قاعدة القرعة ودائرتها

الخلاصة

تُعدّ قاعدة «القرعة» من القواعد الفقهية المشهورة التي تكتسب أهمية ومكانة خاصة في الفقه الإسلامي لقدرتها على الإجابة وسدّ بعض الفراغات الفقهية. وهي قاعدة لا شك في مشروعيتها في الجملة، حتى عُبّر عنها في بعض النصوص بأنها من مقتضيات المذهب. والسؤال المهم الذي يؤثر جوابه في نطاق تطبيق هذه القاعدة هو: تعيين موارد جريانها، وتحديد مدى فاعليتها؛ إذ من الواضح أن إثبات دائرة واسعة لهذه القاعدة يرفع من أهميتها أكثر من ذي قبل. وبناءً على ذلك، يرى البعض أن القرعة قاعدة عامة يمكن الاستفادة منها كطريقة مأمونة وعادلة لرفع كل أمر مشكل. وفي المقابل، استند آخرون إلى أدلة مفادها أن هذه القاعدة لا عمومية لها، ولا تُطبّق إلا في موارد خاصة كرفع التزاحم والنزاعات المالية والحقوقية، أو في الموارد التي عمل بها الأصحاب. في هذا المقال، تم عرض أدلة كلا القولين، وتقوية القول بعمومية القرعة باعتباره الرأي الصحيح.

مقدمة

تُعتبر قاعدة القرعة، المستمدة من الآيات والأخبار المتواترة معنويًا، إحدى أشهر القواعد الفقهية، وقد اعتمدها الفقهاء أساسًا لحل الكثير من المسائل التي واجهتهم. يعود تاريخ بحث القرعة إلى الشرائع الإلهية وعصر الجاهلية، وبناءً على ذلك، كُتب الكثير حول مستندات القرعة. لذا، نتجنب في هذا المقال عرضها، ونركز البحث في نطاق وظيفتها؛ فمع أن تطبيق هذه القاعدة في أبواب مختلفة أمر لا يمكن إنكاره، إلا أن هناك خلافات جدية في دائرة هذه التطبيقات. وبتعبير آخر، المسألة التي تشكل أساس هذا البحث هي تعيين موضوع تطبيق هذه القاعدة، حيث يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى رؤيتين؛ فوفقًا لإحداهما، هذه القاعدة عامة وتصلح لكل أمر مشتبه ومشكل، ووفقًا للرؤية الأخرى، فإن عمومية هذه القاعدة محل تشكيك. في هذا السياق، في البحث الحالي الذي تم تنظيمه بالاعتماد على جمع المعلومات بطريقة مكتبية ومنهج وصفي-تحليلي؛ سيتم أولاً استعراض تعريف القرعة بشكل مجمل، ثم سننتقل إلى تبيين عمومية هذه القاعدة ونقد ودراسة الآراء المخالفة.

1. تعريف القرعة

القرعة اسم مصدر من مادة ‘قرع’ بمعنى السهم والنصيب (الفراهيدي، 1414، ج 3، ص 1463؛ الجوهري، 1418، ج 2، ص 971؛ ابن منظور، 1997، ج 5، ص 238، مادة قرع)، وفي معناها الاصطلاحي أُخذ هذا المعنى نفسه، حيث قيل في تعريفها: القرعة طريقة لتعيين الشيء غير المعين ورفع الحيرة والتردد في الموارد المشكلة، شريطة ألا يمكن حل هذا الإبهام عن طريق أمر معتبر شرعًا.

2. النظريات المطروحة في دائرة القاعدة

بالبحث في الكتب الفقهية والأصولية، يمكن العثور على الآراء التالية:

1-2. نظرية عمومية قاعدة القرعة

قاعدة القرعة وسيلة يمكن الاستفادة منها لكشف ورفع كل أمر مجهول ومشكل، شريطة أن يكون المخرج من المأزق منحصرًا في القرعة. والنصوص الحديثية والفقهية تشهد أيضًا على هذه العمومية؛ حيث ذُكرت القرعة في الروايات بعنوان السنة والقاعدة الكلية، ونشير فيما يلي إلى بعضها:

1. يروي محمد بن حكيم قائلًا: سألت موسى بن جعفر (ع) عن أمرٍ ما، فقال: «في كل أمر وموضوع مجهول تجري القرعة». قلت: «القرعة قد تخطئ وقد تصيب». فقال: «ما أمر الله به لن يخطئ». (الصدوق، 1410، ج 3، ص 52) [1]. دلالة الرواية المذكورة على العموم واضحة؛ لأن لفظ «كل» من أدوات العموم. يكتب الشيخ الطوسي في كتاب النهاية: «القرعة تستعمل في كل أمر مشكل حكمه غير معلوم، لأنه روي عن الإمام موسى بن جعفر (ع) وسائر الأئمة (ع) أن القرعة سبيل في كل مجهول». (الشيخ الطوسي، 1390، ص 345 – 346) [2]. يقول الإمام الخميني بعد نقله كلام الشيخ الطوسي: «قد يُقال بناءً على ظاهر كلام الشيخ إنه كان لديه روايات أخرى بمضمون مشابه لم تصلنا، ولكن احتمال كون هذا التعميم استنباطيًا وارد أيضًا». (1417، ص 386)

2. إبراهيم بن عمر يروي عن الإمام الصادق (ع) في شأن رجل نذر أن يعتق أول عبد يملكه، ثم ورث ثلاثة عبيد دفعة واحدة، فما حكمه؟ فأجاب: «يُقرع بينهم، فمن خرجت له القرعة فهو حر، والقرعة سنة». (الشيخ الطوسي، 1401، ج 6، ص 239) [3]. في بيان دلالة هذه الرواية، يجب القول: مع أن مورد هذه الرواية خاص ويتعلق بالنذر، إلا أن عبارة «والقرعة سنة» في الجزء الأخير من الحديث تدل على أن القرعة سنة شرعية وقاعدة كلية وُضعت لرفع كل أمر مشكل ومجهول.

3. في كتاب بصائر الدرجات، روي أن أمير المؤمنين عليًا (ع) كان إذا واجهه أمر جديد لم يرد في الكتاب والسنة، أقرع عليه. ثم قال الإمام الباقر (ع): «يا عبد الرحيم، هذا من المعضلات». (الصفار، د.ت، ج2، ص 703) [4]. في الرواية المذكورة، بيّن الإمام (ع) أن مواجهة «المعضلات» هي الضابط لمجرى قاعدة القرعة.

4. يقول عبد الله بن مسكان: كنت حاضرًا عندما سُئل الإمام الصادق (ع): إذا ولد مولود ليس له ذكر ولا أنثى، بل له دبر فقط، فكيف يورث؟ قال أبو عبد الله (ع): يجلس إمام المسلمين بحضور جماعة من المسلمين، وبعد الدعاء يُقرع على أي أساس يورث الطفل؛ ميراث رجل أم ميراث امرأة؟ فما خرجت به القرعة يكون هو المعمول به. ثم قال: وأي قضاء أعدل من القرعة التي يقول الله عز وجل فيها: «فساهم فكان من المدحضين» [5]. أي أن يونس كان من المقروعين المغلوبين. (الشيخ الطوسي، 1401، ج 9، ص 357). في هذه الرواية أيضًا، بعد أن طبّق الإمام (ع) قاعدة القرعة في مورد مجهول، ثبّت العمل بها في مجاريها -أي جميع الأمور المشكلة والمجهولة- ببيان: «أَيُّ قَضِيَّةٍ أَعْدَلُ مِنْ قَضِيَّةٍ يُجَالُ عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ». وهناك روايات أخرى عديدة تدل على هذا المعنى، سنشير إليها عند استعراض آراء المخالفين.

2-2. نظرية عدم عمومية قاعدة القرعة

كما مرّ، حاول بعض الفقهاء التشكيك في عمومية هذه القاعدة بنحو ما. وفيما يلي، نشير إلى ثلاثة توجهات في هذا المجال ونقوم بنقدها ودراستها.

أولًا: اختصاص القرعة بموارد النزاع والتزاحم

من الفقهاء المعاصرين الذين يؤكدون على نظرية عدم عمومية القرعة، الإمام الخميني [6]. فبحسب رأيه، موضوع القرعة يختص بشبهات باب تنازع وتزاحم الحقوق وإخراج سهم صاحب الحق. (1417، ص 391) والأدلة التي طرحها، تحليلها ودراستها على النحو التالي:

1. بناء العقلاء

يعتقد الإمام الخميني أن القرعة عند العقلاء من الطرق المتعارفة لحل الخصومات ورفع النزاعات، شريطة ألا يكون هناك ترجيح بين الأطراف، وألا توجد طريقة أخرى لإحراز الواقع. (نفسه) ويثبت دعواه بالإشارة إلى موارد كثيرة منها قصة يعقوب (ع) ومريم (ع) وبناء الكعبة، ويعتبر كل هذه الموارد تأييدًا لكلامه. لذا، من وجهة نظر الإمام الخميني، لا يُشاهد بناءٌ من العقلاء على الرجوع إلى القرعة في جميع المشتبهات والمجهولات.

مناقشة

الدليل المذكور لا يخلو من مناقشة؛ لأنه مع أن رجوع العقلاء إلى القرعة أمر لا يُنكر، إلا أن إعمال القرعة عند العقلاء ليس مختصًا بموارد المخاصمة، بل بالتتبع في موارد إجراء القرعة يمكن التوصل إلى أن رجوع العقلاء إلى القرعة يكون عند مواجهة ما يسمى «بالمعضلة». وفيما يلي، ببيان نماذج من عمل العقلاء في الرجوع إلى القرعة، سيتضح هذا الأمر أكثر.

1. تعمير بيت الله: في رواية داود بن سرحان عن الإمام الصادق (ع)، ورد أن رسول الله (ص) ساهم قريشًا في بناء الكعبة، فخرج سهمه من باب الكعبة إلى منتصف ما بين الركن اليماني والحجر الأسود. (الكليني، 1350، ج4، ص 218) [7]. كما هو مطروح في الرواية، استُعين بالقرعة لبناء بيت الله تعالى وتقسيم الوظائف، مما يدل على أن رجوع العقلاء إلى القرعة عند مواجهة الأمور المشكلة أمر ارتكازي، وفي هذه القصة أيضًا لم تشاهد مخاصمة أو نزاع.

2. قضية يونس (ع): في قصة يونس (ع)، عندما توجه غاضبًا إلى ساحل البحر وركب هناك سفينة، توقفت السفينة في وسط البحر بسبب حوت عظيم. قال المسافرون لأنفسهم: لا بد أن بيننا مذنبًا مختبئًا. ثم قرروا أن يُقرعوا بينهم ليعرفوه [8]. فخرجت القرعة باسم يونس فألقوه في البحر فابتلعه الحوت. (تفسير القمي، 1435، ج2، ص 454). في هذه القصة، كما بُيّن، أدرك ركاب السفينة وجود شخص مذنب، وللعثور عليه توسلوا بالقرعة بناءً على ارتكازهم. وهنا أيضًا، لم تكن مسألة تزاحم الحقوق مطروحة، وبعبارة أخرى، كانوا يواجهون معضلة رأوا أن مخرجها هو القرعة. فلم يكن هناك نزاع بينهم في تطبيق وصف العاصي، بل أقرّوا جميعًا بوجود العاصي وأقرعوا للعثور عليه. وفي النهاية، يمكن القول إن هذه القصة تدل على أن اقتراح القرعة نابع من ارتكاز ركاب السفينة؛ لأن سلوك العقلاء هكذا في الموارد التي لا يوجد فيها دليل لاختصاص جهة أو شخص معين.

3. قصة قرعة عبد المطلب بين عبد الله وعشرة من الإبل: ورد عن عبد المطلب أنه كان له تسعة أبناء، ونذر أنه إن رزقه الله ابنًا آخر، سيذبحه قربانًا. فلما وهبه الله عبد الله، شق عليه أن يذبح الطفل الذي كان النبي في صلبه. وبناءً على ذلك، أعد عشرة من الإبل وأقرع بينها وبين ابنه، فخرجت القرعة باسم الابن. أضاف عشرة أخرى، فخرجت القرعة باسم الابن مرة أخرى. أضاف عشرة أخرى حتى بلغ عدد الإبل مائة، فخرجت القرعة باسم الإبل. قال عبد المطلب: لم أنصف ربي، وأعاد القرعة ثلاث مرات فخرجت باسم الإبل. (الصدوق، 1404، ج3، ص 89) [9]. هذه القصة أيضًا من الموارد التي تثبت أن استعمال القرعة عند العقلاء في جميع الأمور المعضلة لا يختص بتزاحم الحقوق.

لذا، بالتأمل في الموارد المذكورة، يتضح أن القرعة كانت إحدى الوسائل المتداولة منذ القدم لحل المشاكل بين الناس.

2. الروايات

يعتقد الإمام الخميني أن مكانة القرعة في الروايات لا تتجاوز مكانتها عند العقلاء. بعبارة أخرى، الروايات بكل كثرتها، بل تواترها، هي حل لإزالة الخصومات المالية. لذا، تشير جميع النصوص إلى أمر عقلائي. بالطبع، استثنى موردًا واحدًا من القاعدة المذكورة وحكم بتعبديته، وهو اشتباه الشاة الموطوءة في القطيع. ولكنه في النهاية يضيف أنه قد يُتصور وجود تزاحم في هذا المورد أيضًا. (الإمام الخميني، 1417، ص 393) [10].

مناقشة

مع أن كثيرًا من الروايات الواردة في موضوع القرعة تتعلق بالنزاع والحقوق المالية، إلا أنه، كما مر، توجد روايات عامة تشمل كل أمر مشتبه ومشكل. وقد تحدثنا عن بعضها بالتفصيل عند بيان الرأي الأول، كرواية محمد بن حكيم التي ذُكرت فيها القرعة كحل للخروج من الأمور المشكلة، واستُفيدت العمومية والشمول من فقرتها الأخيرة «كُلُّ مَجْهُولٍ فَفِيهِ الْقُرْعَةُ»؛ وكذلك رواية إبراهيم بن عمر التي عرّفت القرعة بأنها سنة وطريقة. وفيما يلي، نشير إلى روايات أخرى تدل على عمومية القرعة.

1. يقول عبد الرحمن بن سيابة: خرجت إلى مكة ومعي بضاعة كثيرة، فكسدت ولم تُبع. قال بعض الأصحاب: أرسلها إلى اليمن. فذكرت الأمر للإمام الصادق (ع)، فقال: «أقرع بين مصر واليمن، ثم فوّض أمرك إلى الله، فأي البلدين خرج اسمه في السهم، فابعث بضاعتك إليه». (ابن طاووس، 1409، ص 267) [11]. في هذه الرواية، طُرحت القرعة كحل لرفع الحيرة، ولا يوجد نزاع أو خصومة في الأمر.

2. سأل الحلبي الإمام الصادق (ع) عن رجل نذر أن يعتق أول عبد يملكه، ثم ورث سبعة عبيد دفعة واحدة؟ فقال الإمام (ع): «يُقرع بينهم، ويعتق من خرج اسمه في القرعة». (الصدوق، 1404، ج 4، ص 88) [12]. في دلالة هذه الرواية، يجب القول إن إطلاق الرواية يشمل الحالة التي لا يكون فيها العبيد على علم بنذر المولى. وبعبارة أخرى، المولى يسعى لأداء تكليفه، فماذا يجب أن يفعل؟ في هذه الصورة، لا يكون هناك تزاحم أيضًا، بل يمكن القول إن الرواية ظاهرة في هذا الفرض نفسه. (مكارم الشيرازي، 1425، ج 1، ص 436)

3. يروي عثمان بن عيسى عن الإمام الصادق (ع) أن الله تعالى أوحى إلى موسى (ع) أن بعض أصحابك ينمّون عليك، فاحذرهم. عرض موسى (ع): عرّفني بهم. فقال الله: أنا ألوم النمّام، وتريدني أن أكون نمّامًا وأخبرك بمن يغتابك؟ عرض موسى (ع): كيف أعمل؟ فقال الله: قسّم أصحابك إلى مجموعات من عشرة أفراد، وأقرع بين هذه المجموعات، فستكون نتيجة القرعة هي المجموعة التي هو فيها. ثم فرّق أفراد تلك المجموعة وأقرع بينهم، فالشخص الذي تخرج القرعة باسمه هو النمّام. (المجلسي، 1403، ج 13، ص 353 و 101، ص 325؛ العاملي، 1411، ج 12، ص 310؛ النوري، 1409، ج 17، ص 375) [13]. في هذه الرواية أيضًا، عُرضت القرعة كحل لتشخيص الشخص العاصي، ولا يمكن تصور أي تزاحم فيها. في النهاية، بالتأمل والدقة، يمكن الإصرار على هذا الادعاء، وهو أن الروايات التي تعبر عن عمومية القرعة لها تواتر إجمالي بل معنوي، وأن الموارد المطبقة فيها ليس لها موضوعية، بل هي من باب تطبيق الكلي على المصاديق.

وجدير بالذكر أن العمومية المدعاة لا تعني إجراء القرعة في مواجهة كل مجهول، بل القرعة فعالة في المعضلات والأمور التي لا يوجد لها حل آخر من الأصول والقواعد. وسيأتي تفصيل أكثر في هذا المجال عند بيان رأي اختصاص القاعدة بموارد عمل الأصحاب.

ثانيًا: التمسك بكلمات الأصحاب

دليل آخر تمسك به الإمام الخميني هو كلمات الأصحاب. فبحسب اعتقاده، لم يتمسك الأصحاب بهذه القاعدة إلا في رفع الخصومات والدعاوى.

مناقشة

في كثير من الموارد، عمل الفقهاء بالقرعة، مع أنها لم تكن مرتبطة بالحقوق المالية والمخاصمات. نشير إلى نماذج من هذه الموارد:

1. تعيين جهة القبلة: السيد بن طاووس، بعد أن يذكر طرقًا لتعيين القبلة، يكتب: في حال تعذر هذه الطرق، يصلي إلى أي جهة يظنها، وإلا فيرجع إلى القرعة ولا حاجة للصلاة إلى أربع جهات؛ لأن القرعة طريق شرعي معتمد بناءً على الرواية. (1409، ص 94) وقد استحسن الشهيد الثاني هذا العمل أيضًا. (1416، ص 283)

2. تغسيل الخنثى: يكتب السيد اليزدي: الخنثى المشكل [14] إذا كان عمره أقل من ثلاث سنوات، فلا إشكال في تغسيله. وإلا، فإذا كان له محرم أو أمة – بناءً على جواز تغسيل السيد لأمته – فيمكن لأي منهما تغسيله. وفي غير هذه الصورة، الأحوط أن يغسله كل من الرجل والمرأة من فوق الثياب، وإن كان جواز الرجوع إلى القرعة ليس ببعيد. (1417، ج 2، ص 36-37) ويضيف السيد الخوئي نقلًا عن الشيخ الطوسي: إنه يجيز القرعة في المسألة المذكورة، حتى يُعلم هل الخنثى رجل فيغسله الرجال، أم امرأة فتغسله النساء. (1426، ج 8، ص 359)

3. تمييز القتلى: من الموارد الأخرى التي حكم فيها الأصحاب بالقرعة، ميدان الحرب، في حالة عدم إمكانية التمييز بين قتلى المسلمين والمشركين. (ابن إدريس، 1414، ج 3، ص 20)

ثالثًا: اختصاص القرعة بموارد عمل الأصحاب

اختصاص قاعدة القرعة بالموارد التي عمل بها الأصحاب هو من الموانع الأخرى التي أدت إلى خدش عمومية هذه القاعدة. بعبارة أخرى، التمسك بالقرعة لا يصح إلا في الموارد التي عمل بها المشهور. ذلك أن عمومات القرعة لها تخصيصات كثيرة، مما يدل على أن هذه العمومات كانت لها قرائن لم تصل إلينا، وهذا مساوٍ لسقوط العمومات عن الحجية. يكتب الشيخ الحر العاملي في هذا الصدد: الأحاديث في مورد القرعة كثيرة، لكن هذه العمومات لها مخصصات كثيرة. (1376، ج 1، ص 659). وفي الفصول الغروية أيضًا ورد: في أكثر الموارد، تكون عمومات القرعة موهونة بإعراض المشهور، مما سبب إجمالها وصعوبة الاعتماد عليها. (الأصفهاني، 1404، ص 362) ويكتب المحقق الخراساني: عموم قاعدة القرعة موهون لكثرة التخصيصات، بحيث إن العمل به يحتاج إلى جبر بعمل الأصحاب. (الآخوند الخراساني، 1417، ص 433) ويعتقد المحقق النائيني أن العمل بالقرعة يكون في دائرة عمل الأصحاب، ولا يمكن العمل بالعمومات المطروحة في الروايات. (النائيني، 1417، 4، ص 680) [15].

مناقشة

للإجابة على هذا الإشكال، لا بد أولاً من تبيين الموضوع بشكل صحيح، ومن خلال هذا المسار، بتحليل العناوين والموضوعات المستخدمة في أدلة القرعة، يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها: هل إعراض المشهور هو سبب عدم التمسك بالقرعة في بعض مجاريها؟ أم أن الموارد المذكورة كانت خارجة عن دائرة أدلة القرعة ابتداءً؟ بالنظر في أبواب القرعة، يمكن العثور على عناوين مثل: مجهول، مشتبه، ملتبس، ومشكل. من الناحية المعنوية، العناوين الثلاثة الأولى لها معنى واحد، وهو اشتباه شيء ما بحيث لا يوجد طريق شرعي معتبر لرفع إبهامه. لذا، الروايات التي تشتمل على هذه العناوين تعرّف القرعة بأنها مخرج في الموارد التي يكون فيها الحكم الواقعي والظاهري غير معلوم. وعنوان ‘مشكل’ يعني الأمور الصعبة والمعضلات التي لا يوجد طريق لإثباتها، والاحتياط فيها إما غير ممكن أو يسبب عسرًا وحرجًا، أو أن الاحتياط لم يُجعل في هذه الموارد أصلًا. نتيجة لذلك، يجب القول إن تشريع القرعة يكون في الموارد التي لا يوجد فيها طريق شرعي لرفع الإشكال والاشتباه. لذا، في الموارد التي يمكن فيها رفع المشكل بطريقة ما، لن يكون للقرعة مكان. وهذا هو سر عدم العمل بالقرعة في كثير من الموارد. وبناءً على ذلك، يكتب المحقق العراقي: المشكل في العرف هو الأمور التي يصعب حلها، ويقع المكلف في حيرة عند العمل. وبالتالي، لن يشمل الشبهات الحكمية والموضوعية التي تكون مجرى للأصول؛ لأنه بجريان تلك الأصول، لن يواجه المكلف حيرة ومشكلاً في مقام العمل. (1364، ج 4، ص 105) ويقول المراغي أيضًا في بيان مفصل نلخصه: المشتبهات التي يُطرح فيها حكم شرعي هي: 1. الشبهة الحكمية، وهي الشك في جعل الحكم الشرعي الكلي، وبعبارة أخرى، عدم العلم بجعل الحكم الشرعي. 2. الشبهة المفهومية، وهي الشك في تحديد مفهوم لفظ ما، حيث يكون معنى اللفظ ومفهومه في الخطاب غير واضح للمكلف. 3. الشبهة الموضوعية، وهي الشك في الأفراد والمصاديق الخارجية للحكم. بعد بيان الموارد المذكورة، يضيف المراغي: الشبهة الحكمية لا تدخل في عنوان المشكل؛ لأنه بدراسة الأدلة والأصول المعتبرة، كأصالة الإباحة والبراءة والاستصحاب والاحتياط، يمكن إيجاد حل لهذه المسألة. نتيجة لذلك، لا يمكن العثور على مورد يكون فيه الحكم الشرعي غير معلوم، ولا يوجد مخرج معتمد من الشرع لحله. وهذا هو الأساس الذي جعل الشهيد الأول يكتب في كتاب القواعد: الإجماع قائم على عدم استعمال القرعة في الفتاوى والأحكام. (الشهيد الأول، د.ت، ج 1، ص 23) لذا، لا تُعد هذه الموارد تخصيصًا لهذه القاعدة، بل هي خارجة عن نطاقها ابتداءً. الشبهات المفهومية أيضًا لا تدخل في هذا العنوان؛ لأنه بالرجوع إلى العرف واللغة أو الأمارات الأخرى، يمكن التوصل إلى إجابة في هذا المجال، فلا يبقى مشتبه يحتاج إلى القرعة لرفعه. وفي مورد الشبهات الموضوعية، في الموارد التي تكون مجرى لأصل عملي كالبراءة والاستصحاب وغيرها، لن تجري قاعدة القرعة. وفي النهاية، الموارد الوحيدة التي تكون مجرى للقرعة هي التي لا يوجد فيها أي أصل أو أمارة لرفعها. (المراغي، 1417، ج 1، ص 352-360) ويوافق المحقق الخوئي على هذا المطلب، فيكتب: لا يلزم من الأخذ بعموم أدلة القرعة تخصيص الأكثر؛ لأن مورد القرعة هو خصوص الشبهات الموضوعية، فمن البداية لا تدخل الشبهات الحكمية في عمومات القرعة، بل خروج الشبهات الحكمية من دائرة القرعة أمر متسالم عليه. (1417، ج 3، ص 159) وبالنسبة للشبهات الموضوعية، في الموارد التي يكون حكمها معلومًا، لا مجال للقرعة؛ لأن عنوان المشتبه والمشكل لن يصدق في هذه الموارد. نتيجة لذلك، ستكون الشبهات الموضوعية فقط هي مجرى هذه القاعدة، التي لا يوجد لها أي حل، وهذه الموارد نادرة جدًا. (1426، ج 23، ص 108) ويعتقد المحقق العراقي أنه لا يوجد تعارض بين الأدلة والأصول الجارية في الشبهات الحكمية والموضوعية وبين أدلة القرعة؛ لأنه مع إمكانية جريان هذه الأصول، لا مجال لجريان قاعدة القرعة. لذا، لا يُعد العمل بمفاد هذه الأدلة والأصول تخصيصًا لدليل القرعة. (1364، ج 4، ص 104) ومن هذا المنطلق، لا يجري السيد البجنوردي قاعدة القرعة في الشبهات الحكمية. (1424، ج 1، ص 65) ويكتب السيد محسن الحكيم: قيل إن النصوص الدالة على ثبوت القرعة متواترة؛ وبناءً على ذلك، لا تحتاج هذه القاعدة إلى تقوية من ناحية السند أو الدلالة بواسطة عمل الأصحاب. (1372، ج 2، ص 549) كما اتضح من المطالب المذكورة، النقطة التي غُفل عنها هنا هي أن موضوع هذه القاعدة هو الأمر المشكل. وبناءً على ذلك، كل مورد له مخرج شرعي يخرج من تحت عنوان الأمر المشكل. نتيجة لذلك، كثير من الموارد التي عُدت مخصصات لهذه القاعدة، هي في الواقع لم تكن مشمولة بها ابتداءً.

إشكال: توجد موارد تمسك فيها بالقرعة رغم وجود حل آخر للمشكلة. لذا، الادعاء المذكور بأن تطبيق القرعة يكون حيث لا يوجد طريق آخر لحل المشكلة، يبقى غير تام.

فيما يلي نشير إلى بعض موارد النقض:

1. في حال عقد شخصان، كل على حدة، على امرأة؛ ثم اشتبه أيهما زوجها. في هذه الفرضية، حُكم بالقرعة لحل المشكلة. في هذه المسألة، القرعة ليست بالتأكيد المخرج الوحيد من المشكلة المطروحة؛ لأن الطلاق يمكن أن يكون رافعًا للمعضلة المذكورة؛ حتى أن العلامة الحلي (1418، ج 3، ص 71) أفتى بذلك، ولكن مع ذلك حُكم بالقرعة.

الجواب: كما أكدنا مرارًا في هذا البحث، القرعة تُطبق حيث لا يوجد طريق آخر قابل للتطبيق. والمورد المذكور الذي حُكم فيه بالقرعة لا يخرج عن القاعدة المذكورة؛ لأن فرض حل المسألة هو في فضاء لا يقصد فيه الطرفان الطلاق، ويريدان رفع مشكلتهما دون اللجوء إليه؛ لأنه قد لا تكون هناك إمكانية لعقد جديد لكل منهما بعد الطلاق. لذا، في هذا الفضاء، يجب اقتراح حل للطرفين. ويقدم المحقق النجفي القرعة كحل نهائي على هذا الأساس. عبارته كالتالي: «إذا اختار كل من رجلين امرأة لنفسه، ثم اشتبه الأمر عليهما، ولم يكن هناك طريق لمعرفة كل منهما، يُمنع الشخصان من الرجوع إلى النساء حتى تُجرى القرعة؛ لأن القرعة طريق للخروج من كل أمر مشكل». (النجفي، 1420، ج 30، ص 382)

2. قيل: إذا اختلف مؤذنان في الأذان، يُقدّم الأعلم منهما. وفي حال التساوي وعدم وجود مرجح لتقديم أحدهما على الآخر، تُجرى القرعة ويُرفع المشكل. (النجفي، 1420، ج 9، ص 130) في هذا المورد أيضًا، كما هو واضح، مع أنه يمكن الرجوع إلى التخيير واختيار أحدهما، حُكم بالقرعة. بينما حسب الشرط المذكور لجريان القرعة، يجب الحكم بالتخيير والرجوع إلى القرعة لا وجه له.

الجواب: هذا المورد أيضًا لا يمكن طرحه كنقض؛ لأن فرض المسألة هو حيث تشاجر شخصان في أداء العمل، وفي هذه الحال يجب إيجاد حل. والتخيير هنا ليس حلاً للخروج من هذه المشاجرة؛ لأن كلًا منهما يسعى لأداء هذا العمل ونيل ثوابه، ولذا لا يرضى بترك العمل اختياريًا.

رابعًا: اختصاص القرعة بالموارد ذات الواقع المعين

العائق الأخير الذي نناقشه في هذا البحث هو أن الأمر المشتبه له أقسام؛ فأحيانًا تكون الموارد مجهولة ومشتبهة، ولكنها في الواقع ذات تعيين واقعي، وأحيانًا يكون الأمر المجهول بالإضافة إلى كونه مشتبهًا في الظاهر، هو في الواقع أيضًا غير معلوم ومشتبه. مثل أن ينذر شخص أن يعتق أول عبد يملكه، ثم في وقت واحد يملك عددًا من العبيد بالإرث. السؤال المطروح هنا هو: هل دليل القرعة يشمل كل نوع من المجهول، أم يختص بالموارد التي تكون غير معلومة في الظاهر ولكن لها تعيين واقعي؟ يعتقد البعض، كالشهيد الثاني، أن تطبيق القرعة يختص بالمورد الذي يكون فيه الأمر المشتبه له واقع معين، ولكنه مجهول لنا. عبارته كالتالي: «إنما القرعة لإخراج شيء معلوم في نفس الأمر، ومشتبه في الظاهر». (1403، ج 6، ص 292).

مناقشة

1. عمومية القرعة في لسان الروايات: بالتأمل في مصادر القرعة، يمكن القول إنه مع أن بعض الروايات تتعلق بموارد لها واقع معين، إلا أن بعضها الآخر عام وظاهر في موارد لا يوجد فيها تعيين واقعي. نشير فيما يلي إلى بعض هذه الموارد. أولًا: في رواية إبراهيم بن عمر عن الإمام الصادق (ع) في شأن رجل نذر أن يعتق أول عبد يملكه، ثم ورث ثلاثة عبيد دفعة واحدة. سُئل: ماذا يفعل؟ فقال الإمام (ع): «يُقرع بينهم، فمن أصابته القرعة فهو حر، والقرعة سنة». (الشيخ الطوسي، 1401، ج 6، ص 239) ثانيًا: صحيحة محمد بن مسلم التي سُئل فيها الإمام (ع) عن رجل له عدد من العبيد وأوصى بعتق ثلثهم؟ فقال الإمام الصادق (ع): «كان علي (ع) يقرع بينهم في هذه الموارد». (العاملي، 1376، ج 27، ص 257-261) ثالثًا: روى أبان بن عثمان عن محمد بن مروان عن موسى بن جعفر عن أبيه الإمام الصادق (ع) قال: «إن أبا جعفر (ع) توفي وترك ستين مملوكًا وأعتق ثلثهم، فأقرعت بينهم وأعتقت الثلث» [16]. (الصدوق، 1404، ج 4، ص 215) رابعًا: الحلبي سأل الإمام الصادق (ع) عن رجل نذر أن يعتق أول عبد يملكه، ثم ورث سبعة عبيد دفعة واحدة؟ فقال الإمام (ع): «يُقرع بينهم ويعتق الذي يخرج سهمه». (الشيخ الطوسي، 1407، ج 8، ص 32). ظاهر الروايات أن الإمام (ع) حكم بالقرعة في موارد كانت مجهولة في نفس الأمر وليس لها واقع معين. ومن جهة أخرى، في بعض الروايات، طُرحت القرعة كقاعدة كلية، وعبارة «كونها سنة» تدل على ذلك، وهي تشمل جميع أقسام المشتبه. في النهاية، بالدقة في هذه الموارد، يمكن التوصل إلى نتيجة أنه لا يوجد مانع في دائرة القرعة بالنسبة للموارد التي ليس لها تعيين واقعي.

2. عمومية القرعة في بيان الفقهاء: لم يقبل فخر المحققين حصر تطبيق القرعة في الموارد المشتبهة ظاهرًا ولكنها معينة واقعًا، ويعتقد أن القرعة لها تطبيق في الموارد التي لا تعيين واقعي لها، مثل الترجيح لرفع التنازع الذي ليس له تعيين واقعي. (1378، ج 2، ص 236) ويكتب الميرزا القمي أيضًا في رد هذا الرأي: من الموارد التي تدل بوضوح على فساد هذا القول اعتماده على القرعة في موارد التقسيم؛ لأنه مع أن الأفراد قبل القسمة يستحقون في الجملة، إلا أنه لا يوجد تعيين قبل القرعة. (1428، ج 2، ص 802) وبناءً على ذلك، يضيف المحقق الخوئي: القرعة لا تختص بالموارد التي يكون فيها المجهول له تعيين واقعي ومجهول في الظاهر فقط، بل بناءً على إطلاق الأدلة، جميع الموارد المجهولة أو المشتبهة هي محل إجراء القرعة. ولهذا السبب، حكم الفقهاء بالقرعة في موارد مثل طلاق شخص لإحدى زوجاته بشكل غير معين، مع أن المطلقة ليست معينة لا في الواقع ولا في الظاهر. (1417، ج 3، ص 159) في الختام، لا بد من الإشارة إلى أن الشهيد الثاني في مواضع متعددة من كتاب الروضة البهية أقر بعمومية القرعة وعدم انحصارها في المشتبه الظاهري، وذكر دليل ذلك أيضًا عموم رواية «القرعة لكل أمر مشكل». (1403، ج 6، ص 292 وج 7، ص 176) إشكال: في بعض الأخبار، وُجدت قرائن تتوافق مع كون الأمر المشتبه له تعيين، مثل رواية: «لَيْسَ مِنْ قَوْمٍ تَنَازَعُوا ثُمَّ فَوَّضُوا أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ إِلَّا خَرَجَ سَهْمُ الْمُحِقِّ». (الحر العاملي، 1376، ج 27، ص 257) فكلمة «المحق» هنا تدل على أن الأمر المشتبه معين في الواقع، وإلا لما صح استخدام هذا المفهوم. الجواب: المقصود بالمحق في هذه الرواية هو الشيء الذي يختاره الله، وبالتالي يُجعل الحق له. وهذا المسار يجري أيضًا في المشتبه الواقعي؛ لأن المحق في هذه الموارد يعني الأولوية في الواقع.

3. النتيجة

القرعة في اللغة تعني السهم والنصيب، وفي المعنى الاصطلاحي أُخذ هذا المعنى نفسه. وبسبب كثرة الأدلة الواردة، لا يوجد أي إبهام في مشروعيتها، وفي النصوص الفقهية استُفيد من هذه القاعدة في رفع بعض المسائل. لكن النقطة التي حظيت بالاهتمام في هذا البحث وكانت الهدف الأساسي له، هي تحديد نطاق التطبيق وبيان دائرة هذه القاعدة. وبعبارة أخرى، دُرست الآيات والروايات الواردة في القرعة من هذا المنظور: هل موضوع القرعة هو جميع الأمور المشكلة والمعضلة، أم يشمل فقط بعض المشتبهات كالتزاحمات المالية أو المجهولات التي رجع فيها الأصحاب إلى القرعة لحلها؟ النتيجة التي تم التوصل إليها هي الرجوع إلى القرعة في جميع الأمور المشكلة والمشتبهة؛ شريطة أن يكون المخرج من هذا المأزق والمشكلة منحصرًا في القرعة. وفي هذا السياق، طُرحت المناقشات التي كانت كل منها مسؤولة عن نقض هذا الرأي وتم الرد عليها.

الهوامش

1. رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكِيمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (ع) عَنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ لِي: كُلُّ مَجْهُولٍ فَفِيهِ الْقُرْعَةُ. فَقُلْتُ: إِنَّ الْقُرْعَةَ تُخْطِئُ وَتُصِيبُ؟ فَقَالَ: كُلُّ مَا حَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ فَلَيْسَ بِمُخْطِئٍ. (في دراسة سند الرواية، يجب القول إن الشيخ الصدوق يرويها بطريقين صحيحين عن محمد بن حكيم (معجم رجال الحديث، د.ت، ج 16، ص 32)، وبالنسبة لمحمد بن حكيم الخثعمي، رغم عدم وجود توثيق صريح له، إلا أنه بالنظر إلى كونه من متكلمي الإمامية ورواية أجلاء من أصحاب الإجماع عنه مثل صفوان بن يحيى، ومحمد بن أبي عمير، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان، فإن الاعتماد على روايته لا إشكال فيه. (نفسه، ص 32 و 34))

2. «وكلّ أمر مشكل مجهول يشتبه الحكم فيه، فينبغي أن تستعمل فيه القرعة، لما روي عن أبي الحسن موسى (ع) وعن غيره من آبائه وأبنائه من قولهم: ‘كل مجهول ففيه القرعة’. قلت له: ‘إنّ القرعة تخطأ وتصيب!’ فقال: ‘كلّ ما حكم الله به، فليس بمخطئ’.»

3. عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ سَيَابَةَ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي رَجُلٍ قَالَ: أَوَّلُ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَرِثَ ثَلَاثَةً قَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ فَمَنْ أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ أُعْتِقَ. قَالَ: وَالْقُرْعَةُ سُنَّةٌ. (الرواية من حيث السند لا إشكال فيها.)

4. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ وَالْبَرْقِيِّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ: إِنَّ عَلِيّاً (ع) إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ لَمْ يَجِئْ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ رَجَمَ بِهِ يَعْنِي سَاهَمَ فَأَصَابَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحِيمِ وَتِلْكَ الْمُعْضِلَاتُ. (المشكلة السندية المطروحة في هذه الرواية هي من جهة عبد الرحيم الذي لم يُعثر له على توثيق في كتب الرجال، لكن يمكن الاعتماد على رواياته بناءً على قرائن مثل رواية ابن أبي عمير وعبد الله بن مسكان وحماد بن عثمان عنه.)

5. عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَأَنَا عِنْدَهُ عَنْ مَوْلُودٍ لَيْسَ بِذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى لَيْسَ لَهُ إِلَّا دُبُرٌ كَيْفَ يُوَرَّثُ؟ قَالَ: يَجْلِسُ الْإِمَامُ وَيَجْلِسُ عِنْدَهُ أُنَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيُجِيلُ السِّهَامَ عَلَيْهِ عَلَى أَيِّ مِيرَاثِ يُوَرِّثُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَأَيُّ قَضِيَّةٍ أَعْدَلُ مِنْ قَضِيَّةٍ يُجَالُ عَلَيْهَا بِالسِّهَامِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ‘فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ’. (الرواية من حيث السند موثقة لوقوع علي بن الحسن الفطحي فيها. وبالطبع، وردت الرواية المذكورة بطرق متعددة أخرى يمكن الاعتماد عليها.)

6. تجدر الإشارة إلى أن كثيرين ناقشوا في عمومية هذه القاعدة، ولكن الإمام الخميني تناول هذا البحث بشكل أكثر انسجامًا من غيره، ولهذا السبب، يقتصر هذا القسم على نقد رأيه.

7. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) سَاهَمَ قُرَيْشاً فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ فَصَارَ لِرَسُولِ اللَّهِ (ص) مِنْ بَابِ الْكَعْبَةِ إِلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَانَ لِبَنِي هَاشِمٍ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إِلَى الرُّكْنِ الشَّامِيِّ. (الرواية من ناحية السند لا مشكلة فيها وهي قابلة للاعتماد.)

8. حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ جَمِيلٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): مَا رَدَّ اللَّهُ الْعَذَابَ إِلَّا عَنْ قَوْمِ يُونُسَ، وَكَانَ يُونُسُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَيَأْبَوْا ذَلِكَ… فَغَضِبَ يُونُسُ وَمَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مُغَاضِباً بِهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَإِذَا سَفِينَةٌ قَدْ شُحِنَتْ وَأَرَادُوا أَنْ يَدْفَعُوهَا فَسَأَلَهُمْ يُونُسُ أَنْ يَحْمِلُوهُ فَحَمَلُوهُ فَلَمَّا تَوَسَّطُوا الْبَحْرَ بَعَثَ اللَّهُ حُوتاً عَظِيماً فَحَبَسَ عَلَيْهِمُ السَّفِينَةَ مِنْ قُدَّامِهَا فَنَظَرَ إِلَيْهِ يُونُسُ فَفَزِعَ مِنْهُ وَصَارَ إِلَى مُؤَخَّرِ السَّفِينَةِ فَدَارَ إِلَيْهِ الْحُوتُ وَفَتَحَ فَاهُ فَخَرَجَ أَهْلُ السَّفِينَةِ فَقَالُوا فِينَا عَاصٍ فَتَسَاهَمُوا فَخَرَجَ سَهْمُ يُونُسَ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ‘فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ’ فَأَخْرَجُوهُ فَأَلْقَوْهُ فِي الْبَحْرِ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَمَرَّ بِهِ فِي الْمَاءِ. (الرجال المذكورون في السند جميعهم موثقون وهو قابل للاعتماد. بالنسبة لتوثيق إبراهيم بن هشام، راجع: معجم رجال الحديث، ج 1، ص 317)

9. رَوَى حَمَّادُ بْنُ عِيسَى عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: … ثُمَّ كَانَ عِنْدَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تِسْعَةُ بَنِينَ فَنَذَرَ فِي الْعَاشِرِ إِنْ رَزَقَهُ اللَّهُ غُلَاماً أَنْ يَذْبَحَهُ فَلَمَّا وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ أَنْ يَذْبَحَهُ وَرَسُولُ اللَّهِ (ص) فِي صُلْبِهِ فَجَاءَ بِعَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ فَسَاهَمَ عَلَيْهَا وَعَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَجَتِ السِّهَامُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَزَادَ عَشْراً فَلَمْ تَزَلِ السِّهَامُ تَخْرُجُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَيَزِيدُ عَشْراً فَلَمَّا أَنْ خَرَجَتْ مِائَةٌ خَرَجَتِ السِّهَامُ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مَا أَنْصَفْتُ رَبِّي فَأَعَادَ السِّهَامَ ثَلَاثاً فَخَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَ: الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي قَدْ رَضِيَ فَنَحَرَهَا. (بما أن الرواية منقولة من كتب حريز، وهذا الكتاب مشهور ومعمول به (الصدوق، 1404، ج 1، ص 3)، فلا حاجة لدراسة السند.)

10. إذا عرفت ذلك فاعلم، أنَّ المتتبع في الموارد المتقدمة التي وردت فيها الأخبار الخاصة، وكذا المتأمل في كلمات الأصحاب في الموارد التي حكموا بالقرعة، يحصل له القطع بأن مصب القرعة في الشريعة ليس إلا ما لدى العقلاء طابق النعل بالنعل؛ فإنَّ الروايات على كثرتها بل تواترها – باستثناء مورد واحد سيأتي الكلام فيه – إنّما وردت في موارد تزاحم الحقوق، سواء أكان لها واقع معلوم عند الله مجهول لدى الخصمين أم لا.

11. أَخْبَرَنِي شَيْخِيَ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَمَا وَالشَّيْخُ أَسْعَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْأَصْفَهَانِيُّ بِإِسْنَادِهِمَا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى مَكَّةَ وَمَعِي مَتَاعٌ كَثِيرٌ فَكَسَدَ عَلَيْنَا فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ابْعَثْ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَقَالَ لِي سَاهِمْ بَيْنَ مِصْرَ وَالْيَمَنِ ثُمَّ فَوِّضْ أَمْرَكَ إِلَى اللَّهِ فَأَيُّ الْبَلَدَيْنِ خَرَجَ اسْمُهُ فِي السَّهْمِ فَابْعَثْ إِلَيْهِ مَتَاعَكَ… (في سند الرواية شخص اسمه عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ، لم يُذكر له توثيق صريح في كتب الرجال، لكن بالنظر إلى قرائن مثل وجود الحسن بن محبوب (من أصحاب الإجماع على قول) في طريق الرواية، وكذلك رواية أجلاء مثل يونس بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان الأحمر عنه، يمكن الحكم بوثاقة الراوي وبالتالي صحة السند.)

12. رَوَى حَمَّادُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فِي رَجُلٍ قَالَ أَوَّلُ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَرِثَ سَبْعَةً جَمِيعاً قَالَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَيُعْتَقُ الَّذِي خَرَجَ سَهْمُهُ. (الرواية من ناحية السند لا إشكال فيها.)

13. كتاب حسين بن سعيد والنوادر عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنْ بَعْضٍ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى (ع) أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِكَ يَنِمُّ عَلَيْكَ فَاحْذَرْهُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ لَا أَعْرِفُهُ فَأَخْبِرْنِي بِهِ حَتَّى أَعْرِفَهُ فَقَالَ: يَا مُوسَى عِبْتُ عَلَيْهِ النَّمِيمَةَ وَتُكَلِّفُنِي أَنْ أَكُونَ نَمَّاماً. قَالَ: يَا رَبِّ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَرِّقْ أَصْحَابَكَ عَشَرَةً عَشَرَةً ثُمَّ تُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَإِنَّ السَّهْمَ يَقَعُ عَلَى الْعَشَرَةِ الَّتِي هُوَ فِيهِمْ ثُمَّ تُفَرِّقُهُمْ وَتُقْرِعُ بَيْنَهُمْ فَإِنَّ السَّهْمَ يَقَعُ عَلَيْهِ… (الرواية منقولة من كتاب حسين بن سعيد، وقد قال النجاشي عنه: ‘وكتب ابني سعيد كتب حسنة معمول عليها’. (النجاشي، 1407، ص 58) ووجود ‘بعض أصحابه’ لا يسبب مشكلة؛ لأن الراوي هو صفوان بن يحيى، وبناءً على ذلك، السند لا إشكال فيه.)

14. الخنثى هو من يملك آلة تناسل الرجل والمرأة، وهو على قسمين: مشكل وغير مشكل. الخنثى الذي يتحدد جنسه بناءً على علامات شرعية أو – بناءً على قول البعض – قرائن ومرجحات أخرى، يُلحق بأحد الجنسين، رجلًا أو امرأة، وهو الخنثى غير المشكل ويخضع لأحكام ذلك الجنس. والخنثى الذي لا يملك مثل هذه العلامات والقرائن هو الخنثى المشكل. (مؤسسة دائرة المعارف للفقه الإسلامي، 1387، ج 3، ص 505)

15. في هذا البحث، لم يُعثر على الكلام المقصود، لكنه صرح بهذا المطلب في باب الفرائض. (الشيخ الطوسي، 1415، ج 4، ص 106، المسألة 116.)

16. وَرَوَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنِ الشَّيْخِ يَعْنِي مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ (ع) أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) مَاتَ وَتَرَكَ سِتِّينَ مَمْلُوكاً فَأَعْتَقَ ثُلُثَهُمْ فَأَقْرَعْتُ بَيْنَهُمْ وَأَعْتَقْتُ الثُّلُثَ. (في سند الرواية، محمد بن مروان ليس له توثيق، لكن بالنظر إلى رواية الأجلاء عنه مثل صفوان، فإن روايته قابلة للاعتماد.)

Scroll to Top