تحليلٌ نقديّ لنظرية «تعلّق» الشوق والطلب بالطبيعة

الخلاصة

يرتبط الكثير من المباحث الأصولية بالمباحث الفلسفية، لا سيما في الحقب المتأخرة من علم الأصول حيث غدت هذه الصلة أوثق. ويحظى بحث الكلي الطبيعي بأهمية بالغة في المباحث الأصولية؛ لارتباطه بتوضيح متعلق الطلب والأوامر والنواهي الصادرة عن الشارع، وبكلمة واحدة، فهم مراد الله من عباده. ووفقاً للرأي المشهور عند الأصوليين، فإن طلب الشارع لا يتعلق بالوجود الخارجي أو الذهني، بل بالطبائع، والطبيعة بوصف الكلية لا وجود لها في الخارج؛ فالأفراد فقط هي الموجودة في الخارج، وحمل الوجود على الطبيعة إنما هو بمناط وجود أفرادها في الخارج. وقد واجه هذا الرأي، على الرغم من ترجيحه على سائر الآراء، انتقادات، ورغم أن بعضها قابل للرد، إلا أن بعضها الآخر يغلق الباب أمام قبول هذا الرأي، والدفاع عنه يتطلب تحليلاً جديداً للطبيعة. في هذا المقال، نبدأ أولاً ببيان مقدمات بحث تعلق الطلب بالطبيعة وشرح المدعى المذكور، ثم نطرح بعض الإشكالات ونجيب على بعضها. وفيما بعد، وحيث إن التحليل المشهور قد فتح الباب أمام إشكالات مهمة، يُقدَّم تحليل آخر للطبيعة يمكن من خلاله الدفاع عن رأي تعلق الطلب بالطبيعة. أساس هذا التحليل هو أن الطبيعة بوصف الكلية يمكن أن توجد في الخارج، ورغم أن هذا التحليل لا يلقى قبولاً واسعاً بين الفلاسفة، إلا أن قبوله في علم الأصول يبدو ضرورياً.

مقدمة

من المباحث الهامة في علم الأصول تحديد متعلق أوامر الشارع ونواهيه، وبالتالي تحديد متعلق إرادته وكراهته. وتكمن أهمية هذا البحث في أن متعلق الحكم هو الحقيقة التي طلبها الشارع من المكلف، فمعرفة التكليف الشرعي رهينة بمعرفة متعلقه. ومن الواضح أن المقصود بالمتعلق في هذا المصطلح غير الموضوع بمعنى المكلف وغير الموضوع بمعنى متعلق المتعلق. والآن، عندما يتعلق في الخطاب الشرعي مثل: «صلِّ» أو «لا تشرب الخمر» وجوبٌ بالصلاة ونهيٌ عن شرب الخمر، فما هو الشيء الذي طلبه المولى من المكلف فعله أو تركه بالضبط؟ لقد اعتبر مشهور الأصوليين «طبيعة الصلاة» أي «ماهية الصلاة» أو «كلي طبيعي الصلاة» متعلقًا للحكم. وبما أن الإرادة والكراهة هما مبادئ الحكم الشرعي أو، بحسب رأي البعض، حقيقة وروح الحكم الشرعي، فقد طُرح هذا السؤال أيضًا حول متعلق الإرادة أو الشوق والكراهة. إن طرح هذا الرأي من قبل الأصوليين أدى إلى دخول مباحث حول الطبيعة وعلاقتها بالأفراد وكيفية تعلق الحكم بالطبيعة، من الفلسفة إلى الأصول. يتناول جزء من البحث تحليل الحكم الشرعي، وهو من صميم عمل الأصولي، وجزء آخر يعود إلى تحديد حقيقة الطبيعة، وهو من عمل الفيلسوف.

في السابق، طُرحت مباحث مفيدة حول هذا الموضوع في مقالين، وتناول كل منهما البحث في الطبيعة من زاوية خاصة. لقد اعتبر كاتب المقال الثاني تحليل متعلق الشوق والإرادة بأن تعلقهما بالكلي الطبيعي تحليل غير تام. والقاسم المشترك بين المقالين هو الانتقادات الموجهة لرأي الوضع للطبائع وتعلق الإرادة والشوق بها. يبدو أنه يمكن الإجابة على الإشكالات المطروحة في كلا المقالين، ولا يزال من الممكن الدفاع عن نظرية الوضع للطبيعة وتعلق الإرادة والطلب بها، أو على الأقل اعتبارها أقل إشكالاً مقارنة بالنظريات الأخرى؛ على الرغم من ضرورة إعادة النظر بشكل جاد في النظرة الأساسية لوجود الطبيعة في الخارج.

في المقال الحالي، سعى الكاتب إلى المساهمة بشكل متواضع في حل المسألة المذكورة، بالاستفادة من أقوال العظماء. لهذا الغرض، سيتم أولاً توضيح التصور المشهور لبحث تعلق الطلب والشوق بالطبيعة ومعناه، ثم تقييم الإشكالات الموجهة لهذه النظرية. وبالطبع، يركز هذا البحث أكثر على الجوانب الفلسفية للمسألة، لمعالجة المشكلة القائمة من خلال التحليل الصحيح للمسائل الفلسفية، وسيستعين بالطبع بالمصطلحات الفلسفية. في المقال قيد البحث، ورد بحث الرأي المشهور كالنظرية الأولى والمنسوبة إلى المرحوم الآخوند؛ لذا سيتم تبيين رأي المرحوم الآخوند والإجابة على الإشكالات المطروحة. من الواضح أن الاختلاف بين هاتين النظرتين سيكون له تأثير مباشر على سائر المباحث الأصولية، وهو ما سيشار إليه.

مقدمات فلسفية للبحث

١. الشوق والإرادة صفتان نفسانيتان يجب أن يكون لهما متعلق أو طرف ليرتبطا به، وبالمصطلح هما حقائق ذات إضافة؛ فمثل هذه الحقائق في وجودها تابعة لأطرافها، أي أن الشوق لا يتحقق بدون مشتاق إليه، والإرادة لا تتحقق بدون مراد. إذن، الإرادة المطلقة أو الشوق المطلق (أي الشوق والإرادة اللذان لا طرف لهما) لا وجود لهما. هذه الخاصية تلاحظ أيضًا في صفات أخرى مثل العلم والقدرة. طرف إضافة هذه الصفات، بصفته قابلاً للصفة، يصبح سببًا لوجود وتحقق الصفة المذكورة، وإلا فإن صفات مثل الشوق والإرادة والعلم ليست في ذاتها تابعة لطرف. بتعلق الشوق أو الإرادة بشيء، يصبح ذلك الشيء مشتاقًا إليه أو مرادًا، وبتعبير أدق، يصبح موجودًا بالوجود الشوقي أو موجودًا بالوجود الإرادي، ويتحقق الشوق والإرادة. هذه الخاصية أدت إلى الحديث عن متعلق الشوق والإرادة، ودراسة شروطه.

٢. الإنسان، بوصفه موجودًا يقوم بأفعاله عن علم وإرادة، ولكي يصل إلى ما يفتقده، لا بد له من الحركة وتحويل ما هو بالقوة إلى ما هو بالفعل. حركة الإنسان لها مبادئ مختلفة، أهمها العلم والشوق والإرادة. فالإنسان بعد التصور والتصديق بالفائدة وإيجاد الشوق ثم الإرادة وتحريك العضلات، يصل إلى مقصوده ويحول ما كان بالقوة إلى ما هو بالفعل. هنا، يكون دور الشوق، أي الحالة النفسية التي تجعل الإنسان راغبًا ومشتاقًا لشيء ما، مهمًا جدًا. سواء كان الشوق مقدمة للإرادة أو من مراتبها السابقة، ففي كلتا الحالتين، بدون وجود الاشتياق، لا يحدث الطلب والحركة. السؤال الأساسي في هذه العملية هو: إلى أي شيء يشتاق الإنسان، وما هو متعلق شوقه بالضبط؟ وما هو الشيء الذي يريده الإنسان ويحرك أعضاءه لتحصيله؟

٣. في الإجابة على هذا السؤال، يجب القول إن ما يتعلق به الشوق لا يمكن أن يكون موجودًا بالكامل؛ لأنه لو كان موجودًا، لما كان لتحصيله معنى؛ إذ هو تحصيل للحاصل. من ناحية أخرى، يجب ألا يكون معدومًا من كل وجه؛ لأنه متعلق لصفة الشوق وطرف إضافتها، ووجود الإضافة بدون وجود المضاف إليه مستحيل. وبهذا، يكون لمتعلق الشوق من جهة وجود عنواني فرضي، وبسببه يكون متعلقًا للشوق، ومن جهة أخرى لا وجود خارجي له؛ فالحركة نحو تحصيله لن تكون تحصيل حاصل. (الشيرازي، ١٩٨١، ج ٢، ص ٢٣٧) هذه الحالة البينية هي التي تمكن النفس بسببها من السعي والحركة، وإخراج المشتاق إليه من الحالة الفرضية وتحويله إلى أمر حقيقي. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٣١١)

٤. الحقيقة الوحيدة التي هي في ذاتها مجردة عن الوجود أو العدم هي الماهية؛ أي أن الوجود أو العدم ليسا ذاتها أو جزءًا من حقيقتها، بل كل منهما عارض عليها ويمكن أن تكون موجودة أو معدومة؛ لأنه لو كان الوجود جزءًا من حقيقتها لكان انعدامها محالًا، ولو كان العدم جزءًا من حقيقتها لكان وجودها مستحيلًا. وفي عالم الحقائق، الماهية هي الوحيدة التي تتمتع بهذه الخاصية. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج١، ص٦٦) الماهية هي فقط وفقط مالكة لذاتها وذاتياتها، وكل ما عدا ذلك خارج عن الماهية. لهذا السبب، يمكن للماهية أن تتحد مع الوجود أو العدم، مع أنها مغايرة لكليهما. المقصود بهذه الماهية هو الطبيعة المطلقة أو الكلي الطبيعي أو الطبيعة، وإن كان هناك خلاف في تحديد مصداقها. لهذا السبب، يعتقد المشهور أن الشوق والإرادة يتعلقان بالماهية، وأن الوجود الخارجي أو الذهني يفتقر إلى هذه الخاصية ولا يمكن أن يكون متعلقًا للشوق والإرادة.

٥. كل ماهية يمكن أن توجد في الخارج وفي الذهن، والماهية هي الوحيدة التي تتمتع بهذه الخاصية. الماهية، سواء كانت في الذهن أو في الخارج، تحتفظ بذاتها وذاتياتها. فالماهية في الذهن، أي الماهية الموجودة بالوجود الذهني، لا تقل شيئًا عن الماهية في الخارج، أي الماهية الموجودة بالوجود الخارجي؛ بل كل ما يشكل ذات الماهية الخارجية، وهو الجنس والفصل، هو نفسه ما يشكل الماهية الذهنية؛ لكن الفرق بينهما يكمن فقط في أمر عارض عليهما وهو الوجود؛ فالوجود الخارجي سنخ من الوجود، والوجود الذهني سنخ آخر منه، ورغم أن كليهما خارجي، إلا أنه في المقارنة ببعضهما، يُقال لأحدهما وجود ذهني وللآخر وجود خارجي.

٦. الماهية تُعتبر بثلاثة أنحاء: الأول، بشرط اقترانها بشيء يغاير الماهية (بشرط شيء)؛ الثاني، بشرط عدم اقترانها بشيء يغاير الماهية (بشرط لا)؛ الثالث، بدون اشتراط اقترانها بشيء مغاير أو عدم اقترانها به (لا بشرط قسمي).

هذه الحالات الثلاث تُعرف بالاعتبارات الثلاثة للماهية. ومقسم هذه الأقسام الثلاثة هو الماهية، وبما أن المقسم موجود في جميع أقسامه، فإن هذه الماهية تأبى الاقتران بأي من أقسامها؛ بل من الضروري أن تقترن بها. وللتمييز بين هذين الأمرين، سُمّي القسم الثاني بـ «لا بشرط مقسمي» والأول، الذي هو من أقسام الثاني، بـ «لا بشرط قسمي». (الطباطبائي، ١٤١٦ ق، ج١، ص٢٧٤)

٧. المقصود بالماهية أو الكلي الطبيعي أو الطبيعة هو الحقيقة التي يُنظر فيها فقط وفقط إلى ذاتها وذاتياتها ويُصرف النظر عن كل ما يغايرها؛ أي كل ما هو مناط صدق مفهوم الشجرة على حقيقة ما، وكل ما ليس له دور في صدق ماهية الشجرة على حقيقة ما، فهو خارج عنها. حتى الوجود، بمقتضى المقدمة الأولى، هو كذلك؛ أي أن إضافة الوجود إلى الشجرة أو عدم إضافته إليها لا دور له في صدق الشجرة على تلك الحقيقة. فما يهم في الطبيعة هو النظر إلى الذات والابتعاد عن كل ما هو خارج عنها.

٨. المشهور يعتبرون الطبيعة هي «الماهية لا بشرط مقسمي». والبعض عدّها «لا بشرط قسمي»، والبعض الآخر فرّق بين الماهية المهملة والطبيعة؛ لأن الشرط اللازم في تعريف الماهية، وهو الانحصار في الذات والذاتيات، لم يُراعَ في «لا بشرط مقسمي» بحسب رأيهم؛ لأن «لا بشرط مقسمي» قد قورن بأقسامه، وهذه المقارنة هي التي مهدت للتقسيم إلى هذه الأقسام الثلاثة، بينما كان شرط الطبيعة ألا تقارن أبدًا بما يغايرها، بل أن يُكتفى بالذات والذاتيات فقط.

٩. المشهور يعتقدون أن الطبيعة لا يمكن أن توجد بشكل مستقل في العالم الخارجي؛ لأن الطبيعة تتصف بالكلية، والكلية هي قابلية الانطباق على كثيرين. بينما لو وجدت الطبيعة في الخارج، فبحكم قاعدة «الشيء ما لم يتشخص لم يوجد»، يجب أن تتشخص، ولوازم الوجود الخارجي تختص بهذه الطبيعة نفسها، ولوازم التشخص توجد أيضًا مع وجود الطبيعة، فتكون ذات وضع خاص ونسبة خاصة وسائر الخصوصيات الأخرى التي يمتلكها كل موجود خارجي. في هذه الحالة، لن تصدق الطبيعة على ما يفتقر إلى هذه الخصوصيات، وهذا ينافي كونها طبيعة. وإذا حافظت على قابلية الصدق على الجميع، فإن معنى ذلك اجتماع الأضداد في الطبيعة. هذا هو أهم إشكال منع ابن سينا من قبول وجود الطبيعة بوصف الكلية في الخارج.

١٠. يجب التمييز بين ثلاثة أشياء: ١- الطبيعة، وهي الماهية التي يُنظر فيها إلى ذاتها وذاتياتها. ٢- الحصة، وهي الماهية المضافة إلى قيد كلي. ٣- الفرد، وهو الماهية المضافة إلى الوجود الخارجي. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٥٥). بعبارة أخرى، الإنسان الكلي والإنسان المتحقق في زيد، وزيد مع الإنسانية وسائر مشخصاته الفردية، هي ثلاثة أشياء تُسمى على التوالي: الطبيعة، والحصة (الفرد الفلسفي)، والشخص (الفرد الأصولي).

في الرأي المشهور، طريق وجود الطبيعة في الخارج هو اقترانها بالفرد. الفرد هو الطبيعة نفسها مضافة إلى الوجود، وبما أن الوجود هو مناط التشخص والخارجية، فإن الطبيعة أيضًا تصبح متشخصة بوجودها، وتوجد بوجود الفرد. إذن، يمكن للطبيعة أن توجد، ولكن بوجود الفرد.

من وجهة نظر المشهور، أفراد الطبيعة يوجدون بعدد ما يوجد منهم، وتوجد الطبائع بنفس العدد. وهذا يعني أن الطبيعة الموجودة في ضمن كل فرد مغايرة للطبيعة الموجودة في ضمن فرد آخر؛ مثلاً، طبيعة الإنسان التي وُجدت بوجود زيد مغايرة في وجودها لطبيعة الإنسان التي وُجدت بوجود عمرو، وهكذا؛ لأن وجود زيد يغاير وجود عمرو. بالطبع، مفهوم الإنسان يصدق على كل هذه الطبائع؛ أي أن كل هذه الطبائع مصاديق لذلك المفهوم الواحد، فالطبائع لها وحدة مفهومية، لكن لا وحدة لها في الخارج. كل واحدة من هذه الطبائع المضافة إلى الوجود تسمى حصة الماهية؛ أي الماهية المقترنة بإضافة خاصة إلى الوجود، ووجود الحصة هو وجود بالعرض للطبيعة.

١١. في مقابل هذا الرأي، يوجد رأي آخر يعارض من الأساس هذا التصور للطبيعة والفرد. هذا الرأي، الذي يمكن العثور عليه في أقوال العرفاء وبعض الفلاسفة، يرى أن العلاقة بين الطبيعي وأفراده تشبه العلاقة بين الأب وأبنائه. وهذا يعني أن الطبيعة لها وجود متمايز ومستقل عن أفرادها، وتوجد بوصف الكلية في الخارج، ووجودها لا يعتمد على وجود الأفراد؛ بل وجود الأفراد يعتمد عليها. إذن، للطبيعة تقدم وجودي على الأفراد، والأفراد يوجدون بملاك وجود الطبيعة، وهم محتاجون إليها في فرديتهم. هذا الرأي نقده ابن سينا وهاجمه، وإن كان الشيخ قد اضطر أحيانًا إلى الاعتراف به. (الطوسي، ١٣٧٥ ق، ج ٣، ص ٤)

١٢. بناءً على الرأي المشهور، لإيجاد طبيعة في الخارج، يجب إيجاد فرد منها، ولا يوجد طريق آخر لإيجاد الطبيعة. إيجاد الفرد هو في الواقع وجوده في الخارج بواسطة العلة. إذا أوجدت علة زيدٍ زيدًا في الخارج، فبتبع وجود زيد (وجود حصة الإنسان الموجودة في زيد)، توجد أيضًا ماهية الإنسان الكلية. وبهذا يكون إيجاد الطبيعة مقدورًا؛ لأن إيجاد الفرد مقدور، وإذا كان الفرد الإنساني، أي الإنسانية في ضمن زيد، مقدورًا، فإن طبيعة الإنسان أيضًا مقدورة. إذن، الطبيعة تكون متعلقًا لأمر المولى وإرادته، وبإيجاد الفرد، توجد الطبيعة أيضًا، ويصل المولى إلى مقصوده.

١٣. التفسير الصحيح للنزاع حول تعلق الطلب بالطبيعة أو بالفرد يكمن في هذه النقطة: أن المقصود بـ«الفرد» ليس الشخص مع عوارضه وقيوده الخاصة الموجودة في الخارج، بحيث تدخل المشخصات والعوارض أيضًا في المطلوب؛ بل المقصود بالفرد هو فرد الطبيعة نفسه الذي هو مصداق للماهية الكلية، وقد تحقق مع العوارض والقيود الشخصية؛ لكن كل العوارض والقيود خارجة عن حقيقة الطبيعة. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٥٣). بعبارة أخرى، ماهية الإنسان التي تصدق على زيد، هل مصداق هذه الماهية (زيد) هو الحيوان الناطق الأبيض الطويل القامة، أم أن مصداقها هو فقط وحصرًا الحيوان الناطق الذي يشكل ذاتي زيد؟ من الواضح أن مصداق الإنسان، الذي هو جوهر، ليس حقائق عرضية مثل البياض والطول وغيرها؛ بل هذه مصاديق لمفهوم البياض والطول وغيرها، ولن تكون أبدًا مصداقًا للإنسان. إذن، عندما يتعلق الطلب بإيجاد الإنسان، يكون المقصود هو إيجاد فرد الإنسان، وفرد الإنسان هو الطبيعة المقترنة بالشخص الخارجي الذي تشخص بالوجود واقترن بالعوارض.

تعلق الطلب بالطبيعة

لقد اختار المرحوم الآخوند تعلق الطلب بالطبيعة. مع الأخذ في الاعتبار هذه المقدمات، سيتضح مقصود المرحوم الآخوند. إنه يسعى من خلال استخدام عبارات متعددة ومتباينة ظاهريًا إلى بيان مراده ومقصوده، وتعبيراته المتعددة تظهر أنه واجه صعوبة في التعبير عن مراده، وحاول في سطور متعددة إكماله. وقد زادت إشكالات المحقق الأصفهاني من صعوبة هذه المسألة. بالإضافة إلى أن هناك خلافًا عميقًا في أصل هذا البحث حول كيفية وجود الكلي الطبيعي في الخارج، وعلاوة على ذلك، أثار المرحوم الآخوند في نهاية هذا البحث مسألة أصالة الوجود والماهية. لتوضيح الأمر بشكل أكبر، يتم تبيين رأي المرحوم الآخوند في عدة خطوات:

الخطوة الأولى: يعتبر المرحوم الآخوند متعلق الطلب هو الطبيعة، ونظرته إلى الطبيعة هي نفس نظرة مشهور الفلاسفة. يقول في الكفاية: «الحق أن الأوامر والنواهي تتعلق بالطبائع لا الأفراد، والمقصود أن متعلق الطلب هو صرف الإيجاد، ومتعلق النهي هو ترك محض…». واستمرارًا، يقول: «من الواضح أن مقصودنا من تعلق الأوامر بالطبيعة هو تعلق الأوامر بوجود سعي الطبائع، الذي هو في مقابل الوجود الخاص، لا أن الطبائع بما هي هي متعلق الطلب، كما توهم؛ لأن الطبيعة من حيث هي طبيعة ليست شيئًا سوى الطبيعة نفسها (الطبيعة بما هي ليست إلا هي)، ولا يعقل أن يتعلق بها الطلب؛ بل عند تعلق الطلب، يُلحظ وجودها أو عدمها، فتُلاحظ الطبيعة مع وجودها ويُبعث نحوها لتتحقق بصدورها من الفاعل». (الخراساني، ١٤٠٩ ق، ص ١٣٩). «الحق أن الأوامر والنواهي تكون متعلقة بالطبائع دون الأفراد، ومتعلقهما {الأوامر والنواهي} هو نفس الطبيعة المحدودة بحدود والمقيدة بقيود تكون بها موافقة للغرض والمقصود من دون تعلق غرض بإحدى الخصوصيات اللازمة للوجودات». «لا غرض له في مطلوباته إلا نفس الطبائع ولا نظر له إلا إليها من دون نظر إلى خصوصياتها الخارجية وعوارضها العينية وأن نفس وجودها السعي بما هو وجودها تمام المطلوب وإن كان ذاك الوجود لا يكاد ينفك في الخارج عن الخصوصية». (الخراساني، ١٤٠٩ ق، ص ١٣٨)

يصرح المرحوم الآخوند في هذه العبارات القليلة بأن الطبيعة هي متعلق الطلب والأمر. ومع ذلك، يظن المرحوم الآخوند أنه إذا كانت الطبيعة هي متعلق الطلب، أي أن الطبيعة مطلوبة، فإن هذا سيتناقض مع القاعدة المسلم بها عند الفلاسفة وهي أن «الماهية من حيث هي ليست إلا هي»؛ لأنه في هذه الحالة ستتصف الطبيعة بقيد كونها مطلوبة.

الخطوة الثانية: للخروج من الإشكال المذكور، يعتبر الآخوند متعلق الطلب هو «وجود سعي الطبيعة»؛ أي أن مطلوب الشارع هو طلب وجود سعي الماهية. «وجود سعي الماهية» في مقابل «الوجود الخاص للماهية» هو مصطلح دخل من الفلسفة إلى الأصول. يستخدم الفلاسفة «الوجود السعي» لوصف موجود، مع أنه موجود في الخارج، إلا أنه يتحد مع كل الموجودات الأخرى. وجوده السعي هو سبب كونه شجرة وإنسانًا وشمسًا، ومع ذلك فهو ليس أيًا منها؛ لأن لكل منها وجودًا خاصًا به هو مناط تشخصه وفرديته، وله وجود أسمى، وهو هذا الوجود السعي الذي يختلف عن وجودها الخاص. وبهذا، للماهية أيضًا وجود سعي في مقابل الوجود الخاص للأفراد.

ومع ذلك، أدرك المرحوم الآخوند بحق نقصًا في كلامه: الطبيعة لا يمكن أن توجد بدون أفرادها، والطبيعة توجد فقط إذا وجد فردها، وقبل ذلك لا وجود لها. لذلك، قام بتصحيح كلامه وقال: إن كون وجود الطبيعة أو وجود الفرد متعلقًا للطلب يعني أن المولى قد أراد «صدور الوجود» أو «الجعل البسيط» أو «مفاد كان التامة» أو «إفاضة الوجود» من العبد. ويقول: لا يعقل أن يتعلق الطلب بالطبيعة بما هي هي؛ بل لا بد من تعلق الطلب مع لحاظ وجود أو عدم مع الطبيعة، حتى يُلاحظ وجود الطبيعة ويُطلب، ويُبعث نحوه ليصدر من العبد.

الخطوة الثالثة: لكن هذا التصحيح الجديد من المرحوم الآخوند يفتح الباب أمام إشكال آخر. إذا كان وجود الطبيعة هو متعلق الطلب، وهذا الوجود بمقتضى ذاته متحقق، فإن طلبه يكون طلبًا لشيء متحقق؛ أي طلبًا لأمر حاصل، وفي نفس الإنسان لا يوجد شوق وإرادة لما هو حاصل. وإذا كان وجود الطبيعة معدومًا، فكيف يمكن أن يكون متعلقًا للطلب؟ للخروج من هذا الإشكال، يقول الآخوند: الطلب يتعلق بإيجاد الطبيعة، وإيجاد الطبيعة يختلف عن وجودها.

هذا تقرير للطريق الذي سلكه المرحوم الآخوند، ومن تعلق الطلب بالطبيعة وصل إلى التعلق بإيجاد الطبيعة؛ بالطبع، اعتبر المرحوم الآخوند دائمًا في عباراته الأخرى الطبيعة هي مطلوب الشارع. وسبب هذا الاختلاف في التعبيرات هو في الواقع التفاته إلى الأشكال التي وردت على ذهنه، مما أدى إلى تصحيح تعبيراته المختلفة. ومع ذلك، يبدو أن هذه الإشكالات قابلة للرد، ويمكن الدفاع عن رأيه الأول في تعلق الطلب بالطبيعة.

دراسة رأي تعلق الطلب بالطبيعة

يبدو أنه يمكن طرح رأي المشهور في تعلق الطلب والشوق والإرادة بالطبيعة مرة أخرى. المبدأ الأول للدفاع عن رأي المشهور هو أن الشوق من مبادئ الإرادة، والإرادة من مبادئ وجود شيء في الخارج، والشوق يحتاج إلى مشتاق إليه، والمشتاق إليه يجب أن يكون له جانبان: الوجدان والفقدان، حتى يكون من جهة متعلقًا للشوق، ومن جهة أخرى لا يكون الشوق إليه وطلبه تحصيل حاصل. وما يتصف بهذه الصفة هو الطبيعة. فالطبيعة من جهة لها تقرر في نفس الأمر، ومن جهة أخرى توجد بوجود أفرادها، فهي من جهة موجودة ومن جهة مفقودة. تعلق الشوق والطلب بها يؤدي إلى الابتعاد عن حيثية الفقدان وتحويل وجودها الماهوي النفس الأمري إلى وجود خارجي عيني. وهذا لا يمكن إلا بمساعدة إيجاد فرد الطبيعة في الخارج؛ أي أن تحقق الكلي الطبيعي يكون بتحقق فرده. فإذا تحقق الفرد، تحقق الكلي أيضًا. ومع ذلك، المطلوب هو الطبيعة، ووجود الفرد هو إيجاد الفرد، وإيجاد الفرد يتوقف على إرادة علة ذلك الفرد. إذا أوجدت العلة التامة للفرد الفرد، تحققت الطبيعة أيضًا، ويصل الشارع إلى مقصوده. فإيجاد الفرد هو في الواقع الطريق الوحيد لإيجاد الطبيعة، وغرض المولى وإن تعلق بالطبيعة، إلا أن طريق تحقيق هذا الغرض هو إيجاد الفرد.

المحقق الأصفهاني، الذي انتقد أستاذه في هذا البحث، طرح هذا الحل نفسه في حاشيته على الكفاية، ويقول: «ربما يمكن القول بأن النزاع بين القائلين بإمكان وجود الطبيعة والقائلين بامتناعه هو نزاع لفظي؛ لأن مقصود المثبتين للكلي الطبيعي في الخارج هو وجوده بالعرض، وهو ما لا سبيل إلا لقبوله، ومقصود المخالفين هو وجود الكلي الطبيعي بالذات، وهو أمر غير معقول بناءً على أصالة الوجود. وقد تم توضيح معنى الكلي والفرد وإمكان وجود الكلي بتبع وجود الفرد سابقًا، وأن الكلي بتبع إيجاد الفرد هو متعلق القدرة، فلا مانع من تعلق الأمر بالكلي إذا لم تكن لأي من الحصص خصوصية في نظر الشارع، وفي هذه الحالة يتعلق الأمر بالوجود الطبيعي دون أن يكون للحصص دخل في التكليف». (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٥٤، الحاشية).

ومما يؤيد هذه المسألة، وهي أن الطبيعة هي متعلق الطلب، نقطة أشار إليها المحقق الأصفهاني، وهي أن الطلب الصادر من الله والمتعلق بمطلوب، ذلك المطلوب هو مراد الله بالذات أيضًا؛ أي أن ما أراده هو متعلق الطلب، والله قد عبر عن مطلوبه بلفظ «الصلاة» الذي وُضع للماهية لا لوجود الصلاة؛ فالمطلوب بالذات له هو الماهية. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٦٠)

الانتقادات الموجهة للنظرية المشهورة والرد عليها

لقد وردت إشكالات على نظرية تعلق الطلب بالطبيعة. فيما يلي بعض أهم هذه الإشكالات مع الرد على بعضها.

الإشكال الأول والرد عليه: التنافي مع القاعدة الفلسفية

إن تعلق الطلب بالطبيعة يتعارض مع القاعدة الفلسفية «الماهية من حيث هي ليست إلا هي». مفاد القاعدة هو أن الماهية من حيث هي ماهية، واجدة لذاتها وذاتياتها، وكل شيء خارج عن ذاتها وذاتياتها فهو مغاير للماهية. وبما أن كونها مطلوبة، كسائر الأمور غير الذاتية، خارج عن حقيقة الماهية، فلا يمكن وصف الماهية بكونها مطلوبة، إذن الماهية أو الطبيعة لن تكون متعلقًا للطلب. هذا الإشكال هو ما دفع المرحوم الآخوند إلى التراجع عن دعواه الأصلية وعدم اعتبار الطبيعة مطلوبة.

الجواب: إن المرحوم الآخوند قد تحرز من إشكال لا يرد أصلًا؛ لأن كون الماهية مطلوبة لا يتنافى أبدًا مع القاعدة المسلم بها عند الفلاسفة. المقصود من قاعدة «الماهية من حيث هي ليست إلا هي» هو أنه لم يؤخذ في ذات الماهية وذاتياتها أي شيء غير الذات والذاتيات، وكل ما هو غير هذه الذات والذاتيات، وحتى الوجود، فهو خارج عن حيطة الماهية. الماهية في الخارج لا بد أن تتحقق بأحد طرفي الصفات المتضادة أو المتناقضة؛ أي إما أن تكون الماهية موجودة أو معدومة، إما مطلوبة أو غير مطلوبة، إما مرادة أو غير مرادة. إذن، في التحقق الخارجي، لا بد أن تقترن بأحد هذه الصفات، وإن لم تكن أي من هذه الصفات مأخوذة في ذاتها وحقيقتها. فكون الماهية مطلوبة لا ينافي في الواقع عدم أخذ كونها مطلوبة في الماهية. (نفس المصدر)

أحيانًا يُقرر هذا الإشكال بهذه الصورة أيضًا: إن تعلق الطلب بالطبيعة يتنافى مع القاعدة المسلم بها عند الفلاسفة القائلة: «الماهية إذا قصر النظر على ذاتها وذاتياتها فلا يمكن الحكم عليها بشيء خارج عن ذاتها وذاتياتها»؛ لأن مفاد هذه القاعدة هو أنه عندما ينحصر اللحاظ في ذات الماهية وذاتياتها ولا يُلحظ غيرهما، فإن أي حكم آخر غير هذين الأمرين على الماهية لن يكون ممكنًا؛ لأن كل شيء غيرهما خارج عن دائرة الذات والذاتيات. إذن، بشأن الإنسان، لا يمكن الحكم إلا بكونه حيوانًا وناطقًا، لا غير. هذا الإشكال أيضًا نشأ من توهم التنافي بين هذه القاعدة وتعلق الطلب بالماهية. من الواضح أن الشرط الموجود في هذه القضية، «إذا قصر النظر على ذاتها وذاتياتها»، غير موجود في بحثنا الحالي؛ لأنه من الصحيح أنه إذا اكتُفي بذات الماهية وذاتياتها، فلن يكون أي حكم آخر ممكنًا للماهية؛ لكن في تعلق الطلب بالماهية، لم يُلحظ هذا الشرط؛ بل قورنت الماهية بأمر خارج عنها، وأساسًا للحكم على الماهية، هناك حاجة إلى لحاظ الغير والحكم باشتراطها بالوجود أو عدم الغير؛ لأن الشارع في سياق الحكم على ماهية ما كموضوع للحكم (مثل الصلاة)، قد لاحظها مع غيرها ثم حكم بوجوبها.

الإشكال الثاني والرد عليه: عدم أخذ المصلحة والمفسدة في الطبيعة

الطبيعة لا تحتوي على أي مصلحة أو مفسدة أو نفع؛ بل مصاديقها الموجودة في الخارج هي التي تحتوي على المصلحة والمفسدة والنفع، والطلب يتعلق بهذه الموجودات الخارجية؛ لأنها هي منشأ الآثار.

الجواب: يعود الرد على هذا الإشكال إلى بحث حول الماهية. يقول الفلاسفة: إن الآثار المتوقعة من ماهية ما هي من وجودها، والماهية ليست منشأ الآثار المتوقعة من موجود. فالماهية ما لم توجد، لن تكون منشأ للآثار أيضًا. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى هذه النقطة أيضًا: في نظرة أصالة الوجود، الماهية تحكي عن حدود الوجود الخاص الذي له اختلافات مع الوجودات الأخرى، وهذه الاختلافات تُحكى بواسطة الماهية. إذن، الماهية تشير إلى حدود الموجودات التي لها آثار خاصة، وتعلق الطلب بالماهية هو في الواقع تعلق طلب بمحكي هذه الماهية. لكن ما يصل إليه العقل للمعرفة والتمييز بين الموجودات هو الماهية، ولا يعتبر شيئًا غير الماهية مناطًا للكثرة والتمييز بين الموجودات، وفي الواقع دائمًا ينسب حكم صاحب الصورة إلى الصورة، وذي الحد إلى الحد، والمحكي إلى الحاكي. ومع ذلك، فإن التطابق النفس الأمري بين الماهية والوجود الخارجي يمنع الخطأ في عالم الثبوت. في النهاية، خطأ الإنسان يكمن في أنه يعتبر الماهية منشأ الآثار، بينما يجب أن ينسب هذه الآثار إلى ذلك الوجود. فإذا التفت عند إسناد الآثار إلى الماهية إلى هذه النقطة، وهي أن الماهية ليست بنفسها، بل من حيث هي مشيرة وصورة وحاكية عن الوجود، هي المطلوبة والمشتاق إليها، ومن هذه الحيثية وقعت متعلقًا للطلب، فلن يرد الإشكال. والشاهد أن الشخص الملتفت إلى نزاع أصالة الوجود والماهية والقائل بأصالة الوجود أيضًا، يجعل طلبه متعلقًا بالماهية ويريد الماهية. بالإضافة إلى أن تعلق الطلب بماهية هي مرآة للوصول إلى الخارج أيضًا يمكن أن يكون طريقًا للرد على هذا الإشكال. (العراقي، ١٤١٧ ق، ج ٢، ص ٣٨١)

الإشكال الثالث والرد عليه

إذا تعلق الطلب بالطبيعة، فمعناه أن الطالب قد طلب الماهية، وطلب الماهية يعني طلب إيجادها في الخارج، بينما بناءً على ما ثبت في الفلسفة، فإن الإيجاد والجعل بالذات لا يتعلقان بالماهية؛ بل متعلق الجعل دائمًا هو الوجود، والماهية مجعولة بالعرض. والدليل على هذا الادعاء هو أنه لو كانت الماهية مجعولة بالذات، لكان وضع الماهية بما هي كافيًا لصدق المجعول بالذات عليها، ولصدق هذا المفهوم على الماهية لا حاجة إلى قيد آخر. وإذا كان وضع ذات الماهية كافيًا لحمل المجعولية، فإن ذات الماهية تكفي لانتزاع الموجودية؛ لأن المجعولية لا تنفك عن الموجودية، وهذا يعني وجوب وجود الماهية. فالماهية التي هي ممكنة الوجود ستتحول إلى واجبة الوجود، وهذا محال. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٥٦). يعتبر المحقق الأصفهاني هذا الدليل هو الدليل الوحيد على عدم تعلق الطلب بالماهية. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ١، ص ١٠٣)

للخروج من هذا الإشكال، يمكن القول: عندما يتعلق الطلب بالطبيعة والماهية، فإننا في الحقيقة نطلب تلك الطبيعة نفسها، وإن كان كون هذه الطبيعة في الخارج يتم بإتيان فردها؛ لذا بواسطة الفرد الخارجي يتحقق الامتثال. بعبارة أخرى، يمكن تصور هذا الفرض: أن الأفراد الخارجيين هم فقط ظرف الامتثال، والطلب قد تعلق بأصل الماهية؛ لكن بسبب اتحاد الماهية مع الوجود الخارجي، يمكن الوصول من أحد المتحدين إلى المتحد الآخر. والمحقق الأصفهاني الذي يعتبر المتعلق هو وجود الطبيعة لا الطبيعة نفسها، لكي لا يقع في إشكال تحصيل الحاصل، وهو أن إيجاد وجود الطبيعة تحصيل للحاصل، فإنه يعرف المقصود من الوجود بأنه الوجود الخارجي التقديري الفرضي. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ١، ص ١٠٤). إذا كان يمكن وجود شيء باسم الوجود الفرضي التقديري في الخارج ليكون متعلقًا للطبيعة، فمن المؤكد أن تعلق الطلب بالطبيعة سيكون معقولًا أيضًا.

الإشكال الرابع

الطبيعة نفسها لا تتحقق في الخارج؛ بل أفرادها هم الذين يتحققون في الخارج. إذن، المقصود من تعلق الطلب بالطبيعة هو تعلق الطلب بأفراد الطبيعة المختلفين. وبما أن كل فرد يكون مع أعراض ولوازم مشخصة في الخارج، فإن تعلق الطلب بالطبيعة يعني تعلق الطلب بالأعراض المشخصة أيضًا. إذن، يجب أن يكون الزمان والمكان الخاصان داخلين في متعلق الطلب، بينما من المسلم به أن الأعراض المشخصة لفرد ما ليست داخلة في المتعلق.

إصلاح النظرية المشهورة على أساس المباني الفلسفية

على الرغم من أنه يمكن الرد على بعض الإشكالات الواردة على نظرية تعلق الأمر بالطبيعة، إلا أنه يجب الاعتراف في الوقت نفسه بأن بعض الإشكالات لا تزال قائمة، ويجب البحث عن طريق آخر. وهذا الطريق رهين بإعادة النظر في تحليل الطبيعة. بالإضافة إلى الإشكال الرابع، توجد إشكالات أخرى أيضًا، وهي كالتالي:

أولًا: إذا تعلق طلب الشارع بالطبيعة، والطبيعة لا تختص بأي من الأفراد؛ أي أن الطبيعة الكلية مغايرة لأفرادها الموجودين في ضمن الأشخاص الخارجيين، فما يتحقق في الخارج ليس الطبيعة، بل فرد الطبيعة، والطبيعة في كل فرد تختلف عن الطبيعة في الفرد الآخر. بالتعبير الأصولي، «المأتي به (الفرد) لا يطابق المأمور به (الطبيعة)»، فإيجاد الفرد ليس امتثالًا للأمر بالطبيعة، وأساسًا لم يتحقق امتثال بإتيان الفرد؛ لأن الطلب لم يتعلق بالفرد أصلًا. الطبيعة، وإن اتحدت مع الفرد، إلا أنها تغايره أيضًا؛ لأن الطبيعة قابلة للحمل على كل من الأفراد، لكن الفرد غير قابل للحمل على فرد آخر، فالفرد مغاير للطبيعة.

ثانيًا: عندما يوجد زيد، نقول إن طبيعة الإنسان موجودة. ما المقصود بكون الإنسان موجودًا؟ هل أن الواقع الخارجي قد امتلأ بالإنسان، أم أن معناه أن شيئًا وجد في الخارج وهو مصداق للإنسان؟ من المؤكد، بناءً على مبنى من يعتبرون الكلي الطبيعي موجودًا بوجود الفرد، أن المعنى الثاني هو المقصود؛ أي أن موجودًا وجد في الخارج وهو مصداق للإنسان. فإسناد الوجود إلى الإنسان مجازي، بل هو مجاز في المجاز؛ لأن ما تحقق هو وجود زيد، لا زيد، وإسناد الوجود إلى زيد بمعنى إسناد الوجود إلى ماهية زيد، وهو إسناد مجازي. وبما أن الإنسان قد وجد بواسطة حصته – التي هي فرد الإنسان الحقيقي – فإن وجود الإنسان بمعنى وجود حصة من الإنسان. وهذا سيكون مجازًا في المجاز. في هذه الحالة، كيف يمكن الحديث عن تعلق الأمر بالطبيعة بينما هي أصلًا غير قابلة للتحقق؟

ثالثًا: يعتقد الأصوليون أن امتثال الأمر المتعلق بالطبيعة يتحقق بإتيان فرد واحد، وامتثال النهي بترك جميع الأفراد. بينما إذا كانت الطبيعة في كل فرد غير الطبيعة في الفرد الآخر، فبترك فرد واحد، يكون قد امتثل النهي عن الطبيعة، ولن تكون سائر أفراد الطبيعة متعلقًا للنهي. ومن بين الأصوليين، أشار المحقق الأصفهاني إلى هذا الفرق الواضح.

لحل هذا الإشكال، يجب الانتباه إلى نقطة مهمة، وهي أن ما يختاره الأصوليون في الأصول أحيانًا لا يمكن جمعه مع مبانيهم الفلسفية بأي وجه. بعبارة أخرى، يقبل الأصوليون في بحوثهم الأصولية آراءً تستند إلى مبانٍ فلسفية تتعارض تمامًا مع المباني الفلسفية التي قبلوها. وهذا التنافي بين المبنيين يسبب بعض الإشكالات. للتوضيح، في جميع أنحاء علم الأصول، كلما وصل الأصوليون إلى تحليل متعلق الأمر والنهي والشوق والطلب والإرادة وحتى موضوع له الألفاظ، يقولون: الطلب يتعلق بالطبيعة، والأمر والنهي يتعلقان بالطبيعة، وهذه الطبيعة موجودة في جميع الأفراد. وفي الإجابة على سؤال: هل هذه الطبيعة موجودة أم لا؟ يقولون: الطبيعة بنفسها ليست موجودة أبدًا؛ لأن الطبيعة بوصف الكلية هي مجرد مفهوم ذهني له مصاديق، وما وجد في الخارج هو الفرد، والطبيعة توجد بوجود أفرادها، والطبيعة الموجودة في كل فرد مغايرة للطبيعة الموجودة في الفرد الآخر. إذن، طبيعة الإنسان في زيد مغايرة لطبيعة الإنسان في عمرو، ولهما وجودان متعدددان متباينان يصدق عليهما مفهوم الإنسان. لكن بهذا الكلام يقعون في إشكال أهم، وهو أن الطلب والإرادة والشوق و… قد تعلقت بفرد الطبيعة الذي وجد في ضمن الشخص؟ وإذا كان الأمر كذلك، فالطبيعة الخاصة الموجودة في ضمن أي فرد خاص هي متعلق الطلب والشوق والأمر؟ من الواضح أنه ليس لديهم إجابة لهذا الإشكال؛ لأنهم أساسًا لا يعتبرون أيًا من الطبائع الموجودة في الأفراد متعلقًا للطلب والشوق والإرادة؛ بل مقصودهم من الطبيعة هو الكلي الطبيعي نفسه أو الماهية اللابشرط التي تشمل جميع أفرادها. وإذا قالوا إن مقصودنا من الطبيعة هو المفهوم الجامع لجميع هذه الطبائع المختلفة في ضمن الأفراد، فإنهم يواجهون إشكالًا آخر: أولًا، أن ذلك المفهوم يتعدد بتعدد الأفراد المتصورين له، وثانيًا، من الواضح أن المفهوم لم يُطلب ولم يُرد؛ لأن المفهوم لا أثر له، بل امتثاله سيكون بتصوره ولحاظه في الذهن، فلا حاجة بعد ذلك لإيجاد الصلاة في الخارج. أما المفهوم من حيث هو حاكٍ عن مصاديقه، فلا يمكن أن يكون متعلقًا للطلب والأمر أيضًا.

جذر هذه المشكلة يكمن في أن الأصوليين قد اتفقوا مع مشهور الفلاسفة مثل ابن سينا على أن الكلي الطبيعي يوجد فقط بوجود الأفراد لا غير، والطبيعة في كل فرد غير الطبيعة في الفرد الآخر، وبغير الأفراد لا توجد حقيقة أخرى في الخارج تكون مصداقًا بالذات للكلي الطبيعي؛ لأن الكلي بنفسه لا يمكن وجوده في الخارج. بينما لو قبلوا الرأي الآخر المنسوب إلى الرجل الهمداني، وهو أن الكلي الطبيعي يوجد بوصف الكلية في الخارج ومغايرًا لوجود أفراده، ووجود الكلي الطبيعي مقدم على وجود الأفراد، والأفراد في وجودهم تابعون له، حينئذٍ كان بإمكانهم الحديث عن تعلق الإرادة والشوق والطلب بمثل هذه الحقيقة الموجودة في الخارج، والدفاع عن رأيهم بشكل صحيح. لأنه في هذه الحالة، كانت هناك حقيقة مستقلة ومتمايزة في الخارج باسم الكلي الطبيعي أو الطبيعة، تعلق بها طلب المولى، وهذه الطبيعة الواحدة بنفسها موجودة في جميع أفرادها. (شبيه بأب له أبناء متعددون، لا آباء متعددون لهم أبناء متعددون). في هذه الحالة، بإتيان أي فرد، يكون قد امتثل الأمر بالطبيعة التي هي متعلق الطلب، ويكون سببًا للإجزاء.

للتوضيح، عندما نعتبر فردين لطبيعة واحدة؛ مثلًا، حسن وحسين، وهما فردان إنسانيان وقد وُجدا، ولذا يُقال إن الإنسان موجود. يمكن تحليل حسن عقليًا إلى حصة الإنسان، أي الفرد بالذات للإنسان، وأعراض وعوارض خاصة بحسن، ووجود مضاف إلى ماهية حسن. وهذا التحليل نفسه يجري على الفرد الثاني؛ أي حسين، وسنرى أن عوارض ووجود كل منهما يختلف عن الآخر؛ لكن هناك جزء مشترك بينهما يسمى الإنسانية. ولكن ما هي العلاقة بين الإنسانية التي في حسن والإنسانية التي في حسين؟ الإجابة عند ابن سينا (وغالب الأصوليين تبعًا للفلاسفة) هي أن الإنسانية في حسن هي إنسانية، والإنسانية في حسين هي إنسانية ثانية؛ أي أنهما حقيقتان لا تشتركان إلا في صدق مفهوم واحد عليهما، وهو مفهوم الإنسان، وإلا فلا اشتراك بينهما. لذا يعبرون بأن الإنسانية في حسن غير الإنسانية في حسين. بعبارة أخرى، كأنهم آباء وأبناء، وكل إنسانية في كل شخص هي ابن.

إلا أن الإجابة الأخرى على هذا السؤال هي أن الإنسانية في حسن وحسين هي بعينها حقيقة واحدة، ولا تختلف عن بعضها، والفرق بينهما يكمن في أمرين آخرين، وهما الوجود والأعراض. في هذه الحالة، كأن هناك أبًا واحدًا وأبناء متعددين له. لكن الرأي الأول يواجه إشكالًا مهمًا؛ لأنه بناءً على رأي ابن سينا، فإن الإنسانية في حسن غير الإنسانية في حسين، ولدينا حقيقتان إنسانيتان في الخارج، والجامع بينهما هو مفهوم الإنسان الذي يصدق على كليهما. وهنا يطرح السؤال: كيف يصدق مفهوم واحد (الإنسان) على كليهما؟ إذا كان حسن وحسين متباينين تمامًا ولا وجه اشتراك بينهما، فلا يمكن أن يصدق مفهوم واحد على كليهما؛ لأن لازمه تعدد الواحد أو وحدة المتعدد، وهو محال. أما إذا لم يكونا متباينين؛ بل كلاهما يشتركان في وجه اشتراك باسم «ألف»، وهو وجه الاشتراك الذي يصحح حمل الإنسان عليهما، ففي هذه الحالة نسأل: هل «ألف» في زيد هو عين «ألف» في علي، أم مغاير له وشبيه به؟ إذا كان عين الشيء نفسه، فلا وجود لإنسانيتين في الخارج؛ بل إنسانية واحدة، وهي الإنسانية التي كان يمكن أن توفر وجه الاشتراك هذا، ولا حاجة إلى «ألف». أما إذا لم يكن هو نفسه، فهناك مفهوم باسم «ب» يصحح حمل الإنسان على هذين، وهكذا، مما يؤدي إلى التسلسل. إذن، لا معنى لأن تكون الإنسانية في حسن مختلفة عن الإنسانية في حسين، ومع ذلك يحكي عنهما مفهوم واحد. فالذي في الخارج هو حقيقة إنسانية واحدة تتصف بالوحدة وتشمل جميع أفراد الإنسان. بالإضافة إلى ذلك، يظهر إشكال آخر هنا: إذا كانت إنسانية حسن غير إنسانية حسين، فالفرد الأول متميز وحتى متشخص عن الفرد الثاني، فما الحاجة بعد ذلك إلى الوجود ليكون سببًا للتشخص، وبالتالي سببًا للتمايز بين الفردين؟

بناءً على ما قيل، يمكن الادعاء بأنه بناءً على المقدمات الفلسفية السابقة، فإن الطبيعة هي التي تقع متعلقًا للشوق والطلب؛ لكن ليست الطبيعة التي وردت في نظرة ابن سينا، بل الطبيعة التي في رأي المنافس. في هذه الحالة:

١. الكلي الطبيعي أمر واحد له وجود حقيقي في الخارج، لا أنه يوجد بتبع الفرد؛ لذا فإن الشارع قد طلب إتيانه، بمعنى أنه بإيجاد الفرد، يوجد وجود له نصيب من تلك الطبيعة الواحدة، ويحصل العلم بوجودها.

٢. الطبيعة هي منشأ الآثار؛ لأنها موجودة. فسواء اعتبرنا مناط الآثار هو الوجود أو الماهية، ففي كلتا الحالتين ما هو منشأ الآثار قد تحقق في الخارج، فالآثار هي من تلك الطبيعة التي كانت موجودة دائمًا.

٣. تعلق الطلب بالكلي الطبيعي في الرأي الثاني لا يستلزم تحصيل الحاصل؛ لأن كل فرد من الكلي الطبيعي هو في الواقع ظهور جديد للكلي الطبيعي، يصدق عليه الكلي الطبيعي بوجوده السعي. الصدق في هذا الرأي ليس وصفًا مفهوميًا؛ بل حتى الوجود الخارجي يمكن أن يكون صادقًا على وجود آخر. إذن، طلب الكلي الطبيعي بمعنى إيجاد ظهور خاص من تلك الطبيعة.

في الختام، تجدر الإشارة إلى أن وجود الكلي الطبيعي في الخارج كان موضع نقد من الفلاسفة. وقد قدموا أدلة لنفيه، وقد تم الرد على هذه الإشكالات. (عشاقي، ١٣٩٧، ص ٢٥٦ – ٢٦٥؛ عشاقي، ١٣٩٣، ص ١٨٦). وأحيانًا قبله البعض مثل ابن سينا. (الطوسي، ١٣٧٥، ج ٣، ص ٤). ولملا صدرا أيضًا عبارات يمكن الاستفادة منها للرد على الإشكال الأساسي لنفي الطبيعة في الخارج.

النتيجة

في علم الأصول، دار نقاش طويل حول متعلق الطلب، وكذلك الأمر والنهي. المشهور يعتقدون أن الطلب يتعلق بالطبيعة أو الكلي الطبيعي. وقد اعتبر البعض هذا الرأي إشكاليًا واختاروا نظريات أخرى مثل تعلق الطلب بالوجود الخارجي أو الصورة الذهنية أو غيرها. وقد دافع المرحوم الآخوند عن نظرية تعلق الطلب بالطبيعة، وأحيانًا تحدث عنها مع بعض الإصلاحات. ورأي الآخوند أيضًا يعاني من إشكالات، ورغم أنه يمكن الرد على بعضها، إلا أن بعضها الآخر وارد. ومع ذلك، بدلًا من التخلي عن أصل رأي تعلق الطلب بالطبيعة، يجب تقديم تفسير آخر للطبيعة، بقبوله يمكن الرد على الإشكالات المطروحة. في هذه الحالة، يمكن الدفاع عن هذه النظرية. في التفسير الجديد للطبيعة، ليس كل فرد واجدًا لطبيعة خاصة به حتى يكون الاشتراك والكلية مرتبطين بالذهن؛ بل الطبيعة حقيقة واحدة لها مصاديق أو مظاهر متعددة.

الحواشي

١. المقال الأول هو «نظريات التشييء للمعنى في الفلسفة التحليلية وعلم الأصول»، تأليف السيد محمود مرواريد، نقد ونظر، العددان ٣٩ و٤، وفي هذا المقال تم بحث مسألة وضع الألفاظ للطبيعة. والمقال الثاني بعنوان «متعلق الشوق والإرادة من منظور بعض الأصوليين»، نقد ونظر، العدد ٥٥، للسيد علي رضا محمدي، يتناول بحث متعلق الشوق والإرادة وتعلقه بالطبيعة، وبالطبع فإن المقال الثاني أقرب إلى موضوع هذا المقال.

٢. بالطبع هذا التحليل هو المشهور الذي يرى الإرادة والعلم موجودين تبعًا للمراد والمعلوم، لكن هناك تحليل أدق أشار إليه المحقق الأصفهاني، وهو أن الإرادة والعلم هما ضرب من الوجود، والمراد والمعلوم يوجدان بوجودهما. (نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج ٤، ص ١٦٠)

٣. ويُعبَّر عن ذلك بالوجود في نفسه لغيره، بخلاف النسب التي لها وجود في غيره لغيره. بتعبير أفضل، هناك فئة من الأشياء مثل الأعراض ليست تابعة في ذاتها وماهيتها لغيرها، بل لها تحصل مفهومي ومعنوي؛ لكنها لوجودها تحتاج إلى غير الفاعل، أي إلى موضوع، بخلاف النسب التي تحتاج في ذاتها إلى غيرها، وحتى في ذاتها لا تتحصل.

٤. انظر أيضًا ج ٢، ص٣١٢؛ ج٤، ص ٣١٠؛ ج٣، ص٦٨؛ ج ٤، ص ٢٠٣.

٥. هذا الخلاف موجود بين الفلاسفة، فالمشهور يعتبرون اللابشرط المقسمي هو الكلي الطبيعي (ملاصدرا، أسفار، ج ٢، ص ١٩؛ سبزواري، شرح منظومة، ص ٩٧؛ طباطبائي، نهاية الحكمة، ص ٧٤)، والبعض يعتبرون اللابشرط القسمي هو الكلي الطبيعي (الطوسي، تجريد الاعتقاد، ص ٦٠). وفي الأصول أيضًا، يعتقد المرحوم الآخوند بالرأي الأول، أي اللابشرط المقسمي (كفاية الأصول (مع حواشي المشكيني) ج ٢، ص ٤٧٠) و (المحقق النائيني، أجود التقريرات، ج ١، ص ٥٢٣)، وبعض تلامذته (الحلي، أصول الفقه، ج ٥، ص ٤٠٣) يعتبرون اللابشرط القسمي هو الكلي الطبيعي. والبعض لا يعتبر أيًا منهما مصداقًا له.

٦. المحقق الأصفهاني يميل إلى هذا الرأي، حيث يعتبر الطبيعة لا بشرط قسمي ويقول: وما هو القسمي منه مطلق / عما عداها وبه يفترق / هو الطبيعي بقول الحكماء / لا ما يسمى مقسمًا أو مبهمًا (تحفة الحكيم، ص ٣٤). ومع ذلك، يعتبر الماهية من حيث هي هي الماهية المرسلة. كما يعتبر متعلق الأحكام هو الماهية لا بشرط قسمي، لأنه للحكم على الطبيعة لا بد من مقارنتها بقيد أولًا ثم عدم لحاظه، وهذا هو اللابشرط القسمي. (نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج ١، ص ٣٣٨)

٧. بخلاف قول البعض، وغالبًا من المتكلمين، الذين يعتبرون الطبيعة أمرًا ذهنيًا فقط لا يوجد أبدًا لا مستقلًا ولا بوجود الفرد، فإن الفلاسفة يقبلون وجود الطبيعة في الخارج ولكن بوجود الفرد. (شرح المطالع، ص ٥٩)

٨. ولا ينبغي أن يكون في الشيء الواحد بعينه علم ولا علم، وسواد وبياض، ولا ينبغي أن يكون الحيوان الكلي حيوانًا واحدًا بعينه، هو سائر وطائر وغير سائر وغير طائر، وذا رجلين وذا أربع أرجل بعينه. (دانشنامه علائي (الإلهيات)، ص ٤١)

٩. المحقق الأصفهاني يعتقد أن النزاع بين من يقولون إن الطبيعة تتحقق في الخارج ومن يقولون إنها لا تتحقق هو نزاع لفظي، ويمكن المصالحة بين الطرفين. فالذين يقولون إنها لا تتحقق يعنون أنها لا تتحقق بنعت الكلية وبما هي هي، والذين يقولون إنها تتحقق يعنون أنها تتحقق بوجود الفرد. بالطبع، هذه مصالحة لا يرضى بها الطرفان، لأن الذين يقولون إنها تتحقق قسمان: قسم يعتبرون الكلي موجودًا بوجود الفرد، وهم يتفقون مع المحقق الأصفهاني والمشهور ومتأثرون برأي الشيخ الرئيس، وقسم يقولون إنها توجد بوصف الكلية، ويتفقون مع الرجل الهمداني. بالطبع، في بعض العبارات، يُعتبر رأي مشهور الحكماء هو ‘وجود الكلي بالذات’ في الخارج.

١٠. فإن الطبيعة المرسلة المبهمة التحصل ليس يصح لها الوجود في مذهب البرهان، ما دامت على صرافة إبهامها وإرسالها. فإذا تحصلت بالتشخص، وجدت بعين وجود فردها الشخصي المحصل الممتنع الحمل على أكثر من هوية واحدة. ولا تكون متميزة في الوجود عن أفرادها الشخصية. (القبسات، ص ١٥١)

١١. المحقق الأصفهاني، على الرغم من طرحه هذا الكلام في مواضع متعددة، إلا أنه في بحث المشتق (نهاية الدراية، ج ١، ص ٢٢٥ و٢٢٩) يفصل الأقوال في علاقة العرض بالمعروض ويقول: توجد ثلاث آراء في علاقة العرض بالمعروض: الأولى، رأي فلاسفة المشاء الذين يعتبرون العرض منضمًا إلى الجوهر ويعدون العرض والمعروض وجودين متجاورين. الثانية، رأي الحاج السبزواري الذي يعتبر العرض من مراتب الجوهر، حيث يوجد تغاير وجودي بين العرض والمعروض، لكن العرض مرتبة من مراتب المعروض ومتحد به. الثالثة، رأي الآقا علي المدرس (بدائع الحكم، ص ٢٠٣) الذي، بإلهام من كلام ملا صدرا في الحركة الجوهرية، لا يعتبر العرض حقيقة مغايرة للمعروض؛ بل هو شيء واحد ظهر بصورة عرض، وأصلًا توجد وحدة بين العرض والمعروض (للاطلاع أكثر: علاقة الجوهر والعرض، عبد الرسول عبوديت، معرفت فلسفي، السنة الحادية عشرة، العدد ١، ص ١١-٣٨). يبدو أن المحقق الأصفهاني اختار الرأي الثالث وصرح بأنه في حال قبول الرأي الثالث، فإن الفرد بالذات للإنسان هو الإنسان مع كل عوارضه وخصوصياته، وليس فقط إنسانية زيد؛ لأن الإنسان الذي هو معروض لعوارض مختلفة هو وجود واحد، وعوارضه أيضًا واحدة معه.

١٢. الآخوند أحيانًا يفرق بين الأمر والطلب، وأحيانًا يستخدمهما معًا. على كل حال، لديه تصريحات بأن الطلب يتعلق بالطبيعة.

١٣. ولكن هل يمكن قبول مثل هذا الوجود مع الالتزام بقاعدة «الشيء ما لم يتشخص لم يوجد»؟ أي أنه مع تشخصه ووجوده في الخارج، تكون له قابلية الانطباق على موجودات أخرى؟ ظاهرًا، مع قبول تلك القاعدة، لا يمكن الحديث عن وجود سعي أو حتى كلي طبيعي في الخارج بوصف الكلية. ولهذا السبب شكك بعض المحققين في صحة هذه القاعدة. (خطوات جديدة في الفلسفة المتعالية، حسين عشاقي، ج ٢، ص ٢٦٧)

١٤. يبدو أن المحقق الأصفهاني فسر «الوجود السعي» بالوجود المفروض، ويعتقد أن هذا الوجود، لأنه لم يتشخص بعد في الخارج، يمكن أن يكون خاليًا من كل اللوازم والقيود الخارجية، وبهذا تكون له قابلية الصدق على كثيرين. «بل المقوّم للطلب والشوق هو الوجود المفروض، وتأثير الشوق فيه بإخراجه من حدّ الفرض والتقدير إلى الفعلية والتحقيق، والوجود المفروض يمكن أن يكون حقيقة الوجود المعرّى عن جميع اللوازم والقيود؛ بحيث يكون قابلا للصدق على كلّ وجود محقق في الخارج».

١٥. المحقق الأصفهاني اختار خيار تعلق الطبيعة بوجود الفرد، ولحل هذا الإشكال يعتبر متعلق الشوق هو «الوجود المفروض الخارجي». (نهاية الدراية، ج ٢، ص ٢٥٧)

١٦. للتمييز بين هذين المعنيين (انظر: مدخل إلى الحكمة الصدرائية، ج ١، ص ١٥٠).

١٧. فما اشتهر – من أن تحقق الطبيعة بتحقق فرد، وانتفاءها بانتفاء جميع أفرادها – لا أصل له؛ حيث لا مقابلة بين الطبيعة الملحوظة على نحو تتحقق بتحقق فرد منها، والطبيعة الملحوظة على نحو تنتفي بانتفاء جميع أفرادها. (نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج ٢، ص ٢٩٠؛ ج ٢، ص ٣٦٧؛ ج ٢، ص ٤٤٨؛ المرحوم الخوئي أيضًا تبعه في ذلك. محاضرات في أصول الفقه، ج ٣، ص ٢٧٧)

١٨. من المحتمل جدًا أن يكون الرجل الهمداني هو أبو القاسم الكرماني الذي كان في أواخر حياته في همدان. والبعض احتمل أن يكون القاضي عبد الجبار الهمداني. (رسائل ابن سينا، ص ١٨٦، كتاب النجاة بتصحيح دانش پژوه، ص ٨٠)

١٩. في نقل رأي الرجل الهمداني ورد: قال: ووجود الأنواع والأجناس في الأعيان هو أن يكون ذات واحدة مقارنة هي بعينها لكل واحدة من الكثرة. (رسائل ابن سينا، ص ٤٦٧)

٢٠. والذي أنا إليه وأقوله أن الإنسانية الموجودة كثيرة، وليست ذاتًا واحدة وكذلك «٥» الحيوانية الموجودة. لا كثرة يكون باعتبار إضافات مختلفة، بل ذات الإنسانية المقارنة لخواص زيد، هي غير ذات الإنسانية «٦» لخواص عمرو. فهما «٧» إنسانيتان: إنسانية قارنت خواص زيد، وإنسانية قارنت خواص عمرو، وليس في الموجودات واحدة إنسانية جامعة. وكذلك الحيوانية التي تقارن فصل الإنسان غير الحيوانية التي تقارن فصل الفرس. (رسائل ابن سينا، ص ٤٧٢)

٢١. فإنا إذا قلنا إن الإنسانية معنى واحد لم نذهب فيه إلى أنه معنى واحد وهو بعينه يوجد في كثيرين فيتكثر بالإضافة كأب واحد يكون لكثيرين بل هو كالآباء لأبناء متفرقين. (الشفاء (الإلهيات)، ص ٣١٥)

٢٢. عبارات من ملا صدرا تؤيد هذه النظرة: لابد من أن يكون للكلي بما هو كلي وجود عقلي، وأما أن هذا الوجود يجب أن يكون قائمًا بذهن وأن لا يكون له إلا الوجود التابع الظلي غير المتأصل فمما لم يساعده برهان ولا بديهة ولا حدس ووجدان. فالمعقول من الإنسان كلي سواء وجد في النفس قائمًا بها أو وجد في عالم العقل غير قائم بشيء. (الحاشية على إلهيات الشفاء، ص ١٩٠)

٢٣. أهم إشكال هو أن معنى تحقق الكلي الطبيعي في الخارج هو أن يتصف موجود متشخص بأوصاف متضادة، وأحيانًا كان الإشكال أن شيئًا واحدًا يتحقق في مكانين. وليس أن الإنسانية الكلية إنسانية واحدة بالعدد وموجودة في كثيرين، فإن الواحد العددي لا يتصور أن يكون في أمكنة. ولو كانت إنسانية أفراد الإنسان أمرًا واحدًا بالعدد لاستحال اتصافه بأمور متقابلة، بل المعنى الذي يعرض له في الذهن أنه كلي يوجد في كثيرين لا من هذه الجهة. (الشواهد الربوبية، ص ١١١). ملا صدرا، الذي هو نفسه من منكري وجود الكلي الطبيعي، في بحث تطابق الذهن والعين، وكيف يصدق على المعلوم بالذات، أي الصورة الذهنية، كل من الكيف والجوهر، يقول: بما أن الصورة الذهنية لها وجود مجرد، ووجود أسمى من الوجود الخارجي، يمكن أن تكون كيفًا وجوهرًا. لأن محدودية المادة هي التي تمنع اتصاف شيء بصفات متضادة، أما الصورة الذهنية فهي موجود مجرد وفاقد للمادة، وهذا يعني أنه هو أيضًا قد قبل أن موجودًا واحدًا يمكن أن يتصف بصفات متعددة. (أسفار، ج ٦، ص ٣١٧؛ ج ٦، ص ١٣١؛ ج ٦، ص ٢٣٥)

المصادر

١. ابن سينا، حسين بن عبد الله (١٣٧٩ ش). النجاة. المصحح: محمد تقي دانش پژوه، طهران: جامعة طهران.

٢. ابن سينا، حسين بن عبد الله (١٣٨٣ ش). موسوعة العلائي (الإلهيات). المصحح: محمد معين، همدان: جامعة بوعلي سينا.

٣. ابن سينا، حسين بن عبد الله (١٤٠٤ ق). الشفاء، (الإلهيات). قم: مكتبة آية الله المرعشي.

٤. ابن سينا، حسين بن عبد الله (بلا تا). رسائل. قم: بيدار.

٥. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٦ ق). بحوث في الأصول. الطبعة الثانية، قم: دفتر المنشورات الإسلامية.

٦. الأصفهاني، محمد حسين (بلا تا). تحفة الحكيم. النجف الأشرف: آل البيت.

٧. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الثانية، بيروت: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

٨. الحلي، حسين (١٤٣٢ ق). أصول الفقه. قم: مكتبة الفقه والأصول المختصة.

٩. الخراساني، محمد كاظم (١٤٠٩ ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

١٠. الخوئي، سيد أبو القاسم (١٤١٧ ق). محاضرات في أصول الفقه. قم: أنصاريان.

١١. الرازي، قطب الدين (بلا تا). شرح المطالع. قم: منشورات ذوي القربى.

١٢. الشيرازي، محمد بن إبراهيم (ملا صدرا) (١٩٨١ م). الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. بيروت: دار إحياء التراث.

١٣. الشيرازي، محمد بن إبراهيم (ملا صدرا) (بلا تا). الحاشية على إلهيات الشفاء. قم: بيدار.

١٤. الطباطبائي، محمد حسين (١٤١٦ ق). نهاية الحكمة. قم: منشورات جماعة المدرسين في حوزة قم العلمية.

١٥. الطوسي، نصير الدين (١٤٠٤ ق). تجريد الاعتقاد. قم: دفتر المنشورات الإسلامية.

١٦. الطوسي، نصير الدين (١٣٧٥ ش). شرح الإشارات والتنبيهات مع المحاكمات. الطبعة الأولى، قم: نشر البلاغة.

١٧. عبوديت، عبد الرسول (١٣٩٨ ش). مدخل إلى الحكمة الصدرائية. طهران: منشورات سمت.

١٨. عبوديت، عبد الرسول، «علاقة الجوهر والعرض». معرفت فلسفي، السنة الحادية عشرة، العدد ١، ص ١١-٣٨.

١٩. العراقي، ضياء الدين (١٤١٧ ق). نهاية الأفكار. تقرير محمد تقي البروجردي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

٢٠. عشاقي الأصفهاني، حسين (١٣٩٣ ش). براهين الصديقين. طهران: مؤسسة الحكمة والفلسفة الإيرانية البحثية.

٢١. عشاقي الأصفهاني، حسين (١٣٩٧ ش). الخطوات اللاحقة في الفلسفة المتعالية. طهران: معهد الثقافة والفكر للبحوث.

٢٢. اللاريجاني، صادق (بلا تا). دروس خارج الأصول. (غير منشور).

٢٣. محمدي، علي رضا، «متعلق الشوق والإرادة من منظور بعض الأصوليين». نقد ونظر، العدد ٥٥، السنة ١٤، العدد ٣، ص ٢-٣٩.

٢٤. المدرس الطهراني، علي بن عبد الله (١٣٨٠ ش). بدائع الحكم. تبريز: جامعة تبريز.

٢٥. مرواريد، محمود، «نظريات التشييء للمعنى في الفلسفة التحليلية وعلم الأصول». نقد ونظر، العددان ٤ و٣٩.

٢٦. النائيني، محمد حسين (١٣٥٢ ش). أجود التقريرات، تقريرات أبو القاسم الخوئي. قم: مطبعة العرفان.

Scroll to Top