد (ع)، وأن المقصود هو إعلان العبودية للذات الإلهية (زاهدي، 1391ش، ص 100). ولكن بالنظر إلى ما مر، يمكن القول إن احتمال التقية يبدو بعيدًا. قد يصر البعض على أن التقية كانت لحفظ أرواح الآخرين، أو حتى أن الإذعان كان على سبيل السخرية من المخاطب، أي يزيد. لكن النقطة المهمة هي أنه لو كانت الرواية الموجودة في الكافي على أساس السخرية من المخاطب، لكان الإمام الباقر (ع) أو حتى راوي الرواية، أي بريد بن معاوية، قد قدم تذكيرًا بذلك، ولكان الراوي قد ذكره، لأن الإمام الباقر (ع) أو بريد بن معاوية لم يكونا لينشرا هذه الرواية في ظروف التقية. كذلك، لو كانت التقية لحفظ أرواح الآخرين، فإن الأفراد الذين لجأوا إلى الإمام كانوا في أمان بأمر الخليفة. ولهذا السبب، وضع الإمام أسرة مروان تحت حمايته. لذا، فإن مثل هذا الإعلان بالذل من قبل الإمام سيكون بلا معنى ولا جدوى، وبالتالي يُسلب احتمال التقية من هذه الرواية. لأن مثل هذه الروايات التي وجدت مكانها في كتب الحديث والتاريخ، قد صُنعت ونُسجت ببراعة ودقة لدرجة أن الرواة البارزين الذين كانوا دائمًا في خدمة مدرسة أهل البيت واستفادوا من علمهم الغزير – إذا لم نقل إن هذه الروايات قد صُنعت باسمهم – قد تأثروا بهذا النوع من الروايات وبذلوا همتهم في نقلها. احتمال التقية هو مجرد الطريقة الأخيرة لتبرير العبارات التي تمس شأن المعصوم، ولكن هناك أدلة قوية لرفض هذا الخبر، والتي سترفض هذا الاحتمال أيضًا.
۴. الخاتمة
بالنظر إلى ما مر، يمكن استنتاج ما يلي:
إضافة إلى ما مر، فإن مجرد صحة السند لا يمكن أن توجب اليقين بصدور الحديث عن المعصوم (ع). هذه الرواية، على الرغم من صحتها من الناحية السندية، إلا أنه بناءً على الانتقادات التي وُجهت لمتنها، لا يمكن أن تكون موضع اعتماد وتمسك.
2. لم يقع مثل هذا اللقاء بين يزيد والإمام السجاد (ع) إطلاقًا لينتج عنه اعتراف الإمام بالعبودية له؛ لأن يزيد بعد أن اعتلى كرسي الخلافة لم يطأ مكة أو المدينة أبدًا.
3. بوضع هذا الخبر التاريخي في محك التطبيق، يُستنتج أن ما قيل عن يزيد ينطبق في الواقع على مسلم بن عقبة – قائد جيش يزيد في واقعة الحرة -. لأنه بعد دخوله المدينة وإشاعة الرعب بين أهلها بالقتل والنهب وإباحة الدماء والأموال والأعراض، ارتكب جرائم ومجازر كثيرة، وبعد ذلك أخذ مسلم بن عقبة البيعة من الناس ليزيد، ومن لم يقبل كان يُقتل.
4. بشهادة ما سبق، كان الشخص الوحيد الذي نجا من هذا التعهد دون شرط هو الإمام السجاد (ع) فقط. بالإضافة إلى ما ورد في المصادر التاريخية من أن مسلم بن عقبة عامل الإمام بلطف شديد، وكان ذلك بسبب توصية سياسية من يزيد ليظهر نفسه بشكل أفضل أمام فئات الشعب.
5. من بين الأمور التي يمكن من خلالها استنتاج عدم صحة الحديث، ركاكة المعنى أو عدم تناسبه مع مكانة وشأن الإمام المعصوم. لا شك أن مثل هذه الرواية تتنافى مع الشأن والمكانة الإنسانية الرفيعة، وبالتالي الإمامية، التي هي نفسها رائدة للشيعة. إن شرف الأسرة وعزة الإمام أسمى بكثير من أن يقع في مثل هذا الهوان والذل أمام كائن بلا أصل وحقير مثل يزيد، ويضحي بكل شيء من أجل حياته. من الناحية العقلية أيضًا، لا يمكن إثبات هذا المطلب، أن إمامًا هو نفسه القدوة والأسوة لعزة الناس يقر بالعبودية أمام طاغية مثل يزيد.
6. آيات القرآن وكذلك الروايات العديدة عن الأئمة والإمام نفسه في ذم قبول المؤمن للذل قد ثبتت. الآيات والروايات التي تعتبر العزة لله والمؤمنين فقط، ولا تقبل بذل المؤمن أمام أي كائن.
7. الاحتمال القريب من اليقين هو أن هذا الخبر قد صُنع لاحقًا بسند صحيح، ليُستخدم من قبل الأحفاد كتبرير لبيعة أجدادهم بالعبودية ليزيد.
الهوامش
1. أستاذ مساعد في جامعة السيدة المعصومة (سلام الله عليها)، قم – mohsenrafaat@gmail.com تاريخ الاستلام: ۰۵/۰۵/۹۶، تاريخ القبول: ۱۹/۰۶/۹۶.
2. من الجدير بالذكر أن صاحب كتاب ‘گزيده كافى’ (مختصر الكافي)، على الرغم من صحة سند الحديث المذكور، لم ينقله في كتابه، ووفقًا لما ذكره في مقدمته، فإن عدم نقله يعني عدم اعتبار هذه الرواية من وجهة نظره (راجع: الكليني، ۱۳۶۳ش، مقدمة المترجم، ص 8-12).
المصادر
القرآن الكريم.
ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد بن أبو الفضل إبراهيم، مصر، دار إحياء الكتب العربية، 1378هـ.
ابن الأثير، علي بن أبي الكرم، الكامل في التاريخ، دار صادر، دار بيروت، 1385هـ.
ابن أعثم الكوفي، أحمد بن علي، الفتوح، تحقيق: علي شيري، بيروت، دار الأضواء، 1411هـ.
ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي، المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، تحقيق: محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1412هـ.
ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، تاريخ ابن خلدون، (ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر)، تحقيق: خليل شحادة، بيروت، دار الفكر، 1408هـ.
ابن داود الحلي، حسن بن علي، رجال ابن داود، تحقيق: السيد محمد صادق آل بحر العلوم، النجف الأشرف، منشورات مطبعة الحيدرية، 1392هـ.
ابن سعد، محمد، الطبقات الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410هـ.
ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول، قم، جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1404هـ.
ابن طاووس، علي بن موسى، اللهوف على قتلى الطفوف، طهران، جهان، 1348ش.
ابن قتيبة الدينوري، عبد الله بن مسلم، الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، تحقيق: علي شيري، بيروت، دار الأضواء، 1410هـ.
ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 1407هـ.
أبو حنيفة الدينوري، أحمد بن داود، الأخبار الطوال، تحقيق: عبد المنعم عامر، مراجعة جمال الدين شيال، قم، منشورات الرضي، 1368ش.
الإربلي، علي بن عيسى، كشف الغمة، لبنان، دار الأضواء، 1405هـ.
الأندلسي، علي بن سعيد بن حزم، جمهرة أنساب العرب، تحقيق: لجنة من العلماء، بيروت، دار الكتب العلمية، 1403هـ.
البلاذري، أحمد بن يحيى، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد باقر المحمودي، بيروت، دار التعارف، 1397هـ.
جعفريان، رسول، حيات فكرى و سياسى امامان شيعه، قم، انصاريان، 1386ش.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة (تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة)، قم، مؤسسة آل البيت، 1409هـ.
الخوئي، سيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث، الطبعة الخامسة، د.م، 1413هـ.
دلشاد تهراني، مصطفى، سيره نبوى، منطق عملى، دفتر دوم سيره اجتماعى، طهران، دريا، 1385ش.
_________________، سيره نبوى، منطق عملى، دفتر اول سيره فردى، طهران، دريا، 1385ش.
الذهبي، محمد بن أحمد، تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، 1410هـ.
الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق: دار الحديث، قم، دار الحديث، 1416هـ.
زاهدي توچايي، محمد حسن، تأملى در اخبار ملاقات امام سجاد (ع) با مسلم بن عقبه در قيام حره، پژوهشهاى قرآن و حديث، السنة الخامسة والأربعون، العدد الأول، ربيع وصيف 1391ش.
شهيدي، سيد جعفر، زندگانى على بن الحسين (ع)، طهران، دفتر نشر فرهنگ اسلامى، 1386ش.
الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (ص)، تصحيح: محسن کوچه باغي، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1404هـ.
الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار التراث، 1387هـ.
الطوسي، محمد بن حسن، رجال الطوسي، تحقيق: جواد القيومي الإصفهاني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1415هـ.
_________________، رجال الكشي المعروف باختيار معرفة الرجال، تصحيح وتعليق: ميرداماد الأسترابادي، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، د.ت.
_________________، النهاية في مجرد الفقه والفتاوي، قم، قدس محمدي، د.ت.
العلامة الحلي، حسن بن يوسف، خلاصة الأقوال، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، مؤسسة نشر الفقاهة، 1417هـ.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1388هـ.
_________________، گزيده كافى، مترجم: محمد باقر بهبودي، طهران، مركز انتشارات علمى و فرهنگى، 1363ش.
_________________، ترجمه روضه كافى، مترجم: محمد باقر كمرهاى، طهران، كتاب فروشى اسلاميه، 1382ش.
المامقاني، عبد الله، مقياس الهداية في علم الدراية، قم، د.ن، 1411هـ.
المازندراني، محمد صالح بن أحمد، شرح الكافي (الأصول والروضة)، تحقيق: أبو الحسن شعراني، طهران، المكتبة الإسلامية، 1382هـ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لعلوم الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
_________________، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، تحقيق: سيد هاشم رسولي محلاتي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1404هـ.
المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق: أسعد داغر، قم، دار الهجرة، 1409هـ.
المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع)، بيروت، دار المفيد، 1414هـ.
المقريزي، أحمد بن علي، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تحقيق: محمد عبد الحميد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1420هـ.
مهريزي، مهدي، نقد متن (1) (پيشينه تاريخى)، فصلنامه علوم حديث، العدد 26، شتاء 1381.
النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1416هـ.
نصيري، علي، روش شناسى نقد احاديث، قم، وحى و خرد، 1390ش.
نفيسي، شادي، معيارهاى نقد متن در ارزيابى حديث، مقالات و بررسيها، دفتر 70، شتاء 1380ش.
اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، بيروت، دار صادر، د.ت.