نقد رؤيةٍ بدراسة مقارنة بين علم فقه الحديث وأصول فقه الحديث

المستخلص

لا شك في أن أحاديث المعصومين (عليهم السلام) هي أهم سبيل للوصول إلى التعاليم الدينية بعد القرآن الكريم. ونظراً للأهمية البالغة لفقه الحديث والخلط الذي وقع فيه بعض المعاصرين عند تبيين علم فقه الحديث وأصول فقه الحديث (منهجية فهم الحديث وموانعه)، فإننا نسعى في هذه المقالة، عبر المنهج الوصفي التحليلي، إلى نقد هذه الرؤية والتفريق بين هذين العلمين؛ ذلك أن التمييز بين العلوم وبيان حدود كل منها يؤدي إلى تطورها وازدهارها، ويرفع الحيرة عن الباحثين. وقد قام هذا البحث بتوضيح الفروق بين هذين العلمين من خلال بيان تعريف كل منهما وموضوعه وفائدته ومسائله ومبادئه واتجاهاته وتاريخه.

1. طرح المسألة

يُعد الحديث، هذا التراث الخالد للمعصومين بعد القرآن، المصدر الثاني المهم لمعرفة الدين ومصدر التشريع، وقد حظي بعناية المسلمين منذ صدر الإسلام وما زال، حيث اهتموا بتعلّمه وحفظه وتدوينه ونشره وكل ما يتعلق به. وحديث المعصوم (ع) هو دائمًا مفسّر للقرآن ومبيّن له، خاصة وأن فهم كثير من أحكام الدين متعذر من دون الاستعانة بالأحاديث؛ إذ إن القرآن في معظم آياته يقتصر على بيان الكليات، ويوكل تبيين الجزئيات إلى النبي (ص) وأوصيائه من بعده؛ كما يتضح من آيات القرآن: «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (النحل: 44، وانظر: الحشر: 7؛ النساء: 64).[1]

تحتل الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع) بعد القرآن مكانة عظيمة ومهمة عند الشيعة، ولا يشك أحد في اعتبارها وحجيتها، والجميع يرى لزوم العمل بها.[2] ينقل جابر عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: «يَا جَابِرُ وَ اللَّهِ لَحَدِيثٌ تُصِيبُهُ مِنْ صَادِقٍ فِي حَلَالٍ وَ حَرَامٍ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ حَتَّى تَغْرُبَ» (البرقي، 1371هـ، 1: 226؛ المجلسي، 1403هـ، 2: 146، ح 15). يا جابر! أقسم بالله، إن حديثًا تحصل عليه من شخص صادق في بيان الحلال والحرام هو أثمن لك مما تشرق عليه الشمس وتغرب.

من الواضح أن أهمية الحديث تكمن في فهمه الصحيح، وإلا فإن الفهم الخاطئ للحديث أسوأ بكثير من عدم سماعه أو فهمه. ومن هنا، فإن معظم الفرق والمذاهب المنحرفة المختلفة متجذرة في سوء الفهم والانحراف الفكري من خلال القراءات والتأويلات الخاطئة للقرآن والحديث.

2. علوم الحديث وفقه الحديث

لتبيين علم فقه الحديث، من الضروري إلقاء نظرة موجزة على مكانته بين سائر علوم الحديث. نحن نعلم أن علوم الحديث، كغيرها من العلوم، لم تتشكل دفعة واحدة؛ بل على مر الزمن، أدى حل كل مشكلة من مشكلات الحديث إلى ظهور علم جديد، وبهذه الطريقة انضمت فروع وعلوم مختلفة إلى مجموعة علوم الحديث.

يكتب ابن خلدون (ت 808 هـ): «أما علوم الحديث فهي كثيرة ومتنوعة»، ثم يذكر ثمانية علوم: علم الناسخ والمنسوخ، علم الرجال ومعرفة الرواة، علم اصطلاحات الحديث، علم متون الحديث، علم شروط النقل، فقه الحديث (شرح الحديث)، غريب الحديث، والمؤتلف والمختلف (ابن خلدون، د.ت، 1: 556).

وينقل السيوطي (911هـ) عن الحازمي أن علوم الحديث تزيد على مئة نوع.[4] وقد اعتبرها ابن الصلاح (643هـ) والنووي 65 نوعًا، ويرون أنها قابلة للتنوع أكثر من ذلك. يقول السيوطي في تدريب الراوي: اعلم أن أنواع علوم الحديث كثيرة ولا تحصى. وقد ذكر ابن الصلاح، وتبعه المصنف (النووي)، 65 نوعًا منها وقال: هذا المقدار ليس كل ما يمكن في هذا المجال؛ لأن علم الحديث قابل للتقسيم إلى اتجاهات وتصنيفات فرعية كثيرة؛ مثل أحوال الرواة وصفاتهم، وكيفية متون الحديث وخصائص كل منها. ومن المناسب أن تُذكر وتُدرس كل حالة من هذه الحالات والصفات بشكل منفصل. وبناءً على ذلك، فإن كل منها نوع مستقل (من أنواع علوم الحديث) (السيوطي، د.ت، 399؛ الشهرزوري، 1416هـ، 13).

وفيما يتعلق بتصنيف العلوم ضمن علوم الحديث، فإنه على الرغم من تنوع مسائل الحديث ومتعلقاته وكثرتها، فإن المسائل التي تدور حول محور واحد وتشكل علمًا مستقلاً ليست كثيرة، ولا يمكن اعتبار كل مسألة خاصة من مسائل الحديث علمًا حديثيًا مستقلاً. وقد قدم باحثو الحديث المعاصرون اقتراحات متنوعة في مجال أنواع علوم الحديث (صبحي الصالح، 1363ش، 107؛ مدير شانه جي، 1362ش، 7-8؛ مهريزي، 1385، 13؛ همو، 1379ش، 22؛ رباني، 1389ش، 13؛ مسعودي، 1384ش، 8؛ نفيسي، 1386ش، 12)؛ ولكن يبدو أنه يجب تقسيم علوم الحديث في البداية إلى قسمين رئيسيين: نظري وتطبيقي:

أ) علوم الحديث التطبيقية، وهي ثلاثة أقسام: 1. رواية الحديث 2. علم الرجال 3. فقه الحديث.

ب) علوم الحديث النظرية،[5] وهي خمسة أقسام: 1. فلسفة علوم الحديث؛ 2. تاريخ الحديث؛ 3. مصطلح الحديث (دراية الحديث)؛ 4. أصول علم الرجال؛ 5. أصول فقه الحديث.

1-2. علوم الحديث التطبيقية

1. رواية الحديث: هو علم يُعنى برواية وضبط وكتابة أقوال وأفعال وتقريرات وصفات النبي والأئمة المعصومين (ع) (السيوطي، د.ت، 1: 4؛ القاسمي، د.ت، 75؛ عتر، 1412هـ، 30؛ التهانوي، د.ت، 22؛ عجاج الخطيب، 1424هـ، 7؛ رحماني، 1376ش، 72).

2. علم الرجال: هو علم يبحث في أحوال رواة الحديث من حيث توفر شروط قبول الخبر (المامقاني، 1352ش، 1: 173؛ علياري، 1371هـ، 1: 4؛ السبحاني، 1366ش، 9؛ صبحي الصالح، 1363ش، 109؛ الخامنئي، 1369ش، 6؛ الصدر، د.ت، 23).

ولهذا العلم اتجاهاته الخاصة، وهي: أ) رجال الحديث (معرفة الراوي)؛ ب) علم الفهرسة؛ ج) علم المشيخة؛ د) علم الطبقات؛ هـ) علم التراجم (كتابة السيرة الذاتية)؛ و) علم الإسناد.[6]

3. فقه الحديث: هو علم يُعنى بدراسة دلالات متن الحديث من حيث العام والخاص، والمجمل والمبين، والتعارض و… وشرح معاني ألفاظ الحديث بهدف كشف مراده (التهراني، 1403هـ، 54/8؛ قرباني، 1370: 18). ولهذا العلم أيضًا اتجاهاته التي ستأتي لاحقًا.

2-2. علوم الحديث النظرية

1. فلسفة علوم الحديث: هو علم يُعنى، بنظرة خارجية، بتحديد وتحليل مجموعة علوم الحديث (ككل).

2. تاريخ الحديث: هو علم يتناول سيرة الحديث منذ نشأته حتى العصر الحاضر، وتطوراته عبر العصور الماضية، وكذلك كيفية نشوء وتطور العلوم والفنون المتعلقة به (مدير شانه جي، 1377ش، 8).

3. مصطلح الحديث (دراية الحديث): هو علم يُبحث فيه عن المصطلحات المتعلقة بالسند والمتن، وكذلك شروط وأنواع وأحكام الحديث، وكيفية تلقيه وآداب نقله (انظر: البهائي، 1407هـ، 10؛ الصدر، د.ت، 79؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 45؛ المامقاني، 1411هـ، 1: 41؛ السبحاني، 1414هـ، 14؛ الآلكليب، د.ت، 47؛ عتر، 1418هـ، 32؛ مدير شانه جي، 1362ش، 5؛ نفيسي، 1386ش، 7).

يقول الأستاذ الفضلي: إن لهذا العلم أسماء متعددة، منها: «علم الحديث، دراية الحديث، مصطلح الحديث، قواعد الحديث، وأصول الحديث»، ثم يضيف: «كلها تعني معنى واحداً» (الفضلي، 1416هـ، 9؛ عجاج الخطيب، 1409هـ، 9؛ مهريزي، 1379ش، 19).[7]

4. أصول علم الرجال: هو علم يُعنى ببيان المقدمات والمبادئ التصورية والتصديقية لعلم رجال الحديث.

5. أصول فقه الحديث: هو علم يُعنى ببيان المقدمات والمبادئ التصورية والتصديقية لفقه الحديث (التطبيقي). وبعبارة أخرى، هو علم يُعنى ببيان المفاهيم والأصول والقواعد العامة لفهم النص (الشروط الإيجابية والسلبية)؛ أي منهجية فهم الحديث وعلم آفاته.

بناءً على ما تقدم، فإن مباحث فقه الحديث في علوم الحديث تُبحث وتُدرس ضمن علمين مستقلين (تطبيقي ونظري).

3. علم فقه الحديث وأصول فقه الحديث

على الرغم من غزارة الأبحاث والكتابات حول الحديث، لا تزال هناك جوانب خفية ونقاط لم تُطرح بعد. ومن النقاط الدقيقة التي تستحق التأمل والتأثير في مجال دراسات الحديث، التمييز الواضح بين علم فقه الحديث وأصول فقه الحديث؛ ورغم ذلك، لا يزال هذا الأمر محط غفلة وإهمال من قبل باحثي الحديث.

والآن، لتوضيح وقوع الخلط والتداخل بين هذين العلمين في كتابات بعض المعاصرين، نذكر بعض الأمثلة.

ذكر بعض المعاصرين أنه يمكن تعريف فقه الحديث بشكل عام على النحو التالي: «المبادئ والضوابط المستخدمة في فهم متون وأدلة الروايات، والتفسير والتبيين الذي يُقدم على أساس هذه المبادئ. وبهذا التعريف، يشمل فقه الحديث، بالإضافة إلى مبادئ الفهم، شرح وتفسير الروايات أيضًا» (نصيري، آشنايي با علوم حديث، 1383ش، 238؛ همو، حديث شناسي (2)، 1383، 214؛ همو، 1381ش، 288).

يقول أحد باحثي الحديث المعاصرين: يمكن تقسيم علوم الحديث إلى أربعة علوم: 1- علم تاريخ الحديث ومعرفة متون الحديث، 2- علم المصطلحات، 3- علم تقييم أسانيد رجال الحديث، 4- علم الدراية وفقه الحديث. وهذه العلوم الأربعة تشمل جميع العناوين، ويضيف في حديثه عن فقه الحديث: فقه الحديث يعرّفنا على كيفية فهم وتفسير النصوص الروائية (مهريزي، 1385ش، 15).

من وجهة نظر هذا الباحث، يجب تحديد علوم الحديث بطريقة تضمن الحفاظ على الترابط المنطقي بين فروعها وأجزائها، مع مراعاة شمولية التعلم. واقتراحه لعلوم الحديث هو كما يلي: 1. تاريخ الحديث؛ 2. فلسفة علوم الحديث؛ 3. علوم الحديث النظرية: أ) تقييم الأسانيد (السند): في هذا الفرع، تُدرس كيفية تقييم أسانيد الرواية ومصادر الحديث. ب) فقه الحديث (المتن): في فقه الحديث، تُبحث القواعد العامة والخاصة لفهم وتفسير الروايات. 4. علوم الحديث التطبيقية: 1- علوم السند: الرجال، الجرح والتعديل. 2- علوم المتن: غريب الحديث، مختلف الحديث، علل الحديث. 5. علوم معينة: 1- الاصطلاحات؛ 2- الإجازات؛ 3- تلقي الحديث ونشره (التحمل والأداء) (مهريزي، 1379ش، 22). على الرغم من أن هذا الباحث المجتهد قد أولى اهتمامًا صحيحًا لعلوم الحديث النظرية والتطبيقية، إلا أنه أغفل مكانة فقه الحديث (التطبيقي) الذي هو ذو المقدمة لجميع علوم الحديث، وكلها في خدمته، واكتفى بالإشارة إلى بعض اتجاهاته.

وقد تناول في قسم مصادر مقاله «طرح پژوهشي علم الحديث» في قسم الرجال بشكل جيد مصادر علم الرجال النظرية والتطبيقية في قسمين منفصلين، ولكنه في قسم فقه الحديث لم يكتفِ بعدم تقسيمه إلى قسمين، بل من جهة، عند تبيين البحث، ذكر فقط فقه الحديث النظري (قواعد وطرق فهم الحديث) (1381ش، 52 و71)، ومن جهة أخرى، عند عرض المصادر، أشار إلى موارد من فقه الحديث التطبيقي (نفسه، 71).

التعريف الذي قدمه الأستاذ مسعودي (روش فهم حديث) تحت عنوان التعريف المختار هو كالتالي: «علم يبحث في متن الحديث، ومن خلال تقديم مبادئ ومسار منطقي للفهم، يقربنا من المقصد الأصلي للمتكلم» (مسعودي، 1384ش، 7).

وفي أحد كتبه الدراسية الأخرى (دراية الحديث، طبعة سمت)، في مبحث بعنوان «علوم الحديث من وجهة نظر الشيعة»، جاء فيه: يمكن تنظيم المباحث الرئيسية للحديث بشكل موجز في ثلاثة فروع (دراية الحديث، رجال الحديث، وفقه الحديث) (نفيسي، 1386ش: 12)، وفي قسم فقه الحديث يوضح قائلاً: «من أهم فروع علوم الحديث، فقه الحديث، الذي يتم فيه تناول القواعد العامة والخاصة لفهم وتفسير الروايات؛ وكذلك، إلى جانب المباحث الكلية، تُبحث جميع المباحث التطبيقية التي تتناول شرح وتفسير وبيان متن الروايات في هذا الفرع» (نفسه، 13).

الأستاذ رباني في كتاب «دراية الحديث» تحت عنوان «فروع علوم الحديث» ذكر ستة علوم بأسماء «رجال الحديث، دراية الحديث، فقه الحديث، غريب الحديث، علاج الحديث، علل الحديث». وقد جعل الأقسام الثلاثة الأخيرة، التي هي من أقسام فقه الحديث، قسيمة له، ويكتب عن فقه الحديث: هذا العلم يتولى شرح الأحاديث؛ مثل شروح الكتب الأربعة الشيعية وصحيح البخاري التي كُتبت على هذا الأساس (رباني، 1389ش، 13). وفي أثر آخر لهذا الكاتب، اقتصر على تعريف فقه الحديث التطبيقي، وجاء في تعريفه: علم يبحث في متن الحديث من حيث دلالته (رباني، 1383ش، 27).

آخرون أيضًا تحت عنوان «دراسة مفهوم فقه الحديث»، بعد بيان المعنى اللغوي لـ«الفقه» و«الحديث»، ذكروا: بما أن «الحديث» من المصادر المهمة للدين، فمن الطبيعي أن سلوك طريق التفقه لن يكون ممكنًا دون فهم صحيح للحديث والوصول إلى مفاهيمه ومقاصده. لذا، يكتسب «فقه الحديث» كموضوع لأحد فروع علم الحديث أهمية، ويضع أصولًا وقواعد مشتركة. وقد بُحث في هذا العلم في لسان الروايات بتعبير «دراية الحديث»، ولكن مع تطور معنى «دراية الحديث» عبر الزمن، أصبح علم فهم الحديث اليوم مرادفًا لمصطلح «فقه الحديث». وقد اعتبر الشيخ آقا بزرك الطهراني فقه الحديث علمًا مقابلًا لعلمي الدراية والرجال، وكتب في تعريفه: «أن موضوعه متن الحديث خاصة فيبحث فيه في شرح لغاته وبيان حالاته من كونه نصًا أو ظاهرًا، عامًا أو خاصًا، مطلقًا أو مقيدًا، مجملًا أو مبينًا، معارضًا أو غير معارض» (الطهراني، 1403هـ، 8: 54). موضوع فقه الحديث هو متن الحديث بشكل خاص. يُبحث في هذا العلم عن شرح لغات الحديث وحالاته، من جملتها كونه نصًا أو ظاهرًا، عامًا أو خاصًا، مطلقًا أو مقيدًا، مجملًا أو مبينًا، معارضًا أو غير معارض (معارف، 1388ش، 75).

وكتب مؤلف آخر أيضًا في عنوان «دراسة مفهوم فقه الحديث» بعد المعنى اللغوي للفقه والحديث: الآن، بما أن الحديث هو تقرير قول وفعل وتقرير المعصوم (ع) أو النبي (ص) ويُعد من مصادر الدين، فإن معرفته الدقيقة والصحيحة وفهم مقاصده ومفاهيمه (ع) ضرورة لا يمكن إنكارها، وفي ضوء فقه الحديث يُطرح أن معرفة أصوله وقواعده وتطبيقها، يقربنا من الفهم الصحيح للحديث (فتاحي زاده، 1385ش، 15).

بناءً على ذلك، في هذا المجال، اكتفى البعض بتعريف فقه الحديث (التطبيقي) (رباني، 1383ش، 27)، والبعض عرف فقط أصول فقه الحديث (مهريزي، 1385ش، 15؛ 1381ش، 52 و71)، والبعض جمع بينهما في تعريف واحد (مسعودي، 1384ش، 7؛ نصيري، 1381ش، 288).

بما أنه حدث خلط في تعريف وبيان مسائل علم فقه الحديث، سنشرع أولاً بشكل موجز ثم مفصل في بيان حدود كل من النوعين.

فقه الحديث اسم مركب من المعنى اللغوي لـ«الفقه» (الفهم العميق)، (الفراهيدي، 1405هـ، 3: 370؛ ابن فارس، 1404هـ، 4: 442؛ ابن الأثير، 1364ش، 4: 465) والمعنى الاصطلاحي لـ«الحديث» (الناقل للقول والفعل والتقرير للمعصوم) (المامقاني، 1411هـ، 1: 56؛ القمي، د.ت، 408؛ صبحي الصالح، 1363ش، 115؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 50؛ القاسمي، د.ت، 62؛ السيوطي، د.ت، 1: 23). وبناءً عليه، فإن فقه الحديث في اللغة يعني: الفهم العميق، والإدراك الراسخ والمعرفة العميقة للحديث. وفي الاصطلاح، يبدو أنه على نوعين: أ) فقه الحديث (التطبيقي)؛ ب) أصول فقه الحديث أو فقه الحديث النظري.

فقه الحديث (التطبيقي) هو العلم الذي يبحث في دلالات متن الحديث، ويتناول الحالات المختلفة لمتون الأحاديث؛ مثل العام والخاص والمطلق والمقيد والتعارض… وموضوعه متون الأحاديث، وغرضه تبيين مقصود ومراد متون الروايات، وبالتالي تشخيص الوظيفة العلمية والعملية لنا (انظر: الطهراني، 1403هـ، 8: 54؛ قرباني، 1370ش، 18؛ الآلكليب، د.ت، 46).

إلى جانب فقه الحديث التطبيقي، ظهر في القرون الأخيرة علم آخر في فقه الحديث، يخدم فقه الحديث التطبيقي ببيان المقدمات والمبادئ والأصول، ويمكن تسميته بفقه الحديث النظري أو أصول فقه الحديث. فقه الحديث النظري هو في الحقيقة منطق فهم وتفسير الحديث، الذي من خلال تقديم المبادئ والأصول المستمدة من القواعد الأدبية والأصولية والكلامية وغيرها من القوانين العقلية، يقربنا من الفهم الأسمى والمقصد الأصلي للمتكلم.

يجيب فقه الحديث النظري عن أسئلة من هذا القبيل: ما هو تعريف وموضوع وفائدة فقه الحديث؟ لماذا نحتاج إلى علم فقه الحديث؟ ما هي متطلبات فهم الحديث؟ ما هي معايير نقد الحديث؟ كيف يُرفع التعارض بين الأخبار؟ ما هي آفات وموانع فهم الحديث؟ و….

بناءً على ذلك، ينقسم علم فقه الحديث إلى نوعين: قسم تطبيقي يجب الرجوع فيه إلى كتب فقه الحديث؛ مثل روضة المتقين (لمحمد تقي المجلسي)، ومرآة العقول وملاذ الأخيار (لمحمد باقر المجلسي)، وسائر كتب شرح الحديث، وكذلك عموم المباحث الفقهية التي تُستخدم فيها الروايات لاستنباط الأحكام الشرعية. وقسم آخر نظري ومقدماتي يتناول المبادئ التصورية والتصديقية لفقه الحديث التطبيقي، وقد تم تناوله في كتب مثل «منهج نقد المتن عند علماء الحديث النبوي» (لصلاح الدين بن أحمد الأدلبي)، و«مقاييس نقد متون السنة» (لمسفر عزم الله الدميني)، و«روش فهم حديث» (لعبد الهادي مسعودي)، و«أصول وقواعد فقه الحديث» (لمحمد حسن رباني). وبالطبع، لم يحظ الاهتمام بمباحث «فقه الحديث النظري» ومكانته بالقدر اللازم حتى اليوم، ولهذا السبب، فإن المصادر المستقلة في هذا الباب قليلة جدًا، على الرغم من أن المصادر الضمنية أكثر من ذلك.[8] وهذا الموضوع يتطلب عناية أكبر من علماء وباحثي الحديث.

فيما يلي، ومن أجل إزالة التداخل الموجود بين علمي فقه الحديث وأصول فقه الحديث، نتناول مقارنة تفكيكية بينهما في سبعة محاور: 1- التعريف، 2- الموضوع، 3- الفائدة، 4- المسائل، 5- المبادئ، 6- الاتجاهات، 7- التاريخ.

1- التعريف: لقد عرّفوا علم فقه الحديث (التطبيقي) بطرق مختلفة. ولكن أفضل تعريف هو الذي يكون جامعًا للأفراد ومانعًا للأغيار، ويصور أبعاد وجوانب العلم المختلفة بشكل مجمل. يمكن تعريف علم فقه الحديث (التطبيقي) على النحو التالي: فقه الحديث هو علم يبحث في دلالات متن الحديث. وبعبارة أخرى، هو علم يبحث في شرح معاني ألفاظ الحديث من حيث العموم والخصوص، والإجمال والبيان، والتعارض و… بهدف كشف المراد منه.

في هذا الصدد، يقول العلامة آقا بزرك الطهراني: فقه الحديث هو علم يبحث في شرح لغات الحديث وبيان حالاته من حيث كونه نصًا أو ظاهرًا، عامًا أو خاصًا، مطلقًا أو مقيدًا، مجملًا أو مبينًا، معارضًا أو غير معارض (الطهراني، 1403هـ، 8: 54؛ وانظر: قرباني، 1370ش، 18؛ الآلكليب، د.ت، 46).

وفي تعريف أصول فقه الحديث، يمكن القول: هو علم يبين المقدمات والمبادئ التصورية والتصديقية لفقه الحديث (التطبيقي). وبعبارة أخرى، هو علم يبحث في الأصول والقواعد التي توصلنا إلى فهم المقصد الأصلي للمعصوم (ع).

2- الموضوع: لكل علم موضوع تدور حوله جميع مسائل ذلك العلم؛ أي أن موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث فيه عن أحكامه وخصائصه الذاتية (اليزدي، 1405هـ، 115؛ الكلبايكاني، 1410هـ، 1: 17؛ الصدر، 1417هـ، 1: 37)، لدرجة أن البعض يرى أن التمايز والتفاوت بين العلوم يعود في الحقيقة إلى تمايز موضوعاتها (الخراساني، 1411هـ، 1: 8). لذلك، في كل علم، يتم أولاً تعريف موضوع العلم. موضوع علم فقه الحديث (التطبيقي) هو ألفاظ متن الحديث. أما موضوع أصول فقه الحديث، فهو المبادئ التصورية والتصديقية لفقه الحديث (التطبيقي).

3- الفائدة: ترتبط أهمية ومكانة كل علم بفوائده وأهدافه. إن منشأ ظهور العلوم هو في الأساس مجموعة من الاحتياجات الخاصة التي يعتمد نمو العلوم وازدهارها على تلبيتها؛ لذلك، قبل كل شيء، يُطرح هذا السؤال: أي حاجة يلبيها هذا العلم؟ فائدة فقه الحديث (التطبيقي) هي كشف المراد الجدي من كلام المعصوم (ع)، وفي الحقيقة، هذا العلم يوصلنا إلى المقصد الأصلي للمعصوم الذي في ضوئه تتحدد وظيفة المكلف العلمية والعملية. ولهذا السبب، أشار البعض بحق إلى هذا العلم باعتباره أهم علوم الحديث وأكثرها فائدة وجدوى، والذي يهدف إلى مساعدة سائر علوم الحديث (مسعودي، 1384ش، 7).

أما فائدة أصول فقه الحديث أو منهجية وآفات فهم الحديث، فهي الاستفادة الصحيحة والمفيدة والأكثر فعالية من فقه الحديث التطبيقي. هذا العلم، باعتباره أقرب مقدمة، يكرس نفسه لخدمة ومساعدة فقه الحديث (التطبيقي). وبعبارة أخرى، علم أصول فقه الحديث هو علم آلي وأداتي، يمكن من خلال الوعي به، الشروع في شرح وتفسير الروايات بشكل شامل. إذا لم يتم توفير ما يمهد لظروف وأسس الفهم (منهجية فهم الحديث)، وإذا لم يتم تحديد ومعالجة ما يصعّب عملية الفهم ويسد طريقها (الآفات)، فإن الجهود والمشقات في سبيل فهم الحديث ستكون عقيمة أو قليلة الثمر. كثير من الجهود والمبادرات لفهم الحديث، بسبب عدم الاهتمام بمنهجية وآفات فهم الحديث، لا تصل إلى النتيجة المرجوة أو تكون نتائجها ضئيلة، وأحيانًا تؤدي إلى نتائج عكسية؛ لذلك، فإن دراسة علم أصول فقه الحديث من المقدمات اللازمة لدراسة الحديث.

4- المسائل: مسائل العلم هي القضايا التي تكون موضوعاتها من مصاديق موضوع العلم (اليزدي، 1405هـ، 10؛ الخراساني، 1411هـ، 1: 7). وبعبارة أخرى، مسائل كل علم هي الحالات العارضة على موضوعه (الصدر، 1417هـ، 1: 50). بناءً على ذلك، مسائل علم فقه الحديث (التطبيقي) هي حالات مثل العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والإجمال والبيان، والتعارض و… التي تعرض على متن الحديث (الطهراني، 1403هـ، 8: 54). إذن، قضايا مثل جملة «الْمَذْيُ مِنْهُ الْوُضُوءُ» (الطوسي، 1363ش، 1: 95؛ همو، 1365ش، 1: 21)، هي جملة إنشائية لا خبرية، أو أن الوضوء في هذا الحديث بمعنى التزين والتحسين لا المعنى المصطلح، أو أن المراد من المذي هو كذا وكذا… هي من مسائل علم فقه الحديث التطبيقي. وبعبارة أخرى، مسائل علم فقه الحديث هي مجموعة المعلومات حول متن الحديث بأكمله أو كل لفظ من ألفاظه ودلالاتها التي تؤثر بشكل ما في كشف المراد الجدي من الرواية.

مسائل علم أصول فقه الحديث (النظري) هي مجموعة المعلومات حول كل من مبادئ فقه الحديث (التطبيقي). ومن نماذج مسائل ومباحث فقه الحديث النظري ما يلي: تعريف وموضوع وفائدة فقه الحديث؛ دوافع نشأة فقه الحديث؛ تاريخه ومسار تطوره؛ أهمية والحاجة إلى علم فقه الحديث؛ متطلبات فهم الحديث، مصادر وأدوات فهم الحديث، شروط وآليات فهم الحديث، معايير نقد الحديث، وآفات وموانع فهم الحديث.

5- المبادئ: قبل الخوض في مسائل أي علم، هناك حاجة إلى سلسلة من المعارف التصورية والتصديقية تسمى مبادئ ذلك العلم (اليزدي، 1405هـ، 115؛ الخوئي، 1417هـ، 4: 178؛ القمي، د.ت، 1: 5). تسمى تعاريف المفاهيم المطروحة في كل علم بالمبادئ التصورية، أما المبادئ التصديقية فهي على نوعين: أحدهما تصديق وجود الموضوع، والآخر تصديق المبادئ والأصول التي تثبت بها مسائل العلم. بناءً على ذلك، فإن تعريف علم فقه الحديث وفائدته والمفاهيم المستخدمة فيه، وكذلك الأصول التي تقوم عليها مسائل هذا العلم، هي من جملة مبادئ علم فقه الحديث (التطبيقي). وكما مر، فإن كل عرض من عوارض مبادئ علم فقه الحديث (التطبيقي) يشكل في الحقيقة مسائل أصول فقه الحديث (النظري). وكذلك، بطبيعة الحال، مسائل أصول فقه الحديث تقوم على سلسلة من الأصول التي تشكل مبادئ أصول فقه الحديث.

على سبيل المثال، في الحديث السابق، القضية التي تنفي أو تثبت كلمة «الوضوء» بمعناها اللغوي أو الاصطلاحي، ستكون من مسائل فقه الحديث (التطبيقي). ومن ناحية أخرى، فإن إثبات أي من هذين الأمرين يعتمد على أمور مثل جمع القرائن والالتفات إلى سائر الروايات، وقول اللغوي و… وهذه الأمور هي من مبادئ فقه الحديث (التطبيقي) ومسائل أصول فقه الحديث، ومن ناحية أخرى، فإن هذه الأمور نفسها تعتمد على أصول ومبادئ أخرى، فمثلاً حجية قول اللغوي تعتمد على قبول البينة أو سيرة العقلاء في قبول قول الخبير، وهو ما يُبحث في إثباته ورده في موضع آخر. وبناءً على ذلك، فهي تُعد من مبادئ أصول فقه الحديث.

6- الاتجاهات: فقه الحديث (التطبيقي) له عدة اتجاهات، أدرجها بعض باحثي الحديث تحت علم مستقل وفرع خاص ضمن علوم الحديث (صبحي الصالح، 1363ش، 109؛ حسن الصدر، د.ت، 28؛ رباني، 1389ش، 13)، ولكن يبدو أن هذه الاتجاهات، بما أنها جميعًا في مقام فهم وتفسير المتن وإدراك المفاهيم، تندرج تحت عنوان علم فقه الحديث التطبيقي. وبناءً على ذلك، ينقسم علم فقه الحديث (التطبيقي) أيضًا إلى عدة فروع رئيسية، وهي: أ) علل الحديث؛ ب) مختلف الحديث (علاج الحديث)؛ ج) غريب الحديث؛ د) ناسخ الحديث؛ هـ) مشكل الحديث؛ و) نقد متن الحديث؛ ز) أسباب ورود الحديث (حاجي خليفة، د.ت، 1: 16؛ ابن خلدون، د.ت، 1: 556).

أ) علل الحديث: هو علم يبحث فيه عن الأسباب الخفية والمشكلة في الحديث التي تضر بحجيته وصحته (صبحي الصالح، 1363ش، 110؛ حسن الصدر، د.ت، 29؛ مدير شانه جي، 1362ش، 84؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 141).

ب) علم ناسخ الحديث ومنسوخه: هو علم يبحث عن الناسخ والمنسوخ في الأحاديث الصحيحة. المنسوخ هو الحديث الذي زال حكمه الشرعي بدليل شرعي متأخر (الناسخ) (صبحي الصالح، 1363ش، 112؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 127؛ قرباني، 1370ش، 122؛ الشهرزوري، 1416هـ، 166؛ السبحاني، 1414هـ، 87؛ المامقاني، 1411هـ، 1: 275). ومع ذلك، كان للناسخ والمنسوخ عند المتقدمين مفهوم أوسع من هذا المفهوم. في الماضي، كانوا يطلقون على أي تغيير في الحكم السابق نسخًا، والذي كان يشمل تخصيص العام وتقييد المطلق أيضًا (معرفت، 1378ش، 248).

ج) علم غريب الحديث: هو علم يبحث في الألفاظ الصعبة في الأحاديث التي يصعب على عامة الناس فهمها (الصدر، د.ت، 29؛ صبحي الصالح، 1363ش، 111؛ الشهيد الثاني، 1413هـ، 129؛ قرباني، 1370ش، 122؛ الشهرزوري، 1416هـ، 174؛ السيوطي، د.ت، 184؛ المامقاني، 1411هـ، 1: 231).

د) علم مختلف الحديث: هو علم يبحث في التنافي والتعارض بين حديثين أو أكثر، وكيفية رفع هذا التنافي والتعارض (الصدر، د.ت، 28؛ صبحي الصالح، 1363ش، 109). والجدير بالذكر أن هذا العلم، بالإضافة إلى اسم «مختلف الحديث»، له أسماء متعددة أخرى ذكرها بعض علماء الشيعة وأهل السنة، وهي: «تأويل الحديث»، «تلفيق الحديث»، «مشكل الحديث»، «علاج الحديث»، و«اختلاف الحديث» (المامقاني، 1411هـ، 5: 272؛ صبحي الصالح، 1363ش، 110).

هـ) مشكل الحديث: هو علم يتناول بالدليل والتأمل حل إشكاليات الروايات التي تحتوي على مطالب معقدة وبعيدة عن الفهم (المامقاني، 1411هـ، 1: 316؛ محمود توفيق، 1430هـ، 593).

و) نقد متن الحديث: هو علم يتناول التقييم المضموني بهدف تمييز الحديث المقبول من المردود. هذا المصطلح يُستخدم في مقابل نقد السند (رجال ورواة الحديث) (الأدلبي، 1403هـ، 31؛ الأعظمي، 1410هـ، 5؛ أمين، 1428هـ، 15؛ عصار زاده، 1379ش، 15).

ز) أسباب ورود الحديث: هو علم يتناول شأن صدور الحديث والظروف المحيطة به (من أسباب وظروف وأوضاع وأحوال ورد فيها الحديث).

أصول فقه الحديث أيضًا له اتجاهات مختلفة، بعضها: أ) منهجية فهم الحديث؛ ب) علم آفات فهم الحديث؛ ج) علم مصادر وأدوات فهم الحديث؛ د) معايير نقد الحديث.

7- التاريخ: علم فقه الحديث التطبيقي، ككثير من العلوم، له تاريخ طويل في الإسلام. يمكن البحث عن منشأ ومادة المباحث الأولية لفقه الحديث، أي شرح وتفسير الروايات، في الروايات نفسها. بما أن المعصومين (ع) قد أوصوا بشدة بالفهم والتفقه في الدين (الصدوق، 1361ش، 1؛ المجلسي، 1403هـ، 1: 106؛ و 2: 184)، وتولوا بأنفسهم دور تفسير وبيان الأحكام الإلهية وصيانتها (النحل: 44)، فكلما شعر الأصحاب بتردد في متن الحديث، كانوا يراجعون إمام زمانهم بهدف الوصول إلى المعنى والتفسير الصحيح ويستفيدون من فيض وجوده. وقد جُمع نموذج من هذه الروايات في الكتاب القيم «معاني الأخبار».

إن الأهمية البالغة لفقه الحديث (التطبيقي) دفعت علماء الشيعة وأهل السنة إلى إيلاء اهتمام خاص بهذا العلم منذ صدر الإسلام حتى الآن. بناءً على التقارير الواردة في كتب التراجم الشيعية، كان أوائل مدوني فقه الحديث وشرح الحديث هم أصحاب الأئمة، الذين من جهة، من خلال أسئلتهم، وفروا أرضية أكبر لشرح وتفسير المعصوم (ع)، ومن جهة أخرى، نظموا كتاباتهم الروائية في مجموعات. وبعدهم، تناول العلماء هذا الموضوع ضمن شرح كتب الحديث، مثل شروح الكتب الأربعة، ونهج البلاغة، والصحيفة السجادية، وحتى في ثنايا الكتب الفقهية و… وقد كُتبت شروح على الكتب الأربعة الشيعية، يمكن الإشارة إلى ما يلي كنموذج: مرآة العقول؛ شرح أصول وفروع الكافي وملاذ الأخيار في شرح تهذيب الأحكام تأليف العلامة المجلسي (1111هـ)؛ روضة المتقين ولوامع صاحبقراني؛ تأليف محمد تقي المجلسي (1003-1070هـ)، شرح من لا يحضره الفقيه؛ استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار تأليف محمد العاملي. ومن بين أهل السنة، يمكن الإشارة إلى فتح الباري في شرح البخاري، وإرشاد الساري، وعمدة القاري، كأمثلة على الشروح المعروفة التي كُتبت على صحيح البخاري.

منذ القدم، تناول باحثو الحديث والأصوليون مباحث أصول فقه الحديث (منهجية وآفات فهم الحديث) بشكل متفرق وموجز في مقدمة أو خاتمة كتب الحديث، أو في ثنايا شرح وتفسير الأحاديث، أو في علم أصول الفقه بالمناسبة.

على الرغم من الأهمية الخاصة لأصول فقه الحديث (منهجية فهم الحديث وموانعه)، فإن الكتابات المستقلة والشاملة في هذا المجال نادرة؛ وإن كانت قد ظهرت مؤخرًا أبحاث متفرقة في هذا المجال، وهذا العلم بمثابة شتلة صغيرة ذات إمكانيات كبيرة ينمو ويزدهر بسرعة؛ ولكن لا يزال هناك مجال لاهتمام ودعم خاص من باحثي الحديث والأصوليين المتمكنين في إطار بحوث علمية متقنة.

4. الخاتمة

1- لقد حدث خلط في تعريف وبيان مسائل علم فقه الحديث بين بعض المعاصرين نتيجة إغفال أجزاء العلوم، وقد قمنا، بناءً على فكرة أن مبادئ كل علم تُعد من مسائل علم آخر، بتوضيح وتفصيل كل منهما.

2- بما أن التمييز بين العلوم وبيان حدود كل منها يؤدي إلى تطورها وازدهارها، ويرفع الحيرة عن الباحثين؛ فقد تم في هذه المقالة إجراء دراسة مقارنة بين علمي فقه الحديث وأصول فقه الحديث (منهجية فهم الحديث وموانعه)، لكي يتم، ضمن التفريق بينهما وبيان علاقة المقدمة بذي المقدمة، تجنب الخلط في تعريف وبيان مسائل علم فقه الحديث.

3- في هذا البحث، تم تحديد الفروق بين هذين النوعين من فقه الحديث من خلال بيان تعريف كل منهما وموضوعه وفائدته ومسائله ومبادئه واتجاهاته وتاريخه.

الهوامش

1. «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».

2. يقول الله تعالى: «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (الحشر: 7). وقد جعل النبي الأكرم (ص) في حديث الغدير عترته نظيراً للقرآن، وقدّمهما كقناديل هداية للأمة الإسلامية، واعتبر أن السبيل الوحيد لنجاة المسلمين هو التمسك بهاتين الجوهرتين الثمينتين (المتقي الهندي، 1405هـ، 1: 172 و 185؛ الترمذي، 1349هـ، 5: 329؛ البيهقي، د.ت، 2: 511؛ المجلسي، 1403هـ، 36: 331).

3. على سبيل المثال، يمكن حمل صيغة «افعل» على الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الترخيص.

4. يقول الحازمي في كتاب «عجالة»: «علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تزيد على مئة نوع، وكل نوع منها علم مستقل لو أنفق الطالب فيه عمره لم يأتِ على نهايته» (السيوطي، د.ت، 1: 53).

5. المقصود من علوم الحديث النظرية هو تلك العلوم الحديثية التي تعمل كمقدمة في خدمة علوم الحديث التطبيقية (ذي المقدمة)، وتتناول بيان المقدمات والمباني والأصول.

6. الأسماء الأخرى لعلم الرجال بمعناه الأعم هي: علم أسماء الرجال، تاريخ الرواة، تاريخ الرجال، تاريخ المحدثين، معرفة الرجال، الممدوحين والمذمومين، الطبقات، المشيخة، الفهرس، علم الجرح والتعديل.

7. يعتقد الكاتب أنه منذ زمن بعيد، كان علم دراية الحديث هو المكان الذي تُطرح فيه مجموعة المباحث النظرية لعلوم الحديث؛ لذا، في كتب دراية الحديث، خارج نطاق علم المصطلح السندي والمتني (وهو موضوع هذا العلم الآن)، كانت تُطرح مباحث أخرى من سائر علوم الحديث مثل شروط الراوي، وألفاظ الجرح والتعديل، وتعريف كتب الحديث، وطرق معرفة الحديث الموضوع و… وقد سار بعض المعاصرين على هذا النهج دون تأمل وتدقيق كافٍ؛ على الرغم من أن المتوقع من باحثي الحديث المتعمقين هو تجنب هذا الأسلوب.

8. لقد تناول المحققون في كتبهم الفقهية والأصولية والتفسيرية، في سياق الروايات، بعض مبادئ وضوابط فقه الحديث.

Scroll to Top