الملخص
إن الأهمية والتوسع المتزايد للرياضة والقضايا المتعلقة بها قد طرحت أمام فقهنا سيلاً من المباحث والتساؤلات، بحيث أصبح الحديث عن إنشاء فرع تخصصي تحت عنوان «فقه الرياضة» أمراً مطروحاً. ويتوجب تناول فقه الرياضة من خلال دراسة وبحث الأسئلة التأسيسية؛ ومنها: هل يمكن اعتبار فقه الرياضة فرعاً فقهياً تخصصياً؟ وما هو موقعه أساساً في منظومة الفقه؟ وما هي الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لإنشائه؟ لقد أثبت هذا البحث، من خلال النظر في مكانة الرياضة وبيان ضرورة ومعايير التخصص في الفقه، أن فقه الرياضة يستوفي المعايير المذكورة، وعليه يجب أن يحظى بالاهتمام اللائق. إن إنشاء وتطوير فقه الرياضة التخصصي على النحو الأمثل يجب أن يتم خطوة بخطوة ووفق برنامج مناسب، لا سيما وأن هذا المسار يتطلب وجود برنامج تعليمي شامل يمكن تقديمه في الحوزة العلمية والمراكز الفقهية؛ كما أن وجود أساتذة ونصوص تعليمية مناسبة يعد من أهم المقتضيات.
مقدمة
مع اتساع المسائل والاحتياجات الفقهية في مختلف الميادين، أصبحت ضرورة تناول الفقه التخصصي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى؛ غير أن هذه الضرورة الأساسية لا يمكن أن تكون ذريعة للتكاثر العشوائي وغير المبرمج للفقه التخصصي، بل يجب أن يتم تأسيس وتطوير الفقه التخصصي بشكل منطقي وعلى أساس دراسة وتخطيط أمثل، وإلا فإنه لن يأتي بنتيجة فحسب، بل سيؤدي بحد ذاته إلى مشكلات جديدة ومقلقة مثل الفوضى والخلل في الفقه والاجتهاد.
في هذا السياق، تعد المباحث الفقهية للرياضة من أهم الميادين. فالرياضة في عصرنا قد تحولت إلى ظاهرة شاملة وجذابة في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية والاقتصادية، وأصبحت ضرورة اجتماعية مهمة تحظى باهتمام المجتمعات والدول والمنظمات، وهي في تطور مستمر وتتسع دائرة مباحثها. على هذا الأساس، يكتسب فقه الرياضة أهمية خاصة، إلا أن الخوض فيه يتطلب دراسة وتخطيطًا؛ فعلى الرغم من أن هذا الميدان المهم يواجه مطالبات كثيرة وحجمًا هائلاً من المسائل الفقهية المتزايدة، فإنه لا شك في ضرورة الإجابة أولاً على الأسئلة التأسيسية؛ ومنها: هل يمكن اعتبار فقه الرياضة فرعًا فقهيًا تخصصيًا؟ وما علاقته ببقية فروع الفقه التخصصي، وما هو موقعه أساسًا في منظومة الفقه؟ وما هي الخطوات التي يجب اتخاذها لإنشائه؟
للأسف، لم تحظَ هذه المسائل المهمة حتى الآن باهتمام كبير، ولا يوجد تراث مدوّن للبحث والتنظير فيها. لهذا الغرض، يتناول هذا المقال، بمنهجية دراسة ضرورة ومقتضيات فقه الرياضة، بعد دراسة موجزة لأهمية ومكانة الرياضة (المبحث الأول)، دراسة ضرورة تخصص الفقه وإنشاء فرع فقه الرياضة (المبحث الثاني)، ثم يعرض مقتضيات فقه الرياضة.
1. أهمية ومكانة الرياضة
لقد تحولت الرياضة اليوم إلى ظاهرة شاملة وضرورية وجذابة، وأصبحت لها مكانة وأثر فعال في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية والاقتصادية، بحيث لم يعد من الممكن النظر إليها نظرة هامشية وفردية، أو حصرها في إطار الترفيه أو استعراض المهارة والقوة؛ بل أصبحت مؤشرًا اجتماعيًا مهمًا واستراتيجية أساسية تحظى باهتمام المجتمعات والدول والمنظمات والهيئات الحكومية وغير الحكومية على الصعيدين الوطني والدولي، وكل منها يسعى لتطوير الرياضة قدر الإمكان والاستفادة من طاقاتها الهائلة لتعزيز الحيوية والصحة في المجتمع، ومعالجة الأضرار الاجتماعية، وتحقيق الاقتدار السياسي وغيره من الأهداف.
مع ازدهار الرياضة المتزايد وإقبال شرائح المجتمع على الأنشطة الرياضية، شهدت المسائل والمباحث المتعلقة بها تطورًا ملحوظًا، لدرجة أنه لا يكاد يوجد اليوم مجتمع بشري لا تحظى فيه الرياضة بالاهتمام والدعم. وقد أدى الارتباط بالرياضة ونموها وتوسعها إلى نشوء «علوم الرياضة» في الأوساط العلمية والمراكز الأكاديمية، وبموازاة ذلك، أدى تطور القوانين والأنظمة الحاكمة للرياضة والعلاقات والحوادث الرياضية إلى تخصيص فرع من المباحث الحقوقية تحت عنوان «الحقوق الرياضية».1
تُعد الرياضة، بوصفها أنشطة بدنية منتظمة وهادفة لاكتساب الحيوية والصحة لعامة الناس، مفهومًا واضحًا ومفهومًا. وقد ورد في المعاجم اللغوية: «الرياضة، اسم مصدر من الفعل (رَاضَ)، بمعنى أداء التمارين البدنية بانتظام بهدف تكميل القوى الجسدية والروحية» (معين، 1362، ج4، ص5002؛ دهخدا، 1373، ج14، ص20476). كما قال البعض: «الرياضة نشاط بدني منظم يُمارس لتقوية القوى الجسدية واكتساب المهارات الحركية» (أنوري، 1381، ج8، ص8205).
بالطبع، يجب اعتبار الرياضة مزيجًا من الأنشطة البدنية والتمارين والمهارات الجسدية، مصحوبة بمجموعة من القواعد والأنظمة التي تحدد طرق ممارسة النشاط والمنافسة والوصول إلى التفوق.2 وبعبارة أخرى، تُطلق الرياضة على مجموعة من الأنشطة المنظمة التي تُمارس بهدف اكتساب المهارة وزيادة القدرات وإقامة المنافسات البدنية.
في هذا السياق، من المناسب الإشارة إلى وجود مفاهيم قريبة من الرياضة (مثل اللعب والتربية البدنية) تتطلب التمييز والتفريق. للتربية البدنية رؤية أوسع من الرياضة، حيث يُعنى فيها بالصحة النفسية بالإضافة إلى اللياقة البدنية. وقد قيل في تعريفها: «هي ذلك الجانب من التعليم والتربية الذي يسعى من خلال الأنشطة البدنية إلى توفير أقصى درجات النمو وتنمية مواهب الفرد، وهي في الحقيقة تربية لجميع أبعاد الكائن البشري (بما في ذلك الجسدية، الفكرية، العاطفية، والأخلاقية)» (فرهمند موحد، 1388، ص29). وبناءً عليه، فإن التربية البدنية هي عملية تعليمية وتربوية لنمو الإنسان وكماله.
أما اللعب والترفيه فلهما طبيعة مختلفة عن الرياضة، رغم أن معظم الناس يعتبرون اللعب والرياضة شيئًا واحدًا. اللعب أساسًا يعني التسلية والترفيه؛ وبتعبير أدق، اللعب هو أي نشاط يُمارس بقصد التسلية والانشغال، بحيث لا يكون الدافع وراءه تحقيق فائدة أو منتج أو نتيجة معينة» (ميرسليم، 1375، ج1، ص478). إذن، اللعب مفهوم واسع يشمل الرقص والعروض وحتى الألعاب الطقوسية (نفس المصدر، ص479).
بناءً على ذلك، تمثل الرياضة مرحلة أكثر تطورًا من اللعب،3 حيث تتميز بنظام وتنظيم أكبر، وقواعد أكثر دقة، ومهارة أعلى، ولكن يجب تمييزها عن اللعب من حيث النطاق والأحكام والآثار القانونية. وتجدر الإشارة إلى أنه في كثير من الحالات، يُستخدم مصطلح «اللعب» أو «الألعاب الرياضية» للإشارة إلى الأنشطة الرياضية، وليس مجرد مفهوم اللعب والتسلية. وقد تصور بعض الكتّاب أن «الرياضة» تشمل اللعب والتسلية والترفيه، مستدلين على ذلك بأن مصطلح «اللعب» يُستخدم في المسابقات الرسمية للإشارة إلى المنافسات، مثل الألعاب الآسيوية، والألعاب الأولمبية، والأهم من ذلك أن الرياضيين المشاركين في المسابقات يُطلق عليهم غالبًا اسم «لاعبين».4 في حين يعلم الجميع أن هذه المصطلحات والعبارات، التي تُستخدم بنوع من التسامح، لا يمكن أن تكون دليلاً على تداخل طبيعة الرياضة واللعب. وعليه، في بحث موضوع ونطاق فقه الرياضة، لن يتم التطرق إلى اللعب والترفيه ومسائلهما.
2. فقه الرياضة: ضرورته ومكانته
في هذا المبحث، نتناول أولاً ضرورة تخصص الفقه، ثم ندرس فقه الرياضة بوصفه فقهًا تخصصيًا، وبعد ذلك نبحث في ضرورة إنشاء هذا التخصص.
1-2. الفقه وضرورة التخصص
«الفقه» في اللغة يعني الفهم الدقيق والعميق، وفي الاصطلاح أيضًا يعني فهم وإدراك الأمور التي تساعد على استنباط الأحكام الشرعية بدقة، وإن كان هذا الفهم والإدراك يجب أن يكون منضبطًا ويتم من خلال الأدلة المعتبرة. ولهذا، ورد في تعريف الفقه أنه: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية (حسن بن زين الدين، 1365، ص26).5
يعد علم الفقه من أقدم العلوم الإسلامية وأوسعها انتشارًا. وقد انبرى العلماء المسلمون على مر القرون، آخذين بعين الاعتبار الأسئلة والاحتياجات والفجوات، للبحث والتعليم، ووسعوا دائمًا حدود الفقه. ولكن اليوم، مع طرح مباحث الحكم والحاكمية الدينية، وتوسع العلاقات، والاختراعات، والتطورات في مختلف المجالات، وتطور العلاقات الدولية، تواجه الفقه الإسلامي مسائل وتحديات كثيرة جعلت الحاجة إلى تخصص الفقه مضاعفة.
كما كان السلف الصالح والفقهاء العظام في الماضي، بعنايتهم باحتياجات العصر، ينكبون على البحث والاجتهاد، وبوعي لازم بمختلف العلوم، يسعون بجد وذكاء للحفاظ على كيان الشريعة والمذهب، كذلك اليوم، يجب متابعة هذه المسألة بتأكيد مضاعف. يجب على فقهنا أن يتحرك بجدية ويقظة في توسيع حدوده العلمية والتنظيرية، في تفاعل وتقابل مع الأنظمة الحقوقية في العالم، ويجب على الفقهاء والمراكز الفقهية، بمعرفة كاملة باحتياجات ومقتضيات العصر، أن يتجهوا نحو التخصص في مختلف فروع العلوم الإسلامية والإنسانية؛ وأن يقفوا، بتسلحهم بأفضل أساليب التعليم والبحث واستيعاب آخر إنجازات مفكري المدارس والتيارات الفكرية والثقافية، في موقع الدفاع عن المذهب والتفسير الصحيح للإسلام.
بناءً على ذلك، فإن تخصص الفقه أمر ضروري ولا مفر منه، وقد نبه الكثير من الأكابر أيضًا إلى ضرورته وأهميته. وقد قال السيد الأراكي في هذا الصدد: كان آية الله الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري يقول: «لأن أبواب الفقه متشتتة جدًا، وأقوالها وأدلتها العقلية والنقلية والإجماعية تتطلب تتبعًا كثيرًا وأفرادًا سريعي البديهة، وعمر الإنسان لا يكفي للتحقيق في خمسين بابًا كما ينبغي؛ فمن الجيد أن يكون لكل باب شخص متخصص». (الأراكي، 1364، ص40).
كما يقول محمد تقي الجعفري: كان آية الله السيد عبد الهادي الشيرازي رجلاً مستنيرًا جدًا. في ذلك الوقت في النجف، عرضت عليه مسألة تخصص أبواب الفقه. فقال: «صحيح، يجب متابعة هذا الأمر». قلت له: الأمر دائر بين أن يجتهد شخص في جميع أبواب الفقه، ولكنه في هذا الاجتهاد يكتفي بالروايات السطحية، وبين أن يجتهد في قسم واحد – مثل المكاسب أو الأراضي – ولكنه يفحصها تمامًا ولا يترك شيئًا؛ أيهما أقرب إلى الواقع؟ فقال: «لا شك أن الثاني هو الأقرب». (مقابلة مع آية الله محمد تقي الجعفري، 1366، نفس المصدر، العدد 19، ص 37 و 38).
وقد أكد قائد الثورة المعظم أيضًا على أهمية وعي الحوزات العلمية بالتطورات الحاصلة في عالم اليوم فيما يتعلق بالمسائل المرتبطة بالعلوم الإسلامية، وفي ضرورة اطلاع الحوزات العلمية على الأساليب الحديثة في البحث، فقال: يجب على الحوزات أن تأخذ الحركة نحو التخصص على محمل الجد، وأن يتم تفعيل التخصص والدرجات التخصصية في الفقه والأصول ومختلف أقسام الفقه وسائر العلوم الإسلامية. (http://farsi.khamenei.ir/news-content?id=534)
2-2. فقه الرياضة بوصفه تخصصاً وفرعاً
إن الدراسة الفقهية للموضوعات الجديدة والمسائل المستحدثة لها تاريخ يمتد بتاريخ الفقه. من هذا المنظور، يقدم لنا البحث الفقهي في المصادر الدينية والنصوص الفقهية قضايا تبدو كأنها من مكنونات علم الفقه، حيث أشارت إليها قواعد أهل البيت (عليهم السلام).6 لا شك أنه يجب النظر إلى نظام علم الفقه، من ناحية، على أنه حافظ للمجتمع المعاصر، ومن ناحية أخرى، على أنه يمتلك هيكلاً للاستجابة للاحتياجات الجديدة. ولهذا السبب، من الضروري أن تقوم الحوزات العلمية والمراكز العلمية ذات الصلة، مع الإقرار بهذا النظام الشامل والاستفادة من بركات الفقهاء السابقين والعلماء والباحثين المقتدرين والواعيين بالزمان، بتوسيع نطاق دراساتهم وأبحاثهم العميقة والدقيقة، من خلال ملاحظة الأسئلة والاحتياجات، واتخاذ تدابير، استنادًا إلى أصول وقواعد الفقه الجواهري، لتحديد الموضوعات الناشئة وتدوين أبواب فقهية جديدة ومتخصصة، لخلق مجالات تعليمية وبحثية واسعة ومميزة لتوسيع الفقه وميادينه التخصصية.
في هذا السياق، يجب أن يحظى فقه الرياضة، بوصفه ميدانًا مهمًا، بالاهتمام اللائق. يمكن طرح فقه الرياضة كفرع فقهي تخصصي؛ فرع يتناول الأحكام الفقهية لجميع الأمور المتعلقة بالرياضة التي يحتاجها المجتمع والنظام؛ ومنها: مشروعية الرياضة، صناعة الرياضة، علاقات الفقه والرياضة، العمليات الرياضية، وعلاقة الرياضيين، والمدربين، والمشجعين، والحكام الرياضيين، واللوائح الرياضية، والاتحادات والجمعيات الرياضية، والحوادث والمسؤولية الرياضية.
بهذا الترتيب، يعد فقه الرياضة فرعًا من الفقه يدرس ويبين المسائل والنظريات والقواعد والأحكام الفقهية المتعلقة بالرياضة في مختلف المجالات، وعلاقة الفقه بالرياضة من جوانب مختلفة؛ وفيما يلي، سيتم بحث ومناقشة إمكانية إنشاء هذا الفرع (فقه الرياضة) بناءً على الاحتياجات والقدرات.
3-2. ضرورة إنشاء فقه الرياضة
قبل أن نتناول ضرورة إنشاء فرع أو تخصص بعنوان «فقه الرياضة»، من الضروري التدقيق والتأمل في مكانة فقه الرياضة في هيكل الفقه، وهل منظومة فقهنا الحالية تستوعب وجود فرع تخصصي باسم «فقه الرياضة»؟
لا شك أن الخوض في الفقه التخصصي أمر ضروري ومهم، ولكن يجب أن يتم هذا العمل ببرنامج ومنهجية، وأن يتم تجنب التكاثر غير المنضبط والشبيه بالفطر للفقه المضاف. وتجدر الإشارة إلى أن فقهنا المدون في أبوابه المنسجمة، خاصة في قسم العبادات، يعمل بشكل جيد، وإذا كان الحديث عن تخصص الفقه، فإنه في الواقع يعني تناولاً تخصصيًا وعميقًا ومنفصلاً للمباحث المستجدة والفقه المعاصر؛ أي الفقه الذي لم يكن حتى الآن محل نظر في كتب وأبواب الفقه، والآن، مع اتساع نطاقه من المسائل، يحتاج إلى إطار وميدان متميز.
بالطبع، في هذا المجال (تخصص الفقه المعاصر) توجد اعتبارات متعددة يجب أخذها في الحسبان؛ في نظرة سريعة، يمكن النظر في مزايا واعتبارات إيجابية، وعيوب واعتبارات سلبية لهذا الأمر.
مزايا تخصص الفقه كثيرة وملحوظة، وأهمها يشمل ما يلي:
1. توفير بيئة لتعميق المعرفة الفقهية.
2. تسهيل التعليم وتوفير نظام تعليمي تخصصي.
3. تحديد ومعالجة الثغرات والاحتياجات الفقهية.
4. ترويج ونشر المعرفة الفقهية بشكل أكبر.
5. التفاعل مع التخصصات الجامعية.
6. زيادة فعالية الفقه.
7. تنشئة العلماء والباحثين المتخصصين والأكفاء.
8. دعم الحاكمية الدينية.
9. توفير بيئة للتنظير وتعزيز الإبداع الفقهي.
10. زيادة النفوذ الاجتماعي ودور الفقه والفقهاء في الهداية.
من ناحية أخرى، يثير تخصص الفقه بعض المخاوف والآثار السلبية أيضًا، منها ما يلي:
1. تضخم وتكاثر عشوائي للفقه المضاف (في حال التسرع وغياب التخطيط).
2. الميل إلى استقلال التخصصات عن علم الفقه.
3. عدم الانسجام والتضارب بين الفروع.
4. تكرار المسائل والتداخل بين التخصصات.
5. صعوبة وتعقيد الاجتهاد.
بالطبع، يجب العلم أن معظم هذه المشكلات يمكن التنبؤ بها وتجنبها، ولا يمكن أن تشكل عائقًا جديًا أمام تخصص الفقه في الميادين الجديدة.
لا شك أنه إذا تم تخصص الفقه ببرنامج ومنهج منطقي ومناسب، فلن نقع في فخ التكاثر العشوائي للفقه التخصصي، ولن نواجه مشكلة عدم الانسجام أو تكرار المسائل وتداخلها. وهكذا، مع التأكيد على ضرورة الوقاية أو معالجة مثل هذه المشكلات، يجب الاستمرار في التأكيد على ضرورة التطوير الصحيح والمنضبط للفقه التخصصي، استنادًا إلى هيكل منطقي.
بالطبع، على الرغم من ضرورة وأهمية وجود هيكل منطقي ومعيار للتقسيم في الفقه التخصصي، إلا أنه لم يتم حتى الآن اتخاذ إجراءات ملحوظة في هذا الصدد. فقط في السنوات الأخيرة، أكد بعض الفقهاء على هذه الأهمية وقدموا بعض الآراء. للأسف، لم تتبلور هذه الآراء كثيرًا ولم تكن فعالة، وظلت بعيدة عن نقد وتأمل أهل النظر.
وتجدر الإشارة إلى أن تصنيف وإنشاء هيكل مناسب لعلم الفقه (خاصة مع مراعاة المباحث الجديدة) هو من الأمور التي شغلت دائمًا أذهان المفكرين وأهل النظر في مجال الفقه. حتى أنهم اقترحوا هياكل له، لكن بعض هذه الهياكل لم تحظ بالعناية اللازمة، وبعضها الآخر لم يحظ باهتمام سوى عدد قليل من الفقهاء؛ من ناحية أخرى، يفتقر علم الفقه إلى هيكل شامل ومبني على معايير منطقية مقبولة لدى عموم الفقهاء والباحثين في الفقه، وهذه فجوة مهمة تتطلب الاهتمام والبحث.7
إن التنظيم الشامل والمنظم لفروع الفقه وميادينه التخصصية هو مطلب مشروع من هيكل الفقه؛ هيكل منطقي ومبني على معايير علمية مقبولة، بحيث يضع جميع فروع ومجموعات علم الفقه في مكانها المناسب.
الشهيد الصدر هو من الفقهاء القلائل الذين تناولوا هذا الموضوع بعمق وبراعة خاصة (الصدر، 1423، ص105). في دراسة دقيقة لكلامه القيم، يتضح محور أساسي لمسائل الفقه وهو «الواقعة»، التي تبرر توسع الفقه بخصائصها المميزة.8
بناءً على رأي الشهيد الصدر، فإن معيار توسع الفقه والتخصصات المتعلقة به يشمل الخصائص التالية:
1. ارتباط الوقائع بحياة الإنسان؛ أي أن المعيار الأساسي لتوسع الفقه هو وقائع الحياة البشرية. الوقائع التي تظهر في حياة الإنسان ويجب على الفقيه أن يوليها اهتمامًا كاملاً. كما ورد في التوقيع الشريف من صاحب الأمر (عج): «وَأَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَأَنَا حُجَّةُ اللَّهِ».9 (الحر العاملي، 1409، ج27، ص140)؛
2. تزايد الوقائع؛ أي أن هذه الوقائع كثيفة وفي تزايد، لذا يجب أخذها في الاعتبار عند توسيع الفقه؛
3. تجدد الوقائع؛ أي أن الوقائع متجددة ومتنوعة. وهذا الأمر يقتضي إنشاء وتوسيع مجال تخصصي فقهي بشأنها؛
4. استمرارية الوقائع؛ أي أن هذه الوقائع الكثيفة والديناميكية مستمرة ومتواصلة، وكثرتها لا تقتصر على فترة زمنية معينة.
بناءً على ذلك، وطبقًا لرأي الشهيد الصدر، فإن الوقائع المتعلقة بالحياة البشرية، والتي تكون كثيفة ومتزايدة ومتجددة ومستمرة، يجب أن تكون المعيار الأساسي لتوسع الفقه ومجالاته التخصصية. ولكن هل يمكن لهذه الأوصاف والمعايير أن تُعتبر معيارًا لإنشاء تخصصات فقهية؟
يبدو أنه على الرغم من أن هذه الأمور تشمل معايير مهمة، إلا أنها ليست كاملة ويجب أخذ أمور أخرى في الاعتبار لتبرير إنشاء فروع فقهية تخصصية. لصياغة صحيحة ومنسجمة للفقه التخصصي، يجب اختيار معايير توفر هيكلاً وشجرة معرفية منطقية ومتماسكة، وتكون محصنة ضد العيوب الناجمة عن غياب التخطيط والتسرع (مثل التداخل، التكاثر المتضخم أو الفطري، والتضارب بين الفروع).
في هذه الحالة، ما هو المعيار الحقيقي لهيكل منطقي وكامل؟ للإجابة على هذا السؤال المهم، يجب مراعاة عدة نقاط مهمة:
1. فقه الشيعة المدون لم يكن بدون هيكل. فلقرون، أقام الفقهاء الملتزمون والعميقون هياكل في هذا الشأن بدقة واهتمام.
2. بالنظر إلى الاحتياجات والتطورات، يجب إعادة بناء هذه الهياكل؛ فقد مرت فترة طويلة على هذه الهياكل وهي تعاني من الجمود والركود.
3. الهيكل ليس شيئًا يُستنبط من نصوص الشريعة، بل هو أمر ينشأ تدريجيًا تحت ظروف واحتياجات معينة.
4. يجب أن يكون تغيير هيكل الفقه تدريجيًا وبدون تسرع، حتى ينسجم الفقه التخصصي مع الواقع والقدرات من جهة، ومع قدرات الفقهاء وعلماء الحوزة من جهة أخرى. حتى يمكن أن يخضع للنقد والإصلاح والتكميل اللازم ويجد مكانته اللائقة.
5. لا ينبغي النظر إلى معيار تخصص الفقه من زاوية واحدة وحصره في محور واحد (مثل الاجتماعي أو الحكومي)، على الرغم من أن هذا المحور مهم جدًا وله الأولوية.
6. للوصول إلى هيكل شامل ومتناغم ومنطقي، من المناسب أولاً تحديد المعايير المهمة والمؤثرة، ومن خلال تقاربها وربطها، السعي لتقديم هيكل يشمل أكبر قدر ممكن من المعايير.
7. كل فرع أو فقه تخصصي يحتاج إلى تعريف وتقديم محتويات، وهذا يتطلب وقتًا طويلاً. لا شك أنه يجب الاستعانة بأهل النظر في ذلك الفرع لتحديد مفهومه ومحتواه ومصاديقه، حتى يتم رسم نطاقه بشكل صحيح.
عنوان الفقه التخصصي لا ينبغي أن يكون عامًا وواسعًا لدرجة تتنافى عمليًا مع التخصص، ولا أن يكون خاصًا وضيقًا لدرجة يفتقر إلى معايير تزايد وتجدد مسائله. على سبيل المثال، تخصص الفقه والحقوق (من النوع الأول) وتخصص فقه تغيير الجنس (من النوع الثاني) كلاهما غير مقبول.
بناءً على الآراء المطروحة والدراسات التي أجريت، فإن المعايير المعتبرة لتخصيص الفقه هي كما يلي، ولا شك أن وجود كل أو معظم هذه المعايير لفرع فقهي تخصصي سيبرر ضرورة تأسيسه وإنشائه:
1. اتساع وحجم مسائل ذلك الفرع أو التخصص.
2. تنوع مسائله ومباحثه.
3. تزايد مسائله.
4. استمرارية ودوام مسائله المتعددة.
5. كون مسائله أفعالاً (لا وصفية أو تقريرية).
6. أهمية وأولوية مسائله للنظام والمجتمع.
7. وجود فرع أكاديمي وجامعي مقابل.
8. الحاجة إلى دراسة موضوعية تفصيلية وتخصصية.
9. الحاجة إلى منهج اجتهادي خاص.
10. عدم شمول الأبواب الموجودة في الفقه له.
لا شك أن هذه المعايير ليست حصرية، ويمكن إضافة أمور أخرى إليها، لكن تأثيرها في تبرير تشكيل فرع فقهي تخصصي لا يمكن إنكاره (يجب الإضافة أن جزءًا من المعايير المذكورة مستفاد من كلام الشهيد الصدر،10 وجزء آخر تم التوصل إليه بناءً على دراسات وتعاون الكاتب في المراكز الحوزوية، منها مركز فقه الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ومؤسسة الفقه والعلوم الإسلامية العليا).
بناءً على ذلك، عند رسم الهيكل والشجرة المعرفية الحالية للفقه، يجب أخذ هذه المحاور والمعايير العشرة في الاعتبار. على سبيل المثال، فقه الطب، كنموذج لفقه تخصصي، يمتلك المعايير المذكورة أعلاه، لذا فإن ضرورة إنشاء مثل هذا الفقه التخصصي مبررة ومقبولة.
فقه الرياضة أيضًا، الذي يعد من المباحث المشتركة بين الفقه والحقوق، ويتناول تحليل وتبيين الأحكام الفقهية للأمور المتعلقة بالرياضة، لا شك أنه يمتلك كل أو معظم المعايير المذكورة، لذا فإن إنشاء وتوسيع تخصص باسم فقه الرياضة في منظومة فقهنا مقبول ومبرر.
3. مقتضيات فقه الرياضة
بعد أن تم بحث ومناقشة ضرورة تأسيس فقه الرياضة، يجب أن يكون هذا الفقه في إطار دورة فقهية تخصصية اجتهادية، ومع الأخذ في الاعتبار مسار إنشاء الدورات التعليمية للفقه التخصصي، يجب اعتباره دورة ذات أولوية (في مرحلة السطوح العليا – الرابعة). فيما يلي، نوضح أهم مقتضيات هذا الفرع التخصصي.
لا شك أنه لإنشاء وتطوير صحيح لفقه الرياضة التخصصي، يجب التحرك خطوة بخطوة مع دراسة وبرنامج مناسب؛ أولاً، هناك حاجة إلى برنامج تعليمي شامل، بحيث يمكن تقديمه في الحوزة العلمية والمراكز الفقهية؛ كما أن وجود أساتذة ونصوص تعليمية مناسبة يعد من أهم المقتضيات.
فيما يتعلق بالبرنامج التعليمي، يجب مراعاة الأمور المهمة التالية:
1. يجب أن يتم رسم هذا البرنامج على أساس القدرات الحوزوية وبمنهجية وأدبيات فقهية، وأن يقدم نظامًا تعليميًا وبحثيًا قائمًا على الفقه، بحيث يمكن لأساتذة البحث الخارج المشاركة فيه برغبة والمساهمة في تطويره وتقدمه. (للأسف) إحدى المشكلات الرئيسية للدورات التخصصية الفقهية التي تم تنفيذها حتى الآن هي التأثر الشديد بالنظام العلمي الجامعي والغربة عن الأدبيات والمنهج الفقهي المعتاد؛ وهي دورات تحاول، دون برنامج مناسب وغالبًا بتسرع، تعريف العلماء والباحثين بأدبيات ذلك الفرع الجامعي، وفي النهاية يقرأون بعض النصوص الفقهية المرتبطة به، وفي الواقع لا يتحقق نجاح كبير ولا يحدث شيء خاص، بل قد يؤدي في بعض الحالات إلى النفور والركود العلمي).
2. يجب أن يُقدم البرنامج التعليمي في ثلاثة أقسام رئيسية: تمهيدي (مقدمة)، دراسة الموضوع، ومباحث استنباط الحكم. كما يجب تخصيص جزء من البرنامج التعليمي لمهارات البحث وإجراء البحوث في هذا المجال المهم.
3. المقصود بالقسم التمهيدي هو المباحث التي لها طابع مقدمة ومدخل لفقه الرياضة، وتتناول موضوعات مثل المفاهيم، الخلفية، أنواع ووظائف الرياضة، المؤسسات الرياضية، ومنهجية البحث الفقهي فيه.
يشمل قسم دراسة الموضوع المباحث اللازمة لمعرفة الموضوعات المتعلقة بفقه الرياضة، وهي في الواقع الموضوعات التي تتعلق بها الرياضة. مثل: العقود الرياضية، الخطأ الرياضي، العرف الرياضي، الجوانب الفردية والاجتماعية للرياضة، المنافسة الرياضية، العنف الرياضي، الجوائز الرياضية، الاتحادات، اللعب النظيف، المنشطات وغيرها. وقسم استنباط الحكم هو المباحث الرئيسية لفقه الرياضة التي تقدم الأحكام الفقهية للموضوعات الرياضية، والجوانب الفقهية للرياضة من الناحية الفردية والاجتماعية، وقواعد فقه الرياضة، ونظرية فقه الرياضة في الإسلام.
على سبيل المثال، تندرج الأمور التالية ضمن مباحث استنباط الحكم: الحكم الأولي للرياضة، حكم الرياضات الاحترافية والمسببة للضرر، أحكام الهدايا والميداليات والجوائز الرياضية، اشتغال النساء بالرياضة خاصة الرياضات الجماعية والاحترافية، أحكام رياضة الأطفال ورياضة الأشخاص ذوي الإعاقة (المعاقين، المرضى، كبار السن)، أحكام التدريب في الرياضة خاصة الرياضات الاحترافية، المسؤوليات المدنية (الضمان) والجنائية الناتجة عن العمليات الرياضية، العنف والأضرار، الغش في الرياضة، أحكام لباس الرياضيين، أحكام المشجعين بما في ذلك حضور النساء كمشجعات في الملاعب، وكذلك الأحكام المتعلقة بالفقه الاجتماعي للرياضة، دور ووظائف الدولة في الرياضة، نطاق تدخل الحكومة في الرياضة وتقييد العلاقات الرياضية بناءً على المصالح الحكومية.
هناك حاجة أخرى يجب مراعاتها لتشكيل وتطوير فقه الرياضة، وهي إعداد نصوص علمية وتعليمية مناسبة. بالطبع، نظرًا لأن فقه الرياضة ليس له خلفية محددة ومدونة في فقهنا، ولم يقدم أي فقيه حتى الآن كتابًا في هذا المجال، فإن إنجاز هذا العمل يواجه صعوبات. ولهذا السبب، يُقترح، مع تشكيل نواة علمية لفقه الرياضة في أحد المراكز الفقهية بالحوزة العلمية، اتخاذ الإجراءات التالية (ضمن عملية من خمس مراحل) لإعداد النص العلمي:
المرحلة الأولى: استقطاب مجموعة نشطة من الطلاب الفضلاء والموهوبين وذوي الاهتمام والتحصيل المناسب، والعمل على رفع مستوى معرفتهم التخصصية ومهاراتهم البحثية لاستخراج مسائل فقه الرياضة وتحليلها واستنباطها.
المرحلة الثانية: دراسة وتدوين مسائل الرياضة في فقهنا ورفع مستوى السيطرة العلمية للباحثين عليها.
المرحلة الثالثة: تحديد المسائل الجديدة والمتنوعة في فقه الرياضة والتعمق في المصادر من القواعد والنصوص الفقهية والمباني والمستندات لتحليلها والإجابة عليها تحت إشراف أساتذة بارزين.
المرحلة الرابعة: تقديم بحوث ودراسات فقهية عميقة في موضوعات فقه الرياضة من قبل الأساتذة وتدوينها.
المرحلة الخامسة: تدوين البحوث بالاعتماد على المصادر المعدة، والمسائل المحددة، والتحقيقات والبحوث التي تم إجراؤها (تدوين وتقديم النص).
وتجدر الإشارة إلى أنه قبل تشكيل النواة أو الفريق البحثي لفقه الرياضة، من المناسب القيام بدراسة وضع فقه الرياضة. والمقصود بدراسة الوضع هو أنه من خلال تبيين ضرورة ومكانة الفرع التخصصي، يتم تحديد نطاق وحدود الفرع التخصصي، وتوضيح وضع تشكيل وازدهار مباحثه في الحوزة وكذلك القدرات المتاحة. ولهذا الغرض، يجب مراعاة الأمور التالية في دراسة الوضع:
1. تحديد وتعريف المؤسسات والمراكز الحوزوية التي تناولت هذا الفرع وقامت بأعمال مهمة بشأنه.
2. تبيين الإجراءات العلمية والأعمال البحثية التي تمت في الحوزة العلمية والعالم الإسلامي بخصوص هذا الفرع.
3. تحديد وتعريف العلماء وأهل النظر الحوزويين البارزين والمؤثرين في هذا الفرع.
4. تقدير حجم الكوادر العلمية المدربة والمتخصصة في هذا الفرع.
5. دراسة أهمية وحجم الحاجة إلى كوادر متخصصة وكذلك الحاجة إلى إنتاج علمي (تنظير) فيه.
كما أشير سابقًا، يجب أن يتم تناول فقه الرياضة كفرع من الفقه التخصصي خطوة بخطوة وعلى أساس برنامج متماسك لتلبية جميع احتياجاته (من نص وأستاذ وباحث وبرنامج تعليمي)، بحيث يتم توفير بيئة لتثبيته وتطويره في الحوزة والمراكز العلمية التابعة لها.
الاستنتاج
من مجموع ما تم بيانه حتى الآن، يمكن استنتاج ما يلي:
1. إن تخصص الفقه مهم وضروري، خاصة مع طرح مباحث الحكم والحاكمية الدينية وتوسع العلاقات والتطورات في مختلف المجالات وتطور العلاقات الدولية التي وضعت مسائل وتحديات كثيرة أمام الفقه الإسلامي؛ ولكن هذا الإجراء المهم يجب أن يتم ببرنامج ومنهجية ووفق هيكل متماسك، وأن يتم تجنب التكاثر غير المنضبط والشبيه بالفطر للفقه المضاف.
2. لم يكن فقهنا بدون هيكل. فلقرون، أقام الفقهاء الملتزمون والعميقون هيكلاً منظمًا في هذا الشأن. ولكن بالنظر إلى الاحتياجات والتطورات، يجب إعادة بناء هذا الهيكل وتحسين فعاليته. بالطبع، هيكل الفقه ليس شيئًا يُستنبط من نصوص الشريعة، بل هو أمر ينشأ تدريجيًا تحت ظروف ومقتضيات واحتياجات معينة.
3. يجب أن يكون تغيير وتبيين هيكل الفقه تدريجيًا وبدون تسرع، حتى ينسجم الفقه التخصصي من جهة مع الواقع والقدرات، ومن جهة أخرى مع قدرات الفقهاء وعلماء الحوزة. حتى يمكن أن يخضع للنقد والإصلاح والتكميل اللازم ويجد مكانته اللائقة.
4. لا ينبغي النظر إلى معيار تخصص الفقه من زاوية واحدة وحصره في محور واحد (مثل الاجتماعي أو الحكومي)، على الرغم من أن هذا المحور مهم جدًا وله الأولوية، بل للوصول إلى هيكل شامل ومتناغم ومنطقي، من الأفضل أولاً تحديد المعايير المهمة والمؤثرة، ومن خلال تقاربها وربطها، السعي لتقديم هيكل يشمل أكبر قدر ممكن من المعايير.
5. بناءً على الآراء المطروحة والدراسات التي أجريت، فإن المعايير المعتبرة لتخصيص الفقه هي كما يلي، ولا شك أن وجود كل أو معظم هذه المعايير لفرع فقهي تخصصي سيبرر ضرورة تأسيسه: أ) اتساع وحجم مسائل ذلك الفرع؛ ب) تنوع مسائله ومباحثه؛ ج) تزايد مسائله؛ د) استمرارية ودوام مسائله المتعددة؛ هـ) كون مسائله أفعالاً (لا وصفية أو تقريرية)؛ و) أهمية وأولوية مسائله للنظام والمجتمع؛ ز) وجود فرع أكاديمي وجامعي مقابل؛ ح) الحاجة إلى دراسة موضوعية تفصيلية وتخصصية؛ ط) الحاجة إلى منهج اجتهادي خاص؛ ي) عدم شمول الأبواب الموجودة في الفقه له.
6. لا شك أن فقه الرياضة يمتلك العديد من المعايير المذكورة. لذا، يجب أن يحظى بالاهتمام اللائق بوصفه ميدانًا مهمًا. يمكن طرح فقه الرياضة كفرع فقهي تخصصي؛ فرع يتناول الأحكام الفقهية لجميع الأمور المتعلقة بالرياضة التي يحتاجها المجتمع والنظام. من جملتها طبيعة ومشروعية الرياضة، صناعة الرياضة، علاقات الفقه والرياضة، العمليات الرياضية وعلاقة الرياضيين، المدربين، المشجعين، الحكام الرياضيين، اللوائح الرياضية، الاتحادات والجمعيات الرياضية، الحوادث والمسؤولية الرياضية، إلخ.
7. لإنشاء وتطوير صحيح لفقه الرياضة التخصصي، يجب التحرك خطوة بخطوة مع دراسة وبرنامج مناسب؛ في هذا المسار، هناك حاجة أولاً إلى برنامج تعليمي شامل؛ بحيث يمكن تقديمه في الحوزة العلمية والمراكز الفقهية. كما أن وجود أساتذة ونصوص تعليمية مناسبة يعد من أهم المقتضيات.
قائمة المصادر
1. آقايي نيا، حسين (1381). حقوق ورزشى. طهران: نشر ميزان.
2. آقايي نيا، حسين (1383). مقدمه كتاب مبانى حقوقى ورزش ها، مسئوليت مدنى در ورزش. طهران: نشر دادگستر.
3. اردبيلى، محمد (1394). حقوق جزاى عمومى. طهران: ميزان.
4. انورى، حسن (1381). فرهنگ بزرگ سخن. طهران: انتشارات سخن.
5. حر عاملى، محمد بن حسن (1409ق). وسائل الشيعه. قم: موسسه آل البيت.
6. حسن بن زين الدين (1365). معالم الدين و ملاذ المجتهدين. قم: موسسه النشر الاسلامى.
7. حلى، احمد بن ادريس (1410ق). كتاب السرائر الحاوى لتحرير الفتاوى. قم: دفتر انتشارات اسلامى.
8. دهخدا، على اكبر (1373). لغتنامه. طهران: دانشگاه طهران.
9. صدر، سيد محمد باقر (1400ق). الفتاوى الواضحه. بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
10. فرهمند موحد، على و مهرزاد منوچهرى (1388). ورزش و سلامت جسم و روان. قم: انتشارات امام عصر.
11. مجلسى، محمد باقر (1403ق). بحار الانوار. بيروت: دار احياء التراث العربى.
12. مصاحبه با آيت الله اراكى (1364). مجله حوزه. قم، شماره 12 و ص47 – 21.
13. معين، محمد (1381). فرهنگ فارسى. طهران: انتشارات اميركبير.
14. ميرسليم، سيد مصطفى (1375). دانشنامه جهان اسلام. طهران: بنياد دايرة المعارف اسلامى.
الهوامش
1. الحقوق الرياضية أو حقوق الرياضة هي إحدى فروع علم الحقوق التي تتناول الدراسة الحقوقية للعلاقات والحوادث الرياضية في الرياضة. (انظر: آقايي نيا، 1381، ص 5).
2. أقر بعض الحقوقيين بأن تقديم تعريف شامل للرياضة وتعميمه على جميع مستويات المجتمع أمر مهم للغاية، وأن الخطأ في تعريف أو تفسير الرياضة كوسيلة لصناعة الأبطال، والحصول على الميداليات، وشغل أوقات الفراغ، والتنافس السياسي والعقائدي، وأمثال ذلك، هي أوهام باطلة سمعنا صوت انهيارها المزعج في السنوات الأخيرة في بعض دول العالم (حسين آقايي نيا)؛ مقدمة كتاب مباني حقوق الرياضة، المسؤولية المدنية في الرياضة؛ ص 13. بالطبع، هذا الكلام صحيح في محله، ولكن يبدو أن هذه المسائل تنشأ أكثر من الأهداف والدوافع في الرياضة، وليس من تعريف الرياضة. على سبيل المثال، في تعريف ورد فيه: «العمليات الرياضية تطلق على مجموعة من الأنشطة البدنية، سواء كانت فردية أو جماعية، يكون الهدف منها تحقيق النجاح بناءً على توقعات كل فرع من فروع الرياضة» (أردبيلي، 1394، ج1، ص281). هذه الأنواع من التعاريف، التي جاءت في مقام فصل الخصومة الناشئة عن السلوك الرياضي مثل الإصابات الرياضية، لها فاعلية، ولكنها تفتقر إلى الشمولية اللازمة في تحديد الأسس المنطقية للبحث وبيان ماهية الرياضة.
3. في التمييز بين اللعب والرياضة، قيل إن الرياضة نشاط بدني يخضع لإشراف مجموعة من القواعد والقوانين المتفق عليها، ويشمل مهارات فردية ويعتمد على الطاقة البدنية، ويُطلق على المشارك فيه اسم رياضي. أما في اللعب، فالهدف هو المتعة والتسلية، ويشمل أكثر من شخص واحد، ويعتمد في الغالب على القوة الذهنية وأداء جميع اللاعبين، ويُطلق على المشارك في اللعب اسم لاعب وليس رياضيًا. http://www.Difference bettween.net/miscellaneous/difference-bettween-game and-sport.
4. انظر: حسن سلطاني؛ رسالة دكتوراه، دراسة مقارنة لأركان المسؤولية المدنية للرياضة في القانون الإيراني والقانون الماليزي، بإشراف الدكتور سيد محمد مرندي، جامعة أصفهان، ص 12.
5. المقصود بالأحكام الفرعية هي الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين، سواء كانت هذه الأحكام تكليفية مثل الوجوب والحرمة، أو وضعية مثل الملكية والضمان، وسواء كانت أحكامًا تتعلق بالفرد وسلوكياته الشخصية أو العائلية، وكذلك الأحكام المتعلقة بالمجتمع والدولة.
6. «أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ إِلَيْكُمْ وَعَلَيْكُمُ التَّفَرُّعُ». (الحلي؛ ج3، ص549، ح647)؛ «عَلَيْنَا إِلْقَاءُ الْأُصُولِ إِلَيْكُمْ وَعَلَيْكُمُ التَّفَرُّعُ». (المجلسي؛ 1403، ج2، ص245).
7. تجدر الإشارة إلى أنه في أواخر عام 1397، قامت معاونية التعليم في مركز إدارة الحوزات العلمية بتقديم شجرة معرفية شاملة في مجالات علوم الإسلام، وفي مجال الفقه والأصول منها، لم تتم الإشارة إلى فقه الرياضة. بالطبع، كانت هذه الشجرة المعرفية تحتوي على نقائص وعيوب أكثر أهمية، أهمها؛ غياب المنطق والمعايير المفهومة التي تحكمها. لا شك أنه في الظروف الحالية، وبسبب اتساع المباحث والأسئلة المتعددة والمتنوعة التي تواجه النظام الإسلامي، فإن الاهتمام بالمجالات المختلفة والجديدة في الفقه وتطوير تعليم الفقه التخصصي ضرورة لا مفر منها، ولكن من ناحية أخرى، يجب الانتباه إلى هذه النقطة المهمة وهي أن التوسع غير المدروس والفاقد للمنطق، يؤدي بحد ذاته إلى الفوضى والاضطراب في مسار تقدم المعرفة الفقهية التخصصية، بل ويمكن أن يكون عائقًا أمام التخطيط الأمثل للفقه التخصصي.
8. ذكر سماحته في كتاب الفتاوى الواضحة، وفي معرض بحثه عن أهمية الرسائل العلمية وتطوراتها، ما يلي: «وعرض الأحكام من خلال صور عاشها فقهاؤنا في الماضي كان أمرًا معقولاً، فمن الطبيعي أن تعرض أحكام الإجارة مثلاً من خلال افتراض دابة للسفر، ولكن إذا تغيرت تلك الصور فينبغي أن يكون العرض لنفس تلك الأحكام من خلال الصور الجديدة ويكون ذلك أكثر صلاحية لتوضيح المقصود للمقلد المعاصر، والوقائع المتزايدة والمتجددة باستمرار بحاجة إلى تعيين الحكم الشرعي…» (الصدر، 1403، ص 96 – 97).
9. وردت هذه الرواية أيضًا في كتاب كمال الدين واحتجاج الطبرسي.
10. تم هذا الاستنباط بالاستفادة من المحاضرة القيمة للأستاذ أحمد مبلغي في مؤسسة الفقه والعلوم الإسلامية العليا (قم) بخصوص الفقه التخصصي.