دراسة تحليلية للأدلة العقلية والنقلية لوهن الدين

الملخص

وهن الدين يعني إظهار الدين بمظهر الضعف والوهن، وهو من العناوين المتعارفة التي تنطبق على بعض الموضوعات وتكون سبباً للحكم بالحرمة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الأهمية البالغة لهذا الموضوع، لم يتم بحث حكمه وأدلته في الكتب الفقهية. من هنا، يتناول هذا البحث بأسلوب تحليلي اجتهادي، وسعياً لسد هذا النقص، دراسة تفصيلية لحكم وهن الدين ويقوم بتحليل أدلته ومناقشتها. في إثبات حرمة هذا العنوان، تم الاستدلال بالقرآن والروايات والعقل وارتكاز المتشرعة، وفي المقابل، تم التمسك ببضع روايات لنفي حرمته. بعد دراسة الأدلة المذكورة، تبين أن دلالة الآية والروايات والدليل العقلي غير تامة، وأن ارتكاز المتشرعة يمكن إحرازه في موردين فقط: الأول، عدم جواز فعلٍ خالٍ من حكم شرعي، والثاني، تشديد حرمة الفعل الحرام. ونتيجة لذلك، يبقى الحكم الأولي للأفعال محل البحث -في غير الموردين المذكورين- على قوته.

المقدمة

يُعَدّ وهن الدين من الموضوعات التي تُدرج ضمن العناوين الثانوية التحريمية. من جهة، عند مراجعة الكتب الفقهية، نجد أن هذا العنوان لم يتم تحليله وبحثه، وإنما طُبّق في بعض الفتاوى على أمور كإجراء الحدود علناً، ومخالفة قوانين الدول غير الإسلامية، وبعض أشكال العزاء، مع افتراض حرمته. على الرغم من أهمية هذا الموضوع، نادراً ما تناولت الأبحاث والمقالات الموجودة أدلة هذا العنوان بشكل تفصيلي، ومن بينها يمكن ذكر مقال “رؤية أخرى لوهن الدين والمذهب” بقلم بلال شاكري. تسعى هذه المقالة، سعياً لسد هذا النقص، إلى تبيين وتفصيل أدلة وهن الدين، وبحث وجوه الحرمة والجواز فيه تفصيلياً وبصورة كبروية، دون التطبيق على مصاديق خارجية. في البداية، يتم تناول دراسة مفهوم وهن الدين من خلال بيان المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، والعناوين المشابهة، ثم يتم نقد ودراسة كل من أدلة الحرمة وعدم الحرمة.

1. دراسة مفهوم وهن الدين

إن الدور المحوري للموضوع في التحقيق والبحث يوجب أن يكون لتعريفه وتبيينه الدقيق أهمية بالغة. يتولى هذا القسم هذه المهمة عبر ثلاث مراحل: المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي، والعناوين المشابهة.

1-1. المعنى اللغوي لوهن الدين

يقول الجوهري في الصحاح: الوهن يعني الضعف (الجوهري، د.ت، ج6، ص 2215). وقد عرّف الفراهيدي في كتاب العين وابن منظور في لسان العرب الوهن بأنه ضعف في العمل، أو الشيء، أو العظم، وما شابه ذلك (الفراهيدي، د.ت، ج4، ص 92؛ ابن منظور، د.ت، ج13، ص 453). أما الراغب الأصفهاني في المفردات، فيرى أن المعنى هو ضعف من جهة الخِلقة أو الأخلاق والسلوك (الراغب الأصفهاني، د.ت، ج1، ص 887). وقد استخدم اللغويون الآخرون تعابير مشابهة (راجع: الفيومي، د.ت، ج2، ص 674؛ الفيروزآبادي، د.ت، ج4، ص 285).

على الرغم من تباين قيود التعاريف المذكورة، فإن المقصود واحد، وذِكر العمل وغيره في متعلق الضعف هو لبيان الموارد والمصاديق. إذن، الوهن في اللغة يعني الضعف والوهن.[1] والنتيجة هي أن المعنى اللغوي لوهن الدين هو “ضعف الدين”.

1-2. المعنى الاصطلاحي لوهن الدين

لم يُبيَّن في الآيات والروايات معنى جديد لوهن الدين، ولهذا يجب القول بأنه وفقاً للقاعدة، فإن لوهن الدين في الأدلة الشرعية معنى لا يختلف عن معناه اللغوي، أي ضعف الدين. على الرغم من أن مقتضى بعض الآيات والروايات (راجع: آل عمران: 146؛ الكليني، 1407هـ، ج5، ص 517 وج8، ص 17؛ الشريف الرضي، 1385، ص 136، خ 104) التي ذكرت لفظي “الوهن” و”الضعف” معاً، هو وجود تفاوت ونفي العينية بين معنى هاتين الكلمتين (كما ورد في كتاب الفروق في اللغة، ج1، ص 108، وجهٌ في تفاوت هاتين الكلمتين)؛ لكن وجود تفاوت جزئي بين هاتين الكلمتين لا يضر بأصل المعنى. ومع ذلك، فقد تحول هذا العنوان اليوم إلى مصطلح جديد يُستخدم بمعنى أخص من معناه اللغوي. وتوضيح ذلك هو أنه في المعنى اللغوي لوهن الدين (ضعف الدين)، يُتصوّر احتمالان: 1. ضعف الدين بصرف النظر عن رؤية الآخرين؛ 2. ضعف الدين عند الآخرين، وبتعبير آخر، ظهور الدين بمظهر الضعف في نظر المراقب الخارجي.

في المعنى الأول، كل ما يُعدّ إضعافاً للدين يكون موضع اهتمام؛ على سبيل المثال، إضعاف جيش الإسلام ببيع السلاح للعدو في حالة الحرب أو الفرار من المعركة يُعدّ من هذا القبيل. في المقابل، يقع المعنى الثاني الذي يُركّز فيه على ظهور الدين بمظهر الضعف والوهن في نظر الآخرين. على الرغم من أن المعنى اللغوي للوهن يظهر في المعنى الأول، فإن المعنى الثاني هو المعنى الاصطلاحي المستحدث والمتعارف عليه في وهن الدين. إذن، المعنى الاصطلاحي والمتعارف عليه المقصود في وهن الدين هو “ظهور الدين بمظهر الضعف والدناءة لدى الناظر الخارجي”. ومن الجدير بالذكر أن المراد بالناظر الخارجي أعم من المتشرعة وغير المتشرعة؛ وإن كان الغالب هو غير المتشرعة.

1-3. العناوين المشابهة لوهن الدين

إن معرفة العناوين التي تشبه عنوان وهن الدين إلى حد ما له أهمية كبيرة؛ لأن عدم الانتباه إلى الفروق بين العناوين والموضوعات يؤدي إلى الخلط بينها، وينتهي في نهاية المطاف إلى نتيجة خاطئة. بعض العناوين المشابهة هي: 1. هتك الدين؛ 2. الاستهزاء بالدين؛ 3. الاستخفاف بالدين؛ 4. الإهانة للدين؛ 5. الوهن والضعف في التديّن. العناوين المذكورة مشابهة لعنوان وهن الدين من حيث المفهوم أو المصداق؛ ولكن توجد بينها فروق وتمايزات تتضح عند مراجعة كتب اللغة، مما يكشف عن عدم ترادفها. لذلك، لكل من هذه العناوين أدلته المستقلة، ويتطلب بحث حكمها تحقيقاً وبحثاً منفصلاً (الشاكري، د.ت، ص 6). فضلاً عن العناوين المذكورة، تُستخدم أحياناً تعابير أخرى بدلاً من وهن الدين، ويُتصوّر أنه لا فرق بينها؛ منها: 1. إثارة الكراهية وإبعاد الناس عن الدين؛ 2. التمهيد لسوء استغلال الأعداء؛ 3. تشويه سمعة الدين.

لا يمكن إنكار توارد هذه المفاهيم في بعض المصاديق، بل التلازم العرفي والخارجي بين بعضها، ولكن العلاقة بينها ليست علاقة ترادف وتساوٍ. وبما أن للعناوين موضوعية في كشف الحكم ودراسة الأدلة اللفظية واللُّبّية، وكل لفظ تترتب عليه آثاره الخاصة، فمن الضروري بحث كل موضوع على حدة واستقلالية. إن عدم الانتباه إلى هذه النقطة يمكن أن يمهد لتشريع تحريم الحلال وتحليل الحرام؛ على سبيل المثال، إذا ثبتت حرمة إيذاء الوالدين من الأدلة الشرعية، فهل يمكن التعبير عنها بحرمة عصيان الوالدين أو وجوب طاعتهما؟ لا شك أن لكل من هذه التعابير آثاراً مختلفة.

2. دراسة حكم وهن الدين

بعد تحديد الموضوع، نصل إلى المقصد الأساسي، وهو دراسة حكم وهن الدين. بإثبات حرمة وهن الدين وكونه عنواناً ثانوياً، يتقدم هذا العنوان على العنوان الأولي للأفعال، وإلا فإن الفعل المعني يبقى على حكمه الأولي. هنا يجب الانتباه إلى أن الحديث يدور حول فعل لا يندرج تحت عناوين أخرى، ويكون مصداقاً لعنوان وهن الدين بمعناه الخاص فقط؛ لذلك، فإن مسائل مثل التقية وحفظ الشؤون التي يُولى فيها اهتمام لنظر ورؤية الآخرين، لها أحكامها وشروطها الخاصة، وهي خارجة عن نطاق البحث؛ كما أن موارد التزاحم مع ما هو أهم شرعاً خارجة عن محل النزاع.

2-1. أدلة حرمة وهن الدين

فيما يتعلق بحرمة وهن الدين، استُدل بالقرآن، والروايات، والعقل، وارتكاز المتشرعة.

الدليل الأول للحرمة: القرآن
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104)؛ أي يا أيها الذين آمنوا، لا تقولوا: “راعنا” وقولوا: “انظرنا”. اسمعوا، وللكافرين عذاب أليم. ورد في شأن نزول الآية أن المسلمين كانوا يخاطبون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائلين: يا رسول الله “راعنا”؛ أي استمع إلينا أو أمهلنا؛ لكن اليهود حرّفوا هذه الكلمة من حيث المعنى، وكانوا يخاطبون النبي قائلين: يا محمد “راعنا”، وكان قصدهم من هذه الجملة نسبة الحمق والجهل إليه، المأخوذة من “الرعونة”. ثم عندما عُوتِبوا على هذا القول، قالوا: إننا نستخدم نفس اللفظ الذي يستخدمه المسلمون. من أجل ذلك، نهى الله المؤمنين عن قول هذه الكلمة وأمرهم باستخدام لفظ “انظرنا” بدلاً منها (الطبرسي، 1373، ج1، ص 243). بالنظر إلى شأن نزول الآية، يتضح أن علة النهي في الآية هي سوء استغلال الأعداء، وبما أن كل فعل يؤدي إلى وهن الدين يمكن أن يكون ذريعة لسوء استغلال الأعداء، فإن كون الفعل موجباً لوهن الدين يوجب حرمته والمنع منه.

نقد ودراسة الاستدلال بالقرآن
لا شك أن عدم إعطاء الذريعة لأعداء الدين أمر عقلائي ومطلوب شرعاً؛ ولكن هل يمكن الادعاء بأن مجرد سخرية أو سوء استغلال الأعداء يوجب منع وتحريم أمور تُعدّ عند الشارع واجبة أو مستحبة؟ إن الاستدلال بهذه الآية مبني على تنقيح المناط، ومن جهة أخرى، فإن تنقيح المناط القطعي وحده هو الحجة. الآن، بالنظر إلى الآية المذكورة التي تتعلق بفعل لا رجحان ولا مطلوبية شرعية له، لا يُحرز استنباط مثل هذا الملاك العام من الآية؛ فالملاك الذي بُيّن هو لزوم ترك كل ما يوجب سوء استغلال الأعداء؛ حتى لو كان محبوباً ومطلوباً عند الشارع. ما يمكن ادعاؤه من خلال إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط هو أن الأمر الذي يقع في دائرة المباحات، في حال سوء استغلال الأعداء والمعارضين، يلزم تركه واختيار بديل له. بناءً على ذلك، فإن كبرى الاستدلال المذكورة التي تنص على أن كل عمل يمكن أن يكون ذريعة لسوء استغلال الأعداء هو ممنوع وحرام، لا تُحرز من هذه الآية، وبالتالي فإن الاستدلال بالآية غير تام.

الدليل الثاني للحرمة: الروايات
في إثبات حرمة وهن الدين، شوهدت خمس روايات.

الرواية الأولى: رواية تحف العقول
«سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ كَمْ جِهَاتُ مَعَايش الْعِبَاد… كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ يَقْوَى بِهِ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِ الْمَعَاصِي أَوْ بَابٌ مِنَ الْأَبْوَابِ يَقْوَى بِهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الضَّلَالَةِ أَوْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْبَاطِلِ أَوْ بَابٌ يُوهَنُ بِهِ الْحَقُّ فَهُوَ حَرَامٌ مُحَرَّم» (ابن شعبة الحراني، 1404هـ، ص 332)؛ يقول الإمام الصادق عليه السلام في معرض بيان بعض المحرمات: «كل ما يوجب وهن الحق، فهو حرام». هذه الرواية تُعرّف ما يسبب وهن الحق بأنه حرام، ونظراً لكون الدين أحد مصاديق الحق، بل أبرز مصاديقه، فإن الرواية تصرح بحرمة وهن الدين.

نقد ودراسة الاستدلال برواية تحف العقول
هذه الرواية مرسلة وفاقدة للسند. وقد ذكر بعض الفقهاء، بالإضافة إلى الإرسال، وجوهاً أخرى في ضعف هذه الرواية؛ منها اضطراب المتن وعدم تطابق فتوى أكثر الفقهاء مع فقرات الرواية (راجع: الإيرواني، 1406هـ، ج1، ص2؛ الخوئي، د.ت «أ»، ج1، ص5)؛ أما من حيث الدلالة، فظاهر عبارة الرواية «باب يوهن به الحق» هو فعل يوجب إضعاف الحق نفسه دون لحاظ ناظر خارجي. كما أن الفقهاء في ذيل هذه الرواية ذكروا بيع السلاح للعدو في حالة الحرب والأمور التي يُعد إضعافها إضعافاً للدين كمثال.[2] إذن، المقصود في هذه الرواية هو المعنى الأول المذكور في وهن الدين؛ بينما الاستدلال مبني على المعنى الاصطلاحي؛ أي الظهور بمظهر الضعف والوهن. وإن ثبت إطلاق هذه العبارة لكلا المعنيين، فإن دلالة الرواية تكون تامة؛ ولكن الظاهر أن العبارة المذكورة منصرفة إلى المعنى الأول. على كل حال، حتى لو كانت دلالة الرواية تامة، فلا يمكن الاستناد إليها بسبب عدم وجود السند.

الرواية الثانية: رواية محمد بن سنان
«حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيٍّ بن الْعَبَّاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بن الرَّبِيعِ الصَّحَافُ عَنْ مُحَمَّدِ بن سِنَانٍ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام كَتَبَ إِلَيْهِ فِيمَا كَتَبَ مِنْ جَوَابِ مَسَائِلِهِ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى الْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْوَهْنِ فِي الدين والاسْتِخْفَافِ بِالرُّسُلِ وَالْأَئِمَّةِ الْعَادِلَةِ وَتَرْكِ نُصْرَتِهِمْ عَلَى الأَعداء…» (ابن بابويه، 1378هـ، ج2، ص92)؛ ينقل محمد بن سنان أن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام كتب في جواب أسئلته المكتوبة: حرم الله تعالى الفرار من ميدان القتال؛ لأنه يوجب وهناً في الدين. هذه الرواية تُعرّف وهن الدين بأنه علة حرمة الفرار من القتال؛ إذن، الرواية تدل بوضوح على أن وهن الدين هو أحد العناوين المحرِّمة في الشريعة.

نقد ودراسة الاستدلال برواية محمد بن سنان
نقل الشيخ الصدوق الرواية في ثلاثة كتب هي: من لا يحضره الفقيه، وعلل الشرائع، وعيون أخبار الرضا عليه السلام (ابن بابويه، 1413هـ، ج3، ص 565؛ نفسه، 1385، ج2، ص 481؛ نفسه، 1378هـ، ج2، ص92). رواية العيون لها ثلاثة طرق، تشمل طرق الكتابين الآخرين أيضاً. مع ذلك، بصرف النظر عن محمد بن سنان الذي هو راوي الرواية وموثوقيته محل خلاف (الخوئي، د.ت «ب»، ج16، ص 152)، فإن جميع الطرق تشتمل على أفراد ضعفاء أو مجهولي الحال (طبعاً، بناءً على مبنى اعتبار أحاديث كتاب من لا يحضره الفقيه، لا يبقى مجال لدراسة السند). في الطريق الأول، محمد بن ماجيلويه مهمل. محمد بن علي الكوفي إن كان هو نفسه محمد بن علي أبو سمينة، فهو ضعيف، وإلا فهو مهمل (نفسه، ج16، ص 300؛ ج17، ص 54). في الطريق الثاني، علي بن العباس ضعيف (نفسه، ج12، ص68). ضعّف ابن الغضائري قاسم بن الربيع، وتوثيقه محل نقاش (نفسه، ج14، ص19). علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق، ومحمد بن أحمد السناني، وعلي بن عبد الله الوراق، والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام مهملون. في الطريق الثالث، علي بن أحمد بن عبد الله البرقي، وعلي بن عيسى المجاور، وأبو جعفر محمد بن موسى البرقي مهملون. أما فيما يتعلق بدلالة الرواية، فبالنظر إلى موضوع الرواية، في عبارة «الوهن في الدين»، توجد ثلاثة احتمالات: 1. ضعف في الدين: بمعنى أن علة حرمة الفرار من القتال هي أن هذا العمل يوجب ضعف الدين؛ لأن نتيجة الفرار من القتال هي إضعاف جيش الإسلام، وإضعاف جيش الإسلام يعني إضعاف الإسلام. 2. ضعف في التدين: لأن الفرار من القتال علامة على ضعف التدين. 3. إظهار الدين بمظهر الضعف أمام الأعداء: لأنهم بمشاهدة فرار المتدينين من ساحة المعركة يذمون الدين ويقولون: كيف يكون هذا ديناً لم يدعمه أتباعه، ولم يصمدوا، وفروا هاربين. نتيجة لذلك، يظهر الدين في نظرهم ضعيفاً وواهناً. من بين هذه الاحتمالات الثلاثة، المعنى الأول هو الأظهر، وعليه تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام. على فرض أن المعنى الثالث هو المراد، وأننا نقبل بأن الرواية في صدد بيان علة الحكم لا حكمته، فإن دلالة الرواية تبقى غير تامة؛ لأن عناوين الاستخفاف بالرسل والأئمة عليهم السلام وترك نصرتهم قد ذُكرت أيضاً إلى جانب وهن الدين، ومفادها أنه بناءً على الفرض المذكور، فإن وهن الدين جزء من علة الحرمة، لا علة مستقلة؛ والنتيجة هي أن الاستدلال بالرواية غير صحيح في أي حال.

الرواية الثالثة: رواية غرر الحكم
«عن علي عليه السلام: وَجَدْتُ الْمُسَالَمَةَ مَا لَمْ يَكُنْ وَهْنٌ فِي الْإِسْلَامِ أَنْجَعَ مِنَ الْقِتَال» (التميمي الآمدي، 1410هـ، ص 731)؛ قال أمير المؤمنين عليه السلام: وجدت الصلح أنفع من القتال ما لم يكن فيه وهن في الإسلام. قيّد أمير المؤمنين عليه السلام الحكم في هذه الرواية بعدم وجود الوهن؛ إذن، يُستفاد من هذه الرواية أن لمسألة الوهن قابلية لتغيير الحكم.

نقد ودراسة الاستدلال برواية غرر الحكم
الرواية منقولة في كتاب غرر الحكم وهي فاقدة للسند. وفيما يتعلق بدلالة الرواية، فإن الاحتمالات الثلاثة المذكورة في الرواية السابقة واردة هنا أيضاً؛ مع فارق أن الاحتمال الثالث هنا أظهر. ولكن على أي حال، الدلالة غير تامة؛ لأن هذه الرواية ليست في مقام بيان حكم شرعي إلزامي حتى يمكن الاستناد إليها في التحريم.

الرواية الرابعة: رواية «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً»
«عَنْهُ (كتاب العيون والمحاسن للمفيد) قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعْدِ بن عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدِ بن عِيسَى، عَنْ يُونُسُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ كَثِيرِ بن عَلْقَمَه قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَوْصِنِي فَقَال…. كُونُوا لَنَا زَيْناً وَلَا تَكُونُوا لَنَا شَيْئًا حَبَّبُونَا إِلَى النَّاسِ وَلَا تُبَغْضُونَا إِلَيْهِمْ جَرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةِ وَ ادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ شَـر…» (ابن إدريس، 1410هـ، ج3، ص 650؛ الحر العاملي، 1409هـ، ج12، ص8)؛ قال الإمام الصادق عليه السلام مخاطباً أتباعه: كونوا لنا زينة ولا تكونوا عيباً وعاراً علينا. حببونا إلى الناس ولا تجعلونا مبغوضين لديهم. اجلبوا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل شر. ينهى الإمام في هذه الرواية في قالب قاعدة كلية عن ارتكاب كل ما يوجب إظهار أئمة الدين، وبالتالي الدين نفسه، بمظهر قبيح ومشين. لا شك أن أحد مصاديق إظهار الدين بمظهر قبيح هو العمل الذي يؤدي إلى ظهور الدين ضعيفاً وواهناً لدى الناظر الخارجي، وبما أن النهي دال على الحرمة، تثبت حرمة وهن الدين.

نقد ودراسة الاستدلال برواية «كونوا لنا زيناً و لا تكونوا علينا شيئاً»
عبارة «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً» وردت إجمالاً في عدة روايات، وبما أن هذه العبارة جزء من الرواية، فلا بد من ذكر الرواية المذكورة والروايات المشابهة كاملة حتى تتضح دلالتها ومرادها.

الرواية الأولى: رواية كثير بن علقمة
ينقل ابن إدريس من كتاب عيون ومحاسن المفيد عن أحمد بن محمد عن الحسن بن وليد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن كثير بن علقمة أنه قال: قلت للإمام الصادق عليه السلام: أوصني. فقال: أوصيك بتقوى الله والورع والعبادة وطول السجود وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الجوار، فإن محمداً صلى الله عليه وآله جاء بهذه الأمور. خالطوا عشائركم وعودوا مرضاهم واحضروا جنائزهم. كونوا لنا زينة ولا تكونوا علينا شيناً. افعلوا ما يجعل الناس يحبوننا ولا تفعلوا ما يجعلهم يبغضوننا. اجلبوا إلينا كل مودة وادفعوا عنا كل شين. كل خير يُقال فينا، فنحن أهله، وكل شر يُقال فينا، فوالله لسنا كذلك. لنا في كتاب الله حق، ولنا بالنبي صلى الله عليه وآله قرابة، ونحن من أهل بيت طاهرين. قولوا هكذا (ابن إدريس، 1410هـ، ج3، ص 650؛ الحر العاملي، 1409هـ، ج12، ص8). الرواة في السند موثقون ومجللون عدا أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد وكثير بن علقمة، فهما راويان مهملان.

الرواية الثانية: رواية أبي أسامة
«ينقل الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن علي بن نعمان عن أبي أسامة أنه قال: سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول: عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار. ادعوا الناس إلى أنفسكم بغير ألسنتكم، وكونوا لنا زينة ولا تكونوا علينا شيناً. وعليكم بطول الركوع والسجود؛ فإن أحدكم إذا أطال الركوع والسجود، نادى إبليس من خلفه وقال: يا ويلاه، أطاع وعصيت، وسجد واستكبرت» (الكليني، 1407هـ، ج2، ص 77). سند الرواية صحيح. محمد بن يحيى العطار، أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري، علي بن النعمان الأعلم وأبو أسامة كلهم ثقات (الخوئي، د.ت «ب»، ج2، ص296؛ ج7، ص361؛ ج12، ص215؛ ج18، ص30).

الرواية الثالثة: رواية سليمان بن مهران
ينقل الشيخ الصدوق عن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدب عن أبي العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطان عن بكر بن عبد الله بن حبيب عن تميم بن بهلول عن جعفر بن عثمان الأحول عن سليمان بن مهران أنه قال: دخلت على الإمام الصادق عليه السلام وعنده نفر من الشيعة، فسمعته يقول: يا معشر الشيعة، كونوا لنا زينة ولا تكونوا علينا شيناً. قولوا للناس حسناً، واحفظوا ألسنتكم وكفوها عن الفضول وقبيح القول (ابن بابويه، 1376، ص 400). سند الرواية غير صحيح. وثاقة سليمان بن مهران محل خلاف (الخوئي، د.ت «ب»، ج8، ص281). تميم بن بهلول، بكر بن عبد الله بن حبيب، أحمد بن يحيى بن زكريا القطان والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام مهملون.

الرواية الرابعة: رواية هشام الكندي
«ينقل الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن هشام الكندي أنه قال: سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول: إياكم أن تعملوا عملاً يُعيّرونا به، فإن ولد السوء يُعيّر والده بعمله. كونوا لمن انقطعتم إليه وزينتم أنفسكم به زينة، ولا تكونوا عليه شيناً. صلوا في عشائرهم، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم. ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير، فأنتم أولى به منهم. والله ما عُبد الله بشيء أحب إليه من الخبء. قلت: وما الخبء؟ قال: التقية» (الكليني، 1407هـ، ج2، ص 219). الأفراد في السند ثقات؛ إلا راوي الحديث هشام الكندي الذي هو، بناءً على رأي الرجاليين، مهمل، وغير هشام بن الحكم الكندي الثقة (الشوشتري، 1410هـ، ج10، ص567؛ الخوئي، د.ت «ب»، ج19، ص312).

الرواية الخامسة: عمر بن أبان
«نُقل عن عمر بن أبان أنه قال: سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول: يا معشر الشيعة، إنكم قد نُسبتم إلينا، فكونوا لنا زينة ولا تكونوا علينا عاراً. ما يمنعكم أن تكونوا كأصحاب علي عليه السلام في الناس؟ إن كان الرجل منهم ليكون في القبيلة، فيكون إمامهم ومؤذنهم وصاحب أماناتهم. عودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم وصلوا في مساجدهم. لا يسبقونكم إلى شيء من الخير. فوالله أنتم أحق به منهم…» (الطبرسي، 1385، ص 67). سند الحديث مرسل.

وجوه الاستدلال بروايات «كونوا لنا زيناً و لا تكونوا علينا شيناً»
يمكن الاستدلال بهذه المجموعة من الروايات بوجهين:

الوجه الأول للاستدلال:
تأمر الرواية صراحة بكل ما يُعد زينة، وتنهى عن كل عمل يُعتبر شيناً وعاراً. إذن، بهذه الرواية وبضميمة أن المرجع في تحديد الزين والعيب والعار هو العرف، تثبت حرمة وهن الدين؛ لأن وهن الدين هو عمل يُعتبر عرفاً عيباً وعاراً للدين.

الوجه الثاني للاستدلال:
عنوانا «الزين» و«الشين» ليسا محل الاستدلال؛ بل علة النهي هي المقصودة؛ بمعنى أن دليل النهي في الرواية هو عدم تشويه المذهب وأئمة المذهب. إذن، بواسطة كشف علة الحكم، تُستنبط هذه القاعدة الكلية وهي أن كل ما يوجب تشويه الدين فهو حرام.

نقد ودراسة الوجه الأول للاستدلال
فيما يتعلق بعنواني «الزين» و«الشين»، توجد ثلاثة احتمالات: 1. عرفي: بمعنى أن تحديد وتمييز الزين والشين بيد العرف. 2. شرعي: أي المقصود هو الأمور التي عرّفها الشارع بأنها زين وشين. 3. واقعي ونفس الأمري: بمعنى أن الزين والشين مفاهيم حقيقية. وفي حين أن الشارع قد بيّن مصاديق لها، يمكن للعرف أيضاً تحديد مواردها؛ ومع ذلك، فإن الشارع قادر على تخطئة العرف في حال التطبيق الخاطئ.

الاستدلال المذكور مبني على الاحتمال الأول؛ في حين أنه لا يمكن اعتبار مقصود الرواية هو الاحتمال الأول؛ لأنه إذا كان العرف هو ملاك تحديد الزين والعيب والعار، فيجب القول بلزوم القيام بفعل يعتبره العرف زينة؛ حتى لو كان في الشريعة عاراً وغير مستحسن. وفي المقابل، إذا كان أمر ما زينة عند الشارع؛ ولكن العرف يعتبره قبيحاً وشيناً، فيجب الالتزام بتركه، وهذا الأمر غير مقبول. قد يُدّعى أن المراد بالعرف هو عرف المتشرعة؛ لذا لا يوجد احتمال أن يعتبر عرف المتشرعة ما هو زينة عند الشارع، قبيحاً وشيناً. ولكن يُجاب بأنه على فرض صحة هذا الادعاء، فإن الاستدلال بالرواية يبقى غير صحيح؛ لأن الدليل أخص من المدعى؛ إذ أن المراد بالناظر الخارجي في محل البحث أعم من المتشرعة وغير المتشرعة؛ بل غالباً ما يكون غير المتشرعة هو المقصود؛ في حين أن دلالة الرواية، وفقاً للفرض المذكور، منحصرة في المتشرعة. بالإضافة إلى الإشكال الأول في الوجه الأول للاستدلال، يوجد إشكال عام في التمسك بهذه الرواية؛ وهو أن أي استدلال بالرواية مبني على أن النهي في عبارة «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً» إلزامي ودال على الحرمة؛ في حين أن الأمر ليس كذلك؛ لأن كثيراً من مصاديق «الزين» هي أمور مستحبة لا واجبة؛ كما أن بعض الأوصاف المذكورة في هذه الروايات نفسها مثل إطالة السجود من المستحبات. إذن، بالنظر إلى عدم إلزامية الأمر المذكور وبضميمة وحدة السياق في الرواية، يثبت أن النهي الموجود أيضاً ليس إلزامياً، وبالتالي فإن الاستدلال على الحرمة غير تام.

نقد ودراسة الوجه الثاني للاستدلال
بمشاهدة كاملة لهذه الروايات وبيان الفيض الكاشاني والعلامة المجلسي في ذيل الروايتين الثانية والرابعة، يتضح أن الروايات المذكورة تبين كيفية التعامل والارتباط مع العامة (الفيض الكاشاني، 1406هـ، ج4، ص308 وج5، ص689؛ المجلسي، 1404هـ، ج8، ص61 وج9، ص179). إذن، المراد من عبارة «كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً» هو أن الشيعة بسبب انتسابهم لأئمتهم، تُنسب أعمالهم إليهم (كما صُرح بذلك في الروايتين الرابعة والخامسة). ولهذا السبب، فإن القيام بالأعمال الحسنة التي ورد بيانها في الشريعة، فضلاً عن حسنها الأولي، يُعد زينة. إن انتساب الشيعة إلى أئمتهم يُذكر به، ويؤكد على كيفية التعامل والتصرف الصحيح مع العامة. يؤكد العلامة المجلسي في ذيل الرواية الثالثة: «كونوا لنا زيناً» أي كونوا من أهل الورع والتقوى والعمل الصالح لتكونوا زينة لنا. فإن حسن تبعية الفرد زينة له؛ لأنه يُمدح بسبب تأديب أصحابه الحسن. على عكس ما إذا كانوا فاسقين، فإنهم في هذه الحالة يكونون سبباً لتشنيع رئيسهم ويكونون شيناً وعاراً عليه. الغرض الأساسي في هذا المقام هو مراعاة التقية وحسن المعاشرة مع المخالفين… (المجلسي، 1403هـ، ج65، ص152). هل يمكن بالنظر إلى المطالب المذكورة استنباط مناط عام من هذه الروايات بأن القيام بكل فعل قبيح لدى الآخرين والناظر الخارجي -وإن كان له رجحان شرعي- ممنوع؟! وكل فعل يوجب إظهار الدين بمظهر جميل لدى الناظر الخارجي، يكون القيام به لازماً؛ وإن كان غير مطلوب عند الشارع؟! ما يمكن ادعاؤه هو أن ما يُستفاد من هذه الروايات هو أن الفعل الذي له رجحان شرعي (أعم من الواجب والمستحب)، إذا كان سبباً لإظهار الدين بمظهر جميل، يكتسب تأكيداً مضاعفاً. وكذلك الفعل المنهي عنه (أعم من الحرام والمكروه) إذا أدى إلى تشويه الدين، يكون أشد بغضاً عند الشارع. بالإضافة إلى المناقشة المذكورة، فإن إشكال عدم وجود تكليف إلزامي الذي ذُكر في الوجه الأول للاستدلال يرد على هذا الوجه أيضاً، وبالتالي فإن هذه الروايات أساساً لا يمكن أن تكون مستنداً للتحريم؛ بل إما أن يكون المراد من الأمر والنهي هو الاستحباب والكراهة، أو أن هذا الأمر والنهي مجرد إرشاد إلى وجود ذلك الانتساب للأئمة، والمقصود هو التأكيد على الالتزام بالأوامر الشرعية. النتيجة هي أن أي استدلال بهذه الروايات على إثبات حرمة وهن الدين غير تام.

الرواية الخامسة: رواية عدم إقامة الحد في أرض العدو
«عَلِيُّ بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ، عَنْ يُونُسُ بن يَعْقُوبَ، عَنْ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: لَا يُقَامُ عَلَى أَحَدٍ حَدٌّ بِأَرْضِ الْعَدُو» (الكليني، 1407هـ، ج7، ص218؛ الطوسي، 1407هـ، ج10، ص40)؛ «يقول أمير المؤمنين عليه السلام: لا يُقام حد على أحد في أرض العدو». على الرغم من أن علة النهي لم تُذكر في الرواية؛ إلا أنه من الواضح أن العلة هي مراعاة وجهة نظر العدو وغير المسلمين؛ أي أنه بسبب منع التشاؤم من الدين وسوء استغلال العدو، حُكم بعدم الجواز. نتيجة لذلك، يمكن لوجهة نظر الآخرين أن تؤدي إلى تغيير حكم ثابت في الشريعة.

نقد ودراسة الاستدلال برواية عدم إقامة الحد في أرض العدو
أولاً، الاستدلال المذكور مبني على تنقيح المناط، وكما بُيّن، فإن تنقيح المناط يتطلب إحرازاً قطعياً؛ في حين أنه لا يمكن كشف المناط القطعي للحكم من هذه الرواية. ثانياً، في رواية أخرى بُيّن وجه هذا الحكم. نقل الشيخ الطوسي في التهذيب بسند صحيح عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لا أقيم حداً على رجل في أرض العدو حتى يخرج منها؛ لأني أخشى أن تأخذه الحمية (الغضب) فيلحق بالعدو (الطوسي، 1407هـ، ج10، ص40). إذن، بالنظر إلى هذه الرواية، فإن دليل النهي هو الخوف من الالتحاق بالعدو؛ وبالتالي ينتفي احتمال أن تكون علة النهي هي وهن الدين تماماً. وفيما يتعلق بالوجه المذكور في رواية التهذيب، وكما بيّن السيد أحمد الخوانساري في جامع المدارك، فإن الأظهر هو كونه حكمة، وهو لا يقيد إطلاق الرواية الأولى (الخوانساري، 1405هـ، ج7، ص44). إذن، حتى هذا الوجه المنصوص عليه في الرواية هو حكمة الحكم لا علته حتى يوجب تضييقه وتوسعته. النتيجة هي أن أياً من الروايات الخمس المذكورة، بسبب عدم تمامية السند أو الدلالة، لا يمكن أن يكون مستنداً لحرمة عنوان وهن الدين.

الدليل الثالث للحرمة: العقل
ذُكر تقريبان في الدليل العقلي (الشاكري، د.ت، ص20):

التقريب الأول للدليل العقلي: الخروج عن رسم العبودية والطغيان في مقابل المولى
من وجهة نظر العقل، فإن وهن كل ما هو محترم عند المولى هو خروج عن رسم العبودية وطغيان في مقابل المولى؛ ولهذا السبب، فإن كل عمل يوجب وهن الدين والمذهب، هو عقلاً موجب لاستحقاق العقوبة والمذمة.

التقريب الثاني للدليل العقلي: قاعدة تقديم الأهم
إذا كان عمل مسلم سبباً في تشاؤم المجتمع وأتباع الديانات الأخرى من الدين والمذهب، فمن باب قاعدة تقديم الأهم، يجب تركه؛ لأن عدم تشويه الدين والمذهب وعدم إضعافهما أهم من القيام بعمل مباح أو تطبيق مستحب أو واجب على مصداق خاص.

نقد ودراسة التقريب الأول للدليل العقلي
لا شك أن الخروج عن رسم العبودية والطغيان في مقابل المولى مذموم عقلاً. وكذلك، فإن قصد تخريب وإضعاف ما هو محترم عند المولى هو طغيان في مقابل المولى وقبيح. ولكن الحديث يدور حول عمل يُؤدى دون قصد الإضعاف؛ ولكنه في نظر الناظر الخارجي يوجب إظهار الدين بمظهر الضعف. فهل في هذه الحالة يكون قد وقع خروج عن رسم العبودية والطغيان في مقابل المولى؟ خاصة في الفرض الذي يقوم فيه المكلف بعمل راجح عند المولى، فهل يمكن ادعاء وقوع طغيان في مقابل المولى؟! نتيجة لذلك، فإن القاعدة المذكورة لا علاقة لها بالمدعى.

نقد ودراسة التقريب الثاني للدليل العقلي
الاستدلال المذكور مصادرة على المطلوب ومردود؛ لأنه بدون ذكر أي دليل، افتُرضت أهمية ترك وهن الدين، ثم طُبقت قاعدة تقديم الأهم. إذا كان المقصود هو الاستدلال العقلي، فهذا التقريب خالٍ من البرهان العقلي على أهمية ترك وهن الدين، وإذا كان الاستدلال بالارتكاز هو المقصود، فسيتم بحث هذا الاستدلال في الدليل التالي.

الدليل الرابع للحرمة: ارتكاز المتشرعة
إن حرمة وهن الدين في ارتكاز المتشرعة أمر واضح وثابت، والمتدينون يسلّمون بحرمة العمل الذي يوجب وهن الدين. إن ارتكاز المتشرعة أحد الأدلة، بل أهم دليل على حرمة وهن الدين.

نقد ودراسة دليل ارتكاز المتشرعة
في كشف الارتكاز، يُعد الانتباه إلى التمييز بين المفاهيم أمراً ضرورياً جداً، وكما بُيّن في البداية، لا ينبغي الخلط بين وهن الدين والمفاهيم المشابهة مثل الهتك والاستخفاف والإهانة للدين. إذن، مع لحاظ ومراعاة الموضوع المقصود (فعل ليس مصداقاً لأي من المنهيات الشرعية؛ ولكن أداءه يوجب إظهار الدين والمذهب بمظهر الضعف والوهن لدى الناظر الخارجي)، إذا أُحرز ارتكاز المتشرعة على حرمة مثل هذا الفعل بشكل مطلق، وبضميمة إحراز موافقة أو عدم ردع المعصوم الذي هو شرط حجية ارتكاز المتشرعة، فسيكون الاستدلال تاماً وتثبت حرمة وهن الدين. ولكن يمكن المناقشة في إحراز مثل هذا الإطلاق، ويجب التمييز بين الموارد؛ مثل التمييز بين كون الفعل المقصود مباحاً بعنوانه الأولي أو راجحاً، والتمييز بين كون ذلك الفعل متعيناً أو مصداقاً من مصاديق المأمور به. الآن، بالنظر إلى هذا المطلب، يمكن القول في تحليل ارتكاز المتشرعة: في حال كان العمل واجباً ومتعيناً، فإن الارتكاز قائم على لزوم الامتثال له؛ حتى لو كان وهناً للدين لدى الناظر الخارجي. أما في حال كان مورد وهن الدين فعلاً واجباً أو مستحباً له بديل، ويمكن امتثال مصداق آخر بدلاً منه، فإن فاعل ذلك -بسبب عدم الاستبدال وعدم امتثال المصداق الآخر- يواجه مذمة وتقريع المتشرعة؛ ولكن حرمة هذا المصداق الذي له رجحان شرعي واستحقاق فاعله للعقوبة في ارتكاز المتشرعة ليس قطعياً ومسلماً به. أما في الفرض الذي يكون فيه الفعل المقصود مباحاً لا اقتضائياً ولا رجحان شرعياً له، فيمكن ادعاء أن ارتكاز المتشرعة قائم على عدم الجواز. إذن، بالنظر إلى اختلاف موارد وهن الدين، ومن جهة أخرى، كون شرط الاستناد إلى ارتكاز المتشرعة هو الإحراز، ولكونه أمراً لبّياً يجب الأخذ بالقدر المتيقن منه، فإن الحكم بالحرمة يثبت فقط في المورد الذي يكون فيه ارتكاز المتشرعة محرزاً ومسلماً به. النتيجة هي أن الاستدلال بارتكاز المتشرعة مبني على الإحراز القطعي، وما يمكن إحرازه في هذا المقام هو المنع من الفعل المباح الذي يوجب وهن الدين؛ على سبيل المثال، مخالفة المتدينين لقوانين بلاد الكفر في فرض تحقق وهن الدين، يُعد من هذا القسم (راجع: التبريزي، 1427هـ، ج6، ص353؛ الشيرازي، 1419هـ، ص25). بالطبع، يمكن إحراز مورد آخر في ارتكاز المتشرعة وهو تشديد الحرمة؛ بمعنى أن حرمة ومبغوضية الفعل الحرام في حال أدى إلى وهن الدين تشتد وتتضاعف؛ على سبيل المثال، ارتكاب المنكر والمعصية من قبل عالم دين والظلم والجور من قبل الدولة الإسلامية من هذا القبيل.

2-2. أدلة عدم حرمة وهن الدين

بما أنه لا يوجد دليل قطعي على التحريم، فإن الأصل هو عدم تأثير عنوان وهن الدين وعدم حرمة الفعل. بصرف النظر عن هذا الأصل العام، يُستدل بثلاث روايات:

الرواية الأولى: رواية إبراهيم بن خصيب
«محمد بن عبدالعزيز الكشي، عن احمد بن على كلثوم، عن إسحاق بن محمد، عن ابراهيم بن الخضيب الانبارى قال: كَتَبَ أَبُو عَوْنِ الْأَبْرَشُ قَرَابَةُ نَجَاحٍ بن سَلَمَهُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَوْهَنُوا مِنْ شَقِّكَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام فَقَالَ: يَا أَحْمَقُ مَا أَنْتَ وَذَاكَ قَدْ شَقَّ مُوسَى عَلَى هَارُون…» (الحر العاملي، 1409هـ، ج3، ص274)؛ «ينقل إبراهيم بن خصيب الأنباري أن أبا عون الأبرش كتب في اعتراض على شق جيب الإمام العسكري عليه السلام في مصيبة أبي الحسن الإمام الهادي عليه السلام في رسالة إلى الإمام: إن الناس قد عدوا فعلك هذا وهناً وضعفاً. فأجاب الإمام: ما لك وهذا؛ فقد شق موسى على هارون جيبه…». حكاية شق جيب الإمام العسكري عليه السلام في مصيبة أبيه الإمام الهادي عليه السلام نُقلت مراراً؛ ولكن في هذه الرواية طُرحت مسألة الوهن أيضاً؛ لأن أبا عون الأبرش يخبر بأن الناس قد عدوا هذا العمل وهناً، ومن جهة أخرى، فإن الإمام عليه السلام في رده لم ينفِ كونه وهناً؛ بل بيّن وجهاً في جوازه. الآن، بالنظر إلى أن كون فعل إمام الدين موهوناً عرفاً ملازم لوهن الدين، يمكن الاستفادة من الرواية في عدم تأثير وهن الدين في جواز الفعل.

نقد ودراسة الاستدلال برواية إبراهيم بن خصيب
أولاً، سند الرواية ضعيف ولا يمكن الاعتماد عليه. فيما يتعلق بأحمد بن علي بن كلثوم السرخسي، يعتبره البعض مأموناً على الحديث، والبعض الآخر يتهمه بالغلو. إسحاق بن محمد البصري ضعيف وإبراهيم بن خصيب الأنباري مهمل (الخوئي، د.ت «ب»، ج1، ص220؛ ج2، ص169 وج3، ص67). ثانياً، هذه الرواية نُقلت في بحار الأنوار (ج50، ص191 وج79، ص85) ووسائل الشيعة (ج3، ص274) من رجال الكشي؛ في حين أنه في المصدر الأصلي وردت عبارة «استوحشوا» بدلاً من عبارة «استوهنوا» (الكشي، 1409هـ، ص572). حرف «من» في الرواية يؤيد أيضاً التعبير الموجود في المصدر الأصلي؛ لأن مادة «استوحش» تتوافق مع حرف «من» وتُستخدم معه؛ بخلاف مادة «استوهن» التي لا تتناسب مع حرف الجر هذا ولم ترد في اللغة والروايات. الآن، بالنظر إلى معنى «استوحش»، فإن الاستناد إلى الرواية مردود؛ لأن «الاستيحاش من الشيء» يعني النفور وعدم الأنس به (الزبيدي، د.ت، ج9، ص222)، ولا يوجد تلازم بين الاستيحاش والوهن. بالإضافة إلى أنه يمكن المناقشة في دلالة عدم نفي الإمام في هذه الرواية على ثبوت الوهن أو الاستيحاش. النتيجة هي أنه بصرف النظر عن ضعف السند، فإن دلالة الرواية أيضاً غير تامة.

الرواية الثانية: رواية معاوية بن وهب
«عَنْ مُعَاوِيَة بن وَهْبٍ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقِيلَ لِي: ادْخُلْ فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُهُ فِي مُصَلَّاهُ فِي بَيْتِهِ فَجَلَسْتُ حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ فَسَمِعْتُهُ يُنَاجِي رَبَّهُ وَهُوَ يَقُولُ …. اللَّهُمَّ إِنَّ أَعْدَاءَنَا عَابُوا عَلَيْهِمْ بِخُرُوجِهِمْ فَلَمْ يَنْهَهُمْ ذَلِكَ عَنِ الشُّخُوص إِلَيْنَا…» (الكليني، 1407هـ، ج4، ص583؛ ابن قولويه، 1356ش، ص117؛ ابن بابويه، د.ت، ص120)؛ «يقول معاوية بن وهب: دخلت على الإمام الصادق عليه السلام فوجدته في مصلاه. جلست وسمعته منشغلاً بمناجاة ربه والدعاء لزوار قبر سيد الشهداء عليه السلام. قال الإمام في ضمن دعائه: اللهم، إن أعداءنا عابوا عليهم خروجهم (لزيارتنا)، ولكن هذا التصرف منهم لم يمنعهم من الخروج إلينا…». هذه الرواية، بمساعدة إلغاء الخصوصية، تدل على أن عيب الآخرين على فعل أتباع أهل البيت عليهم السلام لم يوجب تغيير حكمه فحسب؛ بل إن أداء ذلك العمل وعدم الاكتراث بهم استتبع مدح الإمام. نتيجة لذلك، فإن وجود وجهة نظر سلبية وعيب من قبل المراقبين الخارجيين لا يؤثر على حكم ذلك الفعل.

نقد ودراسة الاستدلال برواية معاوية بن وهب
نُقلت هذه الرواية في كتب الكافي، وكامل الزيارات، وثواب الأعمال. على الرغم من أن طرق الكليني وابن قولويه تشتمل على أفراد مجهولي الحال مثل غسان (حسان) البصري وإبراهيم بن عقبة؛ إلا أن طريق الشيخ الصدوق صحيح. مع ذلك، فإن الاستدلال بهذه الرواية محل نقاش؛ لأن ظاهر الرواية هو أن أعداء أئمة أهل البيت عليهم السلام، بسبب عدائهم، كانوا يعيبون زيارة قبر سيد الشهداء عليه السلام؛ ولكن هذا العمل لم يمنع الزوار. إذن، ليس المقصود أن العرف العام من الناس كان له هذا الموقف السلبي، ولهذا السبب وصفهم الإمام بأنهم أعداء وذمهم. نتيجة لذلك، مع فرض قبول التلازم بين العيب والوهن، وكذلك إلغاء خصوصية مورد الرواية، فإن إشكال الاستدلال هو أن الرواية في صدد بيان وجهة نظر وتصرف الأعداء الذي يصدر عن عداء وعناد؛ في حين أن موضوع البحث هو العرف العادي من المراقبين الخارجيين.

الرواية الثالثة: رواية عبد الله بن حماد
«عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن ابيه، عن على بن محمد سليمان، عن محمد بن خالد، عن عبدالله بن حماد، عن ابي عبد الله عليه السلام… قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي النَّاسِ مَنْ يَفِدُ إِلَيْنَا وَ يَمْدَحْنَا وَ يَرْثِي لَنَا وَ جَعَلَ عَدُوَّنَا مَنْ يَطْعُنُ عَلَيْهِمْ مِنْ قَرَابَتِنَا وَ غَيْرِهِمْ يَهُدُّونَهُمْ [يُهَدِّدُونَهُمْ] وَ يُقَبِّحُونَ مَا يَصْنَعُون» (ابن قولويه، 1356ش، ص326)؛ «يقول الإمام الصادق عليه السلام:…. الحمد لله الذي جعل في الناس من يفد إلينا ويمدحنا ويرثينا، وجعل عدونا من يطعن عليهم من أقاربنا وغيرهم، يسخرون منهم (يهددونهم) ويقبحون ما يفعلون».[3] الإمام الصادق عليه السلام في هذه الرواية، يعرّف الذين يقبحون الأفعال التي أوصى بها أئمة أهل البيت عليهم السلام بأنهم أعداء؛ إذن، يُستفاد من هذه الرواية أن حكم الفعل الراجح والممدوح شرعاً، لا يتغير مع وجود تقبيح الآخرين، ونظرتهم وتصرفهم لا يوجب المنع من الفعل؛ بل إن الشخص المقبّح هو موضع ذم وتوبيخ الشارع.

نقد ودراسة الاستدلال برواية عبد الله بن حماد
في سند الرواية، علي بن محمد بن سليمان (سالم)، ومحمد بن خالد، وعبد الله بن حماد البصري مهملون (الخوئي، د.ت «ب»، ج10، ص177 وج12، ص145)؛ وكذلك بالنظر إلى أن عبد الله بن حماد البصري قد نقل روايات أخرى بعدة وسائط عن الإمام الصادق عليه السلام، يُستظهر أن هذه الرواية مرسلة. بالطبع، بما أن الرواية نُقلت في كتاب كامل الزيارات، فهي قابلة للاستناد إليها وفقاً لبعض الأقوال. أما مفاد الرواية فهو أن الله قد جعل أعداء أئمة أهل البيت عليهم السلام أناساً يواجهون فعل الزوار والمادحين والراثين بالطعن والتهديد والتقبيح. إذن، الرواية في صدد بيان هذا المطلب، وليس أن التقبيح من جانب العرف العام يوجب تحقق عنوان العدو وموضع ذم الشارع، ويحدث تغييراً في حكم الفعل. بالإضافة إلى ظهور الرواية، فإن التعابير الموجودة في الرواية مثل الطعن، والهدم، والتهديد مؤيدة لأن المقصود هم الأعداء والمعاندون. نتيجة لذلك، مع فرض قبول التلازم بين التقبيح ووهن الدين وإلغاء خصوصية المورد، فإن إشكال هذا الأمر هو أن مفاد الرواية يتعلق ببيان تصرف أعداء أئمة أهل البيت عليهم السلام؛ إذن هذه الرواية خارجة عن محل البحث؛ وإن كان يمكن الاستناد إليها فيما يتعلق بعدم تأثير طعن وتقبيح الأعداء.

الخاتمة (النتيجة)

لا شك أن سعي الأنبياء والأولياء الإلهيين كان في سبيل هداية البشر وجذبهم إلى الدين، وأن إظهار الدين بمظهر الضعف والدناءة ليس مطلوباً للشارع المقدس. في هذا الصدد، فإن البلاغ المبين، والموعظة الحسنة، وتبيين مصالح ومفاسد الأحكام الشرعية، وظائف مهمة وعامة؛ إذن، التكليف الأول في سبيل ترويج الدين ومنع النفور منه هو التبيين، لا الإنكار. الحديث هنا هو أنه بصرف النظر عن وظيفة التبيين الصحيح للأحكام الشرعية، هل تبلغ أهمية نظر ورؤية الناظر الخارجي إلى درجة توجب منع وتحريم فعل ليس مصداقاً لأي من المحرمات الشرعية؛ بل هو راجح ومحبوب وفقاً للموازين الشرعية؟ ما هو المقصود هو مصداق يتصف بعنوان وهن الدين بمعناه الخاص دون وجود عناوين أخرى. ولهذا السبب، فإن ما هو مصداق لعناوين مثل التقية وحفظ الشؤون، حيث أولى الشارع اهتماماً لرؤية الآخرين فيها، خارج عن نطاق البحث؛ كما أن أهمية مراعاة ظروف الزمان والمكان بمعناها الصحيح أمر لا يمكن إنكاره. فيما يتعلق بحرمة وهن الدين، استُدل بآية، وخمس روايات، ودليلين عقليين، وارتكاز المتشرعة، حيث لم تكن دلالة أي منها تامة؛ إلا فيما يتعلق بدليل الارتكاز الذي بُيّنت فيه تفاصيل. في المقابل، استُدل بثلاث روايات على عدم الحرمة وعدم تأثير هذا العنوان، حيث كانت دلالتها أيضاً غير تامة. ما يمكن كشفه فيما يتعلق بوهن الدين من ارتكاز المتشرعة ومجموع الأدلة هو موردان:

  1. تشديد الحرمة: حرمة ومبغوضية الحرام في حال أدى إلى وهن الدين تكون أشد ومضاعفة، مثل ارتكاب المنكر من قبل عالم دين والظلم والجور من قبل الدولة الإسلامية في حال تحقق وهن الدين.
  2. تحريم المباح: الفعل المباح الذي يوجب وهن الدين لا يجوز، مثل مخالفة القوانين في بلاد الكفر في فرض تحقق وهن الدين.

في غير هذه الموارد، الأصل هو عدم الحرمة وعدم تأثير عنوان وهن الدين، ويبقى الفعل المقصود على حكمه الأولي.

قائمة المصادر

القرآن الكريم.

  1. ابن إدريس، محمد بن أحمد (1410هـ). السرائر الحاوى لتحرير الفتاوى. (تحقيق وتصحيح: حسن بن أحمد الموسوي وأبو الحسن بن مسيح) قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  2. ابن بابويه، محمد بن علي (1376). الأمالي. طهران: كتابچي.
  3. ابن بابويه، محمد بن علي (1385). علل الشرائع. قم: كتابفروشي داوري.
  4. ابن بابويه، محمد بن علي (1413هـ). من لا يحضره الفقيه. (تحقيق: علي أكبر غفاري) قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  5. ابن بابويه، محمد بن علي (د.ت). ثواب الأعمال. (تحقيق: علي أكبر غفاري) قم: مكتبى نجفى.
  6. ابن بابويه، محمد بن علي (1378هـ). عيون أخبار الرضا عليه السلام. (تحقيق: مهري لاجوردي) طهران: نشر جهان.
  7. ابن شعبة الحراني، حسن بن علي (1404هـ). تحف العقول. (تحقيق: علي أكبر غفاري) قم: جامعه مدرسين.
  8. ابن قولويه، جعفر بن محمد (1365). كامل الزيارات. (تصحيح: عبد الحسين أميني) نجف: دار المرتضوى.
  9. ابن منظور، محمد بن مكرم (د.ت). لسان العرب. بيروت: دار صادر.
  10. الإيرواني، علي بن عبد الحسين (1406هـ). حاشية مكاسب. طهران: وزارت فرهنگ و ارشاد إسلامي.
  11. التبريزي، جواد بن علي (1427هـ). صراط النجاة. قم: دار الصديقه الشهيده.
  12. التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد (1410هـ). غرر الحكم ودرر الكلم. (تحقيق: سيد مهدي رجائي) قم: دار الكتاب الإسلامي.
  13. الجوهري، إسماعيل بن حماد (د.ت). الصحاح. (تحقيق: عبد الغفور عطار) بيروت: دار العلم للملايين.
  14. الحر العاملي، محمد بن حسن (1409هـ). تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
  15. الخوانساري، سيد أحمد (1405هـ). جامع المسائل في شرح المختصر النافع. قم: مؤسسة اسماعيليان.
  16. الخوئي، سيد أبو القاسم (د.ت «أ»). مصباح الفقاهة. (مقرر: محمد علي توحيدي) د.م: د.ن.
  17. الخوئي، سيد أبو القاسم (د.ت «ب»). معجم رجال الحديث. د.م: د.ن.
  18. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (د.ت). مفردات ألفاظ القرآن. بيروت: دار القلم.
  19. الزبيدي، محمد بن محمد (د.ت). تاج العروس من جواهر القاموس. (تحقيق: علي شيرى) بيروت: دار الفكر.
  20. الشاكري، بلال، مقالة «نگاهی دیگر به وهن دین و مذهب» متاحة على: www.ijtihad.ir.
  21. الشريف الرضي، محمد بن حسين (1385). نهج البلاغة. (ترجمة: محمد دشتي) قم: مؤسسه فرهنگي – تحقيقاتي اميرالمؤمنين عليه السلام.
  22. الشوشتري، محمد تقي (1410هـ). قاموس الرجال. قم: جماعة المدرسين.
  23. الشيرازي، محمد بن مهدي (1419هـ). الفقه القانون. بيروت: مركز الرسول الأعظم للتحقيق والنشر.
  24. الشيرازي، محمد تقي (1412هـ). حاشية المكاسب. (تحقيق: علي يزدي) قم: منشورات الشريف الرضي، الطبعة الأولى.
  25. الطبرسي، علي بن حسن (1385هـ). مشكاة الأنوار في غرر الأخبار. نجف: المكتبة الحيدرية.
  26. الطبرسي، فضل بن حسن (1373). مجمع البيان في تفسير القرآن. طهران: ناصرخسرو.
  27. الطوسي، محمد بن حسن (1407هـ). تهذيب الأحكام. (تصحيح: حسن خرسان) طهران: دار الكتب الإسلامية.
  28. العسكري، حسن بن عبد الله (د.ت). الفروق في اللغة. بيروت: دار الآفاق الجديدة.
  29. الفراهيدي، خليل بن أحمد (د.ت). كتاب العين. قم: نشر هجرت.
  30. الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب (د.ت). القاموس المحيط. بيروت: دار الكتب العلمية.
  31. الفيض الكاشاني، محمد محسن (1406هـ). الوافي. أصفهان: كتابخانه امام اميرالمؤمنين عليه السلام.
  32. الفيومي، أحمد بن محمد (د.ت). المصباح المنير. قم: مؤسسة دار الهجرة.
  33. الكشي، محمد بن عمر (1409هـ). رجال. (تصحيح: حسن مصطفوي) مشهد: مؤسسة نشر دانشگاه مشهد.
  34. الكليني، محمد بن يعقوب (1407هـ). الكافي. (تحقيق: علي أكبر غفاري و محمد آخوندي) طهران: دار الكتب الإسلامية.
  35. المجلسي، محمد باقر (1403هـ). بحار الأنوار. بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  36. المجلسي، محمد باقر (1404هـ). مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول. (تحقيق: هاشم رسولي محلاتي) طهران: دار الكتب الإسلامية.

الهوامش

  1. بناءً على تصريح اللغويين (راجع: الجوهري، د.ت، ج6، ص 2215)، تُستخدم مادة “وهن” لازمة ومتعدية. ولكن بمراجعة موارد استعمال هذه المادة، نجد أنها تُستخدم غالباً في المعنى اللازم، وفي الموارد المتعدية يُستخدم باب الإفعال والتفعيل. يقول الفيومي في هذا الصدد: «الأفضل أن يتعدى بالهمزة». (الفيومي، د.ت، ج2، ص 684).
  2. على سبيل المثال، يكتب الميرزا محمد تقي الشيرازي في حاشية المكاسب (ج1، ص54): «الظاهر من توهين الحق هو توهين أصل المذهب والدين والشرع كالمحاربة مع الإمام أو المحاربة مع عامة المسلمين من حيث الإسلام أو توهين المشاهد أو المساجد من حيث المشهدية والمسجدية وأمثال ذلك لا مطلق المعاصي فإن كل معصية لا تعد توهيناً للحق يعني الملة والدين والمذهب كما هو الظاهر».
  3. في بحار الأنوار (ج98، ص74)، وردت عبارة «يَهْدُرُونَهُم» بدلاً من عبارة «يَهُدُّونَهُم». ويقول العلامة المجلسي في ذيل الرواية: «يهدرونهم» أي يهدرون دماءهم. وفي بعض النسخ وردت كلمة «يهذون»؛ أي يسخرون منهم ويؤذونهم بكلام قبيح.
Scroll to Top