تحليل مفهوم استقرار النطفة في الروايات وأثره في أحكام إسقاط الجنين من منظور فقهي

الملخص

يعتقد عموم الفقهاء بحرمة إتلاف النطفة المستقرة في الرحم، إلا أن الإبهام في مفهوم “استقرار النطفة” هو ما أدى إلى اختلاف وجهات النظر وظهور آراء متباينة. ولا شك في أن تبيين هذا المفهوم من شأنه أن يوحد الآراء؛ لذا، لا بد من الإجابة عن هذا السؤال بالمنهج الاجتهادي: ما هو مفهوم استقرار النطفة وما أثره في مسألة إسقاط الجنين؟ يمكن طرح ثلاثة عناوين كاحتمالات لمعنى استقرار النطفة، وهي: “إفراغ النطفة في الرحم”، و”إخصاب الحيوان المنوي والبويضة في الرحم”، و”تعشيش النطفة في جدار الرحم”. بالاستناد إلى القرائن اللغوية والعرفية، ومع الأخذ بعين الاعتبار عملية تكوّن الجنين من منظور علم الأجنة، وكذلك من خلال دراسة الروايات المتعلقة بموضوع إسقاط الجنين، سيتضح أن المراد باستقرار النطفة هو تعشيش الجنين في جدار الرحم. ونتيجة لذلك، فإن إتلاف النطفة قبل مرحلة التعشيش لن يكون من مصاديق حرمة إسقاط الجنين، ولكنه سيصبح محرماً منذ لحظة التعشيش (الاستقرار).

المقدمة

تُعد مسألة إسقاط الجنين والأحكام المرتبطة بها من الموضوعات التي حظيت باهتمام عامة المسلمين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا. وتشهد على ذلك الأسئلة الكثيرة التي طرحها رواة الحديث على الأئمة (عليهم السلام) في هذا الشأن، وكذلك الاستفتاءات العديدة الموجهة إلى الفقهاء. ومع مرور الزمن وتقدم المعرفة الطبية في مجال علم الأجنة، طُرحت أسئلة جديدة في هذا المجال. وعلى الرغم من إمكانية العثور على إجابات مناسبة لكثير من هذه الأسئلة بالرجوع إلى النصوص الدينية، إلا أن غموض مفهوم معين قد يجعل استنباط الحكم الشرعي المرتبط به أمراً عسيراً. ويعد مفهوم “استقرار النطفة في الرحم” من هذه المفاهيم.

بالنظر إلى المباحث المطروحة في علم الأجنة، يمكن افتراض عدة احتمالات لمعنى استقرار النطفة. والسؤال الرئيس هو: بالنظر إلى أن ترجيح أي من هذه الاحتمالات له دور كبير في تحديد المصاديق المتعلقة بأحكام إسقاط الجنين، فأي من هذه الاحتمالات هو المقصود باستقرار النطفة المطروح في الروايات؟ هل المراد بالاستقرار إفراغ المني في الرحم، بحيث يكتسب الحيوان المنوي كرامة إنسانية بمجرد دخوله الرحم، ويكون إتلافه مصداقاً لحرمة إسقاط الجنين؟ أم أن المراد باستقرار النطفة هو إخصاب الحيوان المنوي والبويضة، بحيث يُعد إتلاف الخلية الملقحة مصداقاً لحرمة الإسقاط؟ أم أن استقرار النطفة هو مفهوم التعشيش في علم الأجنة، بحيث لا يصدق مفهوم الإسقاط إلا على إتلاف الجنين بعد أن يكون قد عشّش؟

نظراً لشيوع استخدام وسائل منع الحمل المختلفة في المجتمع اليوم، ولكون كل وسيلة تتبع نمطاً خاصاً في منع الحمل، فمن الضروري لعامة المؤمنين الالتفات إلى هذه النقطة: هل يمكن أن تكون عملية المنع باستخدام هذه الوسائل من مصاديق حرمة إسقاط الجنين؟ فإذا كان معنى الإسقاط هو إتلاف النطفة التي دخلت الرحم، فإن الوسائل التي تمنع دخول النطفة إلى الرحم في هذه الحالة، تعد مسببة لإسقاط الجنين وتكون محرمة؛ ولكن إذا كان معنى الإسقاط هو إتلاف الخلية الملقحة أو الخلية التي عششت في جدار الرحم، فإن الوسائل التي تمنع تعشيش الخلية في جدار الرحم أو تتسبب في إتلاف الخلية الملقحة، ستحرم. من الواضح أنه إذا تطابقت وسيلة ما مع الإسقاط المحرم، فلا يمكن استخدامها لمنع الحمل من وجهة نظر فقهية. في الواقع، يهدف هذا البحث إلى تبيين مفهوم الإسقاط من منظور فقهي، لنتمكن بناءً على ذلك من الوصول إلى الأحكام المتعلقة بإسقاط الجنين واستخدام وسائل منع الحمل المختلفة.

يبدو أنه من الممكن، بالاعتماد على قرائن مختلفة، اعتبار معنى استقرار النطفة في الروايات مطابقاً لمفهوم التعشيش في علم الأجنة؛ وبناءً على ذلك، ستنطبق حرمة إسقاط الجنين فقط على الخلية الملقحة في مرحلة التعشيش، ولن تشمل المراحل الأخرى.

لقد أوصل البحث في الكتب والمقالات الكاتب إلى نتيجة مطمئنة مفادها أنه لم يُكتب حتى الآن كتاب أو مقال مستقل في هذا الموضوع؛ على الرغم من أن الموضوع المذكور قد تم تناوله بشكل جزئي وضمني في بعض الكتابات العلمية. وبناءً على ذلك، فإن البحث في “مفهوم استقرار النطفة في الروايات” وتداعياته الحكمية أمر ضروري.

في هذا البحث، الذي تم تدوينه بالمنهج المكتبي والوصفي-التحليلي، يتم أولاً تناول المفاهيم الأساسية والمرتبطة بموضوع البحث. ثم يتم شرح دراسة الموضوع الطبي المتعلق بعملية الإخصاب، وفيما بعد، يتم فحص وتحقيق كل من الاحتمالات المطروحة في مفهوم استقرار النطفة والروايات المرتبطة بها.

۱. دراسة المفاهيم المحورية

سعياً للفهم الصحيح لمعنى استقرار النطفة في الرحم، نبدأ أولاً بدراسة المفاهيم المحورية والمرتبطة بالموضوع:

۱-۱. مفهوم النطفة

تأتي النطفة في اللغة بمعنى الماء الصافي القليل، أو الماء الجاري، أو الماء المصبوب. ورغم أن البعض استخدمها للإشارة إلى السائل المنوي للرجل (الحيوان المنوي) (ابن منظور، ١٤٠٥هـ، ج ٩، ص ٣٣٤؛ ابن فارس، ١٤٠٤هـ، ج ٥، ص ٤٤٠)، فقد أطلقها البعض الآخر على مجموع السائل المنوي للرجل والمرأة (معلوف، ١٩٩٢م، ص ٨١٦). في اصطلاح المتشرعة، تُطلق النطفة على سائل أبيض يشبه إفرازات الأنف الغليظة. وقد ورد هذا المفهوم في رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تعريف النطفة (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٧، ص ٣٤٥).

۱-۲. مفهوم الجنين

الجنين على وزن “فعيل” بمعنى مفعول (صدر، ۱۳۸۳، ج ٥، ص ٤٩٤)، مأخوذ من مادة “جَنَّ”، والمقصود به كل شيء مستور؛ لذلك يُطلق على الإنسان في رحم أمه اسم جنين. (ابن منظور، ١٤٠٥هـ، ج ١٣، ص ٩٣) وفي القرآن الكريم إشارة إلى هذا المعنى: «إِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ» (النجم: ٣٢). من وجهة نظر الطب، الخلية الملقحة، التي تتكون من خليتين جنسيتين من الذكر والأنثى، تسمى “رويان” (Embryo) من لحظة الإخصاب حتى نهاية الأسبوع الثامن، وبعد ذلك تسمى “جنين” (Fetus) (انظر: معيني وآخوندي، ۱۳۸۷، ص ۳۰۹ – ۳۱۱).

۱-۳. مفهوم الاستقرار

كلمة “استقرار” في اللغة مأخوذة من مادة “قَرَّ” وتعني أن شيئاً ما يثبت ويستقر في مكان. (استقرَّ بالمكانِ: تمكَّنَ وسَكَنَ) (إبراهيم مصطفى وآخرون، ١٤١٠هـ، ص ٧٢٥). في الواقع، تدل هذه الكلمة على اتخاذ مكان، واتخاذ المكان يشير ضمناً إلى الثبات وعدم التغيير.

۲. عملية الحمل في الرحم

مما لا شك فيه أن دراسة الموضوع بدقة فيما يتعلق بحكم شرعي يمكن أن يكون له تأثير مباشر على نوع استنباط الحكم. ومن المؤكد أن العلوم الجديدة، بما في ذلك الطب، يمكن أن تقدم مساعدة كبيرة في فهم الموضوعات الفقهية؛ لذا، يجب أولاً دراسة عملية الحمل بناءً على معطيات المعرفة الطبية. من منظور طبي، يمكن تحليل عملية الحمل في موضوعين هما “الإخصاب” و”التعشيش”.

۲-۱. الإخصاب

أولاً، يجب الإجابة عن هذا السؤال: من الناحية الطبية، كيف يتم الإخصاب وتكوين الجنين في الرحم؟ كل شهر، تخرج بويضة ناضجة (الجاميت الأنثوي) من المبيض وتنتظر الحيوان المنوي في تجويف يسمى الأمبولة. من ناحية أخرى، من بين ملايين الحيوانات المنوية التي تدخل الرحم، ينجح حوالي مائتين إلى ثلاثمائة حيوان منوي في الوصول إلى هذه المنطقة. ومن بين هؤلاء، ينجح حيوان منوي واحد فقط في الإخصاب. عندما يدخل رأس الحيوان المنوي إلى البويضة، تفقد البويضة والحيوان المنوي بنيتهما الأصلية وينتج كائن يسمى “النطفة” (رضوي وآخرون، ١٣٨٩، ص ٥). وبالطبع، يجب الانتباه إلى أنه لكي تتكون النطفة، يجب أن يصل الحيوان المنوي إلى الجزء النهائي من قناة الرحم. وهذا أحد الشروط الأساسية لإخصاب الحيوان المنوي والبويضة. وهناك حكمة في هذا الأمر، وهي أنه من أجل التعشيش، لا بد من تحقق شرطين: الأول، أن تنمو البويضة المخصبة وتصل إلى مرحلة يمكنها فيها الالتصاق بجدار الرحم بواسطة الخلايا المغذية. الثاني، تهيئة بطانة الرحم المخاطية لاستقبال البويضة المخصبة من خلال تكاثر الغدد وزيادة الإفرازات وتخزين الجليكوجين (مادة منتجة للسكر) والكالسيوم في خلاياها. يتم هذا العمل باستخدام تأثير هرمون البروجسترون الذي يفرزه الجسم الأصفر. الفترة الزمنية اللازمة لتحقق هذين الشرطين تساوي المقدار الذي تتحرك فيه البويضة الملقحة من نهاية قناة الرحم وتصل إلى داخل الرحم. هذه المدة تقارب سبعة أيام (نفس المصدر).

۲-۲. التعشيش

عندما يقترب وقت الإباضة، يبلغ سمك بطانة الرحم الداخلية حوالي ثلاثة إلى أربعة مليمترات. بعد الإباضة، يزداد هرمون البروجسترون الأنثوي. يتسبب البروجسترون في إفراز غدد بطانة الرحم ويجعل الرحم مستعداً لتعشيش الجنين (همو، ۱۳۹۰، ص۳). تقريباً مرة واحدة في الشهر، تتكون طبقة من نسيج بطانة الرحم في الرحم لتكون جاهزة لاستقبال خلية البويضة الملقحة. وفي حال عدم وجود بويضة ملقحة، تتساقط هذه الطبقة ويحدث نزيف الحيض (www.imna.ir, 1400, p. 1). إذا حدث الإخصاب، تنقسم خلية البويضة بسرعة خلال ٢٤ ساعة وتنتج العديد من الخلايا. تبقى هذه الكتلة الخلوية الصغيرة بعد الإخصاب حوالي ثلاثة أيام في قناة الرحم المعروفة باسم “قناة فالوب” (Fallopian Tube). ثم تنقسم البويضة المخصبة، التي تسمى “الكيسة الأريمية” (Blastocyst)، بينما تتحرك ببطء من قنوات الرحم نحو الرحم. بعد الوصول إلى تجويف الرحم، تكون المهمة التالية للكيسة الأريمية هي الالتصاق ببطانة الرحم. يطلق على هذا الإجراء اسم “التعشيش” أو “الغرس” (Implantation). قبل التعشيش، تخرج الكيسة الأريمية من غلافها الواقي. عندما تصطدم الكيسة الأريمية ببطانة الرحم، يتم تبادل هرمونات بينهما للمساعدة في التصاقها بجدار الرحم. في بعض الحالات، تكون عملية تعشيش الكيسة الأريمية مصحوبة بنزيف طفيف خلال يوم أو يومين.3 هذه ظاهرة طبيعية. في هذه المرحلة، تصبح بطانة الرحم أكثر سمكاً، ويُغلق “عنق الرحم” (Cervix)، الذي هو الحد الفاصل بين الرحم وقناة الولادة، تماماً بواسطة سدادة مخاطية (blog.faradars.org, 1400, pp. 1). في النهاية، تتحول خلايا الكيسة الأريمية إلى كرة خلوية صغيرة وتختفي تماماً في جدار الرحم.

۳. الاحتمالات المختلفة في معنى استقرار النطفة

يمكن افتراض عدة احتمالات لمفهوم استقرار النطفة في الروايات، والالتزام بأي منها يمكن أن يؤثر على الأحكام المتعلقة بإسقاط الجنين: الاحتمال الأول هو أن المقصود باستقرار النطفة هو إفراغها في الرحم. ووفقاً لهذا الاحتمال، تكون النطفة مستقرة فيه منذ لحظة دخولها الرحم. بالتالي، بعد دخول الحيوان المنوي إلى الرحم، فإن أي منع أو إخلال بحركته يمكن اعتباره مصداقاً لإسقاط الجنين. الاحتمال الثاني هو أن استقرار النطفة يعني إخصاب الحيوان المنوي والبويضة. ونتيجة لذلك، تبدأ حرمة الإسقاط بعد وقت الإخصاب. الاحتمال الثالث هو أن تصل الخلية الملقحة إلى جدار الرحم وتقوم بالتعشيش. بناءً على هذا الاحتمال، ينشأ موضوع حرمة إسقاط الجنين عندما تعشش النطفة في جدار الرحم. وفي هذه الحالة، لن يكون إتلاف النطفة قبل هذه المرحلة مصداقاً لحرمة الإسقاط. بالنظر إلى القرائن والأدلة المختلفة التي سيشار إليها لاحقاً، يبدو أن المراد باستقرار النطفة هو مرحلة تعشيش الجنين في جدار الرحم. كما أن دراسة الروايات المتعلقة بدية الجنين تظهر أن جميع الروايات تشير إلى مرحلة يكون فيها الجنين قد عشّش في الرحم. في البداية، سيتم ذكر القرائن والأدلة التي تعزز وجهة النظر الثالثة، ثم سيتم تناول الروايات المتعلقة بهذا البحث بالدراسة.

۳-۱. القرينة اللغوية

كما مر في بحث المفاهيم، كلمة “استقرار” تعني اتخاذ مكان والاستقرار فيه (إبراهيم مصطفى وآخرون، ١٤١٠هـ، ص ٧٢٥). من الواضح أن هذا المعنى اللغوي يتوافق مع الاحتمال الثالث؛ لأنه في الاحتمال الثالث، يُعتبر الاستقرار بمعنى تعشيش الجنين في جدار الرحم، وفي المعنى اللغوي أيضاً، الاستقرار يعني اتخاذ مكان؛ لذلك يجب أن نفسر استقرار النطفة في الرحم بمعنى تعشيش النطفة في الرحم. في الواقع، قبل مرحلة التعشيش، لا يوجد استقرار للنطفة، والنطفة لا تسكن في مكان ومستقر. منذ لحظة دخولها الرحم، تكون في حركة مستمرة، ولا يمكن تصور أي استقرار لها؛ بل هي في حالة سيولة وحركة في الرحم.

۳-۲. القرينة العرفية

لتوضيح معنى استقرار النطفة، يجب أولاً النظر في عرف زمن صدور الروايات ودراسة ما إذا كان عرف المتشرعة في ذلك الزمان يعرف علامة على استقرار النطفة أم لا. عادةً ما يعتبر عرف زمن صدور الرواية، بل وحتى عرفنا الحالي، عدم رؤية دم الحيض الشهري لدى المرأة علامة على استقرار النطفة في الرحم؛ لأنه عندما تتأخر عادة المرأة الشهرية، وفي نفس الوقت كانت قد قاربت رجلاً يمكن أن يكون سبباً للحمل – ما لم تكن من الاستثناءات مثل المرأة المرضع – ففي هذه الحالة، من وجهة نظر العرف، عدم رؤية الدم علامة على الاستقرار في الرحم؛ على الرغم من أنها لا تُعتبر علامة قطعية. استقرار النطفة في العرف يعني احتمال بدء الحمل، والذي لا يتطلب فهمه تخصصاً طبياً؛ ولأن الروايات أُلقيت على العرف العام، فقد اعتُبر استقرار النطفة فيها معنىً مفروغاً منه. من وجهة نظر علم الأجنة أيضاً، عندما تصل الخلية الملقحة إلى جدار الرحم وتعشش فيه، لا ينهار جدار الرحم وتفقد المرأة عادتها الشهرية؛ لذلك، بالنظر إلى هذه العلامة العرفية وتزامن تعشيش الجنين مع انقطاع العادة الشهرية، يمكن اعتبار تعشيش الجنين من وجهة نظر الطب هو نفسه استقرار النطفة العرفي. من الواضح أنه في هذا المجال لم يُستخدم الدليل العرفي (العام والخاص) كمؤيد ليتم التطرق إلى حجيته أو عدم حجيته؛ لأن استقرار النطفة منذ زمن صدور الرواية حتى الآن له معنى محدد. ما هو غامض هو مطابقة هذا المعنى العرفي مع إحدى الحالات التي توصل إليها الطب الحديث في عملية الحمل (إفراغ النطفة في الرحم، الإخصاب، التعشيش). في الواقع، بالنظر إلى القرينة التي يعرفها العرف لكشف استقرار النطفة (انقطاع النزيف)، يمكن القول إن العقل يطبق عنوان استقرار النطفة على مفهوم التعشيش؛ لأنه من ناحية، لا يمكن اعتبار إفراغ النطفة في الرحم بشكل قاطع ويقيني استقراراً للنطفة؛ لأن في كثير من الحالات، لا يؤدي إفراغ النطفة إلى استقرارها. من ناحية أخرى، بالنسبة للعرف، تشخيص وقت إخصاب الحيوان المنوي والبويضة غير ممكن ليتمكن بناءً على ذلك من تكليفه بالأحكام المتعلقة باستقرار النطفة؛ لذلك، فإن الحالة الوحيدة التي يمكن تطبيق استقرار النطفة عليها في نظر العرف هي مفهوم التعشيش.

۳-۳. المعنى اللغوي للجنين

بالتدقيق في معنى كلمة “جنين”، يمكن القول إنه يُطلق على الخلية الملقحة اسم “جنين” عندما تعشش في جدار الرحم؛ ولكن في المراحل السابقة لا يمكن تسميتها جنيناً؛ لأن الجنين في اللغة يعني كل شيء مغطى ومستور (ابن منظور، ١٤٠٥هـ، ج ١٣، ص ٩٣). عندما يستقر الجنين في جدار الرحم، يندمج فيه بالكامل. في هذه الحالة، يمكن القول إن الجنين مغطى؛ ولكن في المراحل التي تسبق التعشيش، لا يمكن القول إن الجنين مغطى بالرحم؛ بل هو معلق في فضاء الرحم. في الحقيقة، الرحم هو وعاء توضع فيه النطفة؛ مثلما لو كان شخص في غرفة، لا يُقال إن جدران الغرفة تغطيه؛ بل يُقال: “ذلك الشخص في تلك الغرفة”؛ ولكن بالنسبة لملابسه يُقال: “هذه الملابس تغطيه”. وفي حالة الجنين أيضاً، يمكن تصور وضع مشابه.

۴. الروايات المرتبطة باستقرار النطفة

توجد روايات حول دية الجنين تشير إلى أن الإسقاط محرم حتى في المراحل الأولى من خلق الجنين، والتي هي في الواقع نفس وقت استقرار النطفة. السؤال هو: ما هي المرحلة الأولى من الخلق المقصودة؟ بعبارة أخرى، الروايات التي تطرح حرمة إسقاط النطفة، تشير إلى أي مرحلة من مراحل النطفة في الرحم؟ بالنظر إلى الاحتمالات الثلاثة التي أُشير إليها، يمكن القول إن المراد بالمرحلة الأولى من الخلق هي إحدى صور إفراغ النطفة في الرحم، أو إخصاب الحيوان المنوي والبويضة فيه، أو تعشيش الخلية الملقحة في جدار الرحم. لتوضيح معنى استقرار النطفة في الروايات، يجب دراسة الروايات التي أُشير فيها إلى موضوع استقرار النطفة. قد لا ترد عبارة “استقرار النطفة” في بعض الروايات؛ ولكن بالتدقيق في الرواية، يتضح أن موضوع الرواية يتعلق بأي من الاحتمالات المطروحة.

۴-۱. الرواية الأولى: موثقة إسحاق بن عمار

الرواية الأولى هي موثقة إسحاق بن عمار التي أوردها الشيخ الحر العاملي تحت عنوان “باب أنه يحرم على المرأة شرب الدواء لطرح الحمل ولو نطفة”، وجاء فيها: «محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن محمد بن أبي حمزة وحسين الرواسي جميعاً عن إسحاق بن عمار قال: قلت: لأبي الحسن المرأة تخاف الحبل فتشرب الدواء فتلقي ما في بطنها؟ قال: لا. فقلت: إنما هو نطفة. فقال: إن أول ما يخلق نطفة» (الصدوق، ۱۳۷۸هـ، ج ٤، ص ۱۷۱)؛ يقول الراوي: سألت الإمام عن امرأة تخشى الحمل، فتشرب دواء لتسقط ما في بطنها، [فهل هذا جائز؟] فأجاب الإمام: لا [ليس جائزاً]. يقول الراوي: إن هذا [الحمل] لا يزال نطفة ولم ينمُ. فهل تحرم مع ذلك؟] فيجيب الإمام: إن أول ما يُخلق هو النطفة».

٤-١-١. وجه الاستدلال بالرواية

يعتقد بعض الفقهاء أن مفهوم الرواية يتعلق بامرأة تخشى من الحمل والحمل؛ لذلك، بعد الجماع، تتناول دواءً فيزول ما كان في رحمها (القائني، ١٤٢٧هـ، ج ١، ص ٢٤٥). يسأل الراوي: هل يجوز تناول مثل هذا الدواء؟ فيجيب الإمام: لا يجوز. يقول الراوي: إن ما زال ليس إلا نطفة؛ فكيف يكون إتلافه حراماً؟ فيجيب الإمام: مبدأ خلق الإنسان هو النطفة؛ أي حتى لو لم يتخذ الجنين شكلاً وهيئة بعد وكان في مرحلة النطفة، فإن إتلافه غير جائز. بالنظر إلى أن الرواية ظاهراً تتعلق بامرأة غير حامل؛ بل تخشى من الحمل، يجب القول وفقاً لهذه الرواية، أنه حتى قبل الحمل لا يجوز للمرأة أن تتناول دواءً يؤدي إلى إتلاف النطفة داخل الرحم. بناءً على ذلك، مفهوم الرواية هو أنه أينما صدق كونها نطفة في الرحم، فإن إتلافها حرام؛ بمعنى أن النطفة محترمة منذ بداية دخولها الرحم ولا يجوز إتلافها؛ ونتيجة لذلك، فإن معنى استقرار النطفة هو نفسه إفراغ النطفة في الرحم.

٤-١-٢. دراسة سند الرواية

الراوي الأول في السند هو الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران الأهوازي، وهو موثق في كتب الرجال وقد روى عن الإمام الجواد، والإمام الرضا، والإمام موسى الكاظم (عليهم السلام) (الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ١٥٠؛ الحلي، ١٤٠٢هـ، ص ٤٩)؛ لذا فهو معتمد. الراوي الآخر هو ابن أبي عمير محمد بن زياد بن عيسى المكنى بـ”أبي أحمد”، ويقول النجاشي عنه إنه كان جليل القدر وعظيم المنزلة بين الفريقين؛ ووثاقته بدرجة يعتمد الأصحاب على مراسيله أيضاً (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٣٢٦). ومن ناحية أخرى، هو من أصحاب الإجماع؛ لذا فهو محل اعتماد. الراوي الآخر هو محمد بن أبي حمزة ثابت بن أبي صفية الثمالي. يقول النجاشي إن له كتاباً (نفس المصدر، ص ٣٥٨)، وينقل الكشي أن جميع أبناء أبي حمزة كانوا ثقات وفضلاء (الكشي، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ٧٠٧)؛ لذا فإن هذا الراوي أيضاً محل اعتماد. بخصوص الحسين بن عثمان الرواسي، يقول الشيخ الطوسي في الفهرست إن له كتاباً (الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ١٤٧). وينقل الكشي في رجاله عن حمدويه أن حماداً وجعفراً وحسيناً، وهم من أبناء عثمان بن زياد الرواسي، كانوا جميعاً فضلاء وثقات (الكشي، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ٦٧٠)؛ لذا فإن الراوي محل اعتماد. ورد في كتب الرجال أن إسحاق بن عمار من كبار أصحاب الإمامية (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٧٢)؛ ولكن البعض يقول إنه كان فطحي المذهب؛ لكنه ثقة (الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ٣٩). وبناءً على ذلك، يعتقد بعض العلماء أنه إذا انفرد في نقل حديث، لا يمكن العمل بحديثه (الاسترآبادي، ١٤٢٢هـ، ج ٢، ص ٢٧)، أو من الأفضل عدم العمل به (الحلي، ١٤٠٢هـ، ص ٢٠٠)؛ ولكن ظاهراً هذا الراوي متردد بين شخصين؛ إسحاق بن عمار بن حيان الصيرفي وإسحاق بن عمار بن موسى الساباطي. ولكن بسبب عدم ذكر اسم الجد في السند، ومن ناحية أخرى، كونهما من نفس العصر، فإن تمييز أيهما المقصود أمر صعب. على أي حال، بالنظر إلى أن وثاقة كليهما محرزة، يمكن اعتبار هذا الراوي محل اعتماد. الحاصل أن سند الرواية المذكورة موثوق به والحديث موثق.

٤-١-٣. دراسة دلالة الرواية

بالتدقيق في الرواية، يتضح أن مثل هذا الفهم للرواية غير صحيح؛ بل إن الرواية تحرم إتلاف نطفة استقرت في الرحم كحمل، ويثار موضوع الحمل (المؤمن القمي، ١٤١٥هـ، ص ٧٢). في الواقع، تتعلق الرواية بامرأة حامل وتريد من خلال تناول دواء إتلاف الجنين داخل الرحم في مرحلة النطفة. لتوضيح هذا الادعاء، يجب دراسة الرواية بدقة.

أول جملة يجب الانتباه إليها في هذه الرواية هي جملة «تخاف الحبل». أولاً، يجب توضيح مفهوم هذه الجملة. هناك احتمالان في هذه الجملة: الاحتمال الأول أن المراد هو امرأة تخشى من الحمل، ومن ناحية أخرى، هناك احتمال حمل لديها؛ مثل امرأة قامت بالجماع مؤخراً وتحتمل أن ينتج عن ذلك طفل. في هذه الحالة، تتناول المرأة دواءً يبعد عنها احتمال الحمل. الاحتمال الآخر هو أن الرواية تتعلق بامرأة تعلم يقيناً أنها حامل؛ ولكنها تخشى من الطفل داخل رحمها لأي سبب كان؛ أي أنها تخشى من استمرار هذا الحمل.

بالنظر إلى الأدلة التي سيشار إليها لاحقاً في هذا البحث، يبدو أن المقصود بـ«الحبل» في الرواية هو الجنين داخل الرحم؛ وليس أن يكون له معنى مصدري ليعني “أن تحمل”. في الحقيقة، معنى هذه الفقرة من الرواية هو أن المرأة تخشى من الطفل داخل رحمها. وموضوع الرواية يتعلق بامرأة حامل يقيناً وتريد من خلال تناول دواء إتلاف الجنين؛ لذلك، فإن المراد بالنطفة التي أُشير إليها في الرواية هي نطفة استقرت في الرحم كحمل؛ أي أن المراد هو جنين عشّش في جدار الرحم. وهذا الفهم له أدلة سيشار إليها لاحقاً:

۱. الرجوع إلى لغة «الحَبَل» يظهر أن هذه الكلمة يمكن أن يكون لها معنى مصدري ومعنى اسمي؛ لذلك يجب القول إن هناك احتمالين في معنى الرواية: في اللغة ورد: حَبِلَ يَحبَلُ حَبَلاً، حَبِلَتِ المرأةُ: حَمَلَت فهي حابِلَة ج: حُبَّلَى، حَبِلَتْ ج: حَبالَى، حَبِلِيَّات وحَبْلانة… . حَبَّلَ وأَحْبَلَها: صَيَّرَها حُبْلَى، الحَبَلُ: الولدُ في بطنِ أُمِّهِ، إمتلاءُ الرحمِ (معلوف، ١٩٩٢م، ص ١١٥).

٢. في أغلب الاستعمالات المتعلقة بفعل “خاف يخاف”، يأتي أنه إذا أراد شخص التعبير عن خوفه من فعل، فإنه عادة ما يأتي بالفعل الذي يخشاه بصيغة “أن” المصدرية والفعل المضارع بعد مادة “خوف”؛ مثلاً، في القرآن الكريم ورد: «وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ» (يوسف: ١٣)؛ ولكن عندما يريد الشخص إظهار خوفه من شخص أو شيء خارجي، فإنه يستخدم ذلك الشخص أو الشيء بصيغة الاسم بعد مادة “يخاف”. في هذه الرواية، الاستعمال هو من النوع الثاني؛ أي أن مراد الراوي هو الخوف من الجنين داخل الرحم، وموضوع سؤال الراوي يتعلق بامرأة حامل بالتأكيد. وليس مراد الراوي أن المرأة قامت بهذا الفعل خوفاً من الحمل وليست متأكدة من حملها. ونتيجة لذلك، فإن معنى هذه الفقرة من الرواية هو أن المرأة تخشى من الطفل داخل رحمها.

لتوضيح الأمر، يمكن القول إن التدقيق في استعمال كلمة “خاف يخاف” في القرآن الكريم يظهر أن ذكر المفعول به بعد هذه الكلمة يتبع قانوناً غالباً؛ أي أنه إذا كان المفعول به اسماً، فإنه يأتي بعد هذا الفعل بصيغة المفرد المعرف بـ”ال” أو المعرف بالإضافة أو بصيغة الاسم النكرة؛ مثل آية ١٠٣ من سورة هود التي تقول: «إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ» أو آية ٤٠ من سورة النازعات التي تقول: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ» أو في آية ١١٢ من سورة طه التي تقول: «وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا». ولكن إذا أراد المتكلم أن يقول إني أخاف من هذا الفعل، فإن الاستعمال يكون بشكل مختلف؛ على سبيل المثال، في هذه الرواية، لو أراد المتكلم أن يقول إني أخاف من الحمل، وهو فعل، فبالنظر إلى مواضع استعمال كلمة “خاف يخاف”، يكون المفعول به عادة بصيغة “أن” المصدرية والفعل المضارع. لذلك، في حالة الرواية، لو أراد السائل أن يقول إن تلك المرأة تخشى من الحمل، لكان عليه أن يقول: «المرأة تخاف أن تحمل» أو «من أن تحمل».

٣. في الرواية، وردت عبارة «فتلقي ما في بطنها». «تلقي» من باب الإفعال بمعنى الطرح. هذه الكلمة قرينة على أن وجود الحمل في الرحم كان يقينياً قبل الطرح والإسقاط؛ وإلا لو لم يكن هناك حمل في الرحم بشكل يقيني، لكان استعمال مادة «إلقاء» بلا معنى. تقول الرواية إنه بسبب شرب الدواء، أُسقط ما كان في الرحم. وهذا التعبير يدل على أنه كان يوجد حمل في الرحم قبل الشرب.

٤. إذا قال أحدهم إن كلمة «إلقاء» تتناسب مع احتمال الحمل، بمعنى أنه عندما تتناول المرأة الدواء بعد الجماع ويمنع حدوث الحمل، فإن هذا الفعل يمكن أن يكون مصداقاً عرفياً للإلقاء؛ أي أن مجرد تسبب المرأة في زوال ما كان في الرحم بتناول الدواء، يكون قد تحقق مصداق الإلقاء.

في الإجابة، يجب القول إن العرف لا يجد مصداقاً للإلقاء في هذه المسألة. لنفترض أن مني الرجل دخل الرحم، وقامت المرأة بعمل ما يؤدي إلى خروج المني من رحمها دون أن تضرب نفسها أو تأكل شيئاً، فالسؤال هو: هل يقول العرف هنا إن هذه المرأة ألقت ما كان في بطنها؟ يبدو أن الجواب بالنفي.4 الإلقاء فرع على الاستقرار، وطالما لم تكن النطفة كحمل في الرحم، فإن التعبير بالإلقاء لا معنى له.

٥. عندما لا يحدث دخول وإنزال للمني داخل الرحم؛ ولكن بطريقة يكون فيها احتمال امتصاص الحيوانات المنوية من قبل الرحم، أو أن الدخول يتم مع العزل، ففي هذه الحالة، إذا ثبت حكم حرمة الإسقاط في فرض احتمال الحمل، يجب الامتناع عن تناول الأدوية المسببة للإسقاط في هذه الحالات؛ لأن في هذه الفروض أيضاً يوجد احتمال للحمل؛ بينما القائلون بحرمة الإسقاط المطلق لن يقبلوا بمثل هذا الحكم؛ إلا إذا قيل إن حرمة الإسقاط توجد في فرض وجود نسبة عالية من احتمال الحمل؛ ولكن من الواضح أن مثل هذا الادعاء لا دليل عليه.

٦. إذا اعتبر فقيه هذه الرواية ناظرة إلى التفصيل، بحيث يكون إتلاف النطفة (الحيوان المنوي) قبل الإخصاب جائزاً؛ ولكنه غير جائز بعد الإخصاب (القائني، ١٤٢٧هـ، ج ١، ص ٢٤٥)، يجب القول إن مثل هذا التفصيل يفتقر إلى دليل؛ لأن موضوع الحرمة (احتمال الحمل) كما هو موجود بعد الإخصاب، يمكن تصوره قبله أيضاً؛ لذلك، لا يمكن القول إن النطفة بعد الإخصاب تكون في مرتبة لها قابلية التحول إلى إنسان؛ ولكنها لا تملك هذه القابلية قبل ذلك؛ لأن هذه المرتبة موجودة أيضاً في المرحلة التي تسبق الإخصاب بشدة أقل. في الواقع، في جميع هذه المراحل، يمكن للنطفة بالقوة أن تتحول إلى إنسان؛ ولكن عندما تعشش في جدار الرحم، فإن النطفة بالفعل لديها قابلية التحول إلى إنسان؛ لذلك، يجب التفصيل بين مراحل القوة ومرحلة الفعل. بعبارة أخرى، مبدأ نشأة الإنسان هو النطفة التي تستقر في جدار الرحم. في هذه المرحلة، لا يمكن القول إن النطفة في مرتبة لها قابلية التحول إلى إنسان؛ بل يجب القول إن النطفة قد قطعت جميع مراتب القوة وهي الآن في مرحلة الفعل من خلق الإنسان. كما أنه بالنظر إلى أن تشخيص وقت إخصاب الحيوان المنوي والبويضة لم يكن ممكناً للمخاطب في زمن صدور الروايات؛ بل إن مقولة “الإخصاب” بشكل عام كانت غير معروفة للسامع، لا يمكن ربط موضوع الرواية بما قبل أو بعد الإخصاب.

بالنظر إلى الشواهد والقرائن الموجودة، يجب القول إن الرواية تتعلق بامرأة حامل؛ ونتيجة لذلك، لا تدل الرواية على حرمة إتلاف النطفة التي صُبت في الرحم أو النطفة التي تم إخصابها.

۴-۲. الرواية الثانية: موثقة ابن فضال

في رواية موثقة لابن فضال عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، نُقل أنه اعتبر إتلاف مني رجل بواسطة آخر موجباً للدية: «محمد بن يعقوب بأسانيده إلى كتاب ظريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: جعل دية الجنين مائة دينار وجعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً خمسة أجزاء… وأفتى (عليه السلام) في مني الرجل يفرغ (يفزع خ.ل) عن عرسه فيعزل عنها الماء ولم يرد ذلك نصف خمس المائة عشرة دنانير وإذا أفرغ فيها عشرين ديناراً الحديث» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٧، ص ٣٤٣). في هذه الرواية، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) إنه إذا تسبب رجل في إتلاف مني آخر عن طريق إخافته، فيجب عليه أن يدفع نصف خمس الدية (عشرة دنانير). نستفيد من هذه الرواية لتعزيز الاحتمال الأول في معاني استقرار النطفة.

٤-٢-١. وجه الاستدلال بالرواية

الشاهد في ذيل الرواية هو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) يحكم بالدية في حالة مني الرجل. وهذا الحكم يظهر أن إتلاف النطفة حتى في المرحلة التي تسبق التعشيش والإخصاب غير جائز، ويجب على المتلف أن يدفع الدية. لذلك، حتى لو كانت النطفة في مرحلة إفراغ المني في الرحم، فإنها محرمة وإتلافها غير جائز. ونتيجة لذلك، استقرار النطفة في الروايات يعني إفراغ المني في الرحم؛ أي منذ لحظة استقرار النطفة في الرحم، يتحقق الاستقرار، وإتلافها حرام شرعاً.

٤-٢-٢. دراسة سند الرواية

يذكر الكليني هذه الرواية بسندين. في السند الأول يقول: «علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال ومحمد بن عيسى عن يونس جميعاً قالا عرضنا كتاب الفرائض عن أمير المؤمنين (عليه السلام) على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال هو صحيح». في هذه الرواية، يقول ابن فضال ويونس بن عبد الرحمن إنهما عرضا كتاب الفرائض على الإمام الرضا (عليه السلام)، فقال الإمام إن هذا الكتاب صحيح. إذا كانت هذه الأسانيد معتبرة، يتضح أن هذا الكتاب قد حظي بتأييد الإمام الرضا (عليه السلام). في السند الثاني يقول: «عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن الحسن بن ظريف عن أبيه ظريف بن ناصح قال حدثني رجل يقال له عبد الله بن أيوب قال حدثني أبو عمرو المتطبب قال عرضته على أبي عبد الله (عليه السلام) قال أفتى أمير المؤمنين (عليه السلام) فكتب الناس فتياه وكتب به أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى أمرائه ورؤوس أجناده…». في هذا السند، الحديث عن عرض الكتاب على الإمام الصادق (عليه السلام). إذا كان هذا السند معتبراً، يمكن الاعتماد على هذا الكتاب. في السند الأول، الراوي الأول هو علي بن إبراهيم بن هاشم، صاحب تفسير القمي. يعتبره علماء الرجال ثقة وموضع اطمئنان في نقل الحديث وإمامياً (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٢٦٠؛ الحلي، ١٤٠٢هـ، ص ١٠٠؛ البرقي، د.ت، ص ٢٣٧). الراوي الثاني هو أبو إسحاق إبراهيم بن هاشم، من كبار الإمامية. يعتبره الكشي من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام) وتلميذ يونس بن عبد الرحمن؛ ولكن النجاشي متردد في هذا الأمر (النجاشي، ١٣٦٥، ص ١٦). يقول البعض أيضاً إنه على الرغم من عدم وجود تصريح بقدح أو تعديل فيه، فإن الأرجح هو قبول قوله (الحلي، ١٤٠٢هـ، ص ٤). يبدو أنه على الرغم من عدم وجود صراحة في توثيقه، إلا أنه ثقة وموضع اطمئنان؛ لأن نشر الأحاديث بين القميين بواسطته يدل على أنهم قبلوا حديثه؛ بينما كان القميون متشددين جداً في شأن الرواة وكانوا يطردون الكثيرين بسبب الرواية عن المجاهيل أو الاعتماد على المراسيل (بحر العلوم، د.ت، ج ١، ص ٤٦٤)؛ لذا فإن هذا الراوي معتمد. الراوي الآخر هو الحسن بن علي بن فضال. يقول الشيخ الطوسي إنه يروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) وكان رجلاً جليل القدر ورفيع المنزلة وثقة في نقل الحديث (الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ١٢٣؛ همو، ١٣٧٣، ص ٣٥٤). يقول الكشي إنه كان فطحي المذهب؛ ولكنه شهد بإمامة الإمام الرضا (عليه السلام) عند وفاته (الكشي، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ٨٣٦). كما أنه بنقله رواية تاريخية عن الفضل بن شاذان حول درجة زهد وتقوى ابن فضال، يعتبره من الرواة المعتمدين (نفس المصدر، ص ٨٠١ و ٨٠٢). لذلك، يمكن الاعتماد على حديثه. ونتيجة لذلك، الطريق الأول في السند محل اعتماد. الراوي الآخر، الذي ورد في الطريق الثاني في السند الأول، هو أبو جعفر محمد بن عيسى بن عبيد بن يقطين بن موسى. اختلف العلماء فيه. البعض يعتبره ثقة ويذكرونه بعبارات مثل «جليل من أصحابنا» و«ثقة» و«عين» (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٣٣٣-٣٣٤). وهو من أصحاب الإمام الرضا، والإمام الجواد، والإمام الهادي، والإمام العسكري. البعض الآخر يضعفه (الطوسي، ١٣٧٣، ص ٣٩١؛ همو، ١٤٢٠هـ، ص ٤٠٢). هذا التضعيف ناتج عن كلام ابن الوليد عنه، حيث يقول إنه لا يمكنه الرواية عن يونس؛ لذلك بعض العلماء لا يقبلون رواياته (إيزدي فرد وآخرون، ١٣٩٥، ص ١٥)؛ ولكن الظاهر أن المراد هو أنه فقط في حالة انفراد محمد بن عيسى في النقل عن يونس، لا يُلتفت إلى روايته (نفس المصدر، ص ١٧)؛ لذلك ليس مقصودهم تضعيفه بشكل مطلق. في حالة الرواية قيد البحث، يجب القول إنه بالنظر إلى أن محمد بن عيسى ليس منفرداً في نقلها؛ لذا فإن التضعيف المذكور لا وجود له في حقه؛ وبالتالي فإن هذا الراوي معتمد. الراوي الآخر في الطريق الثاني من السند الأول هو يونس بن عبد الرحمن، من أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام). يعتبره شيخ الطائفة والمحقق الخوئي من أصحاب الإجماع (الطوسي، ١٣٦٣، المشيخة، ص ٣٣٦)؛ لذا فهو معتمد. ونتيجة لذلك، السند الأول بكلا طريقيه مقبول، ويمكن القول إن أصل الكتاب قد حظي بتأييد الإمام الرضا (عليه السلام). الراوي الآخر الذي ينقله الكليني في السند الثاني هو شخص يدعى سهل بن زياد أبو سعيد الآدمي الرازي، الذي ضعفه النجاشي (النجاشي، ١٣٦٥، ص ١٨٥)؛ ولكن الشيخ الطوسي يقول إنه ثقة (الطوسي، ١٣٧٣، ص ٣٨٧). ظاهراً تضعيفه بسبب الغلو؛ ولكن لا يمكن قبول نسبة الغلو إليه؛ لأنه من الممكن أن يكون منشأ الغلو روايات نقلها عن مقام الأئمة (عليهم السلام)؛ لذلك يمكن الاعتماد على رواياته. الراوي التالي هو الحسن بن ظريف، الذي يعرفه النجاشي بأنه ثقة (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٦١). ظريف بن ناصح هو راوٍ آخر يصفه بعض الرجاليين بأنه ثقة وصادق (نفس المصدر، ص ٢٠٩؛ الحلي، ١٤٠٢هـ، ص ٩١)؛ لذا يمكن الاعتماد على هذا الراوي أيضاً. الراوي الآخر الذي ورد في السند الثاني، متردد بين شخصين؛ إما عبد الله بن أيوب القمي وهو مجهول (ابن الغضائري، ١٤٢٢هـ، ج ١، ص ٧٩)، أو عبد الله بن راشد الزهري الذي يوثقه النجاشي (النجاشي، ١٣٦٥، ص ٢٢١)؛ على الرغم من أنه قيل إن هناك تخليطاً في رواياته. لذلك، لا يمكن الاعتماد على هذا الراوي. الراوي الأخير في السند الثاني هو عبد الله بن سعيد بن حيان بن أبجر، وهو ثقة وإمامي (نفس المصدر، ص ٢١٧). لذا فهو مقبول. بالنظر إلى أن عبد الله بن أيوب في السند الثاني مجهول، لا يمكن الاعتماد على هذا السند؛ ولكن هذه الرواية من حيث السند الأول معتمدة.

٤-٢-٣. دراسة دلالة الرواية

أولاً، بالنظر إلى اختلاف النسخ، يجب أن نرى أي من النسخ يمكن أن تكون صحيحة. في اللغة، «يُفرِغ» من باب الإفعال بمعنى الصب؛ أي السكب وهو واضح. من ناحية أخرى، كلمة «يَفزَع» تأتي بمعنى الخوف. (فَزَعَ) فلان يَفزَعُ فَزْعاً: تَقَبَّضَ ونفر من شيء مخيف فهو فازع (ج) فَزَعَة والقوم أغاثهم ونصرهم. (فَزِعَ) يَفزَعُ فَزْعاً: خاف وذُعِرَ فهو فزع وإليه: لجأ واستغاث ومن نومه انتبه والقوم: أغاثهم ونصرهم (إبراهيم مصطفى وآخرون، ١٤١٠هـ، ص ٦٨٧). بالنظر إلى هذه اللغات، هناك عدة احتمالات في الحديث: الصورة الأولى أن تُقرأ «يَفزَعُ عن عرسه» بصيغة المعلوم؛ بمعنى أن الرجل خاف من زوجته أثناء الجماع ونتيجة لذلك عزل منيه؛ بينما لم تكن لديه نية العزل. في هذه الحالة، حكم الإمام بأنه بما أن سبب خوف الرجل هو المرأة، فيجب على المرأة أن تدفع عشرة دنانير كدية للرجل. الصورة الثانية أن تُقرأ «يُفزَعُ عن عرسه» بصيغة المجهول؛ بمعنى أن الرجل أُخيف من زوجته أثناء الجماع ونتيجة لذلك، على الرغم من عدم نيته العزل، عزل منيه. في هذا الموضوع، يحكم الإمام بأن الشخص المُفزِع (المُخيف) يجب أن يدفع عشرة دنانير كدية لإتلاف النطفة. الصورة الثالثة أن تُقرأ «يُفرِغُ عن عرسه» بصيغة المعلوم من باب الإفعال. وقد فسرها بعض الفقهاء بمعنى العزل؛ أي أن الرجل يعزل منيه عن زوجته. صاحب كتاب “ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار” فسر الرواية على هذا الأساس (الأصفهاني، ١٤٠٦هـ، ج ١٦، ص ٦١٠؛ ١٤٠٤هـ، ج ٢٤، ص ١٥٣). ولكن يبدو أن هذه النسخة من الحديث غير صحيحة؛ لأن في تتمة الرواية يقول: «فيعزل عنها الماء»، وهذا يسبب تكراراً قبيحاً. يبدو أن جملة «يفزع عن عرسه» في الرواية تريد بيان سبب العزل وهو الخوف. ونتيجة لذلك، بالنظر إلى بطلان الصورة الثالثة، وبناءً على الصورة الأولى، يخاف الرجل من زوجته والمُفزِّعة هي المرأة؛ ونتيجة لذلك، يجب على المرأة أن تدفع الدية للرجل. في هذه الحالة، موضوع الرواية يتعلق بالزوجة ومنطوق الحديث لا يشمل الأجنبي؛ إلا إذا شمل الأجنبي أيضاً من باب تنقيح المناط أو قياس الأولوية. بناءً على الصورة الثانية، يخاف الرجل من زوجته؛ ولكن على الرغم من أن الزوجة هي المباشرة في إخافة الرجل؛ فإن المُفزِّع يمكن أن يكون الزوجة ويمكن أن يكون أجنبياً؛ لذا فإن الرواية لها عمومية. وفقاً لهذا الاحتمال، أي من الزوجة أو الأجنبي الذي يكون العامل الرئيسي في الإخافة، يجب عليه دفع الدية. يعتقد بعض الفقهاء أن الرواية لا يمكن أن تتعلق بالزوجة؛ بل موضوع الرواية هو فقط حيث يكون الأجنبي هو عامل الخوف؛ لأنه لا شك في وجود فرق بين جناية الوالد وغيره ولا يمكن وضع جناية الزوجة والأجنبي في مستوى واحد (النراقي، ١٤١٥هـ، ج ١٦، ص ٧٤). بالتدقيق في الرواية، يتضح أنها لا علاقة لها بمحل البحث؛ لأنه ورد في الرواية أن الرجل لم يكن راضياً بالعزل (لم يرد ذلك)؛ أي أن حرمة إتلاف النطفة وإضاعتها منوطة بعدم رضا الزوج؛ ولكن محل البحث هو في حالة يكون فيها إتلاف أي نطفة مصداقاً للإسقاط المحرم شرعاً بغض النظر عن رضا أو عدم رضا الأفراد. الرواية صامتة بشأن إسقاط النطفة دون النظر إلى رضا الزوج وليس لها دلالة من هذه الجهة؛ لذلك لا يمكن اعتبار الرواية دليلاً على الاحتمال الأول في البحث. فيما يتعلق بصدر الرواية، حيث تم تحديد دية لإتلاف مني الرجل، يجب القول إن المراد هو النطفة التي هي مبدأ نشأة الإنسان؛ لأنه ورد في الرواية: «جعل مني الرجل إلى أن يكون جنيناً». هذه الفقرة تظهر أن المراد بهذا المني هو النطفة المستقرة في الرحم؛ لأن النطفة التي عششت في جدار الرحم هي مبدأ نشأة الإنسان؛ ولكن النطفة قبل هذه المرحلة لا تملك هذه الخصوصية؛ لأنه في جميع المراحل السابقة، يجب أن تتحرك النطفة إلى الأمام لتتمكن من التحول إلى إنسان، وإذا تُرِكت لحالها، فإنها تزول؛ بينما الجنين عندما يستقر في جدار الرحم، لا يحتاج إلى حركة أخرى للنمو، وإذا تُرِك لحاله، فإنه يتحول إلى إنسان؛ على عكس المراحل السابقة. في المراحل السابقة، على الرغم من حدوث الإخصاب بين الحيوان المنوي والبويضة؛ إلا أن الخلية الملقحة يجب أن تصل إلى جدار الرحم لتصبح إنساناً.

۴-۳. الرواية الثالثة

هناك رواية أوردها الكليني في كتاب الكافي الشريف تحت عنوان «باب المرأة يرتفع طمثها من علة فتسقى الدواء ليعود طمثها»: «ابن محبوب عن رفاعة قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أشتري الجارية فربما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح في الرحم فتسقى الدواء لذلك فتطمث من يومها أفيجوز لي ذلك وأنا لا أدري ذلك من حبل هو أو من غيره فقال لي لا تفعل ذلك فقلت له إنه إنما ارتفع طمثها منها شهراً ولو كان ذلك من حبل إنما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل فقال لي إن النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة ثم إلى مضغة ثم إلى ما شاء الله وإن النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يخلق منها شيء فلا تسقها دواء إذا ارتفع طمثها شهراً وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه» (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٣، ص ١٠٨). يقول الراوي: عرضت على الإمام الصادق (عليه السلام) أني اشتريت جارية لا ترى الدم بسبب فساد دم أو ريح في الرحم. ثم تشرب دواءً فترى الدم في نفس اليوم. فهل يجوز لي فعل ذلك؛ بينما لا أدري هل عدم رؤيتها للدم بسبب الحمل أم لسبب آخر؟ فقال الإمام: لا تفعل هذا. قال الراوي: إن دمها انقطع منذ شهر واحد فقط. وإذا كان عدم رؤية الدم بسبب الحمل، فإن الحمل في صورة نطفة في الرحم، وهو ظاهراً [لا حرمة في إتلافه]؛ مثل نطفة الرجل الذي يعزلها. فقال الإمام: النطفة عندما تستقر في الرحم، تتحول إلى علقة ثم إلى مضغة ثم إلى ما يشاء الله؛ ولكن عندما تقع النطفة خارج الرحم (العزل)، لا يُخلق منها شيء. لذلك، عندما ينقطع حيضها، لا يجب أن تسقيها دواء؛ ولكن إذا رأت الدم بدون تناول دواء، فلا إشكال في تناول الدواء.

٤-٣-١. وجه الاستدلال بالرواية

في هذه الرواية، يمكن أن يكون عدم رؤية الدم ناتجاً عن حمل أو فساد دم أو نفخ رحمي. في هذه الحالة، يمنع الإمام، بالنظر إلى وجود احتمال الحمل، من تناول الدواء الذي يسبب نزول الدم وقد يتلف الجنين. لذلك، يجب القول إنه حتى لو كانت النطفة قد صُبت فقط في الرحم، فإن إتلافها غير جائز؛ لأن احتمال الحمل موجود. ونتيجة لذلك، فإن مجرد إفراغ المني في الرحم يسبب استقرار النطفة وإتلافها حرام.

٤-٣-٢. دراسة سند الرواية

أورد صاحب الكافي السند هكذا: «عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن رفاعة بن موسى النخاس قال قلت لأبي عبد الله…» (الكليني، ١٤٠٧، ج ٣، ص ١٠٨). الراوي الأول في السند هو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، الذي يقول علماء الرجال في وصفه إنه ثقة، فقيه، ووجه معروف في مدينة قم، وله مؤلفات عديدة (الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ٦٠؛ همو، ١٣٧٣، ص ٣٥١؛ الحلي، ١٣٨١، ص ٧٩)؛ لذا فهو مقبول. الراوي الآخر هو الحسن بن محبوب السراد، الذي قيل في وصفه: ثقة وجليل القدر، ومن الممكن أن يكون من أصحاب الإجماع (الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ١٢٢؛ الحلي، ١٣٨١، ص ١٥١؛ الكشي، ١٤٠٤هـ، ج ٢، ص ٨٥١). الراوي الآخر هو رفاعة بن موسى النخاس، وهو ثقة وموضع اعتماد (النجاشي، ١٣٦٥، ص ١٦٦؛ الطوسي، ١٤٢٠هـ، ص ١٩٦). الحاصل أن الرواية صحيحة ومقبولة.

٤-٣-٣. دراسة دلالة الرواية

بقليل من الدقة، يتضح أن هذه الرواية تتعلق بنطفة استقرت في الرحم؛ وليس بنطفة أُفرغت في الرحم أو نطفة وصلت فقط إلى مرحلة الخلية الملقحة. يقول الراوي: «الجارية لم تر الدم منذ شهر»؛ أي أن فرض الرواية هو أن الجارية فقدت عادتها الشهرية؛ ولكن في انقطاع الدم، يمكن تصور ثلاثة احتمالات: إما حدوث فساد في الدم، أو بسبب نفخ رحمي، أو أن النطفة تحولت إلى جنين في الرحم؛ لذلك، يجب القول إن أحد أطراف الاحتمال في الرواية هو نطفة تحولت إلى جنين وتسببت في انقطاع الدم. ولكن احتمال الحمل كأحد أطراف الاحتمال في الرواية لا يُطرح. ونتيجة لذلك، إذا كان حبس الدم في فرض الرواية بسبب الحمل، فإن هذا الاحتمال ناتج عن نطفة استقرت في الرحم. لذلك، تُقيّم الاحتمالات الأخرى (إفراغ النطفة في الرحم وتكوين خلية ملقحة بدون تعشيش) خارج فرض الرواية. هناك نقطة أخرى في الرواية، وهي أن الحوار بين الإمام والراوي يظهر وجود أمارة عرفية على الحمل في ارتكاز الراوي، وهي أن العرف يعتبر عدم رؤية المرأة للدم من علامات الحمل، ولا يزال يعتبر كذلك الآن. في الواقع، الارتكاز الموجود في ذهن السامع يؤيد وجود أمارة عرفية على الحمل في زمن صدور الرواية. قد يُقال إن مراد الإمام في هذه الرواية هو أنه بمجرد استقرار النطفة في الرحم، تثبت الحرمة ويحرم إتلافها؛ لأن الإمام يقول: «إن النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى العلقة ثم إلى المضغة…»؛ أي أن النطفة بمجرد وقوعها في الرحم، يحرم إتلافها. في الإجابة، يجب القول إن المراد بـ«وقعت» في الرواية هو «استقرت»؛ وذلك لأن النطفة المقصودة في الرواية هي التي تتحول إلى علقة ثم مضغة. لذلك، ليس المقصود هو مطلق النطفة التي تستقر في الرحم؛ بل المقصود هو النطفة التي تتحول إلى علقة؛ أي نفس النطفة التي تستقر في جدار الرحم وتتحول إلى علقة.

النتيجة

بناءً على ما تقدم في هذا البحث، اتضح أنه من وجهة نظر الطب، النطفة التي عششت في جدار الرحم يمكن أن تكون منشأ لوجود إنسان؛ ولكن في المراحل السابقة، على الرغم من حدوث أفعال وتفاعلات؛ إلا أنه لا يمكن القول إن النطفة تقتضي وجود إنسان ومستقرة في الرحم؛ بل إن النطفة منذ لحظة دخولها الرحم حتى وصولها إلى مرحلة التعشيش، تكون في حالة ضياع؛ لأنها في كل لحظة يمكن أن تزول بشكل طبيعي ولا تتمكن من مواصلة نموها. ولكن عندما تستقر في جدار الرحم، يمكنها بشكل طبيعي أن تواصل حركتها. بعبارة أخرى، يمكن القول إن النطفة قبل مرحلة التعشيش تكون في مرحلة المقتضي (الشروط) وتواجه مشكلة؛ ولكن بعد هذه المرحلة، ما يمكن أن يوقف نموها هو إيجاد مانع؛ ولكن من حيث المقتضي لا توجد مشكلة. في تتمة البحث، بدراسة الروايات المتعلقة بالجنين، اتضح أن هذه الروايات تتعلق بنطفة عششت في الرحم. وهذا الأمر المهم تم التوصل إليه بالنظر إلى القرائن الموجودة في الروايات التي أُشير إليها في المتن. لذلك، بالنظر إلى أن الروايات موضع البحث جميعها تعزز الاحتمال الثالث في المسألة، ومن ناحية أخرى، فإن القرينة العرفية والقرائن الأخرى تؤيد هذا الاحتمال أيضاً، يمكن استنتاج أن المراد باستقرار النطفة في الرحم هو تعشيش الجنين في جدار الرحم. في الواقع، يُتصور حرمة الإسقاط عندما يكون الجنين بعد الإخصاب قد استقر في مرحلة التعشيش. ونتيجة لذلك، فإن إتلاف النطفة عند دخولها الرحم أو بعد إتمام الإخصاب، لا حرمة فيه ظاهراً؛ لأن الروايات التي وردت في شأن إسقاط الجنين جميعها ناظرة إلى مرحلة التعشيش. وفقاً لهذا البيان، فإن تناول الأدوية التي تسبب زوال جنين استقر في مرحلة التعشيش، يحرم؛ ولكن إذا تسبب تناول الدواء في زوال الجنين قبل مرحلة التعشيش، فلا يمكن إقامة دليل على حرمته. بالنظر إلى الأدلة المذكورة، يمكن القول إن حرمة الإسقاط متصورة في مرحلة تعشيش الجنين؛ ولكن لا حرمة في المراحل السابقة.

الهوامش

1. باحث في الفقه الطبي، مركز فقهي أئمة الأطهار (عليهم السلام). sadeq.razavi8@gmail.com

2. مدير قسم الفقه الطبي، مركز فقهي أئمة الأطهار (عليهم السلام). Ghasemimohammad110@gmail.com

3. المراد بالنزيف في مرحلة التعشيش هو التبقيع، وهو ما يوجد فيه تسامح في التعبير. من وجهة نظر طبية، قد تعاني بعض النساء من تبقيع طفيف أثناء التعشيش، والذي يمكن التعبير عنه تسامحاً بالنزيف. لذلك، عرفاً، ينقطع النزيف مع استقرار النطفة.

4. كما أن بعض العلماء في هذا المجال قد شككوا في صدق الإسقاط على مثل هذه الحالات (راجع: القائني، ١٤٢٧هـ، ج ١، ص ٢٤٤).

Scroll to Top