الملخص
ابن شنبوذ من علماء حقل قراءة القرآن في القرن الرابع، كان يرى جواز كل قراءة لها سند أو كانت موافقة لمصحف أُبَيّ بن كعب وابن مسعود، سواء في الصلاة أو غيرها. أما ابن مجاهد فيعتبر موافقة القراءة لرسم المصحف من شروط القراءة الصحيحة، ويرى أن قراءة ابن شنبوذ تفتقر إلى هذا الشرط؛ وبناءً على ذلك، فإن قراءة ابن شنبوذ من القراءات الشاذة التي لا تجوز القراءة بها. يُظهر تاريخ القراءات أنه بعد توحيد المصاحف في زمن عثمان، نشأ تياران في القراءة في المجتمع الإسلامي. كان فريق يرى ضرورة توافق القراءة الصحيحة مع رسم المصحف، وفريق آخر لم يكن يرى هذا الشرط لازمًا. ويُعد ابن شنبوذ وابن مجاهد من أبرز رواد هذين التيارين في القرن الرابع، ومع نفوذ ابن مجاهد، تم تهميش تيار ابن شنبوذ. يتناول هذا البحث، استنادًا إلى سؤال حول معايير ابن شنبوذ وفي تقويم قراءته، مدى توافقها مع القراء السبعة؟ وذلك باستخدام المنهج الوصفي التحليلي والمقارن أحيانًا. يُظهر فحص قراءة ابن شنبوذ ومعاييره في اختيار القراءة، أولاً، أن مراد ابن مجاهد من عدم موافقة قراءة ابن شنبوذ لرسم المصحف هو التزامه بنقل قراءة ابن مسعود وأُبَيّ بن كعب وسائر الصحابة، ومن جهة أخرى، لم تتوافق قراءة ابن شنبوذ مع القراءات السبع إلا في مواضع معدودة في أصول القراءة وفروعها.
مقدمة
يُعدُّ بحث قراءة القرآن الكريم من المباحث الجدلية في تاريخ القرآن الكريم بعد زمن رسول الله (ص)، حيث كان جمع القرآن في عهد عثمان يهدف إلى إزالة الاختلاف في القراءات. ولكن ما يلاحظ عمليًا هو أن توحيد المصاحف في عهد عثمان لم يستطع القضاء على مسألة اختلاف القراءات، وفي أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني، تشكّل علم القراءات، وقام أساتذة القراءة بضبط ونقد الروايات المتعلقة بالقراءة واختيار الروايات الصحيحة، وعرضوا قراءات خاصة على الناس.
وبهذا، ظهر في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي أفرادٌ اشتهروا كأساتذة في القراءة، وأخذ الناس عنهم قراءاتهم.
في القرن الثاني، كانت تُروى قراءات مختلفة، حتى جاء القرن الثالث الذي قرر فيه علماء هذا الفن جمعها. ومع جمع القراءات المختلفة، نشأت بالضرورة مسألة “الاختيار”؛ إذ إن القراءة بكل تلك القراءات أمر غير ممكن عمليًا، وكل شخص يقوم بتقييم القراءات واختيار قراءة معينة بناءً على معاييره وأسسه الخاصة. وتؤدي مسألة الاختيار إلى تحديد القراءات، حيث قام كل من أصحاب الرأي باختيار وجمع بعض القراءات في مصادرهم. كان أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) أول من حدد عدد القراء بـ 25 قارئًا. وبعده، قام أحمد بن جبير بن محمد الكوفي (ت 258هـ) المقيم في أنطاكية بجمع كتاب في القراءات الخمس، معرفًا قارئًا واحدًا من كل مدينة. وثالثهم كان القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي (ت 281هـ) الذي جمع قراءات عشرين قارئًا. ثم تلاه محمد بن جرير الطبري (ت 310هـ) وأبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الداجوني (ت 314هـ) اللذان ألفا كتبًا في القراءات. إلا أن تأليف هذه الكتب واختيار عدد محدود من القراءات لم يكن يعني إجبار الناس عليها، بل كان أهل كل منطقة يقرؤون القرآن بالقراءة الشائعة لديهم، حتى القرن الرابع حيث قام ابن مجاهد باختيار سبعة قراء من مناطق مختلفة وحصر القراءات فيهم، وبفضل مكانته السياسية وعلاقته بالوزير، استطاع أن يضفي الطابع الرسمي على عمله، بل وعاقب حتى المخالفين للقراءات السبع (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 2/54-56). لم يكن عمل ابن مجاهد مبتكرًا أو جديدًا كما يُصوّر في التاريخ، حيث سبقه أحمد بن جبير الذي اختار قارئًا واحدًا من كل منطقة من المناطق الخمس: المدينة، مكة، الكوفة، البصرة، ودمشق، التي كانت مهد القراءات، وجمع بذلك خمس قراءات مشهورة. وكان عمل ابن مجاهد يقتصر على حصر القراءة في سبع، وهو ما لا يمكن تبريره علميًا أو منطقيًا؛ إذ إن مهد القراءات هي تلك المناطق الخمس، وقد أضاف ابن مجاهد عاصمًا والكسائي كقارئين من الكوفة، رغم أن قراءة حمزة كانت هي الشائعة هناك.
بعد حصر القراءات على يد ابن مجاهد، سجل تاريخ القراءات الصدام بين ابن مجاهد وابن شنبوذ كأهم حدث قرائي في القرن الرابع. كان ابن شنبوذ من قراء بغداد البارزين في القرن الرابع، وذا اطلاع واسع على علم القراءات ومصادرها؛ ولكن رغم ذلك، لم يُذكر شيء عن قراءته وتحليلها. وما يُنقل في مصادر تاريخ القرآن وعلومه وتراجمه عن ابن شنبوذ والتعامل القاسي لابن مجاهد وابن مقلة معه، يخلق في ذهن القارئ تصورًا بأن ابن شنبوذ قدّم قراءة اجتهادية لنص القرآن ولم يعتقد بضرورة الالتزام برسم المصحف، وهو ما أدى إلى الخلاف بينه وبين ابن مجاهد.
يهدف هذا البحث إلى استعراض أصول قراءة ابن شنبوذ وفرش حروفه، لبيان منهجه في قراءة القرآن الكريم ومكانته بين قراء القرن الرابع البارزين، والإجابة على الأسئلة التالية:
1. إلى أي مدى تتوافق قراءة ابن شنبوذ في الأصول والفروع مع القراءات السبع؟ وفي أي المواضع خالفت قراءته قراءة القراء السبعة؟
2. على أي معايير اعتمد ابن شنبوذ، كأحد العلماء وأصحاب الرأي في مجال قراءات القرآن الكريم في القرن الرابع، في اختيار القراءة المقبولة؟
3. هل كانت مخالفته لمصحف الإمام مسألة جديدة ومبتكرة أثارت ابن مجاهد ضده، أم كان هذا الأمر شائعًا في الماضي أيضًا؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تصبح ممكنة عندما تخضع قراءة ابن شنبوذ للتقويم، لنتمكن من فهم مفهومه للاختيار في القراءة، والوصول إلى معرفة كيف يجيز شخص مثله، وهو عالم بقراءة القرآن الكريم، قراءة اجتهادية لنص القرآن المقدس.
بناءً على الأسئلة المطروحة، سيتناول هذا البحث، بعد عرض سيرة ابن شنبوذ، قراءاته الخاصة في الأصول والفروع، ثم يحلل ويقيم معاييره في تقويم القراءة.
خلفية البحث
حول خلفية الموضوع والبحث، يجب القول إنه لم يؤلف كتاب أو مقال مستقل حول ابن شنبوذ وقراءته. يمكن فقط الإشارة إلى مصادر التاريخ والتراجم التي تعرض لمحة موجزة عن حياة ابن شنبوذ والتوتر الذي كان بينه وبين ابن مجاهد. وما يمكن اعتباره خلفية للبحث هو كتب متعددة مثل «إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر» و«معجم القراءات» لعبد اللطيف الخطيب، التي تتحدث عن اختلاف القراءات ومستنداتها. كما يمكن الاستفادة من دائرة المعارف الإسلامية الكبرى في عرض المعلومات المتعلقة بابن شنبوذ. وهناك أيضًا مقال وصفي بعنوان «ابن شنبوذ ومظاهر قراءته بين القراءات القرآنية» بقلم سامي الماضي، نُشر في مجلة كلية الآداب، العدد 102. وبالطبع، يغلب على هذا المقال الطابع الوصفي ويقتصر على استخراج القراءات، بينما يركز البحث الحالي على معايير قراءة ابن شنبوذ وتقويمها.
ترجمة حياة ابن شنبوذ
أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت (ت 328 هـ / 939 م)، المعروف بابن شنبوذ، هو من قراء بغداد أصحاب الاختيار. وقد ورد اسمه بأشكال مختلفة مثل ابن شنبوذ وابن شنبذ (الزبيدي، تاج العروس، 1414: 9/431). إن أبرز ما نُقل في تاريخ حياته هو خلافه مع ابن مجاهد حول معايير تقويم القراءات. هو من أصحاب الرأي والعلماء البارزين الذين تحملوا عناء السفر في طلب علم القراءة. سافر إلى مصر والشام، وتلقى القراءة على شيوخ مثل قنبل المكي ومحمد بن شاذان، وروى عن أبي مسلم الكجي، وبشر بن موسى، ومحمد بن حسين الحبيني، وإسحاق بن إبراهيم الدبري، وعبد الرحمن بن جابر الكلاعي الحمصي (الخطيب، التفسير القرآني، بيتا: 1/280؛ ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 2/52). كان ابن شنبوذ يفخر على ابن مجاهد بسفره إلى بلاد مختلفة لطلب علم القراءة (الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1413: 1/222-224). قال ابن الجزري: «وكما يحدث بين الأقران والنظراء، وقع خلاف بين ابن مجاهد وابن شنبوذ، حتى إن ابن شنبوذ لم يكن يقبل تلميذاً تتلمذ على ابن مجاهد، قائلاً: هذا لم يغبر قدميه في طلب العلم» (ابن الجزري، غاية النهاية، 1429: 2/54-56).
ويؤكد الذهبي أيضاً أن ابن شنبوذ قد أدرك من أساتذة هذا العلم أكثر مما أدرك ابن مجاهد (نفسه)، بل إن البعض في مقارنة علمية بينهما اعتبر ابن شنبوذ أعلم من ابن مجاهد، وابن مجاهد أعقل منه (نفسه). وقد أثنى ابن الجزري، نقلاً عن تلميذه أبي الفرج المعافى، على قوة حافظة ابن شنبوذ وإحاطته بالعلوم المختلفة (نفسه، 55). يقول أبو الفرج المعافى: «دخلت يوماً على ابن شنبوذ وكان أمامه كوم من الكتب. قال لي: افتح خزانة الكتب. فتحتها، فإذا بها أقفاص، وفي كل قفص كتب خاصة بفن وعلم معين، وما تناولت كتاباً وفتحته إلا وقرأه ابن شنبوذ عن ظهر قلب كما يقرأ سورة الحمد. ثم قال: ومع هذا، فإن سوق ابن مجاهد هي الرائجة» (نفسه).
كان ذا شهرة واسعة في علم القراءة (ابن خلكان، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، بيتا: 4/299)؛ لدرجة أنه لُقّب بألقاب مثل شيخ الإقراء في العراق (الذهبي، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، 1404: 1/221)، والأستاذ الكبير (ابن الجزري، غاية النهاية، 1/122 و 2/52)، وشيخ المقرئين (الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1413: 15/264)، وشيخ القراء (نفسه، 3/844) (ضيائي، دائرة المعارف بزرگ اسلامی، 1367: 4/1386). وقد وثّقه الذهبي قائلاً إنه كان رجلاً صالحاً، متديناً، ومتبحراً في علم القراءة (الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1413: 1/222). كما وثّقه ابن الجزري (ابن الجزري، غاية النهاية، 1429: 2/52؛ نفسه، 2006: 1/122) وقال عنه إن أحداً من علماء الرجال لم يعتبر رواياته الشاذة سبباً للجرح والضعف في عدالته (نفسه، 1/123). ودافع عنه ابن العماد أيضاً مستنداً إلى كونه مجتهداً (نفسه، 2/313)، أما شهاب الدين القسطلاني فقد اعتبر ابن شنبوذ مستحقاً لتلك العقوبة، وبرر ذلك بأن إجماع الأصوليين والفقهاء قائم على أن القراءة الشاذة لا تعد من القرآن، لأنها فاقدة لشرط التواتر، وقد حرم جميع العلماء القراءة الشاذة (نفسه، 1/72-75). روى عنه في القراءة أمثال أبي بكر بن مقسم، ومعافى بن زكريا، وفي الحديث محدثون مثل أبي بكر بن شاذان وعمر بن شاهين (الخطيب البغدادي، تاريخ بغدادي، 1349: 1/280؛ ابن الجزري، غاية النهاية، 1429: 2/53-54). وذكر السمعاني تحت عنوان «الشنبوذي» اثنين من تلامذته الملازمين له وهما أبو الفرج محمد بن أحمد بن إبراهيم الشنبوذي، وأبو الطيب محمد بن أحمد بن يوسف بن جعفر الشنبوذي المعروف بغلام ابن شنبوذ (ابن الجزري، غاية النهاية، 1429: 8/157-159). ولا يُعرف له حالياً أي أثر من مؤلفاته، وإنما نُسبت إليه أعمال بعناوين مثل: ما خالف فيه ابن كثير أبا عمرو، قراءة علي رضي الله عنه، اختلاف القراء، شواذ القراءات، وكتاب في القراءات الشاذة التي اختارها (ابن النديم، الفهرست، 1417: 35).
قراءة ابن شنبوذ
ما نُقل عن قراءة ابن شنبوذ في مصادر علم القراءات والتراجم والتاريخ يدل على ميله إلى الخروج عن المألوف في كيفية قراءة القرآن الكريم؛ فقد كان يجيز كل قراءة لها سند معتبر أو موافقة لمصحف أُبَيّ بن كعب وابن مسعود، سواء في الصلاة أو غيرها (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 2006: 1/123؛ الذهبي، معرفة القراء الكبار، 1404: 1/222). حتى إنه كان يقرأ بها أحياناً بصوت عالٍ في صلاته (ياقوت الحموي، البلدان، 1995: 17/171). ولهذا السبب، تعرض لاعتراض معاصريه من المقرئين، ومنهم أبو بكر محمد بن قاسم الأنباري الذي ألف كتاباً في الرد على آرائه بعنوان “نقض مسائل ابن شنبوذ”. وفي أواخر عمره، تعرض لغضب قراء عصره، وبحسب ما كتبه الصولي (نفسه، 17/62-63)، عندما وصل خبر ترويج ابن شنبوذ للقراءات الشاذة إلى الخليفة العباسي، أو بحسب رواية آخرين (ياقوت، ابن خلكان، نفس الموضع) إلى الوزير ابن مقلة، استدعاه الوزير إلى منزله. وفي هذا المجلس الذي حضره ابن مجاهد ومجموعة من قضاة وفقهاء بغداد (الصولي، نفس الموضع)، ناظره الوزير أمام الحاضرين والشهود. أقرّ ابن شنبوذ بالاتهامات المنسوبة إليه ودافع عنها ولم يرضخ لترك القراءات الشاذة، ولكنه بعد أن تحمل 10 جلدات، تبرأ من فعله وكتب توبة بخطه (الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، 1429: 1/280-281). وأشار معظم المؤرخين إلى هذه الحادثة باختلاف يسير في وقائع سنة 323هـ/935م (ابن الجوزي، زاد المسير، 6/307-308؛ ابن خلكان، وفيات الأعيان، بيتا: 4/299-300). ونقل ياقوت عن أبي يوسف عبد السلام القزويني، صاحب كتاب “أفواج القراء”، أن هذه الواقعة كانت نتيجة وشاية من ابن مجاهد (ياقوت الحموي، البلدان، 1995: 17/170-171). وبعد هذا المجلس، وخوفاً من قيام فتنة ومقتل ابن شنبوذ على يد أهل بغداد، أُرسل سراً إلى المدائن (ابن خلكان، وفيات الأعيان، بيتا: 4/301؛ الصفدي، الوافي بالوفيات، 1949: 2/38). وبحسب ياقوت، عاد بعد شهرين من النفي في المدائن سراً إلى منزله في بغداد (نفس الموضع). وذكر ابن كثير أن منفاه كان البصرة (ابن كثير، البداية والنهاية، 1407: 11/181).
يبقى السؤال قائماً: إلى أي مدى كان ابن شنبوذ يميل إلى القراءات الشاذة؟ يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال دراسة أصول وفروع قراءته.
وصلتنا قراءة ابن شنبوذ من طريقين: في طريق يرويها عن قنبل عن أحمد بن محمد القواس عن شبل بن عباد عن ابن كثير، وفي طريق آخر يرويها عن ابن محيصن عن أبي بن كعب عن رسول الله (ص). وكما هو واضح من طريق ابن شنبوذ، فإن وجهاً من قراءته يرجع إلى القراء السبعة، كما أنه راوي قراءة ابن محيصن من القراء الأربعة عشر.
لتقويم قراءة ابن شنبوذ، يجب تتبع قراءته من خلال المصادر الموجودة في علم القراءات. إحدى طرق الوصول إلى قراءته هي الرجوع إلى قراءة ابن محيصن؛ لأن ابن شنبوذ هو راوي قراءة ابن محيصن، وبهذا يمكن الوصول إلى قراءته. كما يمكن استخراج قراءته من المصادر التي جمعت القراءات الشاذة. في هذا البحث، تم فحص مصادر القراءات الأربعة عشر والشاذة واستخراج قراءة ابن شنبوذ، ونظراً لعدم إمكانية ذكر جميع قراءاته، تم الاقتصار على المواضع التي تتعارض فيها قراءته مع القراء السبعة في الأصول أو الفروع، مع شرح كل موضع على حدة.
أ) أصول القراءة التي انفرد بها ابن شنبوذ
ينقسم اختلاف القراءات إلى قسمين رئيسيين: أصول القراءة وفروع القراءة. والمقصود بأصول القراءة هو الأحكام العامة والكلية مثل الإمالة، والقصر، والإدغام، وغيرها، التي تأخذ شكل قواعد يمكن تطبيقها على جميع كلمات القرآن (الفضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، بيتا: 164).
على الرغم من أن لابن شنبوذ قراءة خاصة في الإمالة والإدغام والهمز والياء، إلا أن قراءته في كل موضع من هذه المواضع تتفق عادة مع أحد القراء السبعة. وفقط في مواضع قليلة جداً تخرج أصول قراءته عن قراءات القراء السبعة، ويمكن الإشارة إلى الأمثلة التالية:
– قرأ كلمة «ألتناهم» في الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (الطور/21) «لِتْنَاهُمْ» بإسقاط الهمزة وكسر اللام. وهذا الوجه القرائي هو قراءة ابن مسعود، وأبي بن كعب، والأعمش، والحسن، والحلواني، وطلحة بن مصرف (ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، 2006: 2/282؛ ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها، 1420: 2/340). وتجدر الإشارة إلى أن بحث الهمزة يعد من أصول القراءة في مصادر علم القراءات.
– قرأ كلمة «كافرين» في الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران/100) بإمالة متوسطة. وهذا الوجه القرائي لم يروَ إلا عن طريق أبي القاسم الهذلي عن ابن شنبوذ عن قنبل (الشكري، قراءة الإمام نافع، 2003: 111؛ ابن القاصح، قرة العين في الفتح والإمالة وبين اللفظين، 2005: 133).
يكتب الداني في هذا الصدد: «واختلف علماؤنا في أي هذه الأوجه أولى، قال: واختار الإمالة الوسطى التي هي بين بين؛ لأن الغرض من الإمالة حاصل بها، وهو الإعلام بأن أصل الألف الياء أو التنبيه على انقلابها إلى الياء في موضع، أو مشاكلتها للكسر المجاور لها أو الياء» (الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 2/24).
– قرأ كلمة «تخزون» في الآية ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (هود/78) بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، ولم يقرأ بهذا الوجه إلا قنبل عن طريق ابن شنبوذ ويعقوب (عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات، بيتا: 4/112). بينما تلاها القراء السبعة بحذف الياء وصلاً ووقفاً.
– قرأ ابن شنبوذ في الآية الكريمة: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (يوسف/12) كلمة «نرتعي» بإثبات الياء وصلاً ووقفاً. على أساس هذا الوجه، يبقى حرف العلة ثابتاً عند الجزم، وتُحذف حركته المقدرة فقط. وهذا الوجه القرائي لم يُنقل إلا عن ابن شنبوذ، بينما قرأ جمهور القراء «يرتع ويلعب» بحذف حرف العلة وصلاً ووقفاً (أبو حيان، البحر المحيط، 1420: 5/285). ونقل أبو حيان عن ابن عطية أن هذا الوجه القرائي ضعيف ومختص بالشعر (عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات، بيتا: 4/195).
– قرأ «اتبعن» في الآية الكريمة ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (آل عمران/20) بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، بينما حذف جمهور القراء الياء وصلاً ووقفاً. وقرأها أبو عمرو فقط بإثبات الياء وصلاً وحذفها وقفاً (نفسه، 1/465). ويمكن اعتبار هذا الوجه أيضاً من المواضع التي اختص بها ابن شنبوذ.
– قرأ كلمة «حام» في الآية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (المائدة/103) بالياء في الوقف. وهذا الوجه القرائي في كتاب “الكامل” مروي فقط عن ابن شنبوذ، بينما قرأ بقية القراء بحذف الياء وصلاً ووقفاً (نفسه، 2/350).
– قرأ كلمة «المهتد» في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء/97) بإثبات الياء وقفاً ووصلاً، وهذا الوجه أيضاً لم يُنقل إلا عن طريق قنبل عن ابن شنبوذ (القباقبي، إيضاح الرموز ومفتاح، 2003: 258). وبالطبع، قرأ يعقوب من القراء العشر بنفس الوجه.
– قرأ في الآية ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (علق/18) كلمة «سندعو» بإثبات الواو وقفاً ووصلاً (عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات، بيتا: 10/511)، وهو وجه قرائي لم يُروَ عن القراء السبعة.
ب) فرش الحروف الذي انفرد به ابن شنبوذ
أحد أقسام اختلاف القراءات هو ما يُعرف بفرش الحروف أو فروع القراءة. وفرش الحروف هي مواضع جزئية أو فردية في القراءة لا تندرج عادة تحت ضوابط وقواعد عامة، مثل الاختلاف في زيادة أو نقصان حرف في الكلمة، أو الاختلاف في الحركات والسكنات وإعراب الكلمة وتشديدها، أو الاختلاف في تقديم وتأخير الكلمة، أو الاختلاف في تبديل الحروف (ستوده نيا، نگرشی بر قرائت عاصم به روایت شیعه، 1381: 20).
في قراءة فرش الحروف أيضاً، تتوافق قراءة ابن شنبوذ في معظم المواضع مع قراءة أحد القراء السبعة، إلا في حالات تتطابق فيها قراءته مع قراءة الصحابة، ويمكن الإشارة إلى المواضع التالية:
– تلا الآية الكريمة ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة/9) «فامضوا إلى ذكر الله»، وهي قراءة الإمام علي رضي الله عنه، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب (أبو حيان، البحر المحيط في التفسير، 1420: 8/268؛ خولة عبيد الدليمي، قراءة أبي بن كعب دراسة، 2007: 126).
– تلا الآية الكريمة ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة/5) بصورة «كالصوف المنفوش»، وهي قراءة ابن مسعود وسعيد بن جبير (ابن النديم، الفهرست، 1417: 34).
– قرأ الآية ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة/82) بصورة «وتجعلون شكركم أنكم تكذبون»، وهي قراءة ابن عباس، وفي بعض الروايات نُسبت هذه القراءة إلى الإمام علي رضي الله عنه أيضاً (ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ، 1420: 2/361).
– تلا الآية ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف/79) بصورة «كل سفينة صالحة غصباً». وقد قرأها بهذا الوجه أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وعثمان بن عفان (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 16/302؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1364: 11/34).
– قرأ الآية ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ (يونس/92) بصورة «ننحيك ببدنك». وقد قرأها بهذا الوجه أبي بن كعب ومحمد بن السميفع وابن مسعود وأبو السمال (أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط في التفسير، 1420: 5/189؛ خولة عبيد الدليمي، قراءة أبي بن كعب دراسة، 2007: 107).
– قرأ الآية الأولى من سورة المسد ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ بصورة «تبت يدا أبي لهب وقد تب». وروي أن أبي بن كعب وابن مسعود والأعمش قرأوا بهذا الوجه (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 30/217؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1364: 20/234).
– نُقل عن ابن شنبوذ أنه قرأ الآية الكريمة ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ (سبأ/14) بصورة «تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً»، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود (عبد اللطيف الخطيب، معجم القراءات، بيتا: 7/350). في هذا الوجه، قُدمت عبارة «الإنس» على «الجن» وأُضيفت كلمة «حولاً».
– قرأ الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران/104) بزيادة «وينهون عن المنكر ويستغيثون الله على ما أصابهم وأولئك هم المفلحون». ونُسبت هذه القراءة إلى عبد الله بن الزبير، وابن مسعود، وعثمان بن عفان (ابن النديم، الفهرست، 1417: 34-35).
– قرأ الآية الكريمة ﴿كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ (الكهف/79) بصورة «كان أمامهم ملك». وهي قراءة ابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن جبير (الطبري، جامع البيان في تفسير القرآن، 1412: 6/154؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 1364: 11/34).
– قرأ الآية ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (الليل/3) بنقصان بصورة «والذكر والأنثى»، وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس (ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ، 1420: 2/431).
– نقل ابن عطية في تفسيره عن ابن أبي حاتم أن ابن شنبوذ قرأ الآية ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال/73) بصورة «وفساد عريض»، وهو وجه قرائي لم يُنقل إلا عنه (ابن النديم، الفهرست، 1417: 34؛ الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 2/51؛ ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، 1422: 6/393).
– قرأ الآية ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ (الفرقان/77) بصورة «فقد كذب الكافرون فسوف يكون لزاماً»، وهي قراءة ابن مسعود، وابن الزبير، وابن عباس (ابن النديم، الفهرست، 1417: 34؛ ابن جني، المحتسب في تبيين وجوه شواذ، 1420: 6/518؛ ابن خالويه، مختصر في شواذ القرآن، بيتا: 105؛ أبو الفتوح الرازي، روض الجنان وروح الجنان، 1408: ج 24، ص 117).
تقويم القراءة ومعايير اختيارها عند ابن شنبوذ
قبل أن ندخل في بحث القراءة ومدى توافقها مع قراءات القراء السبعة وصحة وجهها القرائي، يجب الانتباه إلى عدة أمور. المسألة الأولى هي أن ابن شنبوذ كان يختار في القراءات، وهذا الاختيار كان مرفوضاً من وجهة نظر بعض معاصريه مثل ابن مجاهد. يقول عبد الواحد بن أبي هاشم: «سأل أحدهم ابن مجاهد: لماذا لا يختار الشيخ قراءة خاصة به؟ فأجاب: نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، من حاجتنا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا» (الذهبي، تذكرة الحفاظ، 1968: 2/537). وعلى هذا الأساس، حصر القراءات التي كانت في زمنه آخذة في الازدياد ولا يمكن حصرها في سبع قراءات، ولوضع هذا الحصر، وضع سبعة معايير أشار إليها في كتابه. وهذه المعايير لم تكن متوافقة مع معايير ابن شنبوذ، الذي اختار قراءة أخرى بمعاييره الخاصة. ولكن قبل بيان المعايير، يجب توضيح مفهوم الاختيار.
الاختيار بمعناه العام، كما يُفهم من تعريفه اللغوي، هو الاصطفاء والانتخاب. ويظهر هذا المعنى في كتب علماء القراءة حيث يقولون: «اختار فلان كذا» أي انتخبه واصطفاه. ومن أمثلة ذلك كلام ابن الجزري في باب أحكام الميم الساكنة حيث يقول: «ومن مواضع الإخفاء الأخرى عند الباء، ما اختاره الحافظ أبو عمرو الداني وبعض المحققين، وهو مذهب أبي بكر بن مجاهد وغيره. وبالطبع، يظهره بعضهم تماماً مثل أبي الحسين أحمد بن المنادي، وهذا الموضع هو اختيار مكي بن أبي طالب» (ابن الجزري، غاية النهاية في طبقات القراء، 1429: 1/222).
لكن الاختيار، بالإضافة إلى معناه العام في كلام القراء، له معنى خاص أيضاً يمكن استنباطه من خلال كتب علماء القراءة. وتظهر الإشارة إلى المعنى الخاص للاختيار عند القراء في كلام ابن مجاهد، حيث يجيب على رجل سأله: لماذا لا يختار الشيخ لنفسه قراءة؟ فيقول: «نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، أحوج منا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا»2 (الذهبي، سير أعلام النبلاء، 1413: 2/537). يميز هذا الكلام لابن مجاهد بين كلمات النقل والاختيار والرواية، فالراوي ليس صاحب اختيار. وبعبارة أخرى، هناك فرق بين من يختار وجهاً من القراءة ومن يروي تلك القراءة.
يقول مكي بن أبي طالب: «وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرؤوا بقراءة الجماعة وبروايات، فاختار كل واحد منهم مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار»3 (مكي بن أبي طالب، الكشف عن وجوه القراءات السبع، 1404: 1/100).
تُظهر العبارة السابقة أن الاختيار يعني المواضع التي يختارها القارئ من بين منقولاته ويرويها بلفظ الاختيار المنسوب إليه.
ومن المعاصرين، يقول الدكتور عبد العزيز قارئ في تعريف الاختيار وحقيقته: كل قارئ من القراء العشرة أو غيرهم، يأخذ قراءة القرآن عن عدد من الشيوخ ويسعى لتعلم عدد كبير من قراءات القرآن، لذا يسافر إلى مناطق مختلفة. ولكن عندما يبدأ بالقراءة، لا يقرأ كل ما سمعه، بل يختار بعض مسموعاته فقط ويقرؤها، أي أن القارئ يختار بعض منقولاته عند القراءة، وهذا هو مفهوم الاختيار (القارئ، حديث الأحرف السبعة، 1423: 181).
كان الخلاف والصراع بين ابن شنبوذ وابن مجاهد حول قراءة ابن شنبوذ، التي كانت تعد من وجهة نظر ابن مجاهد ومعاييره قراءة شاذة. والآن يجب أن نرى ما هي معايير ابن مجاهد كمنافس لابن شنبوذ في تصحيح القراءة، حتى نتمكن من دراسة ونقد معايير ابن شنبوذ بدقة.
كان لابن مجاهد معياران لاختيار القراءة الصحيحة. الشرط الأول هو أن يكون القارئ من الشخصيات التي تحظى قراءته بإجماع أهل المنطقة التي يعيش فيها، والثاني هو أن يكون إجماع واتفاق وتأييد أهل المنطقة للقارئ مبنياً على كفاءته العلمية والعميقة في القراءة واللغة (الفضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، بيتا: 143).
ولكن في دراسة ونقد القراءات الصحيحة، كان لابن مجاهد عملياً ثلاثة أركان أساسية:
أ) أن تكون القراءة مبنية على رواية وسند متصل برسول الله (ص) ومنقولة من مصادر معتبرة (الطبرسي، 1372: 1/79).
ب) أن يتمتع الراوي في عصره بالشهرة والاعتبار اللازمين (الزركشي، 1408: 1/303).
ج) أن تكون القراءة متوافقة مع رسم المصحف (نفسه، 329).
كان خلاف ابن مجاهد مع ابن شنبوذ حول موافقة القراءة لرسم المصحف. وتُظهر دراسة القراءات المنقولة عن ابن شنبوذ بوضوح أن معظم قراءته هي نفسها قراءة القراء السبعة. يمكن القول إن ابن شنبوذ اختار معظم قراءاته من القراء السبعة، وفقط في بعض المواضع اختار من القراء العشرة أو الأربعة عشر.
قرأ ابن شنبوذ في أصول القراءة في تسعة مواضع خارج قراءات القراء السبعة، وفي فرش الحروف في أحد عشر موضعاً مطابقاً لقراءة كبار الصحابة مثل ابن مسعود، وأبي بن كعب، وابن عباس، والإمام علي رضي الله عنه، وهذه الوجوه لم تُقرأ عن القراء السبعة أو العشرة. ولكن من بين هذه، يوجد موضع واحد فقط في فرش الحروف وأربعة مواضع في أصول القراءة انفرد بها ابن شنبوذ، ولم يقرأ بها أي قارئ آخر ولا حتى من الصحابة.
إذن، من الناحية الإحصائية، ليست قراءة ابن شنبوذ بالشكل الذي يمكن أن يقال إنه التزم عملياً بالقراءات الشاذة، بل إن الخلاف الوحيد بين ابن شنبوذ وابن مجاهد كان في أحد معايير القراءة، وهو رسم المصحف.
لابن شنبوذ معياران للقراءة الصحيحة:
1. أن تكون القراءة مبنية على رواية ومنقولة من مصادر معتبرة. ومقصده من الرواية والمصادر المعتبرة يشمل ما نقله الصحابة مثل ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم. ولهذا السبب، فإن المواضع الخمسة التي اختلف فيها في فرش الحروف مع القراء السبعة، كلها منقولة عن طريق الصحابة (الفضلي، تاريخ قراءات القرآن الكريم، 1405: 147).
2. أن تكون القراءة موافقة للنحو العربي (نفسه).
ما يقدمه ابن مجاهد كحجة قوية ضد ابن شنبوذ ويقوده إلى المحكمة والسجن هو ادعاء مخالفة قراءة ابن شنبوذ لرسم المصحف. إن رسم المصحف من وجهة نظر المصادر المتأخرة في علوم القرآن هو في الحقيقة كتابة كلمات القرآن، ويعبر عنه أيضاً بالرسم العثماني (التفكري، پژوهشی در رسم المصحف، 1388: 76). ومنشأ هذا الرسم هو المصحف العثماني الذي جُمع وكُتب في زمن عثمان (الكردي، تاريخ القرآن وغرائب رسمه وحكمه، 1903: 3).
إذا كان مراد ابن مجاهد من موافقة القراءة لرسم المصحف هو موافقة القراءة لكتابة كلمات القرآن في المصحف العثماني، فإن هذا الإشكال يرد أولاً على ابن مجاهد نفسه؛ لأنه في كتاب “السبعة” صحح قراءات لا تتوافق مع الرسم العثماني. فابن مجاهد يقبل القراءات التي تخالف ظاهرياً رسم المصحف، مثل قراءة السين بدلاً من الصاد (الداني، بيتا: 130)، كما فعل قبله قراء مثل ابن كثير وأبو عمرو وحمزة. يجب أن نعترف بأن معنى رسم المصحف في نظر ابن مجاهد وهؤلاء القراء ليس هو ما نفهمه اليوم. بحيث يمكننا أن نستنتج بسهولة من قضية ابن شنبوذ أن معنى موافقة القراءة لرسم المصحف عند ابن مجاهد كان رفض ومخالفة قراءة أمثال ابن مسعود؛ لأنه قبل جميع المواضع الخلافية في قراءة القراء السبعة التي لا تتوافق مع الرسم ولم يخطئهم بسبب زيادة أو نقصان الحروف. قد يقال إن ابن مجاهد كان يعتقد أن المصاحف كُتبت بنفس الطريقة، وبالتالي فإن القراءة كانت مطابقة للكتابة. وفي الإجابة، يجب أن يقال: نعم، في بعض المواضع أشار ابن مجاهد إلى أن «كذلك في مصاحفهم»، ولكنه لم يشر أبداً إلى مثل هذه الاختلافات في المصاحف، خاصة في موضع مثل قراءة أبي عمرو «واكون من الصالحين»، حيث صرح الداني بأنها كُتبت في المصاحف بدون واو (نفسه، 131). لذلك، يُستفاد من هذه النقولات وأمثالها أن رسم المصحف من وجهة نظر الكثيرين لم يكن بمعناه الحالي، بل كان يعني رفض ونفي القراءات المنسوبة إلى ابن مسعود وأبي وغيرهم.
إذن، رسم المصحف عند ابن مجاهد، الذي حاكم بسببه ابن شنبوذ، كان يعني التزام ابن شنبوذ بالقراءات المنسوبة إلى ابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم، وهي قراءات مخالفة للمصحف العثماني (حاجي اسماعيلي، 1384: 65).
من ناحية أخرى، لا يمكن أن يكون لابن مجاهد مشكلة مع ابن شنبوذ في مسألة اختيار القراءة؛ لأن ابن مجاهد نفسه قد اختار واصطفى قراءات القراء السبعة. وفيما يتعلق بابن مجاهد نفسه، يعتقد البعض أن آثاره تدل على أنه لم يكن مجرد ناقل للقراءات، بل اختار لنفسه قراءة من بين القراءات المشهورة، قيل إنها قريبة جداً من رواية قنبل عن ابن كثير (باكتجي، دائرة المعارف بزرگ اسلامی، 1370: 4/582). واختيار القراءة عند ابن شنبوذ لم يكن يعني إيجاد قراءة جديدة أو قراءة مبتكرة للنص المقدس، بل كان عمل ابن شنبوذ هو نفس ما فعله نافع، حيث اختار وجهاً واحداً من بين سبعين قراءة سمعها.
لم يكن عمل ابن شنبوذ منحصراً به أو عملاً جديداً يستحق العقاب، بل إن دراسة المصادر الأولية للقراءات والتفاسير في القرن الأول والثاني تُظهر أن هذه النظرة التي يروج لها ابن شنبوذ الآن في القرن الرابع، كانت موجودة في الماضي كتيار قرائي شائع ولها أنصارها. سعى عثمان إلى توحيد المصاحف لجعل القراءات متماثلة، لكنه لم ينجح أبداً، بل استمر التيار المخالف للمصحف العثماني في ترويج ونشر القراءات الأخرى. على سبيل المثال، يظهر تعامل الفراء (ت 207هـ) مع اختلاف القراءات أن هذه القراءات في القرن الثاني كانت لا تزال تُطرح على قدم المساواة مع المصحف العثماني. كان المبدأ الأساسي لقبول القراءة، على ما يبدو، هو شهرتها؛ بمعنى أنها مأخوذة من مصحف أو رواية موثوقة.
ينقل الفراء بكثرة القراءات ذات الرسم المختلف في كتاب “معاني القرآن” (الفراء، معاني القرآن، بيتا: 2/328). ولكن خلافاً للفراء، فإن المعيار الأساسي للأخفش لعدم قبول مثل هذه القراءات هو أنها، على الرغم من صحتها من حيث قواعد اللغة العربية، لا توافق كتابة المصحف أو النص العثماني. وهذا الاستدلال للأخفش له أهمية قصوى ويبدو أنه مبدأه الأساسي.
يُظهر الاختلاف العقدي بين الأخفش والفراء حول هذه المسألة أن هذه الجدالات والمناقشات لم تُحل حتى نهاية القرن الثاني الهجري. وكان لكل من هذين التيارين أنصاره، واستمرت هذه النزاعات الكلامية في القراءة حتى سعى ابن مجاهد في القرن الرابع إلى استئصالها نهائياً.
بالطبع، بعد ابن مجاهد ومخالفته لرأي ومعيار ابن شنبوذ، لم يخمُد هذا التيار القرائي، وظل عدد من الناس متمسكين بمعايير ابن شنبوذ. المعافى، تلميذ ابن شنبوذ، هو من هذه الفئة. حضر المعافى درس ابن شنبوذ ولم يروِ عن ابن مجاهد، وهذا قد يكون دليلاً على ميل المعافى إلى أفكار ابن شنبوذ حول عدم شذوذ القراءات غير السبع مقابل ابن مجاهد الذي أضفى الرسمية على القراءات السبع. وتجدر الإشارة إلى أن أحد أبرز أسلاف المعافى، وهو الطبري، قد أولى اهتماماً كبيراً في كتابه الذي ألفه في القراءة للعديد من القراءات غير السبع (ابن الجزري، غاية النهاية، 1429: 1/34). ورغم أن للمعافى رواة كثيرين في القراءة (نفسه، 2/302) وكتاباً ألفه في القراءات (ابن النديم، الفهرست، 1417: 293)، فإن رواياته، كما هو متوقع، لم تدخل كتب القراءة، ولم يوردها سوى الهذلي (ت 415هـ) في “الكامل” على نطاق واسع (ابن الجزري، غاية النهاية، 1429: 1/34). وآخرون مثل أبي معشر الطبري (ت 478هـ) في “التلخيص”، وسبط الخياط (ت 541هـ) في “الكفاية”، وابن فتحان (ت 550هـ) في “المصباح”، أولوا اهتماماً برواياته إلى حد ما (نفسه، 1/119). ولعل علاقة المعافى بابن شنبوذ لم تكن بلا تأثير في هذا التجاهل.
هذا التجاهل، إلى جانب النفوذ السياسي والاجتماعي لابن مجاهد، أدى إلى تهميش تيار ابن شنبوذ القرائي، لدرجة أن مصادر الاحتجاج للقراءات التي أُلفت في أواخر القرن الرابع والقرون التالية اعتبرت الاحتجاج برسم المصحف أحد أسس احتجاجها.
من المهم أن ابن شنبوذ كان يقرأ من بين القراءات المشهورة، التي كانت في الغالب من قراءات القراء السبعة، إلا في مواضع قليلة كان يقرأ فيها بقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب وسائر الصحابة.
الخاتمة
بعد توحيد المصاحف، نشأ تياران فكريان في قراءة القرآن الكريم: تيار يرفض جميع الوجوه القرائية ولا يصحح إلا القراءة الموافقة لمصحف الإمام، وتيار يرى صحة وقبول القراءة المستندة إلى سائر مصاحف الصحابة أيضاً. في القرن الرابع، قرر ابن مجاهد القضاء نهائياً على القراءة غير الموافقة لمصحف الإمام، لذا طرح معيار موافقة القراءة لرسم المصحف، الذي كان يعني من وجهة نظره رفض قراءات المصاحف الأخرى كمصحف أبي بن كعب وابن مسعود وغيرهما. وكان الصراع والخلاف بينه وبين ابن شنبوذ حول هذا الموضوع، حيث كان ابن شنبوذ يعتبر قراءات كبار الصحابة مقبولة لسندها واعتبار مصادرها، ويقرأ بتلك الوجوه، وهو موضوع كان شائعاً في القرنين الثاني والثالث ولم يعارضه أمثال الفراء.
لكن ابن مجاهد تقدم من موقع القوة لتثبيت القراءات السبع، وتعامل بقسوة مع ابن شنبوذ لدرجة أن البعض تصور أن ابن شنبوذ قد قدم قراءة اجتهادية لنص القرآن ولم يعتقد بالاعتماد على النص المكتوب للقرآن الكريم، بينما تُظهر دراسة قراءة ابن شنبوذ أنها في معظم المواضع متوافقة مع قراءات القراء السبعة التي اختارها ابن مجاهد، وأنه لم يقرأ بقراءة خارجة عن القراءات السبع إلا في تسعة مواضع في أصول القراءة وأحد عشر موضعاً في فرش الحروف، وهذا الاختلاف ضئيل وقليل جداً.
الهوامش
1. اختلف علماؤنا في أي هذه الوجوه أفضل، واختاروا الإمالة المتوسطة التي هي بين بين؛ لأن الغرض من الإمالة يتحقق بها، وهو الإعلام بأن أصل الألف ياء، أو التنبيه على انقلابها إلى الياء في بعض المواضع، أو للدلالة على مشاكلتها للكسرة المجاورة لها أو للياء.
2. نحن أحوج إلى أن نعمل أنفسنا في حفظ ما مضى عليه أئمتنا، من حاجتنا إلى اختيار حرف يقرأ به من بعدنا.
3. إن الذين اختاروا إنما قرؤوا بقراءة الجماعة وبالروايات، فاختار كل واحد منهم مما قرأ وروى قراءةً تُنسب إليه بلفظ الاختيار.