إعادة دراسة تحديات رؤية المحقق النائيني في شمول حديث «الرفع» للأحكام الوضعية

المستخلص

يعدّ حديث الرفع من أهم الأدلة في تبيين الأحكام الثانوية، حيث يشتمل على تسعة عناوين؛ إلا أن جُلّ اهتمام الأصوليين قد انصبّ على فقرة «ما لا يعلمون» في بحث البراءة، وفي الفقه أيضاً أُشير إلى بعض فقراته الأخرى بشكل متفرق ضمن مباحث شتّى. من ناحية أخرى، قام أكثر العلماء بشرح الحكم التكليفي الطارئ على الموضوعات المختلفة، ولم يُقدَّم بحث جامع وكامل في مجال الحكم الوضعي لهذه العناوين الطارئة؛ باستثناء المحقق النائيني الذي قام بتحليل الحالات المختلفة لتعلق هذه العناوين بالتفصيل. في هذا البحث، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي والاستعانة بالبرمجيات العلمية، تم الاهتمام بتحليل الاحتمالات والصور المختلفة لعروض عناوين مثل الاضطرار والخطأ والإكراه على الأحكام الوضعية. وكنتيجة لذلك، وبناءً على استنباط المحقق النائيني، يُعتبر جريان حديث الرفع في الأسباب صحيحًا خلافًا للأجزاء والشرائط، وفي المسبّبات يُصوّر تعلق هذه العناوين في حالتين؛ فقد ارتفعت الإشكالات الواردة على شمول الرفع للمسبّب الاعتباري؛ رغم أن تحققه الخارجي قد انتُقد، وفي فرض المسبّب التكويني، اعتُبر رفع هذه الأمور غير معقول. الكلمات المفتاحية: حديث الرفع، الحكم الوضعي، الرفع التشريعي، السبب والمسبّب، المحقق النائيني، المعاملات.

مقدمة

يُعدّ حديث الرفع من أهم أدلة أصل البراءة، وهو يشتمل على تسع فقرات، وهو محل النزاع في البحث الأصولي فيما يخص فقرة «ما لا يعلمون»، إلا أن تحليل ودراسة عروض العناوين الأخرى على الأفعال والأحكام قلّما حظي بالاهتمام. وبالطبع، فإن بحث الاضطرار والإكراه والنسيان والخطأ والعجز عادة ما يحظى بالاهتمام في مختلف المباحث الفقهية بما يتناسب مع المقام؛ ولكن أن يتم تبيين عروض هذه العناوين على الأحكام الوضعية بشكل كلي في بحث مستقل ومنفصل، فإن لذلك ثمرات كثيرة يمكنها أن تضع مباني الشخص في التمسك بهذا الحديث في مختلف الحالات في معرض التقييم العام. ولعل قلة من المحققين، مثل المحقق النائيني، قد تناولوا هذا البحث بالتفصيل وبشكل مطّرد في بحث البراءة، حيث ذكروا بحث عروض العناوين الخمسة المذكورة على الأحكام الوضعية. وتبَعًا له، تعرّض بعض الأصوليين الذين جاؤوا بعده لبعض أدلة واستدلالات المحقق النائيني وأوردوا عليها إشكالات، وفي هذا البحث سيتم تحليل رؤيته والإشكالات الواردة عليها بشكل كامل. القضية الأساسية هي دراسة كيفية شمول حديث الرفع للأحكام الوضعية في حال عروض العناوين الخمسة من منظور المحقق النائيني، وبالتالي، فإن تحليل صحة الإشكالات الواردة عليه يتطلب أيضًا تأملًا وإعادة قراءة لمبانيه.[1]

إن ضرورة هذا البحث تتجلى في أنه في الأحكام والمباحث الفقهية المتنوعة، خاصة في باب المعاملات، من الممكن أن نواجه عروض أحد هذه العناوين، وما لم يكن لدينا أصل أولي وقاعدة كلية في هذا المقام، فقد نصدر بعض الاستدلالات والاستنباطات غير المنضبطة وحتى غير المنسجمة والمتعارضة. كما ذُكر، قليل من الأصوليين والفقهاء أشاروا إلى هذا البحث بشكل مستقل؛ إلا أن البعض طرحه في بحث الإكراه والاضطرار في فقه المعاملات؛ أما أن يتم بحث جميع الحالات والأقسام المختلفة المتصورة في الأحكام الوضعية عند عروض هذه العناوين بشكل تفصيلي، فهذا لم ينجز بعد؛ بالطبع بعض الأساتذة المعاصرين، ضمن مباحثهم الأصولية في البراءة، أشاروا إلى تبيين الجوانب المختلفة لهذه الرؤية إلى حد ما، مثل صادق لاريجاني (خارج الأصول، شتاء 1400)؛ محمد جواد فاضل لنكراني (خارج الأصول، اسفند 1388)؛ محمد قائني نجفي (خارج الأصول، آذر 1392)؛ وكذلك بعض المحققين الذين تناولوا دراسة حديث الرفع بشكل عام، وأشاروا ضمن مباحثهم إلى شموله للأحكام الوضعية بشكل مختصر، مثل السيد حسن الخميني (مقالة بعنوان حديث رفع)؛ حسن طارمي راد (حديث رفع)؛ محمد تقي وحسن قنبري شيخ شباني (إعادة دراسة حديث رفع)؛ مهدي مقدادي داودي (دراسة الأحكام الوضعية والتكليفية للصبيان من منظور الفقه الإمامي). من خلال دراسة المقالات المذكورة، يتضح بجلاء وجود نقصين أساسيين بالنسبة لموضوع البحث: الأول، أنه بسبب اتساع الموضوع المتخذ وعدم التركيز على الحكم الوضعي، فإن معظم المباحث والتحليلات جاءت ناظرة إلى الحكم التكليفي، والثاني، أن المطالب والآراء التي جُمعت في بحث الحكم الوضعي تفتقر إلى العمق الكافي، وقُدّم الاستنباط النهائي بنظرة عابرة وكلية؛ بينما في هذا البحث، تم السعي من خلال استقراء كامل لجميع الاحتمالات المتصورة في عروض العناوين على الأحكام الوضعية، وحتى الحكم الفرضي الذي لم يتطرق إليه المرحوم النائيني والفقهاء الآخرون، تم استخراجه بناءً على مبانيهم وآرائهم في المباحث ذات الصلة.

1. المباني

1-1. الرفع التشريعي

إن تعلق الرفع بالأمور الخمسة في حديث الرفع (كالنسيان والخطأ والإكراه) وفقًا للظهور الأولي للكلام في الرفع الواقعي، يستلزم التقدير؛ لأن هذه الأمور لم تُرفع بالوجدان، وفي حال تعلق الرفع بها، يلزم الكذب أو اللغوية؛ في حين أن هذه الأمور موجودة في الأمة الإسلامية ولا يمكن القول إنها غير موجودة؛ ولهذا السبب، اضطر أمثال الشيخ الأنصاري إلى تقدير «المؤاخذة أو العقاب» أو «جميع الآثار» أو «الأثر المتناسب مع كل فقرة» (الشيخ الأنصاري، 1428، ج2، ص28)؛ ولكن المحقق النائيني يعتقد بالرفع التشريعي ويقول: إذا كان الحديث في مقام الإخبار عن شيء أو في مقام الرفع التكويني، فإنه يحتاج إلى مقدّر؛ أي لو قلنا إن الوجود المبارك للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله في هذا الحديث يريد أن يخبر عن شيء، أو أن الرفع هنا تكويني، فعلى أحد هذين الفرضين، يجب أن نقدّر شيئًا؛ ولكن إذا قلنا: «رُفع عن أمتي تسع» ليس في مقام الإخبار، بل هو إنشاء، غاية ما في الأمر أنه إنشاء بلسان النفي والرفع (أحيانًا يكون الإنشاء بلسان الإثبات وأحيانًا بلسان الرفع)، في هذه الحالة، لا حاجة للتقدير. وبالطبع يصرحون بأن الرفع التشريعي هو رفع للآثار؛ ولكن هذا يختلف عن تقدير الآثار. التقدير يكون في موضع لو لم يكن موجودًا لكان الكلام باطلاً؛ «صوناً لكلام الحكيم عن الغلط واللغوية» يجب أن نقدّر شيئًا؛ (على سبيل المثال، لو كان لدينا في آية أو رواية «جعل الله هذا واجبًا» فهذا لا يعني تقدير شيء؛ لأن معنى الجعل نفسه تشريعي، وأحد أقسام الجعل هو وضع شيء بصورة اعتبارية وتشريعية. وبالطبع من آثار الجعل التشريعي أنه إذا وافقت، فلك الثواب؛ وإذا خالفت، فعليك العقاب؛ ولكن هذه ليست في التقدير. لذلك، إذا كان الرفع تشريعيًا، فمن الممكن أن يكون في النتيجة واحدًا مع رفع الآثار، ولكنه ليس بمعنى التقدير؛ بل إن أثر هذا الرفع التشريعي يتضح في نفس رفع الآثار. ونتيجة لذلك، إذا كان حديث الرفع في مقام الإخبار أو كانت كلمة الرفع بمعنى التكويني، فإننا نحتاج إلى تقدير، وعلى هذين الفرضين، يجب أن نبحث عن المقدّر؛ ولكن إذا قلنا إن هذا الرفع إنشائي، ولكنه إنشاء بلسان الرفع والنفي، مثل «لا ضرر ولا ضرار»، فهنا يؤول إلى الرفع التشريعي ولا حاجة للتقدير. (النائيني، 1352، ج2، ص170؛ النائيني، 1390، ج3، ص342). وقد فسر المرحوم البروجردي الرفع بمعنى تشريعي ولم يعتبر اللوازم التكوينية مرفوعة بالحديث بدون واسطة. كما أنه يعتبر تعلق الرفع بالأثر المتناسب مع كل فقرة غير صحيح (البروجردي، 1415، ص583-590). وبالطبع، ورد كلام للمحقق النائيني في تتمة كلامه أصبح محل إشكال لبعض الأصوليين، واعتبروا هذا القول معارضًا لرأيه المتقدم في عدم الحاجة إلى التقدير. يقول في تتمة نظريته: «لا أقول: إن الرفع التشريعي تعلّق بنفس المذكورات؛ فإن المذكورات في الحديث غير «ما لا يعلمون» لا تقبل الرفع التشريعي؛ لأنها من الأمور التكوينية الخارجية، بل رفع المذكورات تشريعًا إنما يكون برفع آثارها الشرعية» (النائيني، 1390، ج3، ص343). الظاهر الأولي من هذا الكلام يوحي للذهن أنه بنفي تعلق الرفع التشريعي بالأمور الخمسة، يعتقد عمليًا بضرورة التقدير؛ بينما في الفقرة السابقة، ردّ هذا المطلب بوضوح: «ما ورد في الأخبار مما سيق في هذا المساق؛ سواء كان بلسان الرفع أو الدفع أو النفي؛ إنّما يكون في مقام تشريع الأحكام وإنشائها، لا في مقام الإخبار عن رفع المذكورات أو نفيها حتى يحتاج إلى التقدير» (النائيني، 1390، ج3، ص343). بالتدقيق في كلماته، يمكن حل هذا التعارض الظاهري؛ لأنه وفقًا لأقواله، لا معنى لتعلق الحكم التشريعي بالوجودات التكوينية؛ بل متعلق التشريع هو الوجودات التشريعية. بالنسبة للخطأ وما لا يعلم وما يضطر إليه وغيرها، يمكن تصور وجود حقيقي لا يرتفع بمجرد الرفع التشريعي؛ بل سيظل موجودًا بالوجدان في التكوين وعالم الواقع؛ ولكن لهذه الأمور نفسها، بالنظر إلى كونها موضوعًا لحكم شرعي، يُلحظ لها وجود تشريعي، وبنفي هذا الوجود التشريعي، يرتفع حكمها وآثارها أيضًا. من الواضح أن ظهور تعلق الرفع التشريعي بهذه الأمور هو بوجودها التشريعي، وهذا لا يستلزم التقدير؛ بل إن تناسب الحكم والموضوع والظهور العرفي يوصل إلى هذا المطلب. وبالطبع، أورد أصوليون كبار مثل المحقق العراقي والمرحوم الإمام إشكالات متعددة على نظرية المحقق النائيني في الرفع التشريعي. ولدى بعض الأصوليين، مثل المحقق الإصفهاني والشهيد الصدر، بيانات في عدم الحاجة إلى التقدير في حديث الرفع يمكن أن تكون مكملة للرأي المذكور، وهي مفيدة لدراسة وفهم زوايا كلامهم بدقة؛ ولكن نظرًا لعدم ارتباطها بالموضوع الرئيسي للبحث، يتم تجنب الإطالة والتفصيل (النائيني، 1390، ج3، ص342-343؛ الخميني، 1415، ج2، ص35؛ الغروي الإصفهاني، 1429، ج4، ص35-37؛ الصدر، 1408، ج3، ص179-180).

1-2. كون الرفع دفعًا

من المباحث المطروحة في حديث الرفع هو ما إذا كان الرفع قد استُخدم بمعناه الحقيقي أم لا؟ وإذا حُمل على الدفع، فهل وقع المجاز في الكلمة أم في الإسناد أم أنه حقيقة ادعائية؟[2] يرى المحقق النائيني أنه ليس من الضروري أن نعتقد بالمجاز في الكلمة والإسناد أو بالحقيقة الادعائية؛ بل هو بالمعنى الحقيقي للرفع. الرفع والدفع متساوقان؛ بمعنى أن كليهما يحتاج إلى مقتضٍ؛ أي يمكن استخدام الدفع والرفع في مكان يكون فيه مقتضي الشيء موجودًا، وإذا لم يكن هناك مقتضٍ، فلا يمكن القول بأننا دفعنا الشيء أو رفعناه؛ لأنه غير موجود أصلاً وبدون اقتضاء. الفرق بين الدفع والرفع هو أنه في الرفع، في معظم الحالات، يكون للشيء وجود سابق ونحن نزيله ونمنع المقتضي من التأثير في البقاء والاستمرار؛ أما في الدفع، فإننا نمنع المقتضي من التأثير منذ البداية ومن وجود الشيء. ثم يقول إن الرفع من الناحية الدقيقة هو في الواقع دفع. مراده أننا نعلم أن علة الإيجاد هي علة البقاء والاستمرار أيضًا؛ أي أن الشيء الذي هو علة وجود الشيء في المرتبة الأولى، هو علة أيضًا في الآنات والمراتب اللاحقة، والعلة دائمًا في زمان أو مرتبة العلة. الأمر ليس كصانع الساعات الذي يضبط الساعة مرة واحدة ثم لا يحتاج إليها بعد ذلك. اقتضاء الارتباط بين العلة والمعلول هو أن يكون هذا الإفاضة دائمًا. لا يوجد تنافٍ بين قضية لزوم إفاضة الوجود من العلة في كل لحظة وقضية الحاجة إلى العلة حدوثًا وبقاءً؛ بل هما مفسرتان ومبينتان لبعضهما البعض؛ لأن المراد من الإفاضة وتأثير العلة في الآنات اللاحقة هو لبقاء الشيء؛ وليس أنه عندما تأتي علة تبقى إلى الأبد ولا تحتاج إلى تأثير، بل يجب أن يكون هذا التأثير في كل آن وإلا فلن يكون هناك بقاء لذلك المعلول. النتيجة هي أننا في الواقع، عند الرفع، قمنا بعمل في الاستدامة بحيث عندما يدخل الرافع، لا يؤثر المقتضي أثره، وهذا هو نفس ما يحدث في الدفع. الرافع أثناء وروده، يقوم بنفس العمل الذي يقوم به الدافع للبقاء. الدافع يمنع المقتضي من التأثير، والرافع أيضًا يمنع تأثير المقتضي لباً. وبالطبع، هذا صحيح أن الرفع يُستخدم في معظم الحالات في مكان كان له وجود سابق؛ ولكن غلبة استعمال اللفظ في مورد ما لا تجعل استعماله في غير ذلك المورد (الذي ليس الغالب) استعمالاً خاطئًا أو مجازيًا. نتيجة لذلك، لا الموارد التي وردت في حديث الرفع كان لها مقتضي لجعل الحكم وجعل الأثر، والرفع أزاله، وإلا فإذا لم يكن هناك أي نوع من المقتضي، فلن يكون للرفع أو الدفع أي مجال بطبيعة الحال. إذن، الرفع يعني رفع مقتضي الجعل امتنانًا ومنةً على العباد (النائيني، 1390، ج3، ص336). والمحقق الخوئي، مثل المحقق العراقي، يرجع تفسيره واستنباطه من الرفع إلى الدفع، ويستخدم الدقة الدراية والفقه الحديثي في تبيين هذا الرأي (الخوئي، 1380، ج3، ص287-302).

1-3. عدم جريان الحديث في التروك (رفع الأمور العدمية)

يعتقد المحقق النائيني أن حديث الرفع لا يشمل التروك. فبناءً على الظهور الأولي، وظيفة حديث الرفع هي الرفع، وإذا كان من المقرر أن يرفع الترك؛ أي أن يضع شيئًا هنا ويوجد وجودًا هنا، فهذا يعني الوضع، وهو خلاف الظاهر. بتعبيره، حديث الرفع يعدم الوجود؛ أي أنه بالنسبة لوجود حصل بالاضطرار والإكراه وأمثالهما، مثل شرب النجس، يقوم بعدم الجعل تعبديًا ويقول إن شرب النجس لا وجود له؛ ولكنه لا يجعل «اللاوجود» «وجودًا». لازم رفع التروك والأعدام هو الوضع؛ لذلك، يمكن الإشكال على إطلاق حديث الرفع بالنسبة للترك الاضطراري والنسياني والخطئي ونحوه ببيانين: البيان الأول: رفع ترك الفعل بمعنى وضعه، ومفاد حديث الرفع هو الوضع وليس الرفع. البيان الثاني: يجب أن يتوجه الرفع إلى أمر موجود ليرفعه (اقتضاء الوجود كافٍ)، بينما الترك قد وقع وهو أمر غير موجود ليرفعه. يقول: «فالحاصل أنه فرق بين الوضع والرفع؛ فإن الوضع يتوجه على المعدوم فيجعله موجودًا ويلزمه ترتيب آثار الوجود على الموضوع، والرفع يتوجه على الموجود، فيجعله معدومًا ويلزمه ترتيب آثار العدم على المرفوع، … وأما الفعل الذي لم يصدر من المكلف وكان تاركًا له عن نسيان وإكراه؛ فلا محلّ للرفع فيه، لأن رفع المعدوم لا يمكن إلا بالوضع والجعل، وحديث الرفع لا يتكفل الوضع، بل مفاده الرفع» (النائيني، 1390، ج3، ص353). إذا قيل: بالنظر إلى خفة مؤونة الاعتبار، فإن اعتبار عدم الشرب، مثل اعتبار الشرب النسياني، لا إشكال فيه (نجفي بستان، اردیبهشت 1401)، أقول: بناءً على رأي المحقق النائيني، ظاهر حديث الرفع هو في مقام الرفع فقط، لا الوضع والجعل؛ بينما من اعتبار عدم الشرب النسياني، تريدون رفع عدم الشرب النسياني الذي نتيجته وجود الشرب وترتب الآثار عليه؛ في حين أن حديث الرفع لم يكن في مقام الوضع. بالإضافة إلى هذا الإشكال، هناك دقة أخرى للمحقق النائيني في عدم جريان الرفع في باب ترك الأجزاء والشرائط (سواء العبادات، أو المعاملات، أو الأحكام التكليفية والوضعية) وهي أن الأثر المتصور على جريان الحديث في فرض ترك الأجزاء والشرائط هو الإجزاء وصحة المأتي به فاقدًا لذلك الجزء والشرط؛ لكن الإجزاء والصحة هما أثران عقليان لا دخل للشارع في جعلهما ورفعهما؛ بل نصل إلى الإجزاء من خلال مطابقة المأتي به للمأمور به، وإلى الصحة من خلال تحصيل غرض المولى. إذا أراد شخص أن يطبق حديث الرفع على الجزئية والشرطية المتروكة، وبالتالي، بنفي الجزئية والشرطية، يترتب الأثر العقلي (صحة وإجزاء العمل) من تلقاء نفسه؛ فإن الجواب السابق يأتي هنا أيضًا، وهو أن الجزئية والشرطية أمر انتزاعي عقلي؛ وإن كان منشأ انتزاعه هو جعل ووضع الشارع. من تعلق أمر بمجموعة من الأجزاء والشرائط التي تشكل الكل، ينتزع العقل من هذه المجعولات الشرعية الجزئية والشرطية. وهناك إشكال أساسي آخر يَرِد على هذا الفرض، وهو أنه في معظم الحالات، الجزئية والشرطية، أساسًا، ليست معروضة للعناوين المأخوذة في حديث الرفع؛ لأنه على سبيل المثال إذا نسي شخص السورة في الصلاة أو أتى بشرط أو جزء في انعقاد معاملة أو عبادة عن طريق الخطأ، فإن إكراهه وخطأه لا ينشأ من جزئية ذلك الجزء المتروك ليرفع الجزئية والشرطية؛ بل خطؤه في امتثال وإتيان مصداق منه. بعبارة أوضح، البحث في عروض الاضطرار والنسيان وغيرهما، يتعلق بالفعل الخارجي؛ أي أنا الناسي والمكره والمضطر لست على الجزئية والشرطية، وأعلم الحكم الكلي الوضعي لجزئية السورة في الصلاة وعربية اللفظ في عقد معين؛ ولكن في مقام العمل وبسبب عروض أحد تلك العناوين (الإكراه والنسيان وغيره) أتركه. يقول: «لأن جزئية الجزء لم تكن منسية وإلا كان ذلك من نسيان الحكم ومحل الكلام إنما هو نسيان الموضوع» (النائيني، 1390، ج3، ص354).

2. شرائط عروض العناوين الثانوية على الأحكام الوضعية

البحث يدور حول الأحكام التي يكون موضوعها بالنسبة للعناوين المأخوذة في حديث الرفع لا بشرط؛ لذا فإن حكم ضمان التلف والإتلاف – الذي له إطلاق بالنسبة للنسيان والإكراه والاضطرار والخطأ والعجز – يخرج قطعًا عن شمول حديث الرفع ولا يبحث عنه المحقق النائيني. أو على سبيل المثال، القصاص الذي هو مقيد بالعلم والعمد، في حال عدم تحقق شروط العمد، لن يجري؛ لا بسبب جريان حديث الرفع. وعليه، ينحصر البحث في الأحكام الوضعية التي تكون أحكامها وموضوعات أحكامها الأولية غير مقيدة بنفي أو إثبات بالنسبة لهذه العناوين. القيد المهم الآخر هو البحث في رفع الآثار التي يكون وضعها وجعلها بيد الشارع؛ لذا، فإن رفع الآثار العقلية أو العقلائية والانتزاعية لا يندرج تحت مفاد حديث الرفع؛ بالطبع، بتبع نفي الآثار الشرعية، تنتفي لوازمها العقلية والعقلائية أيضًا. يقول: «أن يكون الأثر الذي يراد رفعه من الآثار الشرعية التي أمر وضعها ورفعها بيد الشارع» (النائيني، 1390، ج3، ص348). من الضروري التدقيق في هذا الأمر، وهو أن المراد من الإطلاق في العبارة السابقة هو التصريح بالإطلاق الأحوالي وشمول الحكم بالنسبة للعناوين الستة (الاضطرار، الخطأ و…)؛ لا أن نصل إلى الإطلاق من عدم البيان وسكوت الشارع وإجراء مقدمات الحكمة، فالإطلاق الناشئ عن جريان مقدمات الحكمة هو نفس حالة اللابشرطية التي لا شك أن حديث الرفع يخصصها. لذلك، مثل ضمان التلف – الذي وفقًا للأدلة يكون الضامن حتى لو تسبب في تلف المال عن طريق الخطأ أو الاضطرار – لا يوجد تعارض مع حديث الرفع. فيما يتعلق بعروض عنوان «ما لا يعلمون» على الأحكام الوضعية، فبالنظر إلى المباحث الأكثر تفصيلاً التي يتضمنها، ومباحث أخرى، فإن حديث الرفع يُطرح تبعًا لهذا البحث (جريان البراءة عند «الجهل» و«الشبهة البدوية»)، والمحقق النائيني يطرح مباحثه بشكل منفصل؛ لذلك، بالنظر إلى أن المباحث تفصيلية وتتطلب تحقيقًا مستقلاً، والمحقق النائيني نفسه قد فصل مباحثه عن الأحكام الوضعية وفي نظريته – التي ستُطرح لاحقًا في بحث البراءة – لا يرى فرقًا أساسيًا بين الأحكام الوضعية والتكليفية في هذا العنوان؛ فإن بحث هذا العنوان يخرج أيضًا عن نطاق هذا المقال. يقول بعد الانتهاء من مباحث الأحكام الوضعية: «وقد عرفت: أن الرفع في «ما لا يعلمون» يغاير الرفع في البقية …» (النائيني، 1390، ج3، ص359). من الواضح جدًا أن عناوين الحسد والطيرة والوسوسة تخرج أيضًا عن محل البحث؛ لأنها هي نفسها موضوع الرفع؛ على عكس المصاديق الستة الأخرى (الخطأ، النسيان، الجهل، الإكراه، الاضطرار، والعجز) التي ليست هي نفسها موضوع الرفع؛ بل الفعل الذي يعرض عليه هذه العناوين هو المعروض للرفع. لذلك، من حيث الحكم التكليفي والوضعي لذلك الفعل النسياني أو الخطئي أو المكره عليه، يُطرح بحث الرفع؛ لكن الحسد والطيرة والوسوسة هي أفعال جوانحية ولها أثر وضعي وتكليفي قد رفعه الله؛ لا أن هذه العناوين تتحقق في قالب أحد الأفعال الأخرى، مثل شرب الخمر ووجوب الصلاة ولزوم الطهارة وصحة البيع، ليُطرح بحث رفع الحكم الوضعي أو التكليفي لذلك الفعل المعروض. إذن، محل النزاع هو في العناوين الخمسة (الخطأ، النسيان، الإكراه، العجز، والاضطرار). كما أن المحقق النائيني يفسر الأحكام الوضعية بأنها من قبيل المعاملات (العقود والإيقاعات) والنجاسة والطهارة؛ في حين أنه من الواضح أن الأحكام الوضعية لا تنحصر في هذه الموارد وتترتب على كثير من الأحكام التكليفية. على سبيل المثال، بعد امتثال الصلاة أو الصوم، يُطرح بحث الإجزاء وصحة وبطلان ذلك العمل، أو لزوم الأجزاء والشرائط لهذه التكاليف يُرشد إلى الجزئية والشرطية التي يُعبر عنها بالحكم الوضعي؛ ولكن هذه المباحث في هذا القسم ليست محل بحث؛ لأنها بُحثت ضمن بحث الأحكام التكليفية وهي في الواقع من آثار ونتائج ذلك الحكم التكليفي. في الختام، للمقارنة والفهم الأفضل لرؤية المحقق النائيني مع الأصوليين الآخرين والانتباه للدقائق التي لاحظها، نشير إلى وجود رؤيتين متقابلتين له: البعض، مثل المحقق الآخوند، يجري حديث الرفع في الأحكام الوضعية بشكل عام ويستدل على ذلك بظهور صحيحة البزنطي. يقول: «فالخبر دلّ على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان في رفعه منة على الأمة، كما استشهد الإمام بمثل هذا الخبر في رفع ما استكره عليه من الطلاق والصدقة والعتاق» (آخوند الخراساني، 1409، ص340)؛ ولكن صاحب منتقى الأصول ينكر بشكل عام جريان عناوين الاضطرار والإكراه في الأحكام الوضعية ويقيم على ذلك خمسة أدلة (منتقى الأصول، ج4، ص417). وبالطبع، بالنظر إلى أن البحث الحالي ناظر إلى رؤية المحقق النائيني، فلن يتم ذكر تفاصيل الآراء الأخرى؛ ولكن إذا كان هناك مطلب مكمل أو معارض ونافٍ لرؤية المحقق النائيني، فسيُشار إليه.

3. الفروض المختلفة لعروض العناوين الخمسة على الأحكام الوضعية

بعد البحث في كيفية تعلق العناوين المرفوعة بالأحكام التكليفية وشروط رفعها، يطرح المحقق النائيني بحث عروض هذه العناوين على الأحكام الوضعية، مثل العقود والإيقاعات والطهارة والنجاسة. تُعرض رؤيته في مقامين: المقام الأول: عروض العناوين الخمسة على الأسباب. ويمكن افتراض قسمين في هذا المقام: القسم الأول: العروض على أصل السبب؛ القسم الثاني: العروض على أجزاء أو شرائط السبب. والقسم الأول يمكن أن يكون له حالتان: الحالة الأولى: موجبة لترك السبب؛ الحالة الثانية: موجبة لإيجاد السبب. المقام الثاني: عروض العناوين المذكورة على المسببات. المراد بالمسبب هو نفس الأثر المتحقق، مثل الملكية والزوجية والطهارة والنجاسة، والذي يُبحث في قسمين: القسم الأول: المسبب الاعتباري الذي ليس له ما بإزاء وحقيقة في العالم الخارجي، مثل الملكية والزوجية؛ والقسم الثاني: المسببات التكوينية والواقعية، مثل النجاسة والطهارة (بالطبع في الفوائد، يصور البحث في ثلاثة مقامات، ويعتبر المقام الثالث بحثًا في الأثر المترتب على المسبب؛ ولكنه في تفصيل البحث، يبيّن حكم هذا القسم ضمن دراسة المقام الثاني بشكل إجمالي ولا يقدم شرحًا منفصلاً ومفصلاً عنه). في ما يلي، سيتم شرح وتبيين كل من هذه الأقسام وحكمها والإشكالات التي أوردها الأصوليون عليها.

المقام الأول: عروض العناوين على الأسباب

المقام الأول من بحث الأحكام الوضعية هو عروض العناوين الخمسة، مثل الإكراه، على أسباب المعاملات. المراد بالأسباب هو سبب تحقق العقود والإيقاعات، والذي يشمل مقومات العقد (الإيجاب، القبول، وجود الطرفين، قصد الإنشاء، ومورد المعاملة) وشروط صحتها. وقد أوردوا الإكراه والاضطرار والنسيان والخطأ في السبب كنموذج في باب المعاملات فقط، وفي تفسيره يعبرون بـ«الإيجاب والقبول» ولا يتحدثون عن أسباب أحكام وضعية أخرى، مثل الطهارة والنجاسة: «يقع في الأسباب: الإيجاب والقبول» (النائيني، 1376، ج3، ص356)؛ في حين أنه في بعض الموارد، مثل أسباب الطهارة؛ سواء الظاهرية (الماء، الأرض، الشمس، وغيرها) أو الباطنية (الوضوء، الغسل، التيمم)، يوجد مجال لهذا البحث، وفي الظاهر، حكمه في نظر المحقق النائيني هو نفسه الذي سيُذكر في مباحث أسباب العقود؛ ولكن في موارد أخرى، مثل أسباب النجاسات الظاهرية (البول، الغائط، الدم، المني، الكلب، وغيرها) والباطنية (الحدث الأصغر: الذهاب إلى الحمام؛ الحدث الأكبر: الاحتلام)، فإن البحث المذكور غير قابل للطرح؛ لأن أسبابها من جهة بسيطة وغير مركبة، ومن جهة أخرى، بالنسبة لكل من العناوين المرفوعة، لها إطلاق، ومجرد تحققها في أي حالة يؤدي إلى تحقق الحدث والخبث. وبالطبع، في مبحث فقرة «ما لا يعلمون»، الذي يبيّنه بالتفصيل بعد الانتهاء من مباحث عروض العناوين على الأحكام الوضعية، يبحث في ثلاثة أقسام، وفي القسم الثالث، يدرس الأسباب العقلية والشرعية (النجاسات والطهارات من الأسباب الشرعية) والعقلائية وغيرها. يقول: «ثالثة: يكون في المحصلات والأسباب العقلية أو العادية أو الشرعية الإختراعية أو الإمضائية، كالشك في اعتبار الغسلة الثانية في التطهير من النجاسة الخبثية، وكالشك في اعتبار أن يكون المسح ببلة الوضوء – بناء على أن تكون الغسلات والمسحات في باب الطهارة الخبثية والحدثية من المحصلات والأسباب؛ لا أنّها بنفسها وبما هي هي متعلقات التكليف، وكالشك في اعتبار العربية والماضوية في العقد ونحو ذلك مما كان الشك فيما هو السبب والمحصل لمتعلق التكليف أو الوضع.» (النائيني، 1390، ج3، ص360). وبالطبع، هناك موضع آخر تطرق فيه المحقق النائيني، بما يتناسب، إلى بحث أسباب الطهارة (الوضوء، الغسل، التيمم)، وهو في الأثر المترتب على المسببات التكوينية؛ أي أنه اعتبر النجاسة والحدث من جملة المسببات التكوينية التي يترتب عليها أثر هو لزوم الطهارة. ولهذا السبب، قد يكون وجه عدم طرحه في المباحث أعلاه هو هذه النقطة. يُبيّن بحث حكم عروض العناوين الثانوية على السبب في قسمين كليين: تعلق العناوين الخمسة بأصل السبب أو عروضها على أجزاء أو شرائط السبب. أولاً، تُعاد قراءة وتحليل رؤية المحقق بالنسبة لأصل السبب في حالتين مختلفتين (عروض العنوان الثانوي يسبب ترك السبب أو يؤدي إلى تحقيق السبب)، وفيما يلي، يُشرح تأثير عروض هذه العناوين على أجزاء وشرائط الأسباب.

3-1-1. القسم الأول: عروض العناوين على أصل السبب

الحالة الأولى: عروض موجب لترك السبب بالكامل

الحالة الأولى لعروض أي من العناوين هي أن يتسبب في ترك عقد من الأساس؛ أي أن لا يتحقق سبب أصلاً، مثل أن يحدث الإكراه على عدم إجراء بيع، أو أن لا يتحقق بيع عن طريق الخطأ، أو أن ينسى انعقاد عقد. لم يتعرض المحقق النائيني لحكم هذه الحالة في هذا البحث؛ ولكن بالنظر إلى كلامه في تبيين «الرفع» – الذي ذُكر في قسم المباني – فهو يعتقد أن الرفع مثل الدفع يُفرض في مكان يكون فيه مقتضي الشيء موجودًا؛ بينما في الفرض المذكور، لم يتحقق أي شيء، ومن الأساس، لا يوجد موضوع للرفع ليقوم حديث الرفع بتصحيحه أو إبطاله. لذلك، فإن جريان حديث الرفع في هذا المقام هو من باب السالبة بانتفاء الموضوع، ولا يوجد تصور صحيح لجريانه. وبالطبع، هناك إمكانية ذاتية ووقوعية لجريان حديث الرفع في هذه الحالة أيضًا؛ بهذه الصورة أن يُقال لأنه بقصد الشخص المضطر أو المكره أو غيرهما تحقق عقد معين، وبسبب عروض هذه العناوين لم يوفق في تحقيق هذا السبب؛ فالشارع امتنانًا عليه، وبشكل تعبدي، جعله كمن أتى بالسبب. ولكن كما قيل، فإن أقصى قدرة دلالية لحديث الرفع هي في مكان يوجد فيه مقتضٍ؛ بينما في هذا الفرض، لم يتحقق شيء. كما أنه، بناءً على مبنى المحقق النائيني، يرد إشكال أساسي آخر هنا، وهو أن ظاهر الحديث هو في مقام الرفع لا الوضع؛ بعبارة أخرى، لا يمكن للحديث أن يثبت شيئًا. وضمنًا، لازم الحكم المذكور هو تنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ في حين أن حديث الرفع لا يمتلك مثل هذه الدلالة: «حديث الرفع لا يتكفل تنزيل الفاقد منزلة الواجد ولا يثبت أمرًا لم يكن» (النائيني، 1376، ج3، ص356).

الحالة الثانية: عروض موجب لإيجاد السبب

الحالة الثانية لعروض هذه العناوين على العقد نفسه (مقابل الأجزاء والشروط)، هي الحالة التي تؤدي إلى إيجاد السبب. على سبيل المثال، إذا عقد شخص بيعًا بسبب الاضطرار أو الإكراه، أو أجرى معاملة مع شخص عن طريق الخطأ – على الرغم من أن المحقق النائيني لم يتعرض لهذه الصورة أيضًا – ولكن على القاعدة ووفقًا للمبنى، في هذه الحالة، بما أن المقتضي للرفع موجود بسبب انعقاد العقد الإكراهي وأمثاله، يجب أن يرتفع أثر ذلك العقد؛ ولكن عروض العناوين في هذه الحالة يواجه موانع وإشكالات سيتم ذكرها.

عنوان الاضطرار: في حالة قيام شخص بمعاملة من باب الاضطرار، فإن رفع أثر المعاملة في هذه الحالة مخالف للامتنان. على سبيل المثال، إذا كان شخص بحاجة إلى طعام أو وسيلة تدفئة واضطر إلى دفع مبلغ كبير من المال لذلك، أو باع وسيلة مهمة بسبب حاجته الضرورية للمال؛ فإذا بطلت هذه المعاملة، فلن تحصل ملكية للشخص، وحرمة التصرف فيه هي عكس الامتنان عليه. لذلك، لا يجري عنوان الاضطرار في هذه الحالة. هناك مناقشة مهمة تُطرح هنا وهي أن اضطرار الشخص كان للمسبب لا للسبب؛ أي أن الشخص كان محتاجًا إلى تملك ذلك العوض، لا مضطرًا للإيجاب والقبول وتحقق السبب. لذلك، في معظم الحالات، لا يوجد اضطرار لتحقق السبب، وهذه الموارد خارجة عن البحث. في المقابل، قيل إنه في الأسباب التوليدية، الإقدام على السبب هو نفسه الإقدام على المسبب. على سبيل المثال، إذا ألقى شخص ورقة في النار، فإن فعل إحراق الورقة يُنسب إليه، مع أن النار هي التي أحرقت. في معاملات المضطر أيضًا، يُلحظ الاضطرار من الناحية العرفية بالنسبة للمعاملة نفسها، وعندما يرتفع الاضطرار نتيجة للمعاملة، يُعرف في نظر العقلاء العاقد نفسه بأنه رافع للاضطرار، لا العقد.

عنوان الإكراه: في حالة قيام شخص بعقد معاملة بسبب إكراه آخر، ظاهريًا، رفع أثر المعاملة موافق للامتنان، ومع الرفع التشريعي لهذا السبب المتحقق، يصبح بلا أثر؛ ولكن ورد إشكال من صاحب منتقى الأصول يقول: «کما أنه لا جدوى في إثبات شمول رفع الإكراه للمعاملات المالية كالبيع، لما علم من الأدلة بتقييد الصحة فيها بصورة عدم الإكراه وطيب النفس والرضا؛ فالصحة منتفية في صورة الإكراه لتلك الأدلة.» (روحاني، 1413، ج4، ص417). وهو يعتقد أن أدلة عامة للمعاملات، مثل «تجارة عن تراض»، قد قيدت الأثر الصحيح المترتب على العقود بعدم الإكراه؛ لذا، بالبيان الذي مر في تبيين محل النزاع، تخرج هذه الموارد عن شمول حديث الرفع. في الجواب يمكن القول: أولاً، لماذا تقدمون الأدلة الأخرى على حديث الرفع؟ ما الإشكال في أن تدل أدلة مختلفة على مطلب ببيانات مختلفة؛ ببيان بعض العلماء، بالنظر إلى أن عمومات المعاملات، مثل «تجارة عن تراض»، التي هي دليل أولي، قد قيدت صحة المعاملات واشترطتها بالرضا، فوفقًا لنفس المبنى الذي التزمنا به في تحرير محل النزاع، لم يعد هناك مجال لجريان حديث الرفع بلحاظ الإكراه؛ بعبارة أخرى، عندما يُلحظ قيد الرضا في الدليل الأولي – الذي رتبته متقدمة – لا تصل النوبة إلى الدليل الثانوي – الذي رتبته متأخرة – (نجفي بستان، اردیبهشت 1401). ثانيًا، من الممكن أن يحقق البعض في المعاملات الإكراهية الرضا والتراضي؛ أي أن الشخص المكره بالنظر إلى الظروف التي يمر بها والموقف الذي وقع فيه، يكون راضيًا عن تلك المعاملة. لذا، فإن شرط الرضا يكون قد تحقق؛ ولكن الشرط الآخر – وهو عدم كون المعاملة إجبارية وإكراهية – يكون منتفيًا، ومن هذا الباب، تواجه المعاملة مشكلة. ببيان أوضح، حصول الرضا والشوق العقلي يكون بحساب مقدار الخطر الناشئ عن الإكراه؛ بعبارة أخرى، في حال عدم وجود الإكراه، لم يكن الشخص ليرضى بالمعاملة؛ ولكنه بسبب الإكراه ورفعه، رضي بها. بتعبير المرحوم الإصفهاني، يوجد شوق عقلي حسابي (حاشية مكاسب، ج2، ص41). قد يقول أحدهم إن هذا المقدار من الشوق يحقق شرط الرضا، و«تجارة عن تراض» ليس لها دلالة أكثر من ذلك؛ في هذه الحالة، حديث الرفع، بالإضافة إلى الرضا، اشترط أيضًا عدم الإكراه، وهنا بسبب كونه إكراهيًا، يُرفع حكم صحة المعاملة.

عنوان الخطأ والنسيان: وقوع معاملة خاطئة أو نسيانية يمكن أن يكون بأشكال مختلفة. على سبيل المثال، أراد أن يؤجر؛ ولكنه باع، أو أراد ألا يعقد معاملة أصلاً، ولكنه عقدها خطأً، أو أنه أراد أن يحقق مقدمات فقط، مثل عقد مبدئي أو تفاهم، ولكنه عقد العقد نفسه. يبدو أن معظم الفروض المتصورة في هذه الحالة تفتقر إلى الركن الأساسي ومقوم العقد وهو قصد الإنشاء الصحيح والمطابق للمقصود؛ لذا فهي كالحالة التي لم يُعقد فيها معاملة من الأساس، وبطلانها من هذه الناحية، ولا تصل النوبة إلى جريان حديث الرفع.

عنوان العجز: تحقق هذا العنوان في هذه الحالة غير متصور؛ لأن العجز دليل على عدم إتيان شيء، بينما البحث هنا عن تحقيق السبب بسبب عروض أحد العناوين المذكورة.

3-1-2. القسم الثاني: عروض العناوين على أجزاء وشرائط السبب

القسم الثاني هو عروض العناوين الخمسة على أجزاء وسبب المعاملات. مثل أن نُكره على إجراء المعاملة باللغة الفارسية، بناءً على المبنى الذي يشترط العربية لصحتها؛ أو أن نترك شيئًا. لنفترض أننا نشترط اللفظ في المعاملات ونُكره على ترك اللفظ وإجرائها بالإشارة، بحيث تكون معاطاة. يرى المحقق النائيني عدم جريان حديث الرفع في هذا القسم؛ لأن حديث الرفع لا ينطبق على التروك، ولسانه لسان رفع لا وضع؛ وضمنًا لا يحول الترك إلى وجود. يقول: حديث الرفع لا يرفع كون المعاملة التي أُلقيت بالفارسية فارسية، ولا يقول إن هذه المعاملة وقعت بالعربية لتصح: «فان رفع العقد الفارسي لا يقتضى وقوع العقد العربي وليس للعقد الفارسي أثر يصح رفعه بلحاظ رفع أثره» (النائيني، 1390، ج3، ص357) أي لو كان للمعروض (العقد الفارسي) أثر خاص في الشرع، لكان قابلاً للرفع. مثل أن يكون عليه عقاب أو يوجب ضمانًا للشخص، لكان هذا الأثر مرفوعًا؛ بينما نحن هنا نبحث عن إثبات أثر العقد العربي (الصحة)؛ في حين أن العربية لم يؤت بها، وحديث الرفع لا يحول العدم إلى وجود. وهكذا الحال في النسيان والإكراه والخطأ والعجز. لذلك، في ترك الجزء والشرط الناشئ عن هذه العناوين، لا ينطبق حديث الرفع على الأسباب. يجب الانتباه إلى أن ترك الأجزاء والشروط بسبب عروض العناوين المذكورة يجب ألا يخل بمقومات العقد. على سبيل المثال، إذا أجبروا صبيًا غير مميز على عقد صفقة، فبسبب عدم وجود قصد الإنشاء، لم ينعقد عقد من الأساس ليبحث عن جريان البراءة؛ لأنه في الأصل، لا يوجد مقتضٍ للرفع، وعدم الجريان هو بسبب عدم وجود الموضوع. لذا، يجب أولاً أن يتحقق العقد – ولو بمفهومه العقلائي والعرفي – (قصد الإنشاء، وجود الطرفين، ومورد المعاملة)، ثم في حال فقدان جزء أو شرط ناتج عن العناوين المرفوعة، يُطرح البحث المذكور. قد يتبادر إلى الذهن أن هذا القسم أيضًا يمكن أن يكون له صورتان؛ لأنه كما أن عروض العناوين يمكن أن يؤدي إلى ترك الأجزاء أو الشروط، يمكن أن يؤدي إلى إيجادها أيضًا. على سبيل المثال، بسبب الإكراه يُجبر شخص على قراءة المعاملة بالعربية مع أنه كان ينوي عقدها بالفارسية (بناءً على شرطية العربية). ظاهريًا، حكم هذه الصورة لا محل للبحث فيه، وإتيان هذه الشروط مشروط بالالتفات إلى كونها شرطًا؛ لذا لا شك في صحة هذه المعاملات، وصحتها أيضًا من باب إتيان السبب الكامل؛ لا من باب جريان حديث الرفع. بالطبع، إذا كان عروض هذه العناوين في فرض ما، مخلًا بأحد شروط العقد الأخرى، مثل أن ينتفي القصد الصحيح، كما في حالة معاملة ما لم يقصد، فبسبب الخلل فيه، ستواجه شروط المعاملة مشكلة، وظاهريًا حتى الذين يقولون بجريان حديث الرفع في باب ترك الأجزاء، لن يجدوا مصححًا للمعاملة في هذا المورد الذي يكون فيه الترك مستندًا بشكل مباشر إلى الترك.

إشكال المحقق العراقي: وجود تشريعي للفساد وإمكان رفعه

يشكل المحقق العراقي على الاستدلال المذكور ويعتقد أنه في المقام، لدينا وجود تشريعي يمكن رفعه؛ وبالتالي، فإن التالي الفاسد المذكور (تنزيل الفاقد منزلة الواجد ولا يثبت أمرًا لم يكن) لن يحدث. وهو يرى أن الوجود التشريعي هو نفس الصحة والفساد. هذا الجزء والشرط لهما وجود تشريعي؛ لأن وجودهما التشريعي هو أن يكون لهما أثر. في فرض البحث بعروض العناوين وترك الأجزاء والشروط، فإن مقتضى الحديث هو ارتفاع هذه الأجزاء والشروط من صفحة الشريعة؛ وبالتالي، فإن العقد الفاقد لشرط العربية – الذي هو فاسد بمقتضى الرواية – قد ألغى الشارع هذا الشرط ولم يرده؛ ونتيجة لذلك، فإن الوجود التشريعي للفساد المترتب على العقد الفاقد للجزء، يكفي لجريان الرفع، وبارتفاعه، يحصل نقيضه (الصحة التي تترتب على الأجزاء والشروط). يقول: «أن مرجع رفع المضطر إليه إذا كان من التروك، خلو صفحة التشريع عن مثله، ومآله إلى خروج هذا الترك عن حيّز تشريع الجاعلية، ولازم تطبيقه على عدم العربية الموجبة لتشريع الفساد به بملاحظة دخل نقيضه في الصحة هو أن هذا العدم، ما شرع في مورده الفساد الملازم لعدم كون نقيضه دخيلاً في الصحة» (النائيني، 1390، ج3، ص357).

الجواب: عدم جريان حديث الرفع في الآثار العقلية والانتزاعية

إشكال توجيه المحقق العراقي هو أن الوجود التشريعي الذي صوره هو أمر انتزاعي لا يقع جعله ورفعه بيد الشارع؛ بينما وفقًا لرؤية المحقق النائيني، كان الشرط الأساسي لجريان الرفع هو كون الأثر شرعيًا. بالتدقيق في رأي الآقا ضياء، يمكن تصور وجهين لذلك: الأول: أن يكون مرادهم من الوجود التشريعي هو نفس جزئية وشرطية الأمر المتروك. وفقًا لهذا الفرض، برفع هذه الشرطية والجزئية، سيصبح السبب الفاقد لهما تام الأجزاء والشروط، وبنفسه، تترتب عليه الصحة؛ ولكن رد هذا التصور واضح وفقًا لرؤية المحقق النائيني في المبنى الثالث؛ لأنه على الرغم من أن الشرط والجزء نفسهما مجعولان شرعيان؛ إلا أن جزئيتهما وشرطيتهما ضمن المأمور به أمر انتزاعي عقلي. وضمنًا، من الأساس، الجزئية والشرطية ليستا معروضتين للعناوين المذكورة؛ بل الجزء والشرط هما المعروضان. لذلك، فإن رفع الجزئية والشرطية لا وجه له. الثاني: إذا كان مرادهم من الوجود التشريعي هو الفساد والصحة، فقد أُشير في المبنى الثالث إلى أنهما أثران عقليان وغير قابلين للرفع والجعل الشرعي.

إشكال: جريان الرفع الإنشائي في الأجزاء والشروط المتروكة

يعتقد آية الله صادق آملي لاريجاني أنه في هذا القسم (عروض العناوين الموجب لترك جزء أو شرط) ينطبق حديث الرفع؛ لأنه وفقًا لمبناه، فإن مفاد «حديث الرفع» هو إنشاء الرفع بداعي رفع جميع الآثار؛ لأن الرفع الإنشائي قليل المؤونة، وبما أن إنشاءه وإيجاده من قبل المنشئ وليس أمرًا حقيقيًا وتكوينيًا، يمكن ادعاء الإنشاء في كل مكان، وتحققه غير مشروط بشيء. وبالطبع، استعماله العرفي له شرطان: الأول: أن يكون لهذا الإنشاء مصحح؛ أي أن يكون له ثمرة وأثر. الثاني: أن يُنشأ بألفاظ لها مؤانسة وقرابة عرفية مع المنشئ. في محل البحث، كلا الشرطين موجودان؛ لأن الرفع يدل على الإزالة الإنشائية مقابل التكوينية، واستعمال هذا اللفظ للرفع الإنشائي أمر عرفي. كما أن أثر هذا الفقدان الإنشائي للجزء أو الشرط هو الفساد. مثلاً، شرط مثل العربية في سبب المعاملة؛ إذا وقع الاضطرار إلى كونه بالفارسية، فإن أثر ترك الشرط هو الفساد؛ لذا، وفقًا للرواية، يُرفع الترك ليُرفع الفساد؛ صحيح أن الفساد والصحة ليسا مجعولين، ولكن أمر وضعهما ورفعهما بيد الشارع. بهذه الطريقة أن الشارع ينشئ رفع هذا الأمر العدمي (ترك الجزء والشرط) بدافع رفع كل الآثار، وآثار أي شيء يكون وضعه ورفعه بيد الشارع؛ بعبارة أخرى، إذا أزال الشارع ذلك النقص (الجزء المتروك) في السبب؛ أي أنه أزال اشتراط العربية، ففي هذه الحالة، يرتفع الفساد. لذلك، في الأسباب، جريان حديث الرفع متصور، وإطلاق حديث الرفع يشمله (آملي لاريجاني، 1400، جلسة 203).

نقد ودراسة: النقطة الأساسية التي يؤكد عليها السيد لاريجاني هي تفسير يقدمه للرفع الإنشائي في مقام الرفع الواقعي، التشريعي، التعبدي، والتنزيلي. يكرر بيانه بأن كل شيء قابل للإنشاء. يمكنك أن يكون لديك ماء إنشائي، تراب إنشائي، وأي شيء. الإنشاء بيد المنشئ؛ حتى أنه يمكن لإنشاء البيع استخدام لفظ «آجرت» أو «سمعت» وقصد إنشاء البيع منه؛ ولكن الشرطين المذكورين أعلاه يصححان الاستعمال العرفي؛ أي أن العرف للبيع الإنشائي يستخدم لفظ البيع، وألفاظ مثل الإجارة والسمع في هذا المقام لها منافرة عرفية. ثانيًا، هذا الإنشاء الذي نقوم به يجب أن يكون له أثر، مثل أن البيع له أثر التمليك والتملك والتعهدات المترتبة عليه. لذلك، على عكس المحقق العراقي الذي كان يبحث عن تصور وجود تشريعي (الفساد أو الشرطية) ليتحقق الرفع التشريعي، فوفقًا لمبنى المستشكل، نحن في الأصل لا نحتاج إلى هذه التكلفات، والإنشاء يصدق على التكوينيات، وهنا يُنشأ رفع الأمر المتروك الذي أثره رفع الفساد وإثبات الصحة. وبالطبع، يرد إشكال مبنائي وبنائي على بيانه: أولاً، يُدعى أن الإنشاء قليل المؤونة، وبالتالي فهو قابل للتحقق على أي شيء وفي أي شيء؛ وهذا ليس عقلائيًا؛ لأننا نجد بالوجدان أن الأمور الإنشائية محصورة في موارد خاصة يُشار إليها في الأصول والبلاغة والآداب، مثل الأمر والنهي والتمني والدعاء والنداء وغيرها، وكذلك المعاملات. ليس الأمر بحيث يمكن تصور وجود إنشائي لكل شيء، مثل الماء والجدار والحيوانات والنباتات وغيرها! هذه الحقائق الإنشائية يمكن أن تتحقق بالفعل أو في قالب ألفاظ خاصة. بالطبع، لا يبدو للفقير أن الأمر يقتصر على القرابة والمؤانسة العرفية، وأن كل إنشاء يتوقف على لفظ خاص؛ بل في الأساس، شرط تحقق مثل هذه الإنشاءات بوساطة اللفظ هو أداء الألفاظ المخصوصة، وبغيرها لا يتحقق. والإشكال البنائي هو أنه حتى لو قبلنا أن الرفع الإنشائي لا يحتاج إلى وجود تشريعي ويصدق على كل شيء حتى التكوينيات، فإنه لا يزال في المقام لا يوجد شيء أصلاً، وترك الجزء الذي هو أمر وجودي تكويني لا يمكننا أن نرتّب على ارتفاعه أثرًا وثمرة.

رأي المحقق العراقي: عدم جريان الحديث بسبب عدم كونه امتنانيا

المحقق العراقي، على الرغم من أنه لم يقبل إشكال المحقق النائيني في عدم جريان الرفع في ترك الأجزاء والشروط؛ إلا أنه بسبب إشكال آخر، قال هو نفسه بعدم جريان هذه الرواية في هذا المقام. يقول: لازم جريان حديث الرفع هو فساد المعاملة وصحتها، وأثر الصحة هو وجوب تكليفي بالعمل بالتعهدات ومفاد العقد؛ بينما هذا الوجوب خلاف الامتنان. لذلك، بالنظر إلى كون الرواية امتنانية، لا يجري حديث الرفع في هذا القسم (النائيني، 1390، ج3، ص357). الجواب هو أنه من الممكن في كل امتنان أن تأتي بعض المشقات على عاتق الشخص، وبالتأكيد من يعقد معاملة بربح كبير يجب أن يعمل بتعهداته ومفادها أيضًا. لذلك، بالنسبة للناسي أو المخطئ أو المضطر لترك أجزاء وشروط المعاملة دون ملاحظة العوامل الأخرى، فإن صحة المعاملة امتنانية وتحقق غرضه – الذي هو إتمام المعاملة -. بالإضافة إلى أنه وفقًا لرؤية معظم الأصوليين، يكفي ألا يحدث ما هو خلاف الامتنان من جريان حديث الرفع، وقد فهموا أن مرادهم من كون الحديث امتنانيا هو هذا المقدار؛ لا أن يكون الامتنان في جريانه. على سبيل المثال، من الممكن لشخص أن صحة معاملة نسي شرطها لا يكون لها تأثير؛ أي لا يتوجه إليه ربح أو ضرر؛ ولكن مجرد أن جريان الحديث في هذا المورد ليس خلاف الامتنان، فمن هذه الجهة لن يكون فيه مشكلة.

المقام الثاني: عروض العناوين الخمسة على المسبّبات

المقام الثاني من بحث الأحكام الوضعية هو محل عروض العناوين على المسببات، والذي يُبحث في قسمين: الأول: أحيانًا يكون المسبب أمرًا اعتباريًا أصيلاً، مثل الزوجية والملكية. على سبيل المثال، يُكره شخص على إعطاء ملكية ملكه للمكرِه (الفرض هو أنه دون تحقيق سبب انتقال الملكية). الثاني: أحيانًا يكون المسبب عبارة عن أمور واقعية، مثل الطهارة والنجاسة. مثل أن يلامس بدن شخص نجاسة عن طريق الخطأ. رؤيته في كل من القسمين بالتفصيل كما يلي:

3-2-1. القسم الأول: المسبّب الاعتباري (المجعولات الأصالية)

القسم الأول من المسببات هو المسبب الاعتباري، مثل الملكية والزوجية والرقية من الأحكام الوضعية التي أمضاها الشارع بنظرة استقلالية؛ خلافًا لرأي بعض الأصوليين، مثل المرحوم الشيخ الأنصاري، الذين لا يعتبرون جميع الأحكام الوضعية، مثل الجزئية والشرطية، مجعولات أصالية؛ بل منتزعة من الأحكام التكليفية. وفقًا لرؤية المحقق النائيني، فإن حديث الرفع في هذه الموارد قابل للجريان؛ لأن وضعها وجعلها بذاتها، والشارع جعلها بشكل مستقل. لذلك، هي من الأمور التي يقع جعلها ورفعها بيد الشارع، والمقتضي لجريان الرفع فيها موجود. يقول: «فهو بنفسه مما تناله يد الوضع والرفع التشريعي، على ما هو الحق عندنا من أنّ هذا القسم من الأحكام الوضعية يستقل بالجعل وليس منتزعًا من الأحكام التكليفية» (النائيني، 1390، ج3، ص357). لذلك، إذا أُجبر شخص، على سبيل الفرض، على إدخال عين (ماله أو مال غيره) في ملك آخر دون إجراء عقد (لأن الإكراه لم يكن على السبب)، فوفقًا لحديث الرفع، هذه الملكية أو الزوجية الإكراهية المتحققة ترتفع. برفع المسبب، ترتفع الآثار المترتبة عليه أيضًا، مثل حرمة التصرف. وبالطبع، من الواضح أن رفع هذه الآثار هو بسبب انتفاء موضوعها – الملكية -؛ لا أن حديث الرفع يرفعها بشكل مباشر؛ لأنه وفقًا للفرض، لم تعرض العناوين الخمسة على هذه الأحكام والآثار. وهو يدفع الدخل ويقول: «لا أقول: إنّ الرفع تعلّق بالآثار، بل تعلّق بنفس المسبّب، لأنه بنفسه مما تناله يد الرفع، ولكن رفعه يقتضى رفع الآثار، لارتفاع العرض بارتفاع موضوعه» (النائيني، 1390، ج3، ص358). ولكنه هو نفسه يشكل بأنه من الناحية الكلية والكبروية، هذا الكلام تام؛ ولكن في مقام الخارج وعالم الواقع، المصداق والصغرى التي تحدث عادة، هي عروض العناوين على الأسباب. الإكراه والخطأ وأمثالهما على هذا النحو أن المكره والمخطئ يحقق السبب. يقول: «ولکن فرض وقوع المسبّب عن إكراه ونحوه في غاية الإشكال، فانّ الإكراه إنّما يتعلق بإيجاد الأسباب» (النائيني، 1390، ج3، ص358).

إشكال المحقق العراقي: مغايرة الأمر بالمسبب مع الأمر بالسبب

يعتقد المحقق العراقي بجريان حديث الرفع في هذا القسم، وفي رد الإشكال الذي أورده المحقق النائيني على نفسه (إشكال في التحقق الخارجي للأمر بالمسبب الاعتباري)، يقول إن الأمر بالمسبب لا يرجع إلى الأمر بالسبب. ظاهريًا، مبنى الإشكال المذكور هو عينية الأمر بالمسبب مع الأمر بالسبب؛ لذلك، بالنظر إلى أن المحقق النائيني يدعي أنه من الناحية العرفية واللبّية، الأمر بالمسبب هو توليدي للأمر بالسبب (النائيني، 1376، ج1، ص69)، فقد أنكر هنا التحقق الخارجي للأمر بالمسبب.

نقد ودراسة: لم يبيّن المحقق النائيني في كلامه استدلالاً صريحًا في بيان سبب عدم تحقق هذا القسم، واكتفى بالقول: «في غاية الإشكال»، ولكن من الاحتمالات التي يمكن استخدامها في تبيين مراده هو نفس المبنى الذي أشار إليه المحقق العراقي؛ أي في مثل البيع والنكاح، على فرض أن يُجبر شخص على المسبب منهما (نفس الملكية والزوجية)، فمن الناحية العرفية، هو نفس الإجبار على التمليك والتزويج، وامتثال هذا الإكراه والخلاص منه يحصل بواسطة إنجاز السبب. إذن، في الواقع، يعود إلى الحالة الثانية من المقام الأول (عروض العناوين الموجب لإيجاد السبب) التي دُرس فيها حكم عروض كل من العناوين. ولكن الذين يعتقدون بالتفكيك بين الأمر بالمسبب والسبب، خاصة في باب المعاملات؛ بهذا البيان أن المسبب في العقود هو أمر اعتباري بين الطرفين أو عقلائي أو شرعي (الملكية المعتبرة عند المتعاقدين أو العقلاء أو الشرع)؛ في هذه الصورة، الأمر بالسبب (الإيجاب والقبول) يختلف عن الأمر بالمسبب، ولن يكون مثل المسببات التوليدية التي تترتب حتمًا على أسبابها؛ على عكس رؤية البعض الذين فسروا الأسباب في المعاملات بمعنى الإنشاء والمسبب بمعنى المنشأ، حيث يكون تفاوتهما مثل الإيجاد والوجود اعتباريًا فقط، ووفقًا لهذا التصور، فإن الأمر بالمسبب هو نفسه الأمر بالسبب. ونتيجة لذلك، وفقًا للتصور الأول، فإن الانفكاك بين السبب والمسبب متصور، والمحقق العراقي وفقًا لهذا المبنى يعتقد أن البحث عن جريان حديث الرفع في هذا القسم في محله. في الجواب يمكن القول إن الإشكال الذي يرد حتى بناءً على تفكيك السبب عن المسبب في هذا القسم، هو أن العناوين المذكورة في مقام التحقق والوقوع، في معظم الموارد، تقع على الأسباب؛ لا أن إمكانية عروضها على المسببات غير ممكنة أو أنها تعرض على المسبب وتُحمل طبقًا للمبنى على السبب؛ بل إنها من الأساس لا تقع على المسبب، أي الشخص الذي يرتكب خطأً أو نسيانًا أو اضطرارًا في المقام، يكون في أجزاء أو شروط العقد؛ لا أنه يلتزم بملكية من تلقاء نفسه عن طريق الخطأ دون لحاظ عقد، بل الخطأ ناتج عن أنه كان يعتقد أو نسي أن عقدًا مملِّكًا قد تحقق في الماضي. في الإكراه أيضًا، المكرِه يجبر المخاطب على التمليك عن طريق أسبابه؛ لا أنه يجبر على تحقق الاعتبار العقلائي أو الشرعي للملكية؛ لأنه من الواضح أن تحقق هذا الاعتبار ليس بيد المكرَه. الذين، مثل صاحب هداية المسترشدين والمرحوم الشيخ بنقل عن المرحوم الخوئي، يعتقدون أن المسبب في المعاملات أمر تكويني وواقعي من باب مقولة الجدة والإضافة أو أمر انتزاعي، قد قبلوا أيضًا بتفكيك السبب عن المسبب في المعاملات. (الحائري، 1423، ج1، ص216)؛ ولكن وفقًا لهذا التفسير، سيدخل حكم هذا القسم أيضًا في القسم التالي الذي يكون فيه المسبب واقعيًا.

إمكان تعلق العناوين الثانوية بالأفعال وجريان الرفع في المسبب الاعتباري

من الوجوه التي يمكن بيانها في تبيين سبب عدم وقوع هذا القسم (تعلق العناوين الثانوية بالمسبب الاعتباري) هو أن عناوين الإكراه والاضطرار والعجز تعرض على الأفعال؛ بينما المحقق النائيني يعتبر المسبب في هذا القسم أمورًا مثل الملكية والزوجية، التي ليست أفعالاً؛ بل هي مصدر انتزاعي؛ انتزاع من اعتبار يقوم به العقلاء بصورة قضية حقيقية، على موضوع هو إنشاء الإيجاب والقبول من جانب المتبايعين. ولهذا السبب، لا يوجد تحقق خارجي لعروض هذه العناوين على هذه الاعتبارات؛ بل تعرض على سببها. وبالطبع، عروض النسيان والخطأ على هذه الموارد عرفي وعقلائي؛ ونتيجة لذلك، فإن هذا التوجيه يختص بالعناوين الثلاثة المذكورة. يشكل آية الله لاريجاني بأن المسبب لا ينبغي تفسيره بالملكية والزوجية وأمثالهما؛ بهذا البيان أن المسبب في المعاملات هو نفس أفعال التسبب بالتمليك والتزويج وأمثالهما. يقول: كما يرى المحقق الإصفهاني، لدينا نوعان من الأفعال في المعاملات تُنسب إلى المتعاقدين؛ الفعل المباشري والفعل التسبيبي، الإيجاب والقبول هما فعل مباشري للمتعاقدين، والتمليك هو فعل تسبيبي وتوليدي لهما، ومن الناحية العرفية كلا الفعلين يُنسبان إلى المتعاقدين (الغروي الإصفهاني، 1419، ج1، ص74). لذلك، تحقق الإكراه والاضطرار على السبب هو بالإكراه على الإيجاب والقبول (الفعل المباشري)، وتحقق الإكراه على المسبب هو بالإكراه على التمليك والتزويج. إذن، عروض العناوين الثلاثة هنا له فرض، وهو متحقق، وجريان حديث الرفع لا إشكال فيه (آملي لاريجاني، 1400، جلسة 293). في نظر الكاتب، بناءً على تفسير السيد لاريجاني، يرد إشكال المحقق العراقي؛ لأنه إذا فسرت المسبب بنفس الأفعال التوليدية، مثل التمليك والتزويج، ففي الواقع عروض العناوين عليها يرجع إلى عروض العناوين على الأسباب، ويُطرح البحث المبنوي المذكور (إمكانية تفكيك الأسباب عن المسببات في المعاملات)؛ ولكن كما ذُكر، ظاهر كلمات المحقق النائيني هو الإشكال في وقوع هذا القسم الذي يُفترض فيه إكراه على تحقق الملكية، ما هو حكمه؟ وضمنًا، هذا التفسير، كما أقر الأستاذ نفسه، لا يجري في الخطأ والنسيان.

3-2-2. القسم الثاني: المسبّب الواقعي (التكويني)

القسم الثاني من محل البحث في المسبب هو المسببات مثل الطهارة والنجاسة على أساس أنها أمور واقعية وتكوينية كشف عنها الشارع. يقول المحقق النائيني: حديث الرفع في هذه الأمور نفسها لا يجري؛ لأنها بناءً على هذا المبنى أمور واقعية، وأمر وضعها ورفعها ليس بيد الشارع ليرفعها ولو تشريعًا؛ بل وجودها وعدمها مرتبط بتحققها الحقيقي والخارجي عن طريق أسبابها. يقول: «لأنه من الأمور التكوينية وهي تدور مدار وجودها التكويني متى تحققت ووجدت، لا تقبل الرفع التشريعي، بل رفعها لا بد وأن يكون من سنخ وضعها تكويناً» (النائيني، 1390، ج3، ص358). وفيما يلي يقول: نسبة الآثار المترتبة على هذه المسببات التكوينية، بالنظر إلى أنها آثار شرعية، فإن المقتضي لجريان حديث الرفع موجود: «نعم؛ يصح أن يتعلق الرفع التشريعي بها بلحاظ ما رتب عليها من الآثار الشرعية.» (نفسه). لذلك، الأثر الشرعي لعروض عناوين موجبة للنجاسة (مثل شخص يتنجس بدنه بالإجبار أو الاضطرار أو الخطأ) الذي هو وجوب التطهير والغسل، والأثر الشرعي لعروض عناوين موجبة للجنابة الذي هو وجوب الغُسل، بالنظر إلى أنهما أمران وجوبيان وشرعيان، فلهما قابلية الرفع؛ ولكن بسبب وجود المانع، لا يمكن لحديث الرفع أن يجري فيهما؛ لأن أدلة وجوب التطهير (سواء الباطني أو الظاهري) لها إطلاق، وتحقق النجاسة الخبثية والحدثية مطلقًا من أي طريق، ولو إكراهيًا واضطراريًا وخطئيًا، يوجب لزوم التطهير. يقول: «فان الغسل والتطهير أمران وجوديان قد أمر الشارع بهما عقيب الجنابة والنجاسة مطلقًا، من غير فرق بين الجنابة والنجاسة الإختيارية وغيرها» (النائيني، 1390، ج3، ص358).

الإشكال الأول للمحقق العراقي: حاكمية حديث الرفع على إطلاقات الأدلة الأخرى

يقول المحقق العراقي: التوضيح الذي بيّنه المحقق النائيني لعدم شمول حديث الرفع بالنسبة لآثار المسببات التكوينية غير صحيح. أن يقال إنه بسبب إطلاق أدلة وجوب الطهارة، لا يجري الرفع التشريعي فيها، فهذا إشكال؛ لأن القضية في جميع الموارد التي نطبق عليها حديث الرفع هي من هذا القبيل، حيث يوجد إطلاق بالنسبة لعروض العناوين. في جميع الفقرات، وجميع الشبهات الحكمية والموضوعية والأحكام التكليفية، القضية هي أن إطلاق أدلة الأجزاء والشروط يثبت الوجوب لظرف الاضطرار وغير الاضطرار والإكراه وغير الإكراه. ثم يأتي دليل حديث الرفع بالحكومة أو التخصيص ويزيلها – المحقق النائيني، مثل المشهور، قائل بالحكومة – إذن، إطلاق أدلة آثار المسببات لا يمكن أن يمنع جريان حديث الرفع؛ بل يحقق اقتضاء جريان حديث الرفع؛ لأنه في حال تقييد هذه الأدلة بوجود أو عدم أي من العناوين، لم يعد هناك مجال للبحث عن حديث الرفع. يقول: «فإنّ الأمر في كل مورد يشمله الحديث باطلاق دليله شامل لصورة الإختيار والإضطرار، وبالإضطرار أو الإكراه يرتفع.» (النائيني، 1390، ج3، ص358).

نقد ودراسة: في نظر الكاتب، هذا الإشكال لا يرد على المحقق النائيني؛ لأنه كما تبين في محل النزاع، عروض العناوين على الأحكام قابل للبحث في مكان تكون فيه أدلة الأحكام المعروضة لا بشرط بالنسبة لهذه العناوين، وإلا ففي حال التقييد بوجود أو عدم هذه العناوين، تخرج موضوعًا عن شمول الحديث. وفي الإطلاقات أيضًا، بالتأمل، ندرك أنه يمكن أن تكون هناك حالتان: الأولى: إطلاق ناشئ عن السكوت وعدم بيان قيود لفظية ولبّية منفصلة ومتصلة. في هذه الحالة، بالتأكيد حديث الرفع بصورة بيان منفصل يمنع ذلك الإطلاق ويكون حاكمًا على تلك الأدلة. الثانية: إطلاق ناشئ عن بيان صريح لفظي؛ سواء بصورة متصلة أو منفصلة. مثل أن يرد في مفاد أدلة وجوب التطهير؛ سواء اضطراريًا أو اختياريًا، إذا تنجست أو أجنبت، فعليك بالطهارة؛ أو بدليل منفصل يُصرح بهذا الإطلاق. هذا المورد يختلف عن الإطلاق المصطلح – الناشئ عن السكوت ومقدمات الحكمة -؛ بل هو تصريح من الشارع ومعتبر بأنه لاحظ كلتا الحالتين في حكمه، ويبدو أن حديث الرفع، كما قال المحقق النائيني، لا يشمل هذه الموارد. ويمكن تقديم جواب آخر لإشكال المحقق العراقي. بناءً على هذا الاحتمال أن مراد المحقق النائيني هو أن هناك دليلاً قطعيًا خارجيًا يمنع جريان حديث الرفع في المقام؛ أي خارج أدلة وجوب التطهير، لدينا علم من مكان آخر بأنه يشمل قطعًا موارد الإكراه والاضطرار وغيرها؛ فحديث الرفع يرفع جميع الآثار إلا إذا كان هناك دليل قطعي، ولو في ظرف الاضطرار والنسيان، فإن الأثر غير مرفوع. على سبيل المثال، في باب الغسل عند الجنابة، لدينا إجماع على أن وجوب الغسل لا يرتفع ولو بالاضطرار، أو في باب التطهير عند ملاقاة شيء نجس بالبدن، ولو بالاضطرار، لدينا إجماع قطعي على أنه يجب التطهير (آملي لاريجاني، 1400، جلسة 290-300). ولكن في نظر الكاتب، هذا التحليل لا ينسجم مع ظاهر كلمات المحقق النائيني، ولم يأت بذكر دليل قطعي خارجي؛ بل تمسكه كان بالإطلاق: «فان الغسل والتطهير أمران وجوديان قد أمر الشارع بهما عقيب الجنابة والنجاسة مطلقاً، من غير فرق بين الجنابة والنجاسة الاختيارية وغيرها» (النائيني، 1390، ج3، ص358).

الإشكال الثاني للمحقق العراقي: تحقق الرفع التشريعي في التكوينيات

يقول المحقق العراقي: مقتضى تصور الرفع التشريعي هو أن يتعلق بالتكوينيات والأمور الواقعية دون إشكال؛ لأنه وفقًا للمبنى، ليس من المقرر أن يُرفع هذا الأمر التكويني ويزال في الواقع ويُمحى من صفحة عالم الوجود؛ بل فقط يُزال ذلك الأمر التكويني من صفحة التشريع. لذلك، في مقابل المحقق، الشيخ الذي كان قائلًا بلزوم تقدير محذوف في فقرات الحديث، أعطوا نفس الجواب بأن رفع هذه الأمور بصورة تشريعية؛ فلا حاجة للتقدير. وبالطبع، أوضحوا أن هذا الرفع التشريعي يجب أن يكون له أثر وثمرة. في المقام أيضًا، برفع تشريعية النجاسة والجنابة التكوينية، ترتفع آثارهما – وهي لزوم الطهارة -. وفي الأحكام التكليفية أيضًا، إذا أُكره شخص على شرب الخمر، فإن الإكراه يتعلق بالأمر التكويني؛ ولكن بتفسير الرفع التشريعي، فإن المراد من رفع الإكراه عنه هو أن الحكم التكليفي بالحرمة ووجوب الاجتناب، وبالتالي العقاب والمؤاخذة، يُزال.

نقد ودراسة: في نظر الكاتب، هذا الإشكال وارد؛ ولكن للدفاع عن المحقق النائيني وعدم شمول حديث الرفع بالنسبة للمسببات التكوينية، مثل النجاسة، يمكن طرح استدلال آخر. يقول الشهيد الصدر: الحكم والأثر الذي يُزال بحديث الرفع يجب أن يكون أثرًا للفعل بما هو منتسب ومستند إلى الفاعل؛ أي يجب أن يكون الفعل منتسبًا للفاعل حتى يزيله حديث الرفع؛ لأن العرف بناءً على الارتكاز، يعتبر العناوين المأخوذة، مثل الاضطرار والإكراه والنسيان، من عوامل تضعيف نسبة الفعل إلى الفاعل. لذلك، عندما يكون هناك ظهور عرفي، فإن عروض هذه العناوين من عوامل تضعيف فعل النسبة إلى الفاعل، فالشارع امتنانًا، يتجاهل هذه النسبة الضعيفة ويرفعها؛ ولكن يجب أن يكون أصل الانتساب إلى المكلف موجودًا؛ بينما في التنجس، يجب أن تحدث الملاقاة بالنجاسة، وفي هذا الفعل، لا يُلحظ إسناده وانتسابه إلى المكلف؛ بل يكفي حصول هذه الملاقاة والنجاسة ولو عن طريق هبوب الريح. إذن، بالنظر إلى أنه في هذا القسم من الأحكام الوضعية، الانتساب إلى المكلف غير ملحوظ، ومن ناحية أخرى، فإن الحديث في مقام رفع وتجاهل نفس تلك الرابطة والانتساب المضعّف بسبب عروض العناوين، فإن هذا القسم يخرج تخصصًا عن شمول حديث الرفع. يقول: «مقتضى مناسبات الحكم والموضوع والإرتكاز العرفي هو أنّ الاضطرار والنسيان ونحوهما من العناوين إنما تصلح لرفع الأثر الذي يترتب على ما يسند إلى الشخص، حيث ان هذه العناوين تجعل إسناد الشيء إلى الشخص وانتسابه إليه ضعيفاً في نظر العرف، والنجاسة لا تترتب على الملاقاة باعتبار الإسناد إلى الشخص، بل على ذات الملاقاة ولو من دون توسط فعل الشخص، كأن يقع الثوب على النجاسة بواسطة تحريك الهواء له، فما يكون من هذا القبيل لا يرفع بحديث الرفع.» (الصدر، 1408، ج3، ص211).

الخاتمة

بعد التحليلات التي جرت، قُبلت رؤية المحقق النائيني الذي كان قائلًا بالتفصيل في شمول حديث الرفع بالنسبة للأحكام الوضعية، في جميع الأقسام، ما عدا القسم الأخير الذي كان عروض العناوين على المسببات الواقعية، وأُزيلت الإشكالات التي أوردها بعض الكبار عليه بالدقة والانتباه إلى مباني المحقق النائيني. وبمساعدة الشرط الذي لاحظه الشهيد الصدر لجريان حديث الرفع، وبالاستناد إلى الارتكاز العرفي، رُفعت آثار الأفعال التي يُسند إلى المكلف، وتم تبرير عدم جريان حديث الرفع في المسببات التكوينية. من تجديدات البحث الحالي الإشارة إلى الفروض التي لم تُبيّن في رؤية المحقق، والتي استُخرج حكمها أيضًا بالاستناد إلى مبانيه في مباحث أخرى. ونتيجة لذلك، كان عروض العناوين الخمسة على الأحكام الوضعية، إما في الأسباب أو المسببات؛ بهذا البيان أنه في الأسباب، كان إما موجبًا لإيجاد السبب فيجري حديث الرفع، أو موجبًا لترك السبب كاملاً أو أجزائه وشروطه فلا يجري. وفي المسببات، إما أن يكون المسبب اعتباريًا، حيث لا إشكال في جريان الحديث من حيث كبرى القضية؛ ولكن لم يكن له مصداق خارجي، أو أن يكون المسبب واقعيًا، حيث بالنظر إلى التكملة المذكورة من الشهيد الصدر (صحة انتساب الفعل إلى الفاعل)، لم يجرِ في هذا الفرض أيضًا.

فهرس المصادر

القرآن الكريم.

  1. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
  2. الآملي اللاريجاني، صادق (١٤٠٠ش)، خارج الأصول، قم: مدرسة ولي العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف.
  3. الأنصاري (الشيخ الأنصاري)، مرتضى بن محمد أمين (١٤٢٨)، فرائد الأصول، قم: بلا ناشر.
  4. البرقي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد (۱۳۷۱)، المحاسن، قم: دار الكتب الإسلامية.
  5. البروجردي، حسين (١٤١٥) (المقرر: حسين علي منتظري)، نهاية الأصول، طهران: بلا ناشر.
  6. الحائري، السيد كاظم الحسيني (١٤٢٣)، فقه العقود، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  7. الخوئي، أبو القاسم (۱۳۸۰)، (المقرر: واعظ الحسيني، محمد سرور)، مصباح الأصول، قم: بلا ناشر.
  8. الروحاني، محمد (١٤١٣)، منتقى الأصول، قم: بلا ناشر.
  9. الصدر، محمد باقر (١٤٠٨)، (المقرر: محمد كاظم الحائري)، مباحث الأصول، قم: بلا ناشر.
  10. الصدر، محمد باقر (المقرر: محمود هاشمي الشاهرودي)، بحوث في علم الأصول، قم: بلا ناشر.
  11. العاملي (الحر العاملي)، محمد بن حسن (١٤٠٩)، وسائل الشيعة، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
  12. الغروي الإصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، بيروت: بلا ناشر.
  13. الغروي الإصفهاني، محمد حسين (١٤١٩)، حاشية المكاسب، قم: دار المصطفى لإحياء التراث.
  14. القمي (الشيخ الصدوق)، محمد بن علي بن بابويه (١٣٦٢ش)، الخصال، قم: طبعة علي أكبر غفاري.
  15. ________________ (١٤١٣)، من لا يحضره الفقيه، قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  16. ________________ (١٣٥٧)، التوحيد، قم: طبعة هاشم حسيني الطهراني.
  17. الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (١٤٠٧)، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  18. الموسوي الخميني، روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول، قم: بلا ناشر.
  19. ________________ (١٤١٥)، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية، طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.
  20. النائيني، محمد حسين (١٣٧٦ش)، فوائد الأصول، قم: بلا ناشر.
  21. ________________ (١٣٩٠ش)، (حاشية: آقا ضياء عراقي)، فوائد الأصول با حاشیه عراقی، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
  22. ________________ (١٣٥٢ش)، (المقرر: أبو القاسم خوئي)، أجود التقريرات، قم: بلا ناشر.
  23. النجفي البستان، جعفر (١٤٠٠ش)، خارج فقه العقود، قم: مؤسسة عالي فقه و علوم إسلامي.

الهوامش

  1. «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةُ أَشْيَاءَ: الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ وَمَا لَا يَعْلَمُونَ وَمَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ وَالْحَسَدُ وَالطِّيَرَةُ وَالتَّفَكُّرُ فِي الْوَسْوَسَةِ فِي الْخَلْقِ مَا لَمْ يَنْطِقُوا بِشَفَةٍ». ورد حديث رفع الأمور التسعة في الكتب المعتبرة نقلاً عن الإمام الصادق عليه السلام عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وبشكل عام، سند هذه الرواية في حد الاستفاضة والاطمئنان؛ وإن كان بعض أسانيدها الموجودة صحيح ومعتبر بمفرده، وبعضها الآخر يحتاج إلى قواعد التوثيق العامة (الصدر، ١٤٠٥، ج ٢، ص ٥٨-٦٢). كذلك ورد في بعض الكتب تعبير «وضع»، وهناك اختلاف في عدد المصاديق. على سبيل المثال، في المصدر الأول «محاسن البرقي»، وردت ثلاثة مصاديق (البرقي، ١٣٧١، ج٢، ص ٣٣٩)، والمرحوم الكليني في رواية ذكر ٤ وفي أخرى ٩ مصاديق (الكليني، ١٤٠٧، ج ٢، ص ٤٦٢ و ٤٦٣). والمرحوم الصدوق أيضاً ذكر الرواية بـ ٩ مصاديق في كتبه (القمي، ١٤١٣، ج ١، ص ٥٩؛ القمي، ١٣٥٧، ص ٣٥٣؛ القمي، ١٣٦٢، ج ٢، ص ٤١٧). وقد وردت أسانيد وعبارات مختلفة لهذه الرواية في وسائل الشيعة في «باب بطلان الصلاة بالوسوسة» و«باب جملة من عفي عنه» بالتفصيل (العاملي، ١٤٠٩، ج ٧، ص ٢٩٣ و ج ١٥، ص ٣٦٩).
  2. الحقيقة الادعائية تشير إلى مبنى السكاكي في المجازات. الصورة التي يقدمها للمجاز هي توسع في المعنى الحقيقي عن طريق الادعاء، وهي من الناحية البلاغية أبلغ وأكثر تأثيرًا. السكاكي، خلافًا للمشهور – الذين يعرّفون المجاز بأنه «استعمال اللفظ في غير ما وضع له» – يقول في باب الاستعارة: اللفظ دائمًا مستعمل فيما وضع له ولا يُستعمل أبدًا في غير ما وضع له. في مثل «جاءني أسد» حيث يُراد من الأسد زيد، فإنما «التوسع في باب تطبيق المعنى على الموضوع»؛ أي أن الأسد مستعمل في معنى السبع؛ لكن السبع له فردان: فرد حقيقي وفرد ادعائي. الفرد الحقيقي هو نفس السبع في الغابة، والفرد الادعائي هو زيد الذي أدعي أنا المتكلم له الأسدية؛ ولو أنك تراه إنسانًا؛ لكنني في الحقيقة لا أراه إنسانًا؛ بل أراه أسدًا. إذن، في مثل «جاءني أسد»، لم يُستعمل الأسد في غير ما وضع له؛ لأن التوسع والادعاء في الأصل ليس في الاستعمال؛ بل في التطبيق، ولم يحدث أي تسامح في إطلاق اللفظ في المعنى؛ بل تطبيق ذلك المعنى الحقيقي على هذا المورد كان بالتوسع. بعض الأصوليين، مثل المرحوم محمد رضا الإصفهاني أستاذ الإمام الخميني، عمموا هذه النظرية على جميع المجازات (الخميني، ١٤١٥، مناهج الوصول، ج ١، ص ١٠٥).
  3. طالب مرحلة الخارج التخصصي في فرع فقه الاقتصاد والمعاملات؛ باحث في مؤسسة الفقه والعلوم الإسلامية؛ moohsen86589@gmail.com.
Scroll to Top