في المسيرة التكاملية لعلم الأصول، سعى كل نظام من النظم الأصولية والمدارس الفكرية المرتبطة به إلى تقديم تعريف جامع لهذا العلم، الأمر الذي شغل بحد ذاته حيزاً من كتب الأصول.
في نظرنا – ومع الأخذ بعين الاعتبار تطبيقات علم الأصول – يمكن اعتباره «منطق المعرفة الدينية» و «ميزان الفقه الشامل للدين»، لا الفقه بمعناه المصطلح. فكما أن علم المنطق هو ميزان ومعيار التفكير السليم في المعارف البشرية، فإن علم الأصول هو منطق الفكر والمعرفة في حقل العلوم المرتبطة بالدين، وهو ميزان ومعيار صحة وسقم الاستدلالات المستخدمة في العلوم الدينية.
إن الكثير من المباحث التمهيدية في هذه العلوم لها علاقة وثيقة بعلم الأصول. ففي علم التفسير، تُبحث مسائل من قبيل حجية ظواهر الكتاب المجيد، وحجية التأويل وموارد النزول، وحجية القراءات السبع، وثبوت النسخ، ونسبة حجية القرآن إلى حجية السنة، وكلها قابلة للبحث والتحقيق بالأدوات الأصولية.
وفي علم الكلام، فإن مبحث حجية العقل النظري والعملي وشؤونه، وحجية الإدراكات وطرقها، يُبحث بأكمله ببركة القواعد الأصولية.
وفي فوائد علم الرجال، تُلاحظ مباحث أصولية هامة من قبيل منشأ حجية قول الرجالي، وحجية القرائن والأمارات الدالة على التوثيق.
وفي المباحث التاريخية المتعلقة بتاريخ الإسلام، تظهر أيضاً مباحث مثل حجية القول والعمل، وسيرة رسول الله (ص)، وكيفية التعامل مع تعارض أقوال رواة التاريخ والسيرة وترجيح بعضها على بعض، وغير ذلك من المباحث الأصولية التي تُلاحظ في غزوات النبي وكيفية حل المشكلات المتعلقة بها.
وفي العرفان أيضاً، يُعد الكشف والشهود إحدى أدوات المعرفة التي تلعب دوراً بالغ الأهمية في المعرفة التوحيدية والنبوية والولوية والأخروية وفي درجات الوجود الإنساني. ولكن ثمة نقطة جوهرية هنا، وهي كيف نميز بين الكشف والشهود الرحماني والكشف الشيطاني؟ وما هي كيفية حجية المكاشفات الرحمانية ومقدار إضاءتها للحقائق والواقعيات؟ وهذا بحد ذاته من المباحث المفتاحية في العرفان، وقد نبه أساطين هذا الطريق إلى ضرورة عرض المكاشفات والشهودات على الكتاب والسنة لإثبات درجات من الحجية لها. وهنا يتجلى ميدان علم الأصول؛ فقواعد الإطلاق والتقييد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ، والظاهر والباطن، والمحكم والمتشابه، وموازين التعارض، لها في هذا المجال تطبيق واسع.
إن مبحث حجية التأويلات، وهل هي من قبيل الظهورات أم لا؟ ومن هو المرجع في التأويل وما هي مجالاته؟ كلها مباحث أصولية.
أما ذلك القسم من علم الأخلاق الذي يتكفل بالآداب الدينية – وكتب مثل محجة البيضاء للفيض الكاشاني مثال عليه – فلأنه يتعامل مع المباحث النقلية والآيات والروايات، فإنه يحتاج بدوره في تحليله وبحثه إلى علم الأصول. مسائل من قبيل السعة والضيق، والإطلاق والتقييد، وعموم وخصوص الأدلة النقلية، والترابط بين العقل والنقل في هذا النطاق، والمقايسة بين الأحكام العقلية والأحكام النقلية، هي من هذا القبيل.
كانت هذه لمحة عن بعض الشواهد على كيفية تأثير علم الأصول في سائر العلوم الدينية، والتي تم بيانها على نحو الإجمال.
ومن المثير للاهتمام أن علم الأصول يشبه علم المنطق من حيث الأبواب والمباحث. ففي علم المنطق يوجد مبحثان مهمان (مباحث الألفاظ والدلالة) و(مباحث الحجة)، وهذان البابان موجودان في علم الأصول أيضاً. كما أن مباحث مثل الاستقراء، والهرمنيوطيقا، وفلسفة اللغة، والتجربة الدينية، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة الأصولية.
كلا العلمين يمثلان ميزاناً لضبط الخطأ في الأفكار والاستدلالات؛ أحدهما في الأفكار البشرية والآخر في الأفكار الدينية. وهذا لا يعني بالطبع أننا نعتبر علم المنطق عديم التأثير في الاستدلالات الدينية وتقييم كيفيتها، بل إننا بالإضافة إلى دور علم المنطق في أسلوب الاستدلالات الدينية، نرى لعلم الأصول دوراً مماثلاً.
ربما يمكن القول إن أساس المعرفة البشرية قد أُقيم على استكشافات العقل النظري، ولكن أساس المعرفة الدينية قد وُضع على استكشافات العقل العملي. ومن هذا المنطلق، نجد أن الجهل في القرآن والسنة قد وُضع في مقابل العقل، لا في مقابل العلم. وهذا التوجه يكشف عن تطبيق العقل العملي، بينما يكشف التوجه الثاني عن تطبيق العقل النظري.
إن مؤشر المعرفة الدينية هو أن العمل والمسؤولية يتبعان الاعتقاد، بينما في المعرفة البشرية يوجد الإدراك والاعتقاد فقط، والنتيجة العملية ليست لازماً قهرياً له. وتُعد «الحجية الأصولية» شاهداً على هذا المدعى؛ ففي الحجية الأصولية، يتجلى «ما ينبغي وما لا ينبغي»، أما في الحجية المنطقية، فلا يوجد سوى «هو» و «ليس».
الدليل على أن العلوم الدينية مبتنية على الضوابط والقواعد الأصولية هو أن مصدرها الأساسي هو الكتاب والسنة والعقل، وآثارها وفوائدها هي أيضاً آثار شرعية، وقراءة النصوص الدينية لترتيب الآثار الدينية غير ممكنة من دون الأداة الأصولية. فعلم الأصول هو ميزان فهم لغة الدين، وأصول الفقه هي أصول فقه الدين كله، ومن هذه الجهة لا فرق بين المباحث الاعتقادية والأخلاقية والحقوقية وغيرها. فبحث (الحجية)، وهو بحث أصولي، يشمل الحجج القطعية – سواء النقلية منها أم العقلية – ولذا فإن له تطبيقاً خاصاً في كل هذه الحقول.
ومن المناسب جداً أن أنقل تعبيراً للأستاذ المحقق المرحوم الآقا ميرزا هاشم الآملي (ره) كان ينقله عن أستاذه المرحوم الآقا ضياء العراقي أنه قال: «علم الأصول هو حارس الدين وراعيَه». وذلك لأن الموازين الأصولية تهيمن على مسار الحركات الفكرية في جميع العلوم الدينية، وهي ميزان صحة وسقم الاستدلالات في مختلف الحقول الدينية.
إن أحد المباحث الأساسية في علم المنطق هو الصناعات الخمس. فالبرهان، والخطابة، والجدل، والمغالطة في الفكر الديني رهينة بالتبحر والتسلط على الموازين الأصولية. فإحكام البرهان، وكشف المغالطة، وتشخيص الجدل، وتمييز الخطابة عن البرهان، إنما يتيسر في ظل علم الأصول.
وعليه، كلما زاد التسلط على علم الأصول، أمكن الاستدلال بشكل أفضل في المعارف الدينية، وأمكن كشف المغالطات بصورة أحسن. وأما عدم التسلط على هذه الموازين، فيؤدي إلى إنتاج نظريات واهية وضعيفة، ويسبب قصوراً في الدفاع العقلي عن حياض الفكر الديني.
خلاصة القول إن مباحث هامة في شتى العلوم رهينة بالمسائل الأصولية. مباحث من قبيل:
– العلاقة بين دائرة حجية العقل والنقل.
– حقيقة حجية الأحكام العقلية، وهل هي من مقولة الإدراك أم الإنشاء؟
– حجية القطع وجميع شعبه وفروعه.
– حقيقة النسخ في الشريعة وعلاقته بعلم الله والبداء.
– مسألة الاعتبار وحقيقته وعلاقته بالحقائق التكوينية – وللمرحوم العلامة الطباطبائي في مواضع عدة نكات وتحقيقات دقيقة ورائعة في هذا المجال، نشأت من الأفكار الأصولية لكبار الأعلام كالنائيني والأصفهاني.
– المعنى الحرفي وتحليله، والذي له تأثير عميق في بحث الوجود الحرفي وإدراك معناه.
– العلاقة بين اللفظ والمعنى.
– حقيقة الأحكام الظاهرية وعلاقتها بالحكم الواقعي، وهو في الحقيقة بحث يتعلق بارتباط الإرادة التشريعية بالإرادة التكوينية.
– العلاقة بين الطبائع المتضادة واجتماع الطبائع المتخالفة، والذي يتسع نطاق بحثه في الأصول أكثر من نطاقه في الفلسفة.