ملخص
يتناول هذا البحث دراسة إشكالية الأصل المثبت في استصحاب عدم الجعل، والتي اعتبرها المحقق النائيني ناشئة من التباين بين الجعل والمجعول. تكمن المسألة المحورية في تحديد إمكانية استنتاج عدم المجعول من استصحاب عدم الجعل دون الوقوع في الأصل المثبت. وقد أُجري هذا البحث باستخدام المنهج الوصفي التحليلي، ومن خلال دراسة نقدية لآراء المحقق النائيني والمرحوم الأصفهاني والمرحوم الخوئي. قام الباحث، ضمن تحليل مفهومي الجعل والمجعول، بنقد ودراسة وجهات النظر المختلفة. تظهر نتائج البحث أن تفسير المحقق النائيني للمجعول بأنه الحكم الذي أصبح فعلياً للمكلف هو تفسير صحيح؛ إلا أن استدلاله على نشوء الأصل المثبت غير كافٍ. كما أن المنتقدين لم يدركوا مراد المحقق النائيني من المجعول بدقة. ونتيجة لذلك، يمكن القول إن الجعل والمجعول حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة، ولا يُتصور بينهما أصل مثبت. هذا التصور، مع الحفاظ على مصطلح المحقق النائيني، يؤيد دعوى وحدة الجعل والمجعول ويرفع إشكالية الأصل المثبت.
المقدمة
يعد استصحاب عدم الجعل، بوصفه أحد المباحث الهامة في علم أصول الفقه، محط تأمل وبحث الفقهاء والأصوليين على الدوام. هذه المسألة، التي حظيت باهتمام بالغ في القرن الأخير مع طرح نظرية المحقق النائيني، تواجه في جوهرها تحدياً أساسياً: هل يمكن استنتاج عدم المجعول من استصحاب عدم الجعل دون الوقوع في الأصل المثبت؟ لقد اعتبر المحقق النائيني، بتقديمه تعريفاً مبتكراً للمجعول بأنه «الحكم الذي أصبح فعلياً للمكلف»، أن العلاقة بين الجعل والمجعول هي علاقة تباين، وبناءً على ذلك، رأى أن استصحاب عدم الجعل مبتلىً بالأصل المثبت. أدت وجهة النظر هذه إلى قيام منتقدين مثل المرحوم الأصفهاني والمرحوم الخوئي بالتصدي للنقد والجواب، حيث حاولوا دفع هذا الإشكال بطرح نظرية وحدة الجعل والمجعول. تكمن ضرورة البحث في أن الانتقادات الموجهة لنظرية المحقق النائيني، على الرغم من وجاهتها الظاهرية، لم تتمكن من فهم مراده الدقيق من المجعول. من جهة أخرى، يعاني استدلال المحقق النائيني القائم على ضرورة التباين بين الجعل والمجعول لنشوء الأصل المثبت من بعض النواقص التي تستدعي إعادة نظر وتحليلاً أدق. تتمحور المسألة الأساسية للبحث حول إمكانية تقديم تصور للعلاقة بين الجعل والمجعول يحفظ الدقة الاصطلاحية للمحقق النائيني، ويرفع في الوقت نفسه إشكالية الأصل المثبت بطريقة علمية ومقنعة. تقوم فرضية البحث على أن الجعل والمجعول حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة، وتقوم بينهما علاقة تشكيكية تمنع تصور الأصل المثبت في استصحاب عدم الجعل. يمكن لهذا التوجه أن يكون جسراً بين وجهة نظر المحقق النائيني ومنتقديه. تتمثل أهداف البحث في: ١- التحليل الدقيق لمفهومي الجعل والمجعول عند المحقق النائيني. ٢- الدراسة النقدية لوجهات نظر المنتقدين وتقييم مدى وفائهم لمراد المحقق النائيني. ٣- تقديم تصور جديد للعلاقة بين الجعل والمجعول قادر على رفع إشكالية الأصل المثبت. يسعى هذا البحث، من خلال المنهج الوصفي التحليلي والاعتماد على الدراسة الدقيقة للنصوص والتحليل النقدي للآراء، إلى تقديم حل علمي ومستدل لهذه المعضلة الأصولية، مع احترام الدقائق الاصطلاحية، بما يسهم في نهاية المطاف في تقدم المباحث الأصولية والفقهية.
١. المفاهيم
١-١. الجعل
أ) الجعل في اللغة: «الجَعْل» مصدر «جَعَلَ»، وقد استُخدم في باب اللغة بمعنى القول، والفعل، والعمل، والخلق، وكذلك الحكم. والمعنى المقصود في علم أصول الفقه هو معنى الحكم هذا. (ابن منظور، ١٤١٤ ق، ج ١١، ص ١١١؛ الراغب، ١٤١٢ ق، ص ١٩٦)
ب) الجعل في الاصطلاح: الجعل في اصطلاح الفقهاء يعني إيجاد حكم من قبل الشارع المقدس أو عقد قرار للناس، واسمه الآخر تشريع الحكم في عالم الاعتبار. وبالطبع، قدّم الفقهاء في بيان حقيقة الإنشاء وحقيقة الجعل تعريفات خاصة. على سبيل المثال، يرى المحقق الأصفهاني حقيقة الجعل بمعنى الإنشاء بداعي جعل الداعي؛ (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ١، ص ٣١٦) لكن المحقق العراقي يرى حقيقة الجعل إنشاءً وإبرازاً للإرادة، وهو من الأمور التكوينية؛ لذا يقول: حقيقة الجعل إبراز الإرادة. (العراقي، ١٤١٧ ق، ج ٤، القسم ١، ص ٨٩)
ج) استصحاب عدم الجعل: استصحاب عدم الجعل هو أحد المفاهيم الأساسية في هذا البحث ويُعد من أقسام الاستصحابات العدمية. يجري هذا الاستصحاب في الحالات التي يُشك فيها في أصل جعل الحكم. على سبيل المثال، إذا وُجد شك في تشريع وجوب دعاء خاص عند رؤية الهلال في دين الإسلام، يمكن باستصحاب عدم جعل الدعاء قبل صدور الشريعة الإسلامية، الاستدلال على أن وجوب الدعاء عند رؤية الهلال لم يُجعل أيضاً بعد ظهور الإسلام. وبالمثل، لنفترض أن مكلفاً شك في حرمة شرب التبغ، في هذه الحالة أيضاً يمكن القول بوضوح إنه في زمن لم تكن فيه تشريعات الأحكام متحققة؛ بمعنى أنه يمكن استصحاب عدم جعل الشارع على نحو العدم الأزلي. من الواضح أنه عندما يشك المكلف في حكم حِلّية أو حرمة شرب التبغ ولا توجد شريعة، يمكنه التمسك باستصحاب العدم الأزلي، وبعد الشريعة أيضاً يظل هذا الإمكان متاحاً له بالنسبة للشيء الخاص الذي شك فيه. في هذه الفرضية، يوجد يقين سابق وشك لاحق، والموضوع متحد؛ لذا، فإن استصحاب العدم الأزلي، وهو نفسه استصحاب عدم الجعل، قابل للجريان لتمامية مقومات الاستصحاب.
١. «من هذا قوله تعالى: «وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا»، وقوله عز وجل: «وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِناثاً». قال الزجاج: الجَعل هاهنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول قد جعلت زيداً أعلم الناس أي قد وصفته بذلك وحكمت به».
٢. «وهذا ليس من حقيقة الحكم المجعول وهو الإنشاء بداعي جعل الداعي».
٣. «وبعد ما عرفت ذلك نقول: إن من المعلوم عدم تصور الجعلية بالمعنى المزبور في الأحكام التكليفية في شيء من مراتبها (أما بالنسبة) إلى مرحلة المصلحة والعلم بها فظاهر (وأما) بالنسبة إلى لب الإرادة التي هي روح التكليف، فلأنها من الكيفيات النفسانية التابعة للعلم بالمصلحة في الشيء بلا مزاحم لمفسدة أخرى فيه أو في لازمه فلا ترتبط بالإنشائيات (وهكذا) الأمر بالإضافة إلى الإنشاء المبرز للإرادة، فإنه أيضاً أمر واقعي وكان من مقولة الفعل الخارج عن الاعتباريات الجعلية، فلا يبقى حينئذ الأمر حلة الإيجاب والبعث واللزوم ونحوهما من العناوين المنتزعة من إبراز الإرادة بالإنشاء القولي أو الفعلي وهذه أيضاً غير مرتبطة بالجعليات المتقومة بالإنشاء».
١-٢. المجعول
أ) المجعول في اللغة: المجعول اسم مفعول من الجعل؛ أي الشيء الذي وقع عليه الجعل والقرار، وقد استخدم الراغب كلمة «جعل» في سياق البنى المحكمة. كما قال في ترجمة آية «لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرى مُحَصَّنَةٍ»: «أى: مجعولة بالإحكام كالحصون» (الراغب، ١٤١٢ ق، ص ٢٣٩).
ب) المجعول في الاصطلاح: فسّر البعض المجعول بمعنى غير الذاتي والمحتاج إلى جعل. مثل: جعل الحجية والطريقية من قبل الشارع المقدس للأمارات المعتبرة عن طريق تتميم الكشف؛ بمعنى أن الحجية لم تكن موجودة في ذاتها، فجعل الشارع المقدس لها الطريقية إلى الواقع والحجية تعبداً. (الخميني، ١٤١٥ ق، ج ١، ص ٣١٨). وقد أراد آخرون مثل المرحوم النائيني من كلمة «مجعول» اصطلاحاً خاصاً به، وهو عبارة عن تطبيق الحكم على المكلف بوجود موضوعه. والجدير بالذكر أن هذا الاصطلاح للمجعول هو المقصود لدى الباحث في هذا البحث. على أي حال، يقول المحقق النائيني في توضيح كلمة «المجعول»: «لدينا جعل واحد ومجعول واحد، والمقصود من الجعل هو نفس إنشاء وإبراز الحكم. فإذا تحققت قيود وشروط هذا الحكم، يصبح مجعولاً». وفي توضيح نظريته يمكن القول: قد يكون هناك جعل متحقق، ولكن بسبب عدم تحقق قيود المجعول، فإنه لا يصل إلى مرحلة الفعلية. كما يعتقد أن قسماً آخر هو أن يكون المجعول فعلياً في نفس وقت الجعل. ومن جهة أخرى، يعتقد أن القضايا في علم الفقه هي قضايا حقيقية. ونتيجة لذلك، ولإثبات دعواه، يتمثل بالآية الشريفة «لله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلاً» ويقول: «مفاد الآية الشريفة هو جعل وجوب الحج، ومجعوله هو وجوب الحج على المكلف المستطيع بالفعل. أما وجوب الحج الذي أنشأه المولى، فإنه لا يكون فعلياً للمكلف ما لم تتحقق الاستطاعة؛ لذا، في زمن نزول الآية الشريفة، وبما أن القضايا حقيقية، حتى لو لم يكن أحد مستطيعاً، فإن لدينا جعلاً ولكن ليس لدينا مجعول. لأن هذا الجعل ليس فعلياً ولا منطبقاً على مكلف لم يستطع بعد. كان هذا في القضايا الحقيقية؛ أما في القضايا الخارجية، فإن الجعل والإنشاء يعتمدان على علم المكلف ووجود الموضوع وأمثالهما.» (النائيئي، ١٣٧٦ ق، ج ١، ص ٢٧٧).
١. وهذا بخلاف القضايا الحقيقية، فإنّه لا دخل للعلم فيها أصلاً، لمكان أن الموضوع فيها إنما هو العنوان الكلي الجامع لما يعتبر فيه من القيود والشرائط، والمحمول فيها إنما هو مترتب على ذلك العنوان الجامع، ولا دخل لعلم الأمر بتحقق تلك القيود وعدم تحققها، بل المدار على تحققها العيني الخارجي، مثلاً الموضوع في مثل- لله على الناس حج البيت إلخ – إنّما هو المستطيع، فإن كان زيد مستطيعاً يجب عليه الحج ويترتب عليه المحمول، ولو فرض أن الأمر لم يعلم باستطاعة زيد بل علم عدم استطاعته. ولو لم يكن مستطيعاً لا يجب عليه الحج ولو فرض أن الأمر علم بكونه مستطيعاً. فالقضيّة الخارجيّة إنّما تكون في طريق النقيض للقضيّة الحقيقية من حيث دخل العلم وعدمه.
١-٣. استصحاب عدم المجعول
استصحاب عدم المجعول هو أيضاً من أقسام الاستصحاب العدمي ويجري في حالات الشك في وجود الحكم الشرعي. لنفترض أننا نشك في حرمة شرب التتن (التبغ)، في هذه الحالة، يمكن القول قطعاً: في زمنٍ لم يكن جعل الشارع متحققا، ويمكن استصحاب عدم جعل الشارع على نحو العدم الأزلي، كما أن مجعول الشارع يحوز أيضاً استصحاب العدم الأزلي، لأنه كما لم يكن هناك جعل، فإن مجعول الشارع (وهو تطبيق الحكم السابق مع ظهور الموضوع) لم يكن موجوداً تبعاً له، وكلا الحالتين لهما سابقة عدم. بمعنى أنه قبل ورود الشرع، كان اليقين بعدم وجود مثل هذا المجعول قائماً، وبالتالي بعد الشك يُحكم ببقائه، مثل: استصحاب عدم مجعولية حرمة صلاة الجمعة للمكلف في زمن غيبة الإمام المعصوم (ع)، بمعنى أن جعل الحرمة هذا لم يصبح فعلياً للمكلف.
النقطة الجديرة بالذكر في هذا المقام هي أن البحث الحالي لا يسعى لرفع إشكالية الأصل المثبت الناشئة من استصحاب عدم المجعول، بل يسعى لرفع إشكالية الأصل المثبت الناشئة من عدم الجعل؛ وبالتالي يمكن استنتاج أن المسألة المطروحة أمام القراء هي ما إذا كان يمكن الوصول إلى هذه النتيجة بمجرد استصحاب عدم الجعل ودون استخدام استصحاب عدم المجعول أم لا! يعتقد الكاتب أنه يمكن الوصول إلى النتيجة اللازمة دون الاستفادة من استصحاب عدم المجعول.
١-٤. الكلي والفرد
من المصطلحات المهمة والشائعة في المنطق والفلسفة مصطلح الكلي والفرد. بناءً على التعريف الشائع بين الحكماء والمنطقيين، الجزئي هو ما يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه؛ وفي المقابل، الكلي هو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه. مثلاً، «الإنسان» معنى كلي، وأفراده زيد وعمرو وغيرهم، وكلهم قابلون للإشارة إليهم ويُعتبرون من الناحية المفهومية جزئيين، لكن هناك حيثية كلية مشتركة بينهم تصدق عليهم جميعاً، وهي حيثية إنسانيتهم. وفي بعض الأحيان، تُعتبر قابلية الإشارة إلى الجزئيات أساساً لتعريف الجزئي؛ أي أن الجزئي هو ما يمكن الإشارة إليه بالفعل وفي الحال الحاضر، أما الكلي فهو الشيء الذي يمتلك فقط قابلية وقوة الإشارة. (ابن سينا، ١٣٧٦ ش، ص ١٩٦)
يعتبر المحقق الأصفهاني الفرد حصة متقررة في ذات زيد، وهي غير الحصة الموجودة في ضمن عمرو؛ وبالتالي، من وجهة نظره، الحصة هي نفس الفرد بالذات، وبعبارة أخرى، هي نفس الماهية الشخصية التي لا تقبل الصدق على أفراد متعددين، ومفهومها يتصف بالجزئية. في المقابل، يوجد المفهوم الكلي الذي يقبل الصدق على جميع الحصص المتعددة. كما أن الفرد بالذات ليس هو نفس الوجود الخارجي. فرغم أن الوجود هو عين التشخص وشاكلة الفردية، إلا أنه بما أنه وجود لشيء خارجي، فإنه من حيث الصدق والكذب يُحسب سالبة بانتفاء الموضوع، والصدق والكذب لا معنى لهما بالنسبة للوجود. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٥٤).
١. توضيح القول فيها: أن الحصّة المتقرّرة في مرتبة ذات زيد من الإنسانية – المباينة مع حصة أخرى منها متقرّرة في مرتبة ذات عمرو، وهكذا- هي الماهية الشخصية التي تأبى الصدق على كثيرين، وهي الموصوفة بالجزئية المقابلة للكلية، دون نفس الوجود المتحد معها المحصص والمشخّص لها، فإن الوجود وإن كان هو عين التشخص ومناط التفرّد إلا أنه من حيث كونه عين الخارجية، ليس صدقياً حتى يوصف بالإباء عن الصدق في قبال عدم الإباء، بل الإباء وعدم الصدق فيه بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.
في المقابل، يوجد المفهوم الكلي الذي مكانه الذهن فقط؛ وبالتالي، فإنه يمتلك قابلية الصدق على كثيرين وقابلية الحمل الأولي. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ١، ص ١٨٣) النتيجة هي أن الفرد هو نفس الحصة المتحققة ضمن الأشخاص، والكلي هو نفس المفهوم المشترك بين جميع الحصص المتحققة؛ أما الوجود الذي هو عين التشخص الخارجي فهو غير هذين الاثنين، ولا يمتلك أصلاً قابلية الصدق ليقال إنه كلي أو جزئي (فرد).
٢. والكلي العقلي هو الحيوان بوصف الكلية، وحيث إن الكلية من الاعتبارات العقلية، فلا محالة لا موطن للموصوف بها بما هو كذلك إلا في العقل.
١-٥. الحقيقة ذات المراتب
المرتبة من جذر «رتب» وتعني الدرجة. (الجوهري، ١٤١٠ ق، ج ١، ص ١٣٣) وفي الاصطلاح الفلسفي، هي عبارة عن أن وجودات العالم لها درجات من حيث الشدة والضعف. الوجود له مراتب طولية وعرضية، وتنوعه وكثرته قائم على علاقة تشكيكية. (جوادي آملي، ١٣٨٦ ش، ج ٥، ص ٥٦٩)
١-٦. الأصل المثبت
عندما يترتب على إجراء الأصول العملية أثر عقلي أو عادي على موضوع ما، يطلق على ذلك الأثر المستحدث اسم الأصل المثبت، وهذا الأصل المثبت ليس بحجة من وجهة نظر الأصوليين. بخلاف اللوازم العقلية للأمارة التي لا إشكال في حجيتها، وحجية الأمارة تشملها أيضاً. (الخراساني، ١٤٠٩ ق، ص ٤١٤) بعبارة أفضل، كل موضوع له أثر شرعي، يجب إحراز حجيته وآثاره عن طريق القطع، أو الأمارة المعتبرة، أو الأصل. هذا الموضوع له أربعة جوانب: اللازم، والملزوم، والملازم، والمقارن. على سبيل المثال، حياة علي ملزوم، و«التنفس» و«التغذية» من لوازمه. إذا تم إحراز موضوع حياة علي بالقطع، فإن جميع هذه الجوانب سيكون لها أثر شرعي. وفي حالة الشك في الموضوع، فإن هذه الجوانب ستكون مشكوكة أيضاً. وإذا وُجدت أمارة معتبرة لتحقق الموضوع، فإن آثارها الشرعية تكون حجة، ولكن في غياب الأمارة وعندما يكون الأصل هو المطروح، فإن الآثار الشرعية المباشرة فقط تكون حجة، والآثار غير الشرعية أو الآثار الشرعية المعتمدة على أمور عقلية وعادية لن تكون حجة. (ملكي أصفهاني، ١٣٧٩ ش، ج ١، ص ١٣١-١٣٣) وفيما يتعلق بعدم حجية الأصل المثبت، يعتقد جناب الآخوند الخراساني أيضاً؛ أن جعل الحجية يقتصر على المستصحب نفسه، ولكن مضمون دليل «لا تنقض اليقين بالشك» قاصر عن أن يشمل اللوازم العقلية والعادية. (الخراساني، ١٤٠٩ ق، ص ٤١٥)
٢. جريان استصحاب عدم الجعل
استصحاب عدم الجعل هو أحد وجوه جريان الاستصحاب لإثبات البراءة. وقد وقع خلاف بين علماء أصول الفقه حول إجرائه أو عدم إجرائه. كما وردت إشكالات متعددة على استصحاب عدم الجعل. بالنظر إلى هذه النقاط، توجد وجهتا نظر حول استصحاب عدم الجعل؛
٢-١. وجهة نظر المعارضين
تُعد رؤية المرحوم النائيني من وجهات النظر ذات الأهمية في هذا الموضوع؛ حيث يعتقد أن استصحاب عدم المجعول بواسطة استصحاب عدم الجعل باطل ومبتلى بالأصل المثبت.
دليل وجهة نظر المعارضين
يعتقد المرحوم النائيني في تحليل نظريته أن استصحاب عدم الجعل لا أثر له، لأن أثر التكليف يترتب فقط على المجعول، وإذا اكتُفي باستصحاب عدم الجعل نفسه، فإن هذا الاستصحاب يكون بلا أثر. كذلك، في حال إثبات عدم المجعول باستصحاب عدم الجعل، فإن هذا يُعد أصلاً مثبتاً، وإذا اعتُبرت الواسطة خفية، فإن الواسطة الخفية لا تقلل من كون هذا اللازم العقلي مثبتاً. (النائيئي، ١٣٧٦ ق، ج ٤، ص ١٨٤)
١. هذا كله، مضافاً إلى أن مجرد عدم تعلّق اللحاظ والجعل بالجزء أو الشرط المشكوك فيه لا أثر له، لأن الآثار الشرعية بل العقلية – من الإطاعة والعصيان واستحقاق الثواب والعقاب وغير ذلك من الآثار المترتبة على الأحكام الشرعية – إنما تترتب وجوداً وعدماً على المجعول، لا على نفس الجعل… فأصالة عدم تعلّق الجعل بالمشكوك فيه لا أثر لها إلا إذا أريد إثبات عدم وجود المجعول، وذلك مبني على حجية الأصل المثبت أو دعوى خفاء الواسطة، وسيأتي في مبحث الاستصحاب فساد ذلك.
٢-٢. وجهة نظر المؤيدين
تعتقد وجهة النظر المذكورة أن استصحاب عدم الجعل قابل للجريان، والإشكالات التي أوردها المرحوم النائيني على هذه الوجهة قابلة للدفع أيضاً. يميل المرحوم الخوئي والمرحوم الشهيد الصدر في بعض تقريراتهم، وكذلك الأستاذ الآملي اللاريجاني والأستاذ الشهيدي إلى هذه الوجهة.
٢-٢-١. دليل المرحوم الخوئي
قال في مورد استصحاب عدم الجعل: إنه ليس لدينا هنا مجعول غير الجعل. بمعنى أن حقيقة المجعول متحدة مع الجعل، واختلافهما يكمن فقط في تحقق الموضوع، وهذا لا يُحدث فرقاً. بعبارة أخرى، يعتقد: في هذا المقام يمكن القول؛ لا يوجد أمر ثالث غير الجعل والموضوع التقديري في الأمر. وهذا يعني أن العلاقة بين الجعل والمجعول اعتبارية وتشبه علاقة الإيجاد والوجود، فكلاهما متحد في الذات والهوية. (الخوئي، ١٤١٧ ق، ج ١، ص ٢٩٠)
٢. والفرق بينهما اعتباري كالوجود والإيجاد، فالحكم الفعلي هو الحكم الإنشائي مع فرض تحقق قيوده المأخوذة فيه.
نقد دليل المرحوم الخوئي
لقد خلط المرحوم الخوئي بين مصطلح المجعول عند المرحوم النائيني ومصطلح المجعول بمعنى مورد الحكم المتحد مع الجعل. هذا الأمر يأتي في حين أن إشكال المرحوم النائيني في الأصل المثبت كان بواسطة المجعول بمعنى الحكم المنطبق على المكلف، وليس المجعول المتحد بالذات مع الجعل. (اللاريجاني، ١٤٠١ ش، خارج أصول، الجلسة ٢٩١)
٢-٢-٢. دليل الشهيد الصدر
يُعد التمييز بين القضايا الحقيقية الواقعية والقضايا الحقيقية الإنشائية من المسائل المهمة في تحليل الأحكام الشرعية. في القضايا الحقيقية التكوينية، التي يجري فيها الحكم على أفراد الموضوع مع فرض وجودهم، عندما يتحقق الموضوع في العالم الخارجي، يظهر محمول جديد أيضاً، لأن الموضوع يصل إلى الفعلية. في المقابل، في القضايا الإنشائية عند تحقق الموضوع، لا يحدث أي حدث جديد في المحمول ويبقى الموضوع على وضعه السابق. في القضايا الإخبارية، يسري الحكم على الموضوع مع فرض وجوده، وطالما لم يتحقق الموضوع، فإن الموضوع والمحمول كلاهما موجودان على نحو فرضي. على سبيل المثال، في قضية «الماء المتغير بالنجاسة نجس»، إذا لم يكن هذا الماء موجوداً في الخارج، فإن كلا طرفي القضية موجودان بشكل فرضي؛ وبالتالي، فإن القضايا الإخبارية الشرعية تشبه من هذا المنظور القضايا الحقيقية ولها نوعان من الوجود، أي الوجود الفرضي والوجود الفعلي. عندما يتحقق الموضوع، تتحقق النجاسة بشكل واقعي. في القضايا الحقيقية التي تبحث عن النار والحرارة، إذا لم تكن هناك نار، فإن النار والحرارة كلتيهما موجودتان بشكل فرضي، ومع تحقق النار، تحدث الحرارة تبعاً لذلك. لكن في المجعولات الشرعية، الوضع مختلف. الإنشاء والجعل يتعلقان بالموضوع مع فرض وجوده، وبعد تحقق الموضوع، لا ينشأ شيء جديد بشكل قهري؛ وبالتالي، في القضايا الشرعية، لا يوجد وجود ثانٍ يشير إلى التكوينية، ويبقى فقط الوجود الإنشائي. ونتيجة لذلك، فإن الإشكال الذي يَرِد على مؤيدي الأصل المثبت هو أنه لا يحدث شيء جديد ليكون مشمولاً بالأصل المثبت. يُظهر هذا التحليل أن الطبيعة الإنشائية للأحكام الشرعية تختلف جوهرياً عن القضايا التكوينية، ولا يمكن تطبيق القوانين الحاكمة على إحداهما مباشرة على الأخرى. (الصدر، ١٤٠٨ ق، ج ٥، ص ١٩٤)
٢-٢-٢-١. نقد آية الله الآملي لدليل الشهيد الصدر
يتفق آية الله الآملي اللاريجاني في المدعى مع المرحوم الشهيد الصدر على أن استصحاب عدم الجعل صحيح ولا إشكال فيه من جهة الأصل المثبت. ولكنه يخالف الشهيد الصدر (ره) في الدليل. فهم (الصدر) يعتبرون الإنشاءات كالتكوينيات. يعتقدون: إذا لم يحدث جعل جديد مع تحقق الموضوع، فلا ينبغي إذن أن يُحدث تحقق الموضوع أثراً جديداً، ولكن من المقبول أن الحكم بعد تحقق الموضوع يخضع لاستحقاق الثواب والعقاب بناءً على إدراك العقل. كذلك، قولكم: «ما وراء ذلك الوجود الفرضي الذي يتحقق عند تحقق الموضوع»، إذا أثبتّموه، فلماذا تنكرون أن شيئاً آخر قد وُجد وأن هذا الشيء المثبت هو شيء جديد؟ يبدو أن نفس الجعل الكلي الفرضي الذي طُبّق على أفراد فرضيين وتقديريين، عندما يظهر موضوع، يُحدث واقعية في جهة المحمول، ليست واقعية تكوينية بل واقعية قرارية واعتبارية، وذلك ليس بجعل مستقل، بل بتطبيق نفس الجعل الكلي. تماماً مثل قضية «سقراط إنسان وكل إنسان فان» التي قال فيها المناطقة رداً على من يعتقدون أنه لا يحدث شيء جديد في هذه القضية، إنما حدث انتقال من العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، وهذا الأمر بحد ذاته حدث جديد. (اللاريجاني، ١٤٠١ ش، خارج الأصول، الجلسة ٢٩٢)
تحليل رد آية الله الآملي على الشهيد الصدر
إن توجيه الأستاذ الآملي البحث نحو تطبيق الصغرى على الكبرى مبني على أنه يعتبر الجعل مفهوماً كلياً والمجعول فرداً منه. إذن هو يشكل على الشهيد الصدر من منطلق كون الجعل كلياً والمجعول فرداً، لكن يمكن الدفاع عن جناب الشهيد بأن الكلي والفرد موجودان في القضايا الحقيقية لا الاعتبارية. من جهة أخرى، يبدو أن الرأي الصحيح هو أن العلاقة بين الجعل والمجعول ليست علاقة كلي وفرد أصلاً حتى يُطرح بحث تطبيق الكبرى وإيجاد أمر جديد كنقض لكلام الشهيد الصدر. بل إن العلاقة بين الجعل والمجعول إما أن تكون على شكل عنوان ومعنون، أو أنهما حقيقة واحدة بمراتب مختلفة. فبهذا البيان، لا تعود سراية قهرية من الكلي إلى الفرد ومن الجعل إلى المجعول، وتشبيهها بالنار والحرارة يكون قياساً مع الفارق، لأنه كما ذكر المحقق الأصفهاني في مورد العناوين؛ في العنوان والمعنون هناك فناء فقط لا سراية وعينية. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٣١٤)
٢-٢-٣. الدليل الأول وشواهد آية الله الآملي اللاريجاني
لا يرى آية الله الآملي اللاريجاني أن الأجوبة التي قدمها الشهيد الصدر والمرحوم الخوئي للمرحوم النائيني مناسبة، ولكنه يصحح دعوى هذه الفئة من العلماء القائمة على جريان استصحاب عدم التكليف. ويقدم استدلالاً خاصاً للرد على كلام هؤلاء الأعلام سيتم تفصيله لاحقاً. في تبيين أصل الدليل، يعتقد آية الله الآملي اللاريجاني: أنه في استصحاب عدم الجعل، يتحقق أمر ثالث غير الجعل والمجعول، لأن فعلية الحكم تُحسب أمراً ثالثاً. المقصود بالأمر الثالث ليس أنه مجعول مستقل، لأنه من الواضح جداً أنه لا يحدث مجعول آخر في استصحاب عدم الجعل. كما أنه لا يوجد جعل آخر، والجاعل العرفي قد يكون نائماً ولم يقصد شيئاً؛ لكن البحث ليس في وجود جعل أو مجعول آخر، بل يبدو أنه مع تحقق الموضوع، الذي ليس جعلاً ولا ذلك المجعول الكلي، يظهر شيء ثالث في الخارج، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. في القضايا الكلية، عندما يحدث انطباق على الموضوع، يظهر شيء جديد، وذلك الشيء الجديد ليس من المفترض أن يكون جعلاً جديداً أو مجعولاً جديداً، بل تحقق الموضوع هو ظاهرة جديدة تنشأ من تطبيق الكلي على الفرد وانحلاله. على سبيل المثال، في قضية «المستطيع يحج»، عندما يظهر المستطيع، يتوجه «المستطيع يحج» إليه وينطبق عليه. التطبيق على هذا الموضوع وظهور فرد لذلك الكلي، هو أمر جديد لم يكن موجوداً من قبل. (اللاريجاني، خارج أصول، ١٤٠١ ش، الجلسة ٢٩٢)
الشاهد الأول لآية الله الآملي اللاريجاني على هذا المطلب هو أن الانحلال والتكليف الجزئي بالنسبة للمستطيع هو ما يحفزه أو يمنعه. القضية الكلية «المستطيع يحج» هي لجميع المستطيعين ولا يمكنها أن تكون محفزة أو رادعة بشكل مباشر لشخص معين. فطالما لم تنطبق هذه القضية الكلية على فرد، لا يوجد حكم فعلي، وتطبيق الكبرى، بمعنى إيجاد حكم جزئي بالنسبة للفرد، يُطرح كشيء جديد في الأمور الاعتبارية. (اللاريجاني، خارج أصول، ١٤٠١ ش، الجلسة ٢٩٢)
الشاهد الثاني له يستند إلى أنه لو تمكن شخص من إدراك الكليات لكنه لم يستطع تطبيقها على الجزئيات، فهل سيكون قادراً على الحركة؟ لنفترض أن ذهنه قادر على فهم الكليات ولكنه لا يستطيع تحديد المصاديق، في مثل هذه الحالة، لن تكون الحركة ممكنة أيضاً. هذا الأمر يوضح أن المحفز الأصلي هو نفس القضية الكلية التي يتحدد وجوبها في التطبيق الفردي. إذا لم يستطع شخص تطبيق الحكم الكلي «المستطيع يحج» على نفسه، فلن يكون لحركته معنى. هذا يدل على أن الوجوب الجزئي الذي يخاطب به الفرد المستطيع ينشأ مع فعلية الموضوع، ونحن نسميه الحكم الفعلي؛ بناءً على ذلك، هذا الحكم الجزئي هو حدث جديد في العالم ولا يمكن القول إنه لم يحدث شيء جديد. (اللاريجاني، خارج أصول، ١٤٠١ ش، الجلسة ٢٩٢)
في نقد وتقييم شواهد آية الله الآملي اللاريجاني، الجواب على كلا الشاهدين هو أن هناك فرقاً بين التحليل العقلي والانحلال، وكما سيأتي لاحقاً، العلاقة بين الجعل والمجعول ليست علاقة كلي وفرد حتى يُطرح بحث السراية القهرية والانحلال، بل البحث هنا يتعلق بمتعلق الجعل وليس موضوع الجعل، وبالتالي يُطرح هنا التحليل العقلي وليس الانحلال. في بحث الجعل والمجعول، عندما يدرك المكلف بتحليله العقلي أن الصلاة عنده هي نفس الصلاة عند الله، أو بمجرد أن يعلم المكلف أن الحج الثابت في اللوح المحفوظ للمستطيع قد انطبق عليه بتحقق الاستطاعة، فإنه يتحرك، وليس من الضروري القول إن هناك علاقة كلي وفرد بين الجعل والمجعول وأن السراية من الطبيعة إلى الأفراد قهرية. يمكن تصور علاقة عنوان الصلاة، وهو من الأمور الاختراعية والاعتبارية، مع معنونها كعنوان ومعنون اعتباري، وكيفية ارتباط ذلك بالخارج من نوع الحكاية، حيث يبدأ المكلف بالحركة بإدراك هذه الحكاية. أو يمكن تصور صورة أخرى، وهي أن العلاقة بينهما هي حقيقة واحدة بمراتب مختلفة، ويتحرك المكلف نحو الفعل بإدراكها.
٢-٢-٤. الدليل الثاني لآية الله الآملي
في استصحاب عدم الحكم الكلي، لا يُفترض وجود مثبت لنفي حكم الفرد. بل البحث أسهل من بحث الأصل المثبت الذي يُفترض بسبب عدم تغطية دليل الحجية للوازم العقلية؛ لأنه يقال إن إثبات الكلي ونفي الجزئي هو نقض في الأساس. بمعنى أنه في بحث الاعتبارات، يُشكل على من يقولون إن الحركة المنطقية غير جائزة في الاعتبارات، بأن الحركة المنطقية موجودة أيضاً في الاعتبارات. شبيه بالقياس من النوع الأول حيث تقول: «سقراط إنسان» و«كل إنسان فان»، «إذن سقراط فان»، الآن في الاعتبارات، المسألة بالضبط على هذا النحو. بمعنى أنه لو قال الشارع: «جميع الناس يجب إكرامهم» و«سقراط إنسان»، فإن النتيجة تكون «إذن سقراط يجب إكرامه»؛ بناءً على ذلك، لا فرق بينهما من هذه الجهة. فالبحث هنا أسهل بكثير من بعض الأبحاث في الأصل المثبت. من هذا المنطلق، إذا كانت علاقة هذا اللازم بالملزوم بحيث يراهما العرف شيئاً واحداً، أو حتى لو لم يرهما واحداً، ولكنه يعتبر نقض هذا نقضاً لذاك، فإن هذا الأمر يمنع اللازم من أن يكون مثبتاً. الآن يجب الحكم بأنه إذا كان التلازم واضحاً جداً أو خفياً جداً، فإنه يمنع من كونه مثبتاً، لأن اللازم هنا عقلي لا يمكن للشارع أن يقول فيه: «أنا أوجبت إكرام جميع الناس ما عدا سقراط»، لأننا نعلم أن سقراط فرد من الإنسان والكلي ينطبق على الفرد قهراً، فكما أنه في القياس من النوع الأول، مع قبول المقدمة، لا يمكن قبول نفي النتيجة، هنا أيضاً لا يمكن قبول انفصالهما بنفس الطريقة. (اللاريجاني، خارج أصول، ١٤٠١ ش، ج ٢٩٣)
نقد ودراسة الدليل الثاني لآية الله الآملي
أولاً: كما ورد في كلمات المحقق النائيني، فإنه يعتبر اللازم الخفي أيضاً مثبتاً، فأن يُرى ثنائية بين الجعل والمجعول وتُبذل محاولة لحل المشكلة باللوازم الخفية، فإن هذا الجواب وهذا الحل لا يُعد جواباً لإشكال المرحوم النائيني، لأنه لا يعتبر اللوازم العقلية الخفية حجة أيضاً.
ثانياً: ذُكر أن علاقة الجعل والمجعول ليست هي نفسها علاقة الكلي والفرد، وسيأتي لاحقاً أن تصور الجعل والمجعول ككلي وفرد، بناءً على مبدأ أصالة الوجود، مستحيل فلسفياً. إذن، يمكن أن تكون علاقة الجعل والمجعول علاقة عنوان ومعنون؛ لكن لا يوجد أي نوع من الاتحاد بينهما، بل أحدهما فانٍ في الآخر، أو يمكن أن يكونا حقيقة واحدة بمراتب مختلفة. بالإضافة إلى ذلك، كان الأستاذ يريد أن يتصور بين الكلي والفرد نوعاً من الثنائية، وأن لازم هذا الكلام هو افتراض أسبقية الفرد على الكلي أو كونه منشأ انتزاع للفرد من الكلي. ولكن من الواضح جداً أن كلا التصورين باطل، وسيتم تناولهما بالتفصيل لاحقاً.
٢-٢-٤-٢. نقد آية الله الشهيدي لدليل الشهيد الصدر
يتصور آية الله الشهيدي أيضاً الجعل والمجعول ككلي وفرد؛ لكنه يجيب على إشكال الأصل المثبت بأن استصحاب عدم الجعل كافٍ لنفي المجعول وليس مثبتاً. لأن عدم المجعول هو لازم بيّن بالمعنى الأخص لعدم الجعل؛ بمعنى أن عدم المجعول هو لازم بيّن بالمعنى الأخص للاستصحاب نفسه، لأن الارتباط بين عدم الجعل وعدم المجعول محكم لدرجة أن العرف حتى في التعبد الظاهري لا يقبل الانفكاك بينهما. (الشهيدي، ١٣٩٥ ش، خارج أصول ١٣٩٥/٠٢/٢١)
دراسة رد آية الله الشهيدي
أولاً: قد يكون خفاء واسطة عدم المجعول موضع نقاش، لأن العرف ليس له ملاك ومعيار خاص، وقد يختلف الأفراد في العرف حول مصاديق اللازم الواضح واللازم الخفي؛ بمعنى أن أحد أفراد العرف قد يدرك خفاء الواسطة وآخر يدرك وضوحها.
ثانياً: خفاء واسطة عدم المجعول بالنسبة لعدم الجعل هو جواب مبنائي لا يقبله طرف الدعوى (المرحوم النائيني)، وبهذا لا يكون قد قُدم جواب مناسب للمرحوم النائيني.
ثالثاً: كما أشير، فإن تصور الجعل والمجعول على شكل كلي وفرد مبتلى بالاستحالة، ولازم هذا التصور هو تحقق المجعول (الفرد) قبل الجعل (الكلي)؛ ولكن مثل هذا اللازم مرفوض قطعاً من قبل طرفي الدعوى، أي أن هذه الدعوى مقبولة لدى المرحوم النائيني وغيره بأن تحقق الجعل يسبق تحقق المجعول.
٣. استحالة تصور الكلي والفرد في الجعل والمجعول
يدعي هذا البحث أن اعتبار الجعل كلياً طبيعياً والمجعول فرداً يفتقر إلى أساس منطقي، ومن الضروري تصور العلاقة بين هذين المفهومين في إطار حقيقة واحدة ذات مراتب متفاوتة، لأن انطباق مفهومي الكلي والفرد على عناوين فقهية ومجعولات مثل الصلاة والصوم يواجه استحالة منطقية. الاستحالة المطروحة في هذا البحث حول علاقة الجعل والمجعول تتجلى في ضوء تصور المحقق الأصفهاني لعلاقة الكلي والفرد. من وجهة نظره، الوجود هو موجود ذو هوية ذاتية وأصيلة، وضمنه تظهر الحصة والماهية الشخصية التي يُطلق عليها الفرد بالذات. في المرحلة التالية، تُنتزع الماهيات الكلية من بين حصص نوع واحد؛ وبالتالي، يجب أولاً تحقق وجود متشخص ومتفرد يوفر مقدمة لتحقق الماهية الشخصية، والماهية الشخصية (الحصة) التي تتجلى ضمن أفراد مختلفين تُعتبر أيضاً مقدمة لانتزاع الماهية الكلية. ونتيجة لذلك، فإن الماهيات الشخصية والنوعية تتبع ذلك الوجود المتشخص وتُنتزع منه. يعتبر المرحوم الأصفهاني الفرد بالذات، وهو نفس الماهيات الشخصية، مقدمة لانتزاع الماهيات النوعية. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٣٢٨) بالإضافة إلى ذلك، تطرق آية الله الآملي في دروسه إلى تبيين مفهوم الفرد بالذات والحصة وتفسير كلام المحقق الأصفهاني في هذا الخصوص. (اللاريجاني، أصول فقه موجز، ١٤٠١ ش، الجلسة ١٠) في بحث الجعل والمجعول، تجري علاقة عكسية. فالفرد، الذي يُحسب هنا مجعولاً، لا يملك في الواقع حيثية بالذات، بل يأتي الجعل قبل المجعول، أي قبل ذلك الفرد المنطبق عليه؛ وبالتالي، فإن الجعل هو الذي يمتلك حيثية بالذات ومقدمة للمجعول. وفقاً لاستدلال المحقق الأصفهاني، لا يمكن اعتبار المجعول فرداً بالذات. علاوة على ذلك، وبناءً على هذا المنطق، فإن التفكيك بين الكلي والفرد غير ممكن أيضاً، إلا إذا كان المجعول هو الفرد بالذات، وهذا التصور باطل قطعاً. يقر المحقق النائيني بوجود جعل حتى في حالة عدم وجود مجعول. كما أنه لو فُرضت مقدمية أو منشئية انتزاع للجعل، لكان لازم ذلك أن يكتسب الجعل حيثية بالذات وفردية، ويُحسب المجعول كلياً، في حين لا أحد يقبل بمثل هذه العلاقة، ويعتبر المحقق النائيني وغيره الجعل كلياً والمجعول فرداً. الحل الوحيد لهذه الاستحالة هو قبول نظرية الرجل الهمداني. فهو يعتقد بوجود الكلي بوصف الكلية في الخارج، وأن الماهيات الكلية بصرف النظر عن وجوداتها وأفرادها موجودة في الخارج بوصف الكلية، والأفراد يتحققون تبعاً للماهيات الكلية. لكن وجهة النظر هذه غير مقبولة لدى مفكرين مثل المحقق الأصفهاني وسائر الفلاسفة الصدرائيين والأصوليين. فهم في النهاية يعتبرون اختلاف الرجل الهمداني مع الفلاسفة لفظياً، ويعتقدون أن الرجل الهمداني يتفق معهم في الرأي ويعتبر الماهية الكلية وجوداً بالعرض ووجود الفرد وجوداً بالذات. المحقق الأصفهاني، في رده على من يعتقدون بوجود الكلي بوصف الكلية في الخارج، يصرح بأنه يجب أولاً وجود فرد في الخارج ثم يُنتزع منه الكلي. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٢٥٤؛ الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٥٠)
١. ولعل النزاع بين القائلين بإمكان وجود الطبيعي وامتناعه يرجع لفظياً؛ بأن يكون نظر المثبت إلى وجوده بالعرض، الذي قد عرفت أنه لا بد منه، ونظر النافي إلى وجوده بالذات الذي لا يعقل بناء على أصالة الوجود، وحيث عرفت معنى الكلي والفرد وإمكان وجود الكلي بتبع وجود الفرد، تعرف أنه مقدور بالقدرة على إيجاد فرده.
٤. حقيقة الجعل والمجعول ورفع إشكالية الأصل المثبت
من هذا المنطلق، حيث أن البعض اعتبر حقيقة الجعل والمجعول كلياً وفرداً، ولأن كلام هذه الفئة مبتلى بإشكالات مثل الأصل المثبت، وكذلك لأن الاستحالة المذكورة تمنع قبول تصور الكلي والفرد، كان لا بد من التفكير في تقديم تصور جديد يتجنب الاستحالة المذكورة ويحل مشكلة الأصل المثبت قدر الإمكان. يعتقد الكاتب أنه يمكن تحليل وتصور حقيقة الجعل والمجعول بشكل صحيح؛ أحد هذه التصورات يقع في مركز الإشكالات، أما الآخر فهو بعيد عن هذه الإشكالات.
٤-١. الحل الأول
الحل الأول هو تفسير علاقة الجعل والمجعول على شكل عنوان ومعنون.
٤-١-١. رأي الإمام الخميني (ره)
من القائلين بارتباط الجعل والمجعول على نحو العنوان والمعنون، والذين حلوا مشكلة الإيجاد والوجود بطريقة ما، هو الإمام الخميني (ره). هو، على عكس الآخوند الخراساني والمحقق الأصفهاني، يفرق بين الإيجاد والوجود، لكن دعواه تحتوي على عدة مقدمات؛
المقدمة الأولى: محمولات الموضوع ليست أعراضاً ذاتية لتلك الموضوعات؛ بمعنى أنه في العلوم الاعتبارية مثل علم الفقه، لا تحتاج المحمولات إلى أن تكون عرضاً لموضوعها، فما بالك بأن تكون عرضاً ذاتياً لموضوعها، لأن الأحكام الخمسة التكليفية ليست عوارض للأفعال. (الخميني، ١٣٨٢ ش، ج ١، ص ٢)
١. والتحقيق: أنّ محطّ البحث ليس في تعلّقها بالكلّي الطبيعي أو أفراده ممّا هو المصطلح في المنطق، فإن الماهيات الاعتبارية المخترعة … لم يكن تحت مقولة واحدة، ولا يكون لمجموع أمور وجود حتى يكون مصداقاً لماهية وكلي طبيعي. وبه يظهر أنّ المسألة أجنبية عن أصالة الوجود والماهيّة، بل المراد من الطبيعي هاهنا هو العنوان الكلي، سواء كان من الطبائع الأصيلة أم لا.
المقدمة الثانية: تعلقت الأحكام بالعناوين الاعتبارية لا بالطبائع. (الخميني، ١٤١٥ ق، ج ٢، ص ٦٤) من هذا المنطلق، لا تكون علاقة الجعل والمجعول علاقة الكلي الطبيعي والفرد كما ورد في المنطق، بل العلاقة بينهما من سنخ العنوان والمعنون.
المقدمة الثالثة: إقامة برهان للتفريق بين الإيجاد والوجود لا وجه له؛ لأن هذه المسألة لها جانب عقلائي أكثر من كونها عقلية وفلسفية. فعندما يكون متعلق خطاب المولى عنواناً ومعنوناً اعتبارياً وعقلائياً، فإن بحث الإيجاد والوجود يصبح عقلائياً أيضاً وليس عقلياً. ومن جهة أخرى، لن يكون لهما عينية مثل الكلي والفرد. إذن، جملة أن الإيجاد والوجود متحدان ذاتاً ومختلفان فقط في عالم الاعتبار، هي جارية فقط في الأمور الفلسفية والتكوينية، وليست سارية في الأمور التشريعية والاعتبارية. نتيجة الكلام هي أن كلام المحقق الأصفهاني والمرحوم الخوئي اللذين اعتبرا الجعل والمجعول واحداً مثل الإيجاد والوجود، هو خطأ من الأساس، لأن الإيجاد والوجود نفسهما ليسا متحدين من وجهة نظرهما حتى يُشبّه بهما وحدة الجعل والمجعول. وقد وُجد التفريق بين الإيجاد والوجود في بعض كلمات الإمام الخميني (ره) في بحث متعلق الأحكام. (الخميني، ١٤١٥ ق، ج ٢، ص ٦٦)
١. أن إطاعة التحريك نحو الطبيعة والانبعاث عن البعث إليها بإيجادها وتحصيلها خارجاً؟ وجوه. الظاهر هو الأخير، لأن الهيئة لم توضع إلا لإيقاع البعث نحو المادة بحكم التبادر، والمادّة هي الطبيعة، والمتفاهم عرفاً من الأمر هو طلب المأمور به، أي البعث نحو المادة، ولهذا لا يفهم من مثل «أوجد الصلاة» إيجاد وجود الصلاة، بل يفهم منه البعث إلى الإيجاد.
النتيجة هي أنه وفقاً لمباني الإمام الخميني (ره)، لا يوجد أي نوع من الاتحاد بين الجعل والمجعول، لا على نحو الإيجاد والوجود ولا على نحو الكلي والفرد. لأنه يعتقد أن متعلق الأحكام هو العناوين لا الطبائع، فتصور وحدة الإيجاد والوجود وتصور الكلي والفرد بين الجعل والمجعول غير صحيح، وفي بحث الاستصحاب يجب القول بأن المجعول أصل مثبت بالنسبة للجعل. لأنهما مختلفان تماماً، والعينية الموجودة بين الكلي والفرد لا توجد أبداً بين العنوان والمعنون الاعتباري، بل على العكس، العلاقة بين العنوان والمعنون هي علاقة فناء لا عينية. وقد أشار المحقق الأصفهاني إلى هذا التفريق في كلماته. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٣١٤)
٢. وليس نسبة الوجود العنواني إلى الوجود العيني نسبة الاتحاد والعينية… بل نسبة الفاني إلى المفني فيه، نسبة العنوان إلى المعنون، لا كنسبة الطبيعي إلى فرده.
٤-١-٢. نقد
النقد الأول: نفس الاستحالة التي بُيّنت لتصور الكلي والفرد عن المحقق الأصفهاني، والتي بموجبها كان تصور الكلي موجوداً قبل الفرد، ترد على هذا التصور أيضاً؛ بمعنى أن الجعل هو عنوان موجود قبل معنونه، بينما يجب أن يكون العنوان مأخوذاً من معنون، والمعنون له نوع من الحيثية بالذات والمقدمية بالنسبة لعنوانه؛ وبالتالي، مثل تصور ما سبق، يجب أولاً أن يكون هناك مجعول ومعنون ثم يُنتزع منه جعل وعنوان. والحال أن الفرض كان على وجود الجعل ولو لم يكن مجعول موجوداً أصلاً.
النقد الثاني: إذا قيل إن الكلي العنواني موجود ثم يوجد المعنون، يمكن القول في الجواب؛ إن الكلي بوصف الاشتراك لا يوجد في أي عالم، حتى في عالم الاعتبار.
٤-٢. الحل الثاني
تفسير علاقة الجعل والمجعول بكون الجعل ذا مراتب.
٤-٢-١. رأي الكاتب
كثير من المفاهيم لها مراتب متعددة. يعتقد الإمام الخميني أن الإنسان وجود ذو مراتب مختلفة. (الخميني، ١٣٨٥ ش، ص ١٥) وكذلك يؤمن الملا صدرا (الشيرازي، ١٣٦٣، ص ٤١) والعلامة الطباطبائي (الطباطبائي، ١٣٧٩ ش، ص ٢٨) بأن القرآن له مراتب ودرجات مختلفة. من جهة أخرى، استلهم محققون كبار مثل الآخوند الخراساني (الخراساني، ١٤٠٩ ق، ص ٤٠٧) والمحقق الأصفهاني (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٣٣٨) من تصور المراتب في أبحاثهم الأصولية، أو قبلوا بوجود مراتب في الأحكام ومبادئ الأحكام. بالنظر إلى هذه المقدمات، فإن الحل الذي يقدمه الكاتب لمشكلات الجعل والمجعول هو تقديم تصور التشكيك في المراتب. تفسير هذا الرأي هو أن الجعل والمجعول حقيقة واحدة بمراتب مختلفة. الجعل مثل النطفة التي تتطور باستمرار وتصل إلى مرحلة الفعلية، أو جعل الأحكام مثل نزول الآيات التي لها حقيقة مجردة في اللوح المحفوظ ثم تنزل إلى العالم الأدنى. عندما يريد الله في اللوح المحفوظ أن يجعل حكماً، فإنه يريده، سواء كان الجعل إنشاءً بداعي الجعل أو إبرازاً للإرادة، لكن هذه الإرادة ليست بسيطة ولها مراتب. إحدى مراتب الإرادة هي أن يجعل حكماً. المرتبة الأخرى هي أن يبلغ هذا الحكم للنبي الأكرم (ص). المرتبة الأقوى من إرادة الله هي أن يطلب من النبي الأكرم (ص) أن يبلغ هذا الحكم المعلن إلى الناس. المرتبة الأخرى للإرادة الإلهية هي أن يفعل شيئاً يصل به هذا الحكم إلى يد المكلف، والمرتبة الأخيرة هي أن يوجد للمكلف موضوع في العالم الخارجي، سواء كان ذلك برفع الموانع أو بإيجاد المقتضي لتلقي الحكم الإلهي. حيث يجب أن تكون هناك سنخية بين العلة والمعلول، يمكن القول قطعاً إن هذا الجعل أيضاً سيكون له مراتب مختلفة تبعاً للإرادة. النتيجة هي أن الله تعالى يجعل حكماً في اللوح المحفوظ ثم ينزله على قلب النبي الأكرم (ص) ويأمره أيضاً بأن يوصل الحكم إلى مرتبة أدنى ليصل إلى أيدي المكلفين. المكلف، بعد أن يجد الموضوع ويرتبط به، يطبق على نفسه نفس الحكم الموجود في اللوح المحفوظ، وبعد تطبيق الحكم يبدأ بالحركة نحو تنفيذ الأمر الإلهي. من هذا المنطلق، الحكم عند المكلف هو نفس الحكم عند الله، وإن كان الحكم عند الله أشرف بسبب تجرده. هذه الدعوى مقبولة بحدوث تغييرات في المراتب وأن هذا الحكم قد نزل من مراتب عليا. كما يمكن القول قطعاً بحدوث تطبيق أيضاً؛ لكن حقيقة الحكم عند المكلف هي نفس الحكم عند المولى الذي نزل على النبي (ص) وحضر عند المكلفين بصورة لفظية. بهذا البيان، الجعل والمجعول يشبهان حبلاً نزل من العالم الأعلى نحو العالم الأدنى، ونهاية هذا الحبل، وهو المجعول، في يد المكلف. خيط الحكم عند المكلفين هو نفس الخيط الذي بدايته عند المولى، ولا توجد ثنائية بين المبدأ والمنتهى. أو الحكم مثل النطفة التي تتحول إلى جنين ثم إلى طفل، وفي النهاية تصل إلى البلوغ. مع ظهور البلوغ وتوجه التكليف نحو هذا الإنسان، لا يمكن القول إن هذه النطفة لم تعد إنساناً، ولا يمكن تصور ثنائية بينهما. كما أنه مع تحقق الموضوع، لا يمكن القول إن هذا المجعول ليس هو نفس الجعل السابق. الشاهد على هذا المطلب هو وجود حالات في كلام الأصوليين تصور فيها هؤلاء الأعلام مراتب الأحكام بسبب مراتب الإرادة في الأحكام الخمسة التكليفية. (الآخوند الخراساني، ١٤٠٩ ق، ص ٤٠٧) وبما أنه يمكن اعتبار نوع من الإطلاق للجعل ونوع من التقييد للمجعول، ومن جهة أخرى، يقبل الفلاسفة وحتى الأصوليون مثل المحقق الأصفهاني أنه لا توجد علاقة عرضية بين الإطلاق والتقييد، وأن العلاقة بينهما طولية، لأن أحدهما لا بشرط والآخر بشرط شيء، واللابشرط يجتمع مع ألف شرط. إذن، ذلك الجعل المطلق وهذا المجعول المقيد بتحقق الموضوع عند المكلف هما حقيقة واحدة بمراتب مختلفة. الجميع يقر بوجود اتحاد في الوجود بين المراتب التشكيكية، كما أن الاتحاد قائم بين اللابشرط القسمي والبشرط شيء، وهما ليسا متباينين بأي شكل من الأشكال، بل هما متحدان. (الأصفهاني، ١٤٢٩ ق، ج ٢، ص ٣٣٧) إذا اعتبر شخص هذا التغيير ثنائية، سيقال له في الجواب إن هذا الكلام باطل، لأن العلاقة بين الجعل والمجعول علاقة طولية لا عرضية، وإلا لكان أي تغيير طولي يؤدي إلى الثنائية، ولكان إطلاق نزول الأحكام مجازياً، في حين يعتقد الجميع أن كلمة النزول المقصودة في القرآن والروايات هي استعمال حقيقي. إذن، لا توجد ثنائية في الأمر تثير إشكالاً كأصل مثبت على استصحاب عدم الجعل، لأن العرف وحتى الفلسفة يرون حقيقة الشيء الواحد ذي المراتب المختلفة واحدة، ويدركون فقط مراتب الصعود والنزول والتطبيق لارتباط المولى بأنفسهم. كما أن التغيير لازم لكل استصحاب، وإلا لما جرى أي استصحاب، لكن التغيير، كما قيل، في بحث المجعول لا يسبب ثنائية. لذا، فإن الاتحاد بين حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة، وبالتالي الاتحاد بين الجعل والمجعول، قائم تماماً، واستصحاب عدم الجعل للوصول إلى المجعول ليس أصلاً مثبتاً، لأنه باستصحاب المطلق، وهو اللابشرط القسمي، يُستصحب في الحقيقة نفس المقيد الذي هو بشرط شيء والمجعول في محل البحث. كما قيل، علاقة الجعل والمجعول طولية وذات مراتب مختلفة، ولم يقل أحد بوجود لازم وملزوم في المراتب المختلفة، بل قال الجميع إن المرتبة الوجودية الأعلى هي نفسها المرتبة الأدنى والعكس صحيح. من هذا المنطلق، تم التمثيل باتحاد الإطلاق والتقييد. وقد أشار المحقق الأصفهاني إلى عدم التنافي والوحدة هذه في بعض آثاره الفلسفية. (حسيني طهراني، ١٤١٧ ق، ص ١٠٣). النتيجة هي أنه بناءً على هذا البيان، فإن كلام المحقق الأصفهاني والمرحوم الخوئي اللذين يعتقدان أن الجعل والمجعول متحدان بالذات كالإيجاد والوجود ولهما نوع من الاتحاد، ينطبق على المجعول عند المرحوم النائيني، وهو ذو أهمية من حيث رفع إشكالية الأصل المثبت. بمعنى أنه ربما كان لدى هؤلاء الأعلام شيء من هذا القبيل في أذهانهم الشريفة، وكان مرادهم من مصطلح المجعول هو نفس المجعول عند المرحوم النائيني، ولكن بتصور الشيء ذي المراتب وليس الكلي والفرد. كذلك، بحسب التصور الحقيقي للجعل بمراتبه المختلفة، وبحسب تصور إرادة المولى وسنخية إرادة المولى بمعلولها، يمكن القول إن المحمولات هي أعراض ذاتية للموضوعات، لأن الجعل له حقيقة. وبالتالي، فإن بحث الفلسفة في أصالة الوجود وبحث العوارض الذاتية يجدان معناهما وفقاً لهذا التفسير، ومن جهة أخرى، سيكون هناك وجود واحد بمراتب مختلفة متحد مع بعضه البعض. بناءً على ذلك، يتم الرد على كلام الإمام الخميني (ره) القائم على عدم كون المحمول عرضاً ذاتياً واعتبارية المحمولات الأصولية، ومن جهة أخرى، ستزول مشكلة الأصل المثبت أيضاً.
٤-٢-٢. تمييز تصور المراتب بين الجعل والمجعول عن سائر التصورات
هذا التصور لا يحمل إشكال المرحوم الخوئي الذي كان يعتبر المجعول هو نفس المجعول بالذات، لأن هذا التصور يرى أن مراد المجعول هو نفس الحكم المنطبق. ومن جهة أخرى، لا يحمل إشكال آية الله الآملي وآية الله الشهيدي القائلين بأن الجعل والمجعول كلي وفرد، لأن هذين من الأمور الإنشائية وليس لأي منهما حيثية بالذات أخرى حتى يُحسب أحدهما فرداً للآخر. كما أن هذا الطريق لا يحتاج إلى قبول قول الرجل الهمداني القائل بوجود الطبيعة في الخارج بوصف الكلية. والنقطة الأهم هي أن هذا الحل، بالنظر إلى حقيقية الأحكام، يحل إشكال الإمام الخميني القائم على اعتبارية الأحكام، وحتى إشكال الأصل المثبت للمرحوم النائيني، ويقيم اتحاداً بين الجعل والمجعول دون اللجوء إلى خفاء الواسطة وأمثالها، مما كان موضع إنكار المحقق النائيني.
الخاتمة
بناءً على المباحث والتحليلات المقدمة في هذه المقالة، يمكن استنتاج أن التبيين الدقيق للنسبة بين الجعل والمجعول له دور رئيسي في حل مسألة الأصل المثبت في استصحاب عدم الجعل. لقد أظهر نقد ودراسة آراء المحقق النائيني ومنتقديه أنه على الرغم من دقة تعريف المحقق النائيني للمجعول – بوصفه حكماً أصبح فعلياً للمكلف – من الناحية المنطقية، فإن استدلاله على لزوم التباين الكامل بين الجعل والمجعول، وبالتالي ابتلاء استصحاب عدم الجعل بالأصل المثبت، ليس تاماً. من جهة أخرى، تحتاج نظرية وحدة الجعل والمجعول التي طرحها بعض الأصوليين إلى إعادة نظر للحفاظ على الدقائق الفنية التي قصدها المحقق النائيني. بناءً على نتائج هذا البحث، يمكن اعتبار علاقة الجعل والمجعول حقيقة واحدة بمراتب متفاوتة: الجعل بمنزلة مرحلة الإنشاء، والمجعول مرتبة الفعلية المتحققة من نفس الجعل. هذا التصور يؤدي إلى أن استصحاب عدم الجعل لا يستلزم أصلاً مثبتاً، ويمكن الحكم بعدم فعلية المجعول دون الوقوع في الأصل المثبت. إن نتائج هذا البحث، بالإضافة إلى رفعها لتحدٍ مهم في مباحث استصحاب عدم الجعل، تفتح أفقاً جديداً لتبيين دقيق للمفاهيم الأساسية في أصول الفقه، وتقدم باباً جديداً في تحليل العلاقات المفهومية في المسائل الفقهية.
المصادر
١. ابن سينا، أبو علي حسين بن عبد الله، منطق المشرقيين. القاهرة: دار الكتب الحديثة.
٢. ابن منظور، أبو الفضل، جمال الدين محمد بن مكرم (١٤١٤ ق). لسان العرب، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.
٣. الأصفهاني، حسين بن محمد راغب (١٤١٢ ق). مفردات ألفاظ القرآن. سوريا: دار العلم – لبنان: الدار الشامية.
٤. الأصفهاني، محمد حسين (١٤٢٩ ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. بيروت: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
٥. إمام خميني، روح الله (١٣٦٨-١٢٧٩). صحيفة نور. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (ره).
٦. إمام خميني، روح الله (١٤١٥ ق). مناهج الوصول إلى علم الأصول. قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (ره).
٧. إمام خميني، روح الله (١٤٢٣ ق). تهذيب الأصول. طهران: مؤسسة تنظيم ونشر آثار إمام خميني (ره).
٨. آخوند خراساني، محمد كاظم بن حسين (١٤٠٩ ق). كفاية الأصول. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
٩. آملي لاريجاني، صادق (١٤٠١ ش). تقريرات درس خارج أصول. قم: مدرسة علمية وليعصر.
١٠. جوادي آملي، عبد الله (١٣٨٦). رحيق مختوم. ج ٥، قم: نشر إسراء.
١١. الجوهري، إسماعيل بن حماد (١٤١٠ ق). الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية. بيروت: دار العلم للملايين.
١٢. حسيني طهراني، محمد حسين (١٤١٧ ق). توحيد علمي وعيني در مکاتیب حکمي وعرفاني ميان آيتين علمين: حاج سيد احمد کربلائي وحاج شيخ محمد حسين اصفهاني (کمپاني). مشهد: علامه طباطبايي.
١٣. الخوئي، أبو القاسم (١٤٢٢ ق). مصباح الأصول. قم: مؤسسة إحياء آثار السيد الخوئي.
١٤. سبحاني تبريزي، جعفر (١٤١٤ ق). المحصول في علم الأصول. قم: مؤسسة إمام صادق (ع).
١٥. سبزواري، هادي بن مهدي (١٣٦٩ ش). شرح المنظومة (تعليقات حسن زاده). طهران: نشر ناب.
١٦. سعيدي روشن، محمد باقر؛ شمس، حامد (١٣٩٧). قرآن، حقيقي ذو مراتب در ديدگاه تفسيري علامه طباطبايي. نشريه مطالعات تفسيري، شماره ٣٣.
١٧. شهيدي، محمد تقي (١٣٩٥ ش). تقريرات درس خارج أصول. مدرسة فقاهت.
١٨. شيرازي، صدر الدين (١٣٦٣ ش). مفاتيح الغيب. طهران: مؤسسة مطالعات وتحقيقات فرهنگي.
١٩. صدر، محمد باقر (١٤٠٨ ق). مباحث الأصول. قم: مطبعة مركز النشر – مكتب الإعلام الإسلامي.
٢٠. صدر، محمد باقر (١٤١٧ ق). بحوث في علم الأصول. قم: مؤسسة دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت (ع).
٢١. طباطبايي، سيد محمد حسين (١٣٧٩ ش). قرآن در إسلام. چاپ دهم، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
٢٢. عراقي، ضياء الدين (١٤١٧ ق). نهاية الأفكار. قم: دفتر انتشارات إسلامي (وابسته به جامعة مدرسين حوزه علمية قم).
٢٣. فراهيدي، خليل بن أحمد (١٤١٠ ق). كتاب العين. قم: نشر هجرت.
٢٤. مظفر، محمد رضا (١٣٧٥ ش). أصول الفقه. قم: إسماعيليان.
٢٥. ملكي أصفهاني، مجتبى (١٣٧٩ ش). فرهنگ اصطلاحات أصول. قم: عالمة.
٢٦. نائيني، محمد حسين (١٣٥٢ ش). أجود التقريرات. قم: مطبعة العرفان.
٢٧. نائيني، محمد حسين (١٣٧٦ ق). فوائد الأصول. قم: جامعة مدرسين حوزه علمية قم.
٢٨. وحيد خراساني، حسين (١٤٤٠ ق). تحف العقول في علم الأصول. قم: انتشارات مدرسة باقر العلوم (ع).
٢٩. وحيد خراساني، حسين، المغنى في الأصول، الاستصحاب. قم: انتشارات مدرسة باقر العلوم.