دراسة فقهية لمشروعية الإجبار الحكومي في التربية الدينية

الملخص

من الأسئلة الأساسية حول الحكومة الإسلامية هو مدى صلاحياتها في مجال التربية الدينية لأفراد المجتمع؛ بمعنى أنه إذا افترضنا أن الحكومة تتمتع بالكفاءة لتربية أفراد المجتمع، فما هو نطاق صلاحيتها، وهل يمكنها استخدام الأساليب الإجبارية لتربيتهم؟ في هذا المقال، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي والبيانات المكتبية، تم أولاً بيان أدلة عدم مشروعية الإجبار والرد عليها، ثم طُرحت أدلة عقلية ونقلية متنوعة لإثبات مشروعية الإجبار، وتم تأييدها أو نقدها. وتخلص النتيجة الإجمالية لهذا البحث إلى أنه بناءً على الأطر والقواعد المتبعة في الاستنباط الفقهي، فإن أدلة عدم المشروعية غير كافية؛ ولكن في المقابل، توجد أدلة ومؤيدات متعددة للمشروعية. ومن هذا المنطلق، يمكن الحكم بجواز، بل بوجوب، إجبار المواطنين في عملية التربية الدينية من قبل حاكم المجتمع. بالطبع، هذا الحكم يقتصر على الحكم الأولي، ومع الأخذ في الاعتبار العناوين الثانوية والظروف الخاصة التي قد توجد في المجتمع، يجب الحكم بعدم جواز الإجبار.

المقدمة

من الأسئلة الأساسية في مجال فقه التربية، هو مدى صلاحيات الحكومة في مجال تربية أفراد المجتمع، وهل تستطيع الحكومة، باستخدام عنصر الإلزام، أن تدفع الناس نحو التربية الدينية أم لا؟ بالطبع، التربية في ذاتها لا تقبل الإلزام. لذلك، فإن المقصود بالإلزام هو توفير بيئة التربية عن طريق الإلزام، مثل حظر وسائل الإعلام التي تضعف تدين المجتمع من خلال إثارة الشبهات، أو إلزام الناس بمراعاة الحجاب، وما إلى ذلك؛ وبناءً على ذلك، فإن المحور الرئيسي لبحثنا يدور حول توفير بيئة التربية الدينية عن طريق الإلزام، وليس القيام بالتربية نفسها. للأسف، في السنوات المتعاقبة، لم تتطرق الأجهزة العلمية والثقافية في البلاد إلى هذا الموضوع إلا قليلاً، وكان هناك تقصير في تبيين هذا الموضوع في الأوساط العلمية وبين جماهير الناس؛ وبناءً على ذلك، الآن وقد ظهرت مصاديق متنوعة مثل الإجبار في مجال الحجاب، وتقييد وسائل الإعلام والإنترنت، وفلترة البرمجيات وتطبيقات التواصل الاجتماعي وغيرها لهذه المسألة، فإن الخوض في هذا الموضوع بشكل أوسع يكتسب أهمية مضاعفة.

من بين الأبحاث الأخيرة التي أُنجزت في هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى ما يلي:

١. مقالة «دور الحكومة في التربية؛ دراسة مقارنة بين رؤية أفلاطون والإمام الخميني»، من تأليف السيدين فوزي وكريمي بيرانوند (إسلام والبحوث التربوية، ربيع وصيف ١٣٩٠ش، العدد ٥). في هذه المقالة، تم تقديم أفلاطون والإمام الخميني كمفكرين وفيلسوفين في مجال السياسة والتربية، وكلاهما يرى للحكومة دوراً فاعلاً في التربية؛ ولكن من حيث المنهج، فإن نموذج أفلاطون في التربية خطي، ونموذج الإمام الخميني تكاملي. ومن حيث المحتوى، يكتفي أفلاطون بالأحكام العقلية، ولكن الإمام الخميني يستند إلى الحس، والعقل، والقلب، والوحي. وفي ساحة العمل أيضاً، يرى أفلاطون الحاكم العارف هو المتصدي الرئيسي للتربية؛ بينما يرى الإمام الخميني العوامل الفردية والمدنية والحكومية مؤثرة في ظل الإرادة الإلهية. في هذه المقالة، لم يُطرح أي حديث حول جواز أو عدم جواز استخدام الأساليب الإجبارية في مجال التربية، وهذا هو وجه التمايز بين هذه المقالة وبحثنا.

٢. مقالة «بحث في حدود المسؤولية التربوية للدولة الإسلامية في العصر الحاضر بناءً على كلام وسيرة الإمام علي (ع)»، من تأليف صمد سعيد صادق زاده قمصري (مجلة فقه التربية التخصصية، السنة الأولى، خريف وشتاء ١٣٩٢ش، العدد ١، ص ٧٩ إلى ١١٠). في هذه المقالة، تم التأكيد على أنه بالنظر إلى واجبات الدولة الإسلامية في مجال التربية، يجب تبيين واجباتها في مجال السياسة، والإدارة، والتخطيط، والإشراف، والرقابة في الشكل الرسمي وغير الرسمي للتعليم والتربية؛ ولكن لتجنب التعميم، تم تخصيص بعض المباحث لكيفية ارتباط حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية – باعتبارها أحد مصاديق الدولة الإسلامية في العصر الحاضر – بعملية التعليم والتربية. حاول الكاتب إعادة النظر في الأساليب الكلية في مجال التعليم والتربية، ولكنه لم يشر إلى مسألة الإجبار ولم يقيم مشروعيتها من الناحية الفقهية.

٣. مقالة «الحكومة الدينية ودراسة آسیب شناسی (علم العلل) لفاعليتها في مجال التربية الأخلاقية للمجتمع»، من تأليف السيد حسين ديبا (الحكومة الإسلامية، ربيع ١٣٩٢ش، العدد ٦٧، ص ٦١ – ٨٢). ينتقد كاتب هذه المقالة الأساليب الكلامية والمباشرة في التربية المتبعة في بلادنا، ويدرس آسیب (الآفات) تدخل الحكومة في مجال التربية ويقيمها من الناحية النظرية والعملية. بعض قضايا هذا البحث تشمل بشكل عام بحث الإجبار في أمر التربية، ولكن الكاتب لم يدرس مشروعيتها الفقهية بشكل خاص، وهذا هو وجه التمايز بين هذه المقالة وبحثنا.

٤. مقالة «التعليم والتربية الهدف الأساسي لحكومة الإمام علي (ع)» من تأليف السيد محمد حسين پژوهنده (البحوث الاجتماعية الإسلامية، فروردين وأرديبهشت ١٣٨٠ش، العدد ٢٧، ص ٢١٣ – ٢٢٩). تتناول هذه المقالة بشكل أكبر أهمية التعليم والتربية في سيرة حكومة أمير المؤمنين (ع)، ومن هذا المنطلق، على الرغم من أنها تتعلق بمشروعية تدخل الحكومة في مجال التربية، إلا أنها لا تبحث في مقولة الإجبار.

خلاصة القول هي أنه في أي من الآثار المذكورة سابقاً، لم يتم التطرق بشكل مستقل ودقيق إلى المحور الأساسي لهذه المقالة (الإجبار في أمر التربية)، بل تم التركيز على المباحث العامة للتربية الحكومية ولم يتم الخوض في أساليبها المشروعة وغير المشروعة. على سبيل المثال، في بعضها تم تبيين مسؤوليات الحكومة الإسلامية تجاه التربية الدينية وتوجيه المجتمع نحو السعادة الأخروية، وفي بعضها الآخر، تم طرح آفات التربية الحكومية وتدخل الحكومة في التربية وسبل مواجهتها؛ ولكن أياً منها لم يتطرق إلى مصادر مشروعية أو عدم مشروعية استخدام الأساليب الإجبارية في أمر التربية.

من هذا المنطلق، فإن الابتكار الجديد الذي تتضمنه هذه الكتابة هو التركيز على أحد أساليب التربية – أي أسلوب الإجبار والإلزام الحكومي – ودراسة أدلة مشروعيته وعدمها من حيث الحكم الأولي والثانوي؛ أي أن السؤال الأساسي في هذا البحث هو: ما الحكم الفقهي الأولي للإلزام الحكومي في التربية الدينية للمواطنين؟

بالطبع، في هذه الكتابة، نفترض وجود واجب على الحكومة الإسلامية بشأن أصل التربية الدينية للمواطنين، ونركز البحث فقط على مسألة الإجبار وعدمه، وفرضيتنا في هذا البحث هي مشروعية، بل وجوب، استخدام الإلزام الحكومي في تربية المواطنين.

والآن، نبدأ أولاً بتبيين المفاهيم وبيان القاعدة الأولية، ثم نتابع البحث الأساسي ضمن قسمين هما الإلزام والإجبار الحكومي من جهة الحكم الأولي، ثم الإلزام الحكومي من جهة الحكم الثانوي.

١. دراسة المفاهيم

١-١. الإجبار

الإجبار من مادة «الجبر»، وقد قيل في معناه: «الجبر هو أن يُلجأ الإنسان إلى ما لا يريده، ويُكره على فعل ما يكرهه» (الفراهيدي، ١٤١٠هـ، ج٦، ص ١١٥؛ الصاحب بن عباد، ١٤١٤هـ، ج ٧، ص ٩٧).

وقد ذكر الراغب أيضاً معنى للإجبار يتوافق مع موضوع بحثنا: أصل الجبر، إصلاح الشيء بالقهر. [مثلاً] يُقال: «جَبَرْتُهُ فَانْجَبَرَ وَاجْتَبَرَ»، ويُقال أيضاً: «جَبَرْتُهُ فَجَبَرَ»،… وهذا القول هو الأكثر شيوعاً بين أهل اللغة… وقد قال البعض: «الجبر» يُستخدم أحياناً في الإصلاح المجرد (بدون قهر)، كقول علي رضي الله عنه: «يا جابر كل كسير، ويا مسهل كل عسير»… وأحياناً في القهر المجرد (بدون إصلاح)، كحديث: «لا جبر ولا تفويض». والجبر في الحساب أيضاً بمعنى إضافة شيء إلى الحساب لإصلاح ما يريد الإنسان إصلاحه، وتسمية السلطان بالجبار (كقول الشاعر: وأنعم صباحاً أيها الجبر)، إما لأنه يُلزم الناس بما يريد، أو لأنه يُصلح أمورهم. والإجبار في الأصل هو إكراه الآخرين، ولكن استخدامه في الإكراه المجرد أيضاً شائع. مثلاً، يُقال: «أَجْبَرْتُهُ على كذا»، وهذا مثل قولك: «أكرهته» (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ١٨٣).

بناءً على ذلك، في مادة «الجبر» يوجد مزيج من القهر والإصلاح، ويُقال للإصلاح القهري «جبر»، على الرغم من أنه يُستخدم أحياناً في الإصلاح بدون قهر وأحياناً في القهر بدون إصلاح. إذن، مفهوم الإجبار له ارتباط وثيق بالإصلاح، ومن هنا يزداد ارتباطه ببحثنا؛ لأن بحثنا أيضاً يتعلق بإصلاح وتربية الناس باستخدام أساليب قهرية.

كما أن استخدام الإجبار في الإكراه شائع أيضاً (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص ١٨٣). فإذا جعلنا موضوع البحث أعم من الإجبار والإكراه، فلن يكون ذلك بعيداً عن الصواب؛ لأن الإجبار الحقيقي والفلسفي يعني أن الإرادة والاختيار يُسلبان من الشخص المقابل ويفقد قدرته تماماً؛ ولكن الإكراه يعني أن الشخص المقابل غير راضٍ عن فعل الفعل، ولكنه يقوم به بناءً على مصلحة يراها في فعله أو صعوبة يراها في تركه؛ وبناءً على ذلك، في الإجبار، الشخص المُجبر لا يملك إرادة ولا رضاً؛ أما في الإكراه، فالشخص المُكرَه لا يملك رضاً، ولكنه لا يفقد اختياره. في بحثنا، المقصود بالإجبار هو الأعم من هذين المعنيين ويشملهما كليهما.

الإجبار بالمعنى الأعم يمكن تصوره في صورتين: تكوينية وتشريعية. المقصود بالإجبار التكويني هو أن يقوم الشخص المُجبِر، بصورة فيزيائية، بإجبار الشخص المُجبَر على فعل شيء ما أو منعه من فعل شيء أو إخراج شيء من متناوله. مثلاً، يلبسه ثوباً بيده، أو يمنعه من الوصول إلى بعض وسائل الإعلام بالفلترة، أو يجمع كتباً معينة من السوق، وما إلى ذلك؛ أما الإجبار التشريعي فيعني أن يطلب الشخص المُجبِر من المُجبَر القيام بفعل ما، وبوضع القوانين، يجعل عدم الطاعة صعباً عليه، وإن لم يُسلب اختياره.

بالطبع، قد تُستخدم في القوانين المذكورة عقوبات مثل القتل، والتعذيب، ومصادرة الأموال، والغرامة النقدية، وغيرها. وأحياناً قد تُقرر مكافآت في القانون للطرف المقابل، بحيث يكون التغاضي عن تلك المكافأة غير مقدور عليه.

بناءً على ذلك، أحياناً الفرض هو أن الشخص المُجبِر – وهو الحاكم في بحثنا – يغلق طريق ارتكاب المعصية، ويضطر المواطنون إلى ترك المعصية، وأحياناً الفرض هو أنه يترك طريق ارتكاب المعصية مفتوحاً، ولكنه يضع عقوبات لمن يرتكبون المعصية حتى يصبح ارتكابها صعباً عليهم فيتركونها. بناءً على ذلك، فإن العقوبات التي وضعها الإسلام للعديد من المعاصي يمكن أن تكون جميعها مصاديق متنوعة للإجبار التشريعي.

بالطبع، في بعض الشؤون الاجتماعية والثقافية، يكون الإجبار التكويني هو الأكثر شيوعاً، وفي بعضها الآخر، يكون بحث الإجبار التشريعي هو المطروح. مثلاً، في مسألة الحجاب، قد لا يكون للإجبار التكويني معنى؛ ولكن مسائل مثل الفلترة والرقابة يمكن أن تكون مصاديق للإجبار التكويني.

١-٢. التربية

كلمة «التربية» في اللغة الفارسية تعني التنشئة وتعليم الآداب والأخلاق، وتُستخدم في اللغة العربية بمعنى أن ننمي شيئاً حتى يصل إلى كماله المنشود (الراغب الأصفهاني، ١٤١٢هـ، ص٣٣٦؛ المصطفوي، ١٤٠٢هـ، ج ٤، ص ١٧).

وفي الاصطلاح، عرّفها البعض بأنها تنمية الاستعدادات الكامنة الداخلية وإيصالها إلى الفعلية (مطهري، ١٣٩٧ش، ص٦)، وكتب آخرون في تعريفها: التربية عملية مساعدة المتربي لإحداث تغيير تدريجي في مدى زمني، في إحدى ساحاته البدنية، أو الذهنية، أو الروحية، أو السلوكية، بواسطة عامل إنساني آخر، بهدف وصوله إلى الكمال الإنساني وتفتق استعداداته أو ردع وإصلاح صفاته وسلوكياته (أعرافي، ١٣٨٨ش، ص ٢٨).

يبدو أن المشكلة الوحيدة في التعريف الأخير هي أنه حصر التربية في العامل الإنساني، بينما يمكن أن تتم التربية بواسطة أي كائن. ولهذا السبب، يُسمى الله تعالى «رباً». بالطبع، مقصودنا في هذه الكتابة هو التربية الدينية فقط التي تتم بناءً على التعاليم الإسلامية وبهدف تربية إنسان متدين، بحيث يكون لديه التزام قلبي وعملي بالإسلام في الأبعاد العقدية والأخلاقية والعبادية.

إذن، ما يتبادر إلى الذهن من كلمة «التربية» هو تقريباً نفس المعنى الذي يتبادر إلى الذهن من كلمات مثل «التأديب» و«التزكية» و«الإصلاح».

١-٣. الحكومة

كلمة «حكومة» مشتقة من الجذر العربي «حكم»، وهي المصدر الثاني للفعل «حَكَمَ، يَحكُمُ، حُكماً». تُستخدم هذه الكلمة أحياناً بمعنى القضاء (ابن الأثير، ١٣٦٧ش، ج ١، ص ٤١٩ – ٤٢٠)، وأحياناً بمعنى إدارة شؤون البلاد وإزالة الظلم وإقامة العدل (ابن منظور، ١٤١٤هـ، ج ١٢، ص ١٤١).

وفي الاصطلاح أيضاً، الحكومة هي مؤسسة تُدار تحتها دولة أو مجتمع، وهي التي تضع السياسات وتحدد التوجهات المستقبلية لتلك الدولة أو المجتمع، وفي الوقت الحاضر، تتكون عادةً من ثلاثة أقسام: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية (آقابخشي وأفشاري راد، ١٣٨٣ش، ص ١١٥).

المقصود بالحكومة في هذه المقالة هو هذه المجموعة التي بيدها السلطة وتستطيع التأثير في تربية وثقافة الناس، سواء كانت هذه القدرة في كل الحكومة أو في جزء منها فقط – مثل الدولة -.

٢. مقتضى القاعدة مع قطع النظر عن الأدلة الخاصة

قبل الدخول في الأدلة، يجب أن نرى، مع قطع النظر عن الأدلة الخاصة، ما هو حكم الإجبار الحكومي في أمر التربية؟ تشخيص هذه القاعدة والأصل مهم من حيث أنه إذا لم نجد دليلاً على المشروعية أو عدمها، يمكننا تشخيص حكم المسألة في مقام العمل.

يبدو أنه في باب المشروعية، إذا لم يوجد دليل على حرمة الإجبار الحكومي في أمر التربية، فالأصل هو جوازه، ويجري أصل البراءة من الحرمة. وكذلك إذا لم يوجد دليل على وجوب الإجبار، ففي مورد الوجوب أيضاً يجري أصل البراءة وينفي الوجوب؛ بناءً على ذلك، في الفرض المذكور، الإجبار الحكومي في أمر التربية ليس واجباً ولا حراماً؛ بل هو أمر مباح يمكن للحكومة استخدامه.

بالطبع، هذا في حالة ألا تؤدي هذه التربية إلى ممارسة الولاية على المواطنين وتقييدهم، وإلا فبالنظر إلى أصل عدم الولاية، لن يكون لها الحق في فعل ذلك، وإذا مارست الولاية فلن تكون نافذة؛ لأن أصل عدم الولاية من الأصول والقواعد المعروفة فقهياً وعقلياً، والتي بناءً عليها، لا يملك أي إنسان ولاية وسلطة على نفس ومال وعرض إنسان آخر، وإذا مارس الولاية على شخص بدون دليل شرعي، فإن ولايته غير نافذة. على حد علمي، لا يوجد مخالف لهذا الأصل، ومن المستبعد جداً أن يكون أحد قد خالفه (للمثال: انظر: الشهيد الثاني، ١٤١٣هـ، ج ٦، ص ١٤٤؛ الأنصاري، ١٤١٥هـ، ج ٣، ص ٥٤٦؛ البجنوردي، ١٤١٩هـ، ج٦، ص٢٥٣؛ الإمام الخميني، ١٤١٨هـ، ج ٤، ص ٥٩٢).

فإذا كان من المقرر أن نثبت أي نوع من الولاية لأحد على شخص آخر، يجب أن نقيم دليلاً مناسباً، وكلما وجد دليل مناسب، يجب لتشخيص نطاق الولاية التي تثبت بذلك الدليل، مراجعة عموم أو إطلاق ذلك الدليل. فربما يدل دليل على ثبوت الولاية، ولكن نطاقها محدود جداً وفي أمور خاصة.

بناءً على ذلك، تدخل الحكومة في أمر تربية المواطنين، بناءً على الأصل الأولي، من الناحية التكليفية ليس واجباً ولا حراماً، ومن الناحية الوضعية أيضاً إذا أدى إلى ممارسة الولاية من جانب الحكومة، فهو غير نافذ.

٣. الإلزام الحكومي من جهة الحكم الأولي

البحث حول الإلزام الحكومي يكون أحياناً من جهة الحكم الأولي – أي بدون النظر إلى العناوين الثانوية مثل الخطأ، والنسيان، والاضطرار، والإكراه، والجهل، والعجز، والشك، والعسر، والحرج، والضرر، والتقية، والشك، وجهل المكلف – وأحياناً من جهة الحكم الثانوي – أي بالنظر إلى العناوين المذكورة – (مركز المعلومات والوثائق الإسلامية، ١٣٨٩ش، ص ١١٥ و ١١٦).

نحن في المبحث الأول، ندرس الحكم الأولي للإجبار وأدلة عدم المشروعية ثم أدلة المشروعية، وفي المبحث الثاني، نتناول حكمه الثانوي.

٣-١. أدلة عدم مشروعية الإجبار

الدليل الأول: الشارع لا يريد أن يهتدي العباد ويتربوا بأي طريقة كانت؛ بل يريد أن تكون هذه الهداية والتربية بإرادتهم. مثلاً، طبقاً لآيات مثل (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، (البقرة: ٢٥٦)، لا يوجد أي إكراه وإجبار في الدين. من هذا المنطلق، لا يحق لأحد أن يجبر الآخرين على الالتزام بالشرائع الدينية.

يبدو أن الاستدلال بهذه الآيات ليس صحيحاً؛ لأن مفادها يتعلق بأصل الاعتقاد بالإسلام؛ أي لا يمكن إجبار أحد على قبول دين الإسلام؛ لأن هذا العمل لا فائدة منه، ومن يسلم باللسان فقط وخوفاً، لا خير في إسلامه. أما إذا أسلم شخص باختياره، فلا تدل هذه الآيات على عدم جواز إجباره على الالتزام بالشرائع الدينية؛ لأن الإسلام كبلد لا إجبار في دخوله، ولكن من دخله يجب أن يقبل قوانينه.

وهذا المعنى يتوافق أكثر مع شأن نزول آية (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (الطباطبائي، ١٤١٧هـ، ج٢، ص ٣٤٧).

الدليل الثاني: في سيرة المعصومين (ع)، لم يرد تقرير يفيد بإجبار الناس في الأمور التربوية، وحتى في الفترة التي كان للمعصومين (ع) بسط يد، لم يفعلوا ذلك أبداً، أو لم يصلنا حجة تدل على ذلك.

هذا الاستدلال أيضاً معتل من جهات مختلفة؛ لأن توفر الظروف للمعصومين (ع) لإجبار الناس على الأمور الشرعية، حتى في زمن بسط اليد، ليس واضحاً وقطعياً؛ لأنه حتى النبي الأكرم (ص) نفسه كان أحياناً لا يرى الظروف اللازمة متاحة لإعلان بعض الأمور، وكان يخشى من بيانها؛ لأنه كان من الممكن أن يرفض الناس تحملها ويتعرض أساس الإسلام للمشكلة، فكيف بإجبار الناس عليها؟ [2]

مثلاً، على الرغم من أن حكم بعض الأمور مثل شرب الخمر ووجوب الحجاب وغيره قد صدر في زمنهم، إلا أن المجال لم يكن متاحاً بعد لإجبار نساء ورجال المجتمع على هذا الأمر. من هذا المنطلق، هناك احتمال أن يكونوا قد وكلوا تنفيذه إلى خلفائهم. وقد قبل هذا الاحتمال كبار العلماء مثل الشيخ الأنصاري حتى في مورد إطلاقات وعمومات كلام المعصومين المتقدمين، ويعتقدون أنه بالنظر إلى أن المصلحة كانت أحياناً في إخفاء المخصصات والمقيدات، فإن كشفها وُكل إلى الأئمة المتأخرين (الأنصاري، ١٤٢٨هـ، ج ٤، ص ٩٥ – ٩٦).

بناءً على ذلك، إذا لم يستخدم المعصومون المتقدمون هذا الخيار في زمانهم، فلا يدل ذلك على عدم مشروعيته، خاصة أنه في زمن أمير المؤمنين (ع)، كانت الكثير من البدع والانحرافات قد ترسخت في أذهان الناس، وكانت محاربتها أحياناً صعبة جداً (انظر: الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٨، ص ٦٢ – ٦٣).

إضافة إلى ذلك، في كثير من الحالات، كان النبي الأكرم (ص) أو أمير المؤمنين (ع) يقيمون الحدود والتعزيرات الإلهية على مرأى من الناس (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ٢٨، ص ٣١ وج ٢٨، ص٣٦٦)، ومن الواضح أن هناك تلازماً عرفياً بين التعزير والإجبار.

الدليل الثالث: جاء في الآية ١٥٩ من سورة آل عمران: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ…) «فبرحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم…».

يُستفاد من هذه الآية أن استخدام الغلظة والإجبار في طريق تبليغ الدين والتربية يؤدي إلى نتيجة عكسية ويبعد الناس عن الشريعة.

يبدو أن مثل هذا الاستنباط من هذه الآية ليس صحيحاً؛ لأن هذه الآية ناظرة إلى جذب قلوب الناس إلى أصل الدين وبيان كلياته، وهو ما كان مستحيلاً قطعاً بدون اللين والأخلاق الكريمة للنبي الأكرم (ص)؛ ولكن لكل دين ضوابطه الخاصة التي يجب الالتزام بها بعد قبوله، ومن يخالفها يستحق العقوبة، وهذا لا يتنافى أبداً مع رحمة قائد ذلك الدين. ولهذا السبب، كان النبي الأكرم (ص) يقدم على تنفيذ حدود وقوانين الإسلام مثل حد الزنا والخمر و… (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج٢٨، ص ٣١ وج٢٨، ص ٣٦٦).

الدليل الرابع: يقول عباد بن صهيب: «سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لا بأس بالنظر إلى رؤوس أهل تهامة والأعراب وأهل السواد والعلوج، لأنهم إذا نهوا لا ينتهون. وقال: لا بأس بالنظر إلى شعر المجنونة والمغلوبة على عقلها وجسدها ما لم يتعمد» (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ٢٠، ص ٢٠٦، ح ١).

هذا الملاك لا يشمل فقط كل النساء اللواتي لا يرغبن في الالتزام بالحجاب، بل يشمل أيضاً أي واجب أو حرام آخر لا يريد الناس مراعاته.

ولكن هذا الدليل أيضاً غير مقبول؛ أولاً، لأن سند هذه الرواية ضعيف بسبب عباد بن صهيب؛ لأنه على الرغم من أن النجاشي قد وثقه (النجاشي، ١٤٠٧هـ، ص ٢٩٣)، إلا أن المحقق الحلي يقول عنه: لا يُعمل بما انفرد بنقله. (المحقق الحلي، ١٤١٢هـ، ج ٢، ص ٢٤٧). ثانياً، لا يمكن تعميم حكم النساء المذكورات في الرواية على سائر النساء؛ لأن التعدي من مورد الرواية لا يكون ممكناً إلا إذا كان تنقيح المناط القطعي ممكناً، ونحن لا نستبعد أبداً احتمال وجود فرق بين هؤلاء النساء وسائر النساء، أو احتمال وجود فرق بين عدم الحجاب وسائر الذنوب، بينما احتمال وجود فرق كبير جداً؛ لأنه من المحتمل أن تكون نساء البادية، بسبب جاذبيتهن الأقل وخصائصهن الظاهرية الخاصة، أقل إثارة لفساد المجتمع.

٣-٢. أدلة المشروعية

علمنا أن أدلة عدم المشروعية لا تستند إلى أسس متينة؛ ولكن في المقابل، توجد أدلة متنوعة تدل على مشروعية الإجبار:

٣-٢-١. أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

تبيّن أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عدة مراحل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أولها الإنكار بـ «القلب»، وثانيها النهي بـ «اللسان»، والمرحلة الثالثة النهي بـ «اليد».

ينقل الكليني عن علي عن أبيه عن ابن أبي عمير عن يحيى الطويل عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عالم بما يأمر به، تارك لما ينهى عنه، عادل فيما يأمر به، عادل فيما ينهى عنه، رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه» (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ١٦، ص ١٣١، ح ٢). [هذا النص المترجم للرواية لا يتطابق تماماً مع النص الفارسي المذكور، لكنه هو النص العربي الشائع]. وهناك حديث آخر منسوب إلى الإمام الحسن العسكري (ع) عن النبي الأكرم (ص) أنه قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ١٦، ص ١٣٥، ح ١٢).

أو في حديث آخر جاء أنه إذا لم يقبل المذنبون نصيحتكم، فجاهدواهم بأبدانكم وابغضوهم بقلوبكم (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج ٥، ص ٥٥ – ٥٦، ح ١).

يكتب العلامة قطب الدين الراوندي (المتوفى ٥٧٣ هـ) في هذا الصدد: «إذا سأل سائل: هل يجب في النهي عن المنكر استخدام السلاح؟ نقول: نعم، كلما دعت الحاجة إليه، أصبح واجباً في حدود القدرة والإمكان على تحصيله وحمله…» (١٤٠٥هـ، ج ٢، ص ١٣٨ وج٢، ص ١٤٢).

ويكتب المحقق الحلي أيضاً في هذا الصدد: «كل من يستطيع أن يفعله باللسان واليد والقلب، يجب عليه أن يفعله، ومن لا يستطيع، يفعله بما يستطيع». (المحقق الحلي، ١٤١٣هـ، ص ٣٦٣).

ويقول العلامة الحلي في تحرير الأحكام: «إنكار [المنكر] له ثلاث مراحل: الإنكار بالقلب، والإنكار باللسان، والإنكار باليد… إذا لم تفد الموعظة واحتيج إلى استخدام اليد – كالضرب وما شابهه – جاز استخدامه…» (العلامة الحلي، ١٤٢٠هـ، ج ٢، ص ٢٤١).

بناءً على ذلك، يجب على الإنسان أحياناً أن يستخدم الإجبار والقوة للنهي عن المنكر. ففي الوقت الحاضر حيث توجد حكومة إسلامية ولا يستطيع الناس العاديون إجبار أحد، يجب على الحكومة أن تقوم بهذا العمل.

٣-٢-٢. روايات «من خالف الشرع فعليه حد أو تعزير»

تدل عموم بعض الروايات على مشروعية استخدام الإجبار في الأمور الدينية؛ لأن هذه الروايات تدل على مشروعية تعزير الأفراد الذين يتركون الواجبات ويرتكبون المعاصي، وجواز التعزير يلازم عرفاً جواز الإجبار.

في وسائل الشيعة، وردت هذه الروايات في باب بعنوان: «باب أنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ الشَّرْعَ فَعَلَيْهِ حَدٌّ أَوْ تَعْزِيرٌ» (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ٢٨، ص ١٤). من الواضح أن حد وتعزير الأفراد في دين الإسلام ليس فقط للانتقام وتشفّي الغليل وأهداف من هذا القبيل؛ بل إن هذه الأحكام شُرّعت في الغالب لتربية الشخص المجرم نفسه أو من يشهدون معاقبته.

الحديث الأول: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن فضالة بن أيوب عن داود بن فرقد عن الإمام الصادق عن رسول الله (ص) أنه قال في جواب سعد بن عبادة: «إِنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًّا وَجَعَلَ لِمَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ الْحَدَّ حَدًّا»؛ (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ٢٨، ص ١٤، ح ١)، أي أن الله قد جعل لكل شيء حداً، ولمن يتجاوز ذلك الحد حداً أيضاً.

نقل الشيخ الطوسي هذا الحديث بأسانيده عن الحسين بن سعيد (١٤٠٧هـ، ج ١٠، ص ٣، ح ٥)، والشيخ الصدوق أيضاً نقله بأسانيده عن فضالة بن أيوب (١٤١٣هـ، ج ٤، ص ٢٤، ح ٤٩٩٢)، وكلاهما صحيح. (انظر: العلامة الحلي، ١٣٨١هـ، ص٤٣٦؛ القهبائي، ١٤٠٣هـ، ج ٧، ص ٢١١)، كما أن سنده في الكافي صحيح أيضاً (انظر: المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ٢٣، ص ٢٦٥).

الحديث الثاني: وعنهم عن أحمد بن محمد بن خالد عن عمرو بن عثمان عن علي بن الحسن بن علي بن رباط عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): «إِنَّ اللَّهَ عزوجل جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ حَدًّا وَجَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى حَدًّا مِنْ حُدود الله عزوجل حَدًّا وَجَعَلَ مادون الأَرْبَعَة الشُّهَداءِ مَسْتوراً عَلَى الْمُسْلِمِينَ». (الحر العاملي، ١٤٠٩هـ، ج ٢٨، ص ١٥، ح ٢).

جعل الله عز وجل لكل شيء حداً، ولمن يتجاوز حدود الله حداً، وجعل ما دون أربعة شهداء مستوراً على المسلمين.

اعتبر العلامة المجلسي هذا الحديث صحيحاً في مرآة العقول (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ٢٣، ص ٢٦٤).

بالنظر إلى أن بعض هذه الروايات صحيحة وبعضها موثقة، يمكن الاطمئنان إجمالاً بصدور مثل هذا المضمون عن المعصومين، وبالتالي الحكم بحجيته.

بناءً على ذلك، فإن هذه الروايات تفيد بأن كل ما يبتلى به الإنسان في هذا العالم له حكم وحد، وإذا تجاوز أحد ذلك الحد، يمكن لحاكم المجتمع أن يعاقبه بشكل ما. وهذا هو معنى مشروعية الإجبار في الأمور الدينية. يؤكد العلامة المجلسي على هذا المعنى في شرحه لجملة «وجعل له دليلاً يدل عليه وجعل لكل شيء حداً» (المجلسي، ١٤٠٤هـ، ج ١، ص ٢٠٣).

٣-٢-٣. قاعدة العدالة الاجتماعية

من واجبات الحكومة إقامة العدل وتأمين العدالة. هذا الوجوب له مستندات قرآنية وغير قرآنية كثيرة لا يتسع المجال لدراستها في هذا المقال القصير؛ ولكن مع قبولها، يمكن الاستناد إليها لإثبات مشروعية الإجبار في أمر التربية الدينية بطريقتين:

الوجوب المقدمي: من مقدمات تحقيق العدالة الحقيقية في المجتمع، تربية أفراد المجتمع دينياً؛ لأنه لتنفيذ العدالة في المجتمع من قبل الحكام، يجب تربية الناس ليكون لديهم سلوك عادل. بالطبع، تثبت مشروعية الإجبار بهذه الطريقة أيضاً؛ لأنه من البديهي أن هناك دائماً أفراد في المجتمع يتخذون موقفاً معارضاً لتنفيذ العدالة، ولا يمكن إخضاعهم للعدالة ومقدماتها إلا بالأساليب الإجبارية. إذن، استخدام الإجبار لتنفيذ العدالة في المجتمع مشروع، ويمكن للحاكم أن يستخدم الأساليب الإجبارية لتنفيذ العدالة.

الوجوب النفسي: التربية هي أحد مصاديق العدالة؛ لأن التربية حق للمواطنين على ذمة الحاكم، وعليه أن يؤدي هذا الحق. هذه النقطة، بالإضافة إلى أنها تُفهم من العلاقة بين الحاكم والناس والمسؤولية التي تقع على عاتقه تجاه رفاههم وسعادتهم الدنيوية والأخروية، هي أيضاً مفاد بعض الروايات. مثلاً، يقول أمير المؤمنين (ع) في هذا الصدد: «ثم جعل سبحانه من حقوقه افترضها لبعض الناس على بعض… وأعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالي على الرعية وحق الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاماً لألفتهم وعزاً لدينهم» (نهج البلاغة، الخطبة ٢١٦).

لقد جعل الإمام في هذه الرواية الحقوق المتبادلة بين الناس والحاكم من جملة حقوق الله، وأكد على كونها فريضة واجبة من قبل الله. إذن، من المعلوم أنه لا يمكن إسقاط هذه الحقوق المتبادلة وحق الله الذي يريد أن يعيش الناس في كمال السعادة بعبوديته، لا يسقط؛ لذلك، فإن تكليف ومسؤولية الدولة الإسلامية تجاه الناس – والتي تشمل تربية الناس أيضاً – أمر هو «حق الناس» و«حق الله» في آن واحد، والقائمون على الدولة الإسلامية من هذا المنطلق هم «مسؤولون» أمام عامة الناس وأيضاً «محاسبون» أمام الله (انظر: قمصري، ١٣٧٩، ص ٢٧).

بناءً على هذا المنهج أيضاً، تثبت مشروعية الإجبار؛ لأن شأن الحقوق القائمة بين الناس والحكومة ليس كـ «العقود الاجتماعية» بين العقلاء بحيث يمكن إسقاطها. فإعراض الناس عن هذا الحق لا يوجب سقوطه.

بالإضافة إلى ذلك، قد تكون بعض الحقوق بحيث يؤدي عدم الحصول عليها إلى تضييع حقوق الآخرين، مثل حق حضانة الطفل. إسقاط حق التربية أيضاً يمكن أن يؤدي إلى ضربات قاصمة لمجموع المجتمع المسلم. ربما يمكن الاستفادة من هذا المطلب بأن كون التربية حقاً، في حد ذاته، يدل على جواز الإجبار في التربية؛ لأنه كما أن القاضي يمكنه أحياناً إجبار والدي الطفل على حضانته، يمكن للحاكم أيضاً أن يجبر المواطنين على قبول هذا الحق، نظراً للآثار التي تترتب على تربيتهم الصحيحة، وأن يربيهم على أساس منهج خاص.

٣-٢-٤. قاعدة وجوب حفظ النظام

من لوازم حفظ نظام الحكم أن تكون تربية مواطني تلك الحكومة متوافقة مع هياكلها؛ لأنه من الممكن أن يؤدي عدم انسجام فكر وتربية المواطنين إلى مواجهة مع النظام الحاكم ويزعزع أسسه، ومجرد هذا الاحتمال يكفي للتبصر وتجنب الخطر المحتمل. ولهذا السبب، في عالم اليوم، وباستخدام قدرات وسائل الإعلام، تُبذل جهود حثيثة لتغيير ثقافة المجتمعات. إذن، حفظ النظام الإسلامي يستلزم أيضاً أن يتربى أفراد المجتمع على أساس التعاليم الدينية لتوفير أرضية حفظ واستقرار النظام الإسلامي. الآن، يبدو أنه بالنظر إلى أهمية مسألة حفظ النظام وحاكميتها على سائر الأدلة الأولية، يمكن لهذه القاعدة أن تقيد أصل عدم الولاية وتثبت الإجبار الحكومي في هذه المسألة.

٣-٢-٥. قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل

قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل هي إحدى القواعد الهامة التي تشكل أساس وجوب التحقيق في أصول الدين والعقائد. هذه القاعدة لا تشمل فقط دفع الضرر عن النفس؛ بل يجب على المسلم أن يدفع الأضرار المحتملة عن سائر المسلمين. يمكن استنباط هذا المعنى من روايات وجوب الاهتمام بأمور المسلمين ورفع حوائجهم (الكليني، ١٤٠٧هـ، ج٢، ص ١٦٢-١٦٣). هذه الروايات تدل بطريق الملازمة على وجوب الوقاية من الأضرار المحتملة؛ لأن المناسبات العرفية تقتضي أن يكون كل من دفع الضرر الفعلي واجباً، والوقاية من الأضرار المحتملة أيضاً.

ويكتب السيد المرتضى أيضاً عن دفع الضرر عن المسلمين: «دفع الضرر عن مصالح المسلمين واجب، كما أن دفع الضرر عن الناس واجب». (السيد المرتضى، ١٤١٥هـ، ص ٤٥٨). ويذكر العلامة الحلي أيضاً في عداد الواجبات الكفائية دفع الضرر عن المسلمين (العلامة الحلي، ١٣٨٨ش، ج٩، ص ٨؛ ١٤١٣هـ، ج ١، ص ٤٧٧).

بناءً على هذه القاعدة، يمكن القول: إذا شخص الحاكم أن عدم تربية المواطنين على أساس التعاليم الإسلامية يعرض مصالح المسلمين للخطر ويؤدي إلى إلحاق الضرر بهم وإيقاعهم في المشاكل في مختلف المجالات – مثل هيمنة الأجانب عليهم -، فمن واجبه، بصفته ولي أمر المجتمع، أن يمنع هذا الضرر.

من حيث مشروعية الإجبار أيضاً، يمكن القول: هذه القاعدة قاعدة عقلية، وتخصيصها بغير موارد الإجبار غير ممكن؛ بل إن دفع الضرر واجب في كل الأحوال، إلا إذا شعر الحاكم أن استخدام الإجبار في الأمور التربوية يستلزم ضرراً أكبر.

ما يؤكد هذه المسألة هو أنه في كثير من الحالات، يؤدي ترك تربية أفراد المجتمع إلى إلحاق الضرر بعامة المجتمع، وهذا الضرر هو من النوع الأخروي. فبالنظر إلى أن دفع الأضرار العامة والأخروية واجب قطعاً بحكم العقل، يمكن القول: هذه القاعدة، على الأقل بصورة موجبة جزئية، تثبت وجوب التربية في الحالات التي يترتب على تركها احتمال أضرار عامة للمجتمع أو أضرار أخروية.

بالإضافة إلى ذلك، في الحالات التي يؤدي فيها ترك التربية إلى احتمال هيمنة الكفار، تأتي قاعدة نفي السبيل لمساعدة قاعدة دفع الضرر المحتمل.

٣-٢-٦. المؤيدات

توجد أدلة أخرى أيضاً، بسبب النواقص في سندها أو دلالتها، لا يمكن أن تكون إلا مؤيدات لمشروعية الإجبار، مثل:

أولاً: الآيات المتعلقة بالقصاص والحدود.

ثانياً: رسالة رسول الله (ص) إلى معاذ بن جبل التي قال فيها: «يا معاذ، علمهم القرآن وأحسن تأديبهم على الأخلاق الصالحة… ثم انشر بينهم المعلمين…». (ابن شعبة الحراني، ١٤٠٤هـ، ص ٢٥). بالنظر إلى الإطلاق في كلام النبي الأكرم (ص) فيما يتعلق بأساليب التأديب، يمكن للحاكم أن يستخدم أي وسيلة لتربية الناس، حتى لو استلزمت هذه الأساليب استخدام الإجبار والأساليب القهرية.

ثالثاً: رواية أمير المؤمنين (ع) التي قال فيها: «أدبتكم بسوطي؛ ربيتكم بسوطي» (نهج البلاغة، الخطبة ١٨١).

رابعاً: في أمر النبي الأكرم (ص) لعمرو بن حزم جاء: «وأمره أن يأخذ الحق كما أمره الله، وأن يبشر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلمهم القرآن ويفقههم فيه…» (البلاذري، ١٤١٢هـ، ص٨١؛ البيهقي، ١٤٠٥هـ، ج ٥، ص ٤١٣).

خامساً: ورد في رواية: «اضربوا النساء على تعليم الخير» (الكوفي، بدون تاريخ، ص ٩٤).

سادساً: وجوب استيفاء حق الله على الحاكم.

سابعاً: وجوب منع أذى المؤمن.

ثامناً: وجوب الاستعداد الروحي والتربوي للدفاع في وجه الأعداء وحفظ الأمن و… .

٤. الإلزام الحكومي من جهة الحكم الثانوي

الأحكام الثانوية هي أحكام جُعلت لحالات الخطأ، والنسيان، والاضطرار، والإكراه، والجهل، والعجز، والشك، والعسر، والحرج، والضرر، والتقية، وحالات من هذا القبيل. لتصوير العناوين الثانوية في بحثنا، يمكن استخدام أمثلة متنوعة:

أولاً: قد يؤدي إجبار المواطنين إلى إلحاق ضرر بهم أو بالحاكم (الحكومة الإسلامية). مثلاً، إجبار مواطن على الصلاة في أول وقتها يؤدي إلى تلف أموال كثيرة له، أو إجبار امرأة على الالتزام بحجاب معين يسبب لها عناءً جسدياً شديداً.

ثانياً: أن يكون إجبار الناس صعباً وشاقاً جداً، بحيث لا يستطيع الحاكم القيام بهذه الوظيفة، ويكون مصداقاً لـ«ما لا يطيقون» أو مصداقاً لـ«العسر والحرج».

ثالثاً: استخدام الأساليب الإجبارية يؤدي إلى إضعاف النظام الإسلامي على الساحة الدولية، أو يتعارض مع المعاهدات الدولية، بحيث يوفر استخدامها أرضية لتهديد الأعداء، وبالتالي يكون مصداقاً لقاعدة «نفي السبيل» أو «عزة الإسلام» أو «الدفاع عن المسلمين» أو مسائل من هذا القبيل.

رابعاً: إجبار المواطنين يظهر صورة عنيفة وبشعة للإسلام أمام شعوب العالم ويشوه صورة الإسلام، ومن هنا، تضطر الحكومة إلى التقية.

بالنظر الدقيق إلى هذه الأمثلة القليلة، تتضح مسألة الحكم الثانوي بشكل صحيح.

إذا استفدنا من أدلة مشروعية الإجبار جوازه فقط، فمن الطبيعي أنه في الحالات الثانوية لا يمكنه استخدام هذا الخيار؛ ولكن إذا استفدنا وجوب التربية الإجبارية، فيجب دراسة كل دليل من أدلة الوجوب من منظور الحكم الثانوي:

١-٤. أدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عدم جريان هذه الأدلة في الحالات التي توجد فيها عناوين ثانوية أوضح من سائر الأدلة؛ لأن هذه الأدلة، بطبيعتها، تختص بالحالات التي لا يوجد فيها ضرر وحرج. فبطبيعة الحال، في الحالات التي لا يتوقع فيها الحاكم تأثيراً، أو يكون في إجبار المواطنين على الالتزام بالأمور الشرعية احتمال ضرر، أو يستلزم العسر والحرج، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس واجباً أصلاً حتى نحتاج إلى تخصيص عمومه بأدلة ثانوية.

٢-٤. روايات «من خالف الشرع فعليه حد أو تعزير»: لسان الأدلة الثانوية يحكم تماماً على هذا النوع من الروايات ويضيق موضوعها ويخصصه بالحالات التي لا يسبب فيها الحد أو التعزير ضرراً (أضراراً غير متناسبة مع الحد والتعزير)، وحرجاً، و…

٣-٤. قاعدة تأمين العدالة الاجتماعية: بما أن مسألة العدالة الاجتماعية تتمتع بأعلى مكانة بالنسبة لسائر العناوين، فلا يمكن لأي عنوان ثانوي آخر أن يزيل تأثيرها، إلا إذا كان العنوان الثانوي المذكور هو نفسه العدالة الاجتماعية.

بعبارة أخرى، لا يمكن ترك الإجبار في الأمور التربوية إلا في الحالة التي يكون فيها هذا الإجبار نفسه سبباً للظلم. بالطبع، في هذه الحالات أيضاً، الحقيقة هي أن تغيير الحكم يكون من باب تغيير الموضوع، لا من باب حكومة العنوان الثانوي؛ لأنه مثلاً، كان الفرض قبل ذلك أنه بإجبار المواطنين على الأمور الدينية، تُحفظ العدالة الاجتماعية، وبعد فترة، يصل الحاكم إلى نتيجة مفادها أن العكس هو الصحيح، أي أن الإجبار يؤدي إلى زوال العدالة الاجتماعية. إذن، في الواقع، يتغير موضوع الحكم، وبالتالي يتغير الحكم المترتب عليه.

بناءً على ذلك، حتى لو أدى إجبار المواطنين على الالتزام بالحدود الشرعية إلى إلحاق ضرر بهم أو بالحاكم، أو استلزم العسر والحرج للحاكم أو المواطنين، فإنه لا يفقد مشروعيته؛ لأن الأدلة التي تدل على وجوب العدالة وما شابهها لا تقبل التقييد، ولا يمكن أبداً اعتبارها واجبة في بعض الحالات وغير واجبة في حالات أخرى.

٤-٤. وجوب حفظ النظام الإسلامي: يبدو أن حفظ النظام أيضاً – مثل العدالة الاجتماعية – يتمتع بمكانة لا يمكن معها أبداً التغاضي عنه بمجرد عروض عناوين ثانوية أخرى مثل الضرر. وهذا المطلب يتضح من التوضيحات التي قُدمت في ذيل مسألة العدالة الاجتماعية.

٥-٤. قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل: إذا كنا نرى مشروعية الإجبار في الأمور التربوية لدفع الضرر عن المسلمين، ففي الحالة التي يكون فيها الإجبار نفسه سبباً للضرر على المسلمين، فإن قاعدة دفع الضرر تسقط وجوبه. وبالتالي، يقع دليل هذه القاعدة في تعارض داخلي؛ لأنه أحياناً قد يكون كل من الإجبار وتركه سبباً للضرر. مثلاً، قد يؤدي إجبارهم إلى تشاؤم الناس من دين الإسلام، وعدم إجبارهم يؤدي إلى تخلفهم الثقافي وحرمانهم من حقوقهم. ففي هذه الحالات، إذا كان الضرران متساويين، يجب أن نترك دليل القاعدة جانباً ونلجأ إلى الدليل الأولي أو الأدلة الثانوية الأخرى، وإذا لم يكونا متساويين، يجب أن نفرق بين أنواع الضرر من حيث الشدة والضعف، والاتساع والتنوع، والشخصي والنوعي، وسائر الجهات، ونختار أيهما أقل ضرراً.

الخاتمة

١. ليست تربية مواطني المجتمع واجبة على الحكومة الإسلامية كواجب كفائي فحسب، بل إن الهدف الأساسي من تشكيل الحكومة هو توفير بيئة تربوية للناس للوصول إلى مقام العبودية. كما أن استخدام الأساليب الإجبارية في أمر التربية الدينية للمواطنين مباح، بل واجب في بعض الحالات.

٢. نفي مشروعية الإجبار في الأمور التربوية بشكل كلي، إما أنه ناتج عن عدم التعمق في الأدلة الشرعية والعقلية الموجودة، أو ناتج عن الذوبان في ضجيج الإعلام الغربي الذي، بحجة نفي العنف، أوصل الأمر إلى درجة أن بعض الجرائم الواضحة تُرتكب علانية.

٣. للحكومة في أمر التربية الأخلاقية والدينية للمجتمع دور أهم بكثير من دور المرشد والموجه، وفي كثير من الحالات، من أجل صيانة كيان المجتمع وانسجامه وأمنه النفسي والثقافي، من الضروري استخدام مقولة الإجبار والتعزير؛ ولكن هذه المشروعية ثابتة فقط كحكم أولي، وربما تتغير في كثير من الحالات بعروض العناوين الثانوية وتتحول إلى عدم المشروعية.

٤. حالات لزوم استخدام الإجبار قليلة جداً، وعلى الحكومة الإسلامية، قدر الإمكان، أن تعمل على إقناع الناس وتجهيز أذهانهم لقبول هذا الإجبار، من خلال مراعاة أصل المداراة والرفق، وكذلك من خلال القيام بعمل ثقافي نظيف، ودعاية إعلامية دقيقة، واستخدام جميع الطاقات الاجتماعية والاقتصادية، وبمشورة علماء الاجتماع، وعلماء النفس، وعلماء الدين، وسائر المتخصصين. لهذا الغرض، يجب إنتاج أعمال مكتوبة، وتمثيلية، وتجسيمية متعددة ومتنوعة، ويجب أن يتحول إقناع الناس بواجب الحكومة التربوي إلى إحدى السياسات الثقافية الرئيسية للبلاد؛ لأن هذا الموضوع هو أساس كثير من المواضيع الثقافية والدينية الجزئية في نطاق الحكم.

الهوامش

1. باحث وخريج المجمع التعليمي والبحثي لأئمة الأطهار (ع)، mahdaviss32@gmail.com.

2. أفضل شاهد على هذا الادعاء هو الآية الشريفة: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)؛ لأن وعد الله للنبي الأكرم (ص) بحفظه من الناس هو علامة على أن النبي كان أحياناً في حرج من إعلان بعض الأمور.

Scroll to Top