الملخص: تتناول هذه المقالة، بعد بيان قاعدة الواحد وذكر براهينها، دراسة ابتكارات الآخوند الخراساني في توظيف قاعدة “الواحد” في كتاب “كفاية الأصول”. كما تشير إلى الآثار الاعتقادية لهذه القاعدة من حيث تأثيرها في تبيين القدرة الإلهية المطلقة والتوحيد الأفعالي، وذلك بذكر أقوال المتكلمين والحكماء. وفيما يتعلق بتطبيق قاعدة “الواحد” في أصول الفقه، على الرغم من أن مفهوم قاعدة الواحد ينتمي إلى العلوم الحقيقية، وأن الفلاسفة يتجنبون بشدة الخلط بين أحكام الحقائق والاعتباريات بسبب الفروق الجوهرية ومنطق الاستدلال في هذين العلمين، فقد استخدم المرحوم الآخوند هذه القاعدة وعكسها في مباحث مثل وضع المركبات الصحيح والأعم، وتعدد الشرط والجزاء، وغير ذلك. لذا، فإن الهدف الرئيس من طرح هذه المسألة، بالإضافة إلى إثبات عدم تعارض قاعدة الواحد مع القدرة الإلهية المطلقة والتوحيد الأفعالي لله، هو بيان ابتكار الآخوند الخراساني مع توضيح وجهتي نظر النقد والتأييد لتطبيق قاعدة “الواحد” في أصول الفقه. ومن أهم نتائج هذا البحث أن: أولاً، تطبيق العلوم الحقيقية في العلوم الاعتبارية ليس خطأ، بل قد يؤدي في كثير من الحالات إلى تبيين صحيح للمسائل ونمو وازدهار ذلك العلم. وثانياً، علم أصول الفقه ليس من العلوم الاعتبارية المحضة. وقد استطاع هذا البحث، من خلال تبيين آراء المجموعتين المؤيدة والمعارضة لتطبيق قاعدة الواحد في كفاية الأصول، أن يثبت ابتكار المدرسة الأصولية للآخوند الخراساني في هذا المجال.
۱. طرح المسألة
أ) قاعدة الواحد
من القواعد الفلسفية المعروفة أن “الواحد لا يصدر عنه إلا الواحد”. وقد أشار صدر المتألهين في كتاب “الأسفار” (سفر النفس) إلى أن المقصود بالوحدة في هذه القاعدة هو “الوحدة الحقة” أي الوحدة الحقيقية، وبناءً عليه، خصّ هذه القاعدة بالذات الإلهية المقدسة، بحيث لا يوجد لديها حتى تركيب تحليلي من الوجود والماهية، وأن معلولها بلا واسطة هو موجود واحد فقط، أما سائر المخلوقات فتصدر بوساطة واحدة أو أكثر من المعلول الأول. ولكن من بعض موارد الاستناد إلى هذه القاعدة يمكن استنتاج معنى أعم وأشمل للواحد.
وخلاصة التعابير الواردة في قاعدة الواحد هي أنه إذا أُخذ “الواحد” في هذه القاعدة على إطلاقه، فإن مصداقه ينحصر في الواجب والصادر الأول. أي أن الواجب الوجود، الذي هو واحد بالوحدة الحقيقية، لا يصدر عنه إلا معلول واحد، وهو الصادر الأول، وإن كانت سائر المخلوقات هي أيضاً معلولة له بالواسطة، وتعلقها وحاجتها إلى الحق تعالى بقدر تعلق الصادر الأول به، ووجود جميعها عين الفقر والحاجة والتبعية لذات الحق. وإذا كان الواحد مقيدًا بجهة الوحدة، ومفاد القاعدة أن “من الواحد من جهة وحدته لا يصدر إلا الواحد”، ففي هذه الحالة لن تكون القاعدة منحصرة في الواجب الوجود؛ لأن كل علة، وإن كانت مركبة ذاتاً، فمن تلك الجهة الواحدة التي توجب صدور معلول خاص، وبمقتضى قانون السنخية، لا يمكن أن تكون علة لمعلول آخر. وبهذا التوجيه، لا تنحصر القاعدة في الواجب الوجود فحسب، بل لا تنحصر في العلة البسيطة أيضاً. وفيما يتعلق بمعنى الصدور، يعتقد الملا صدرا أن الصدور يعني أن العلة تكون بحيث يوجد المعلول عنها، والمقصود بالصدور ليس معناه الإضافي؛ لأن المعنى الإضافي يتحقق بعد تحقق العلة والمعلول. بعبارة أخرى، يجب أن تتمتع العلة بخصوصية تصدر عنها المعلول. هذه الخصوصية هي حقيقة وجودية خاصة، ترتبط بمعلول معين وتتعلق به، وهي موجودة ومقدمة على المعلول. وإذا كانت علية العلة عين ذاتها، فإن هذه الخصوصية أيضاً عين العلة، وإذا كانت علية العلة زائدة على ذاتها، فإن الخصوصية أيضاً زائدة على العلة.
وفيما يتعلق بعكس قاعدة الواحد، أي: “الواحد لا يصدر إلا عن الواحد”، ينبغي القول:
موضع الخلاف في هذه القاعدة هو: هل يجب أن يصدر نوع واحد من المعلول دائماً عن نوع واحد من العلة، أم يمكن أن تصدر بعض أفراده من نوع علة، وبعضها الآخر من نوع آخر؟ كثير ممن شملوا القاعدة السابقة بالواحد النوعي، خصوا هذه القاعدة بالواحد الشخصي، وصرحوا بأن أنواعًا من العلل يمكن أن تكون مؤثرة في إيجاد نوع واحد من المعلول. ولكن بالنظر إلى قاعدة السنخية التي تنص على أن وجود المعلول لا يصدر إلا من علة تمتلك نفس سنخ الكمالات الوجودية في مرتبة أعلى، فلن يصدر المعلول أبداً من علة مُوجودة لا تمتلك ذلك السنخ من الكمال. ونتيجة لذلك، لا يصدر المعلول الشخصي من علتين أو أكثر موجدتين، وكذلك لا يتكون نوع واحد من المعلول من علتين أو أكثر موجدتين.
ب) براهين قاعدة الواحد
أهم البراهين مذكورة في أعمال ابن سينا وتلميذه بهمنيار. لذلك، نذكر البرهان الأول من ابن سينا، وننقل البرهان الثاني عن الأستاذ مصباح نظرًا للاختلاف في تفسير قاعدة “الواحد”.
١. يعتمد هذا البرهان على عدم تركيب العلة، وذلك بأن الوجود والحيثية في الشيء الواحد، بحيث تكون إحدى الحيثيتين منشأ لصدور معلول والحيْثية الأخرى منشأ لصدور معلول آخر، لا تخرج عن ثلاث صور: * أولاً: كلتا الحيثيتين مقومتان للشيء الواحد. * ثانياً: كلتا الحيثيتين من لوازم الشيء الواحد. * ثالثاً: إحدى الحيثيتين مقومة للشيء الواحد والأخرى من لوازمه.
في الفرض الأول، حيث تكون كلتا الحيثيتين مقومتين للشيء الواحد، يلزم أن يكون الشيء الواحد مركباً لا واحدًا من جميع الجهات، وهذا خلف. وفي الفرض الثاني، حيث تكون كلتا الحيثيتين من لوازم الشيء، يقال إن لازم الشيء معلول للشيء، ومعلول الشيء صادر عن الشيء. في هذه الحالة، يعاد الكلام ويُستأنف التقسيم الأول، ويقال إن مفهوم صدور أحد هذين اللازمين يغاير مفهوم صدور اللازم الآخر، وهذه المسألة بديهية، والمغايرة في المفهوم تدل على المغايرة في الحقيقة. في النهاية، إما أن ينتهي الأمر إلى الفرض الأول وتظهر مشكلة التركب، أو تبرز مشكلة الدور والتسلسل.
في الفرض الثالث، حيث تكون إحدى الحيثيتين مقومة والأخرى لازمة، فبالإضافة إلى أن المفهومين ليسا في درجة واحدة وليسا متوافقين، لأن المقوم مقدم على غير المقوم، يلزم أن يكون هناك مبدأ للمفهوم اللازم في العلة. وفي هذه الحالة، إذا كان ذلك المبدأ خارجًا عن ذات العلة، يعاد الكلام وينتهي الأمر في النهاية إلى أن اللازم أيضًا مقوم، وبالتالي نعود إلى الحالة الأولى التي يكون فيها المفهومان المختلفان مقومين للعلة. وبهذه الطريقة، تستلزم جميع المغايرات الثلاث تركيبًا في ذات العلة؛ لأن جميع المغايرات ترجع إلى المقومية، وفي هذه الحالة أيضاً توجد ثلاث فرضيات محتملة؛ لأن المفهومين المختلفين إما مقومان للماهية أو مقومان للوجود، أو أحدهما مقوم للماهية والآخر مقوم للوجود.
بعد إثبات أن المغايرة في المفهوم دليل على المغايرة في الحقيقة، نستنتج أن كل ما ينشأ عنه صدور شيئين يكونان في عرض واحد، وأحدهما ليس علة للآخر، سيكون قابلاً للتجزئة. لذلك، لا يمكن لشيء بسيط من جميع الجهات أن يصدر عنه كثير في عرض واحد. وبهذه الطريقة، تثبت صحة القاعدة. ويعتقد الأستاذ مصباح أن أقوى دليل على هذه القاعدة يستند إلى قاعدة السنخية بين العلة والمعلول؛ وذلك لأن:
طبق قاعدة السنخية بين العلة والمعلول، يجب أن تمتلك العلة ما تعطيه للمعلول بصورة أكمل. فإذا افترضنا الآن أن علة ما لديها سنخ واحد من الكمالات الوجودية، فمن الطبيعي أن يصدر عنها معلول يمتلك مرتبة أدنى من ذلك الكمال نفسه لا كمالاً آخر. وإذا افترضنا أن معلولين مختلفين صدرا عنها، وكل منهما يمتلك سنخاً خاصاً من الكمال، فوفقًا للقاعدة المذكورة، يجب أن تمتلك العلة أيضاً سنخين من الكمال. وهذا يخالف فرض أنها لا تمتلك إلا سنخًا واحدًا من الكمالات الوجودية. والنتيجة أن هذه القاعدة خاصة بالعلل الموجدة. وهذه القاعدة تشمل الواحد الشخصي والواحد النوعي أيضاً. وإذا افترضنا أن نوعًا واحدًا من العلل الموجدة يحتوي على عدة أفراد، وجميعها تمتلك سنخًا واحدًا من الكمالات الوجودية، فمن الطبيعي أن تكون معلولاتها من نوع واحد. كما أن هذه القاعدة خاصة بالعلل التي تمتلك سنخًا واحدًا من الكمال فقط. أما إذا كان موجود يمتلك عدة أنواع من الكمال الوجودي بصورة بسيطة، أي أن وجوده مع وحدته وبساطته الكاملة يمتلك الكمالات المذكورة، فلن ينطبق عليه هذا الدليل.
لذلك، لا تثبت القاعدة المذكورة أكثر من قاعدة السنخية بين العلة الموجدة ومعلولها، ولا يمكن إثبات وحدة الصادر الأول بالاعتماد على هذه القاعدة وحدها.
ج) المفاهيم الحقيقية والاعتبارية في الفلسفة الإسلامية
ينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري. الحقيقي هو المفهوم الذي يوجد أحيانًا بوجود خارجي وتترتب عليه آثار الوجود الخارجي، وأحيانًا يوجد بوجود ذهني ولا تترتب عليه آثار الوجود الخارجي، وهذا المفهوم هو الماهية.
المفاهيم الاعتبارية هي مفاهيم تُحمل على الموضوعات بطريقة من التشبيه والمناسبة، ولأغراض عملية. والاعتبار في هذا الاصطلاح هو تطبيق المفاهيم النفس أمرية الحقيقية بحدودها في أنواع السلوكيات ومتعلقاتها، بهدف تحقيق الأهداف المطلوبة في الحياة، مثل اعتبار الملكية لشخص بالنسبة للأموال التي يستولي عليها.
في الواقع، تُطلق كلمة “حقيقي” على الأفكار والإدراكات النظرية من حيث كون كل منها صورة لأمر واقعي ونفس أمري، وهي بمثابة صورة التقطت من واقع نفس أمري، على خلاف الاعتباريات.
د) تطبيق قاعدة “الواحد” في كفاية الأصول
من ابتكارات المدرسة الأصولية للآخوند الخراساني، الاستخدام الذكي لهذه القاعدة كعلم حقيقي في أصول الفقه، الذي هو من العلوم الاعتبارية. وقد أثبت أنه يمكن في بعض الحالات سريان أحكام الحقائق إلى الاعتباريات والوصول إلى المطلوب.
١. وضع المركبات: كل جملة مركبة من مفردات. وهذه المفردات من حيث المادة وضعت وضعًا شخصيًا، ومن حيث الهيئة وضعت وضعًا نوعيًا لمعنى خاص. وبناءً عليه، فإن الأجزاء المكونة للجملة، كل منها، سواء من حيث المادة أو من حيث الهيئة، وضعت وضعًا شخصيًا أو نوعيًا لمعنى خاص. بالإضافة إلى ذلك، فإن هيئات المركبات والجمل وضعت أيضاً وضعاً نوعياً لخصوصيات النسب والإضافات مثل التأكيد والحصر والدوام وما شابه ذلك. وفي غير هذه الحالات، لا يوجد وضع آخر؛ لأن إفادة المعنى المعلول الواحد قد حدثت بسبب الوضع المذكور. وإلا، يلزم اجتماع سببين على سبب واحد (الواحد لا يصدر إلا عن الواحد).
٢. الصحيح والأعم: يختلف الأصوليون في مسألة ما إذا كانت ألفاظ العبادات قد وضعت لخصوص العبادات الصحيحة أم لما هو أعم من الصحيح والفاسد. ففريق يميل إلى القول بالصحيح، فيقول: إن ألفاظ العبادات تطلق على خصوص العبادات الصحيحة. وفريق يميل إلى القول بالأعم، فيقول: إن هذه الألفاظ تطلق على الأعم من الصحيح والفاسد. وقد ذهب المرحوم الآخوند إلى أن “الصحة” لها معنى واحد في جميع الموارد، وهو “التمامية”، وأن كلا الفريقين (الصحيحي والأعمي) مضطران إلى تصور القدر الجامع.
على مبنى الصحيحي، الصلاة الفاسدة ليست صلاة أصلاً، بل هي ماهية أخرى. وعلى مبنى الأعمي الذي يطلق على جميع المراتب الواسعة، كيف يكون هذا الإطلاق؟ عموماً، الرأي المشهور في ألفاظ العبادات هو أن وضعها عام وموضوع لها عام، أي أن الواضع عند وضع ألفاظ العبادات تصور مفهومًا كليًا وقدرًا مشتركًا وجامعًا، ووضع ألفاظ العبادات لتلك المفاهيم الكلية. وبهذا يتضح ضرورة تصور الجامع، فإذا كان المفهوم الكلي هو الموضوع له، فما هو ذلك الكلي؟ يرى المرحوم الآخوند أن الصحيحي يمكنه تصور قدر جامع مقبول وخالٍ من أي إشكال؛ لأنه لا شك في أن على جميع أفراد الصلاة يترتب أثر واحد، مثل النهي عن الفحشاء والمنكر، وترتب أثر واحد على أمور مختلفة ومتعددة يكشف عن وجود جامع بين تلك الأمور، وكل فرد من هذه الأفراد، لكونه متضمنًا لذلك القدر الجامع، مؤثر في إيجاد ذلك الأثر، وفي الواقع، العلة الأصلية لهذا الأثر هي نفس القدر الجامع؛ لأن المعلول الواحد لا يصدر إلا عن علة واحدة.
٣. تعدد الشرط ووحدة الجزاء: الأمر الثاني في بحث مفهوم الشرط في كفاية الأصول يتعلق بتعدد الشرط ووحدة الجزاء. إذا قال المولى: “إذا خفي الأذان فقصر” و “إذا خفيت الجدران فقصر”، فإذا لم يكن للجملة الشرطية مفهوم، فلا مشكلة؛ لأنه ظاهراً يُعمل بكل شرط، ونقول إن كل شرط له استقلاله في التأثير. أما إذا كانت الجملة الشرطية لها مفهوم، فيحدث تعارض بين منطوق كل جملة ومفهوم الجملة الأخرى. فإذا خفي الأذان، وجب القصر، ومفهوم ذلك أنه إذا لم يخفَ الأذان، فلا يجب القصر مطلقًا، أي سواء خفيت الجدران أم لم تخفَ؛ لأن مفهوم الانتفاء هو نسخ الحكم، وهذا المعنى يتعارض مع منطوق الجملة الثانية، وذلك على نحو العموم والخصوص المطلق، أي أن المفهوم أعم مطلقًا والمنطوق أخص مطلقًا. والجملة الثانية التي تقول: إذا اختفت جدران المدينة عن رؤيتك، وجب القصر، مفهومها أنك إذا لم تختف جدران المدينة، فلا يجب القصر مطلقًا، سواء خفي الأذان أم لم يخفَ، وهذا المعنى يتعارض مع منطوق الجملة الأولى على نحو العام والخاص المطلق.
لرفع التعارض، هناك احتمالان:
- ١. رفع اليد عن المفهوم في كلتا القضيتين، وبالتالي لا تدل أي منهما على عدم تأثير الأخرى في القصر.
- ٢. وجود قدر مشترك بين الشرطين، أي أن تعدد الشرط قرينة على أن كلاً منهما ليس شرطاً بخصوصه، بل ذُكر كشرط من باب أن كلاً منهما مصداق لشيء يجمعهما.
يعتقد الآخوند أنه على الرغم من أن العرف يؤيد الوجه الأول، فإن العقل يحكم بالوجه الثاني؛ لأن الأمور المتعددة، من حيث كونها متعددة، يستحيل أن تكون مؤثرة في شيء واحد (قاعدة الواحد). ونتيجة الوجه الثاني هي أن وجود كل من الشرطين، لكونه بمعنى وجود الجامع، يكفي لتحقق الجزاء.
٢. رأي المنتقد والمؤيد لتطبيق قاعدة “الواحد” في “كفاية الأصول“
تعتقد مجموعة من الفلاسفة أن تطبيق قاعدة “الواحد”، التي تنتمي إلى العلوم الحقيقية، في العلوم الاعتبارية مثل أصول الفقه، يؤدي إلى خلط أحكام الحقائق بالاعتباريات، وهذا خطأ محض. ويقوم اعتقاد هذه المجموعة على عدم وجود علاقة إنتاجية في الإدراكات الحقيقية والاعتبارية.
في المقابل، تؤيد مجموعة أخرى، بسبب وجود قرائن تثبت العلاقة الإنتاجية بين الإدراكات الحقيقية والاعتبارية، تطبيق قاعدة “الواحد” في أصول الفقه. ويقوم مبدأ تفكير المجموعتين على ما يلي:
١. عدم وجود علاقة منطقية إنتاجية بين القضايا الحقيقية والاعتبارية يعتقد العلامة الطباطبائي أنه لا توجد علاقة إنتاجية واستنتاج منطقي بين الاعتباريات والحقائق؛ لأن القضايا الحقيقية تخضع للصدق والكذب. فالصدق والكذب هما المطابقة أو عدم المطابقة للعلاقات الواقعية للمفاهيم أو الوجود الحقيقي للأشياء الخارجية، بينما القضايا الاعتبارية لا تخضع للصدق والكذب، بل توصف بالحسن والقبح. وبما أن هذه الإدراكات ناتجة عن عوامل حسية، فلا توجد لها علاقة إنتاجية بالعلوم الحقيقية، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى الاعتباريات من الحقائق مباشرة.
وبعبارة أخرى، لا يمكننا إثبات مدعى اعتباري بدليل تتكون أجزاؤه من حقائق (برهان)، ولا يمكننا إثبات حقيقة من الحقائق بدليل يتكون من مقدمات اعتبارية، كما لا يمكننا أن نستنتج أمراً اعتبارياً من مقدمات اعتبارية تشكل برهاناً؛ لأن مقدمات البرهان يجب أن تتميز بثلاث خصائص: الضرورة، والدوام، والكلية. وهذه الخصائص لا تتحقق إلا في القضايا الحقيقية، وليس في القضايا الاعتبارية، حيث يكون القياس فيها جدلاً ويتكون من المسلمات والمشهورات.
الجدل أداة مناسبة للاستدلال في الاعتباريات؛ لأنه في الاعتباريات يُنظر إلى هدف وغرض، ولتحقيق هذا الهدف تُفترض مفاهيم مستعارة من الحقائق وتُعتبر. وكل حركة استدلالية تسير في اتجاه ذلك الهدف تُعتبر ذات قيمة. لذلك، فإن الحركات الفكرية في الاعتباريات تستند إلى التسالم على أهداف معينة في الاعتباريات. والجدل أيضاً مبني على التسالم، أما البرهان فيعتمد على اليقين ولا يمكن الاعتماد فيه على التسالم. وبالطبع، ليست جميع مباحث العلوم الاعتبارية جدلية؛ لأنه أولاً: جزء كبير من مباحث العلوم الاعتبارية يتعلق بنقل الاعتباريات من مصادر الاعتبار، وما هي القضايا التي تم اعتبارها وكيف؛ وثانياً: قد تكون بعض المباحث متعلقة بالمبادئ التصورية أو التصديقية لذلك العلم، والتي على الرغم من أنها خارجة عن مسائل العلم، إلا أنها دخلت إلى العلم نفسه بسبب عدم معالجتها في مكان آخر.
وجود علاقة منطقية إنتاجية بين القضايا الحقيقية والاعتبارية يعتقد بعض علماء الأصول والحكماء المتقدمين بوجود علاقة منطقية إنتاجية بين القضايا الحقيقية والاعتبارية، تمامًا كما هو الحال بين القضايا الحقيقية، وذلك لأن: كثير من القضايا الإنشائية تُستخدم بصيغة الخبر، وفي القرآن الكريم أيضاً جاءت القضايا الإنشائية بصيغة الخبر: “…كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” [البقرة: ١٨٣]. وبالتالي، لا يوجد فرق ماهوي بين الخبر والإنشاء، وكل منهما قابل للتحويل إلى الآخر. كما أن القضايا الاعتبارية لها منشأ خارجي من المصالح والمفاسد، وهي حقيقية ونفس أمرية. وقد استند الله تعالى في القرآن الكريم في الأوامر والنواهي إلى قضايا حقيقية: “…إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ”. [المائدة: ٩٠] لذلك، توجد علاقة منطقية وإنتاجية بين الحقائق والاعتباريات.
أ) الرأي المنتقد
من وجهة نظر العلامة الطباطبائي، بافتراض محورية الحجية في القضايا والمباحث الأصولية، وكذلك بناءً على تعريف علم الأصول، يمكن استنتاج أن المباحث والقضايا الأصولية تندرج ضمن الاعتباريات؛ لذا فإن سريان أحكام الحقائق في هذا العلم خطأ. والطرق الموصلة إلى الحكم الشرعي، سواء كانت واقعية أو ظاهرية، قد تكون قطعية أو غير قطعية. وفي الحالة التي لا تكون فيها قطعية، فلا شك أنها تحتاج إلى جعل الحجية، والحجية فيها أمر اعتباري. وبالطبع، يرى العلامة أن الطريق القطعي، شأنه شأن الطريق غير القطعي، هو أيضاً اعتباري في الحجية التي تكون محمولاً في القضايا الأصولية؛ لأن وجوب العمل بالعلم، وهو حجية العلم، يقع ضمن دائرة الاعتبار من جهتين: الأولى من جهة ذاته، فهو أمر اعتباري؛ لأن اتصاف الأمر الخارجي به وهمي لا حقيقي، وإن كان الإنسان يتصور واقعية خارجية لهذه المعاني الاعتبارية. والثانية من جهة كونه ينسب الحكم الواقعي المتصور إلى العلم، كما ينسب الحكم الموجود في ظرف الواقع إلى المعلوم الموجود في ظرف العلم.
كما يرى العلامة أن علم الأصول علم يبحث في القواعد المقررة عند العقلاء لاستنباط الأحكام. والتعبير بـ “المقررة العقلائية” كصفة لهذه القواعد يدل على أن هذه القواعد اتفاقية واعتبارية. وبناءً عليه، يرى العلامة أن مشكلة تصور الجامع تنبع من خلط، سواء كان واعياً أو غير واعٍ، بين أحكام الحقائق والاعتباريات في هذه المسألة. فما لا يقبل التشكيك حقاً هو المفاهيم والماهيات الحقيقية التي تحكي عن نفس الأمر. أما في المفاهيم والماهيات الاعتبارية، فبحسب الأغراض والأهداف التي توجد من أجلها الاعتبارات، يمكن اعتبار ماهية واحدة ولكنها مشككة. أي، في الاعتباريات، يُنظر إلى الغرض من الاعتبار، وعلى أساسه يُستخدم معنى كالصلاة لغرض امتثال التكليف، كما نستخدمه في صلاة ذات أربع ركعات بجميع أجزائها وشروطها، ونستخدمه أيضاً في صلاة الغريق التي هي مجرد إشارة قلبية، ونعتبر لكليهما جامعاً اعتبارياً مشككاً.
ب) الرأي المؤيد
توضيح هذا الرأي يستند إلى نقاط عدة:
١. الاعتراض الأول لأنصار الرأي المنتقد هو التأكيد على التمييز التام بين العلوم الحقيقية والاعتبارية. فموضوع العلوم الحقيقية له وجود حقيقي، ومحمولات مسائلها برهانية. أي أنها تتصف بالضرورة، الذاتية، الكلية، والدوام، وهذا الأمر يؤدي إلى وجود ارتباط واقعي، رياضي النمط، وغير قابل للانفصام بين جميع موضوعات ومحمولات المسائل، وكذلك بين موضوع العلم. في المقابل، العلوم الاعتبارية هي علوم يُنظر إلى موضوعها، وكذلك موضوع ومحمولات مسائلها، على أنها أمور موجودة بناءً على اعتبار واتفاق الشخص المعتبِر، ولا تتمتع بوجود واقعي. ولذلك، لا يوجد أي ربط أو ارتباط ذاتي بين مسائل ذلك العلم، ولا توجد كلية، دوام، ضرورة، أو ذاتية.
إن هذا التأكيد على التمييز يأتي في الوقت الذي يعتقد فيه العلامة الطباطبائي أن كل اعتبار يستند إلى حقيقة؛ ولو لم يكن كذلك، لَلَزِم أحد المحذورين: إما أن المفهوم الاعتباري لا يمكن أن يصدق على المعاني الخارجية، وفي حال عدم وجود مثل هذا الارتباط، لا يكون إطلاقه صحيحاً، بينما صدق مثل هذه المفاهيم على الأمور الخارجية صحيح، ونشهد صدقها في الخارج أيضاً. أو أنه حتى لو كان إطلاق مثل هذه المفاهيم على الوجودات الخارجية صادقاً، فإنه لا يختص بوجودات ومصاديق خارجية معينة؛ لأنه عندما لا يلاحظ ارتباط بينها، تكون نسبة هذا المفهوم الذهني مع جميع المعاني الخارجية متساوية، ولا يوجد ترجيح لتخصيص بعضها بالتطبيق والصدق. بينما يلاحظ بوضوح أن كلاً من هذه المفاهيم يختص ببعض المعاني الخارجية. والنتيجة هي أن تعقل الأمر الاعتباري هو نفسه تعقل المعنى الحقيقي مصحوبًا بنوع من التصرف الوهمي.
بهذا الاعتراف، يمكن القول إن علم الأصول ليس من العلوم الاعتبارية المحضة، وتطبيق قاعدة “الواحد” فيه ليس خطأ. وشاهد آخر يدل على الارتباط بين العلوم الحقيقية والاعتبارية هو العلاقة بين علم الكلام كعلم حقيقي وعلم أصول الفقه كعلم اعتباري. ويمكن دراسة هذه العلاقة من منظورين: (أ) التقدم الرتبي لعلم الكلام على علم أصول الفقه. (ب) كون بعض المسائل الكلامية مبدأً تصديقياً لبعض مسائل علم الأصول.
يتضمن علم الكلام البحث في أصول الدين والقضايا الاعتقادية للإنسان فيما يتعلق بالله والعالم الآخر وارتباط الإنسان بالله، وهو يتقدم رتبياً على علم الأصول. بعض المسائل الكلامية تعتبر مبادئ تصديقية لبعض مسائل علم الأصول. وهذا هو الجسر الرابط بين هذين العلمين. والمقصود بالمبادئ التصديقية هي الأمور التي تثبت المحمولات للموضوعات بواسطتها. على سبيل المثال، القضية الكلامية “العدل في حد ذاته حسن” هي إحدى المسائل التي تدل إلزاماً على وجوب بعض الأفعال على الله، ويمكن استخدامها كمبدأ تصديقي في المسألة الأصولية: “حكم العقل بحسن العدل ملازم لحكم الشرع بحسنه”، أو بتعبير بعضهم: “الحكم الشرعي الناتج عن طريق حكم العقل حجة”.
٢. أهم إشكال في الرأي المنتقد هو الاختلاف بين الاعتباريات والحقائق في منطق الاستدلال، ويعتقدون أن هذا هو سبب عدم وجود علاقة منطقية إنتاجية بين القضايا الحقيقية والاعتبارية.
الرد على الإشكال: كما مرّ، المحور الرئيسي لهذا الإشكال هو عدم اليقينية في مقدمات الجدل (المشهورات والمسلمات) ويقينية مقدمات البرهان. ويتضح الرد بالتدقيق في تعريف المشهورات والمسلمات، والانتباه إلى أن المقدمات المشهورة ليست بالضرورة غير يقينية. والمشهورات هي قضايا مشهورة بين الناس، يصدقها جميع العقلاء أو معظمهم أو فئة خاصة، وتستخدم بمعنيين: معنى أعم ومعنى أخص.
المشهورات بالمعنى الأعم هي القضايا التي تتوافق مع آراء جميع العقلاء. حتى القضية التي هي في ذاتها من الأوليات الضرورية ولها واقعية مستقلة عن توافق الآراء العامة، تعد من المشهورات لأنها تتطابق مع اعتقاد الجمهور. فالمشهورات بهذا المعنى تشمل المشهورات بالمعنى الأخص والأوليات والفطريات، وهذان النوعان الأخيران من أقسام اليقينيات البديهية. والمشهورات بالمعنى الأخص هي قضايا يعود تصديقها إلى شهرتها واعتراف الجمهور بها. ولذلك، المشهور ليس مقابل الكاذب، بل مقابل القبيح. وما يقابل الكاذب يسمى الصادق. ومما سبق يتضح أن المقدمات المشهورة ليست غير يقينية، بل قد تكون المشهورات من القضايا الحقيقية ويستخدمها الجدلي في قياسه. ويضيف الأستاذ مصباح، استكمالًا لعبارة العلامة التي ترى أن القياس الجاري في الاعتباريات هو الجدل، فيقول:
ذكر المناطقة أن الجدل يتكون من مقدمات مشهورة ومقبولة. ولكن هذا لا يعني أن المقدمات المشهورة غير يقينية ولا تصلح إطلاقًا لتشكيل برهان. بل قد تكون نظرية وتحتاج إلى إقامة برهان، وأحيانًا يكون صدقها مشروطاً بشرط خفي لم يُذكر في القضية. وبالطبع، مثل هذه القضايا، بغض النظر عن إقامة البرهان عليها وبشكل مطلق، لا تصلح لتشكيل برهان.
والنتيجة أنه فقط المشهورات الحقيقية التي لا تزول شهرتها بعد البحث والتأمل فيها تستخدم في الجدل. وثانياً، القضية المشهورة تكون يقينية عندما تستند إلى برهان. وما ذُكر كان بشأن مواد القياس الجدلي، ولكن هناك إشكال أيضاً يتبادر إلى الذهن يتعلق بصورة القياس الجدلي، وهو أنه في الجدل قد يكون الشكل الثاني من القياس الاقتراني “الموجبتين” مثمرًا بناءً على تسالم المجيب والسائل. فإذا اعتبرنا الجدل أداة الاستدلال في الاعتباريات، فيجب أن نلتزم بهذا الجزء أيضاً. هذه الأمور تعني أن في أصول الفقه، يمكن استخدام الاستدلال الجدلي حتى لو لم تكن صورته من الأشكال المنتجة للقياس، بينما لا يوجد مثل هذا التسالم في أي مبحث من مباحث أصول الفقه، بل الأصوليون، على الأقل في شكل القياس، ملتزمون بالأشكال المنتجة في القياسات البرهانية، وإذا خالف أحد ذلك في ساحة الاستدلالات الأصولية، فإنه سيتعرض للنقد والرفض.
بناءً على ذلك، إذا قبلنا بجدلية أصول الفقه، فيجب أن نضيف هذا التنبيه: أن جدليته تقتصر على مواده لا على صورته. وثالثاً، دخول الجدل إلى أصول الفقه لا يعني أن العلم برمته جدلي؛ لأن جزءًا مهمًا من مباحث الأصول يتعلق بإيجاد البناءات العقلائية. وهذا الجانب هو في الواقع الجانب النقلي والاستظهاري لأصول الفقه، الذي يسري في جميع المباحث الصغروية، سواء في تحديد ظهورات الألفاظ، مثل ظهور لفظ الأمر والنهي، أو في المباحث الكبروية، مثل حجية ظواهر الألفاظ. توجد علاقة إنتاجية بين المفاهيم الشرعية (الفقه) التي يقال إنها من الاعتباريات وبين الأمور التكوينية والحقيقية. فلا شك أن المفاهيم الشرعية مثل “الوجوب” و”الحرمة” هي من الاعتباريات الشرعية؛ لأن الوجوب مفهوم اعتباري يُحمل على الصلاة، وعلامته أيضاً أن وجوب “الصلاة” هو نتاج إنشاءات الشارع. والسؤال الآن هو: إذا كانت هذه العناوين اعتبارية وخالية من الحقيقة، فكيف ترتبت عليها في الآيات والروايات الصادرة عن الأئمة الأطهار عليهم السلام آثار تكوينية وحقيقية على هذه الأعمال، مثل التقرب إلى الله تعالى، وارتفاع الحجاب بين الحق والخلق، وما إلى ذلك؟
والجواب أن جزاء أعمال الإنسان على نوعين: القسم الأول: يُعبّر عنه بالوزر والوبال، ويصيب في هذه الدنيا، وهذا القسم من الجزاء يُعد من الآثار الوضعية والطبيعية للعمل ويسمى مكافأة. القسم الثاني: الجزاء والعقاب العام والشامل، والذي يترتب حتى على أصغر ذرة من الخير أو الشر.
في النوع الأول، توجد علاقة علية ومعلولية بين العقوبة والفعل الواجب أو المحرم، وهي من العلاقات التكوينية والحقيقية، وهذه الأعمال تولد آثارًا تكوينية، بينما قيل إنه لا توجد علاقة توليدية مفترضة بين الاعتباريات والحقائق. بالإضافة إلى ذلك، في القسم الثاني، يحتاج العقاب إلى دقة أكبر، حيث إنه في الظاهر يُسمى معنى “حقيقي” بمفهوم “اعتباري” دون أن يكون هناك حتى ثنائية بينهما. لذلك، صحيح أن الصلاة بقصد القربة لا تختلف ظاهريًا عن الصلاة بدون قصد القربة، ولكن هذا هو ظاهر القضية، وفي باطنها حقيقة تحكم بأن جميع هذه الأفعال والأذكار، وهي الصورة الظاهرية والمناسبة للعالم الدنيوي، هي تلك الحقيقة الباطنية المناسبة لعالم الاعتبار.
إن مجموع هذه المطالب يوضح الحقيقة التي يجب أن نفرق فرقاً جوهرياً بين الأحكام المعتبرة من قبل الله وبين الاعتباريات البشرية. ولذلك، فإن وصفها بـ “الاعتباري المحض” وسريان أحكام الاعتبارات البشرية إليها لا يبدو صحيحاً، ولا يمكن اعتبار الأحكام الشرعية اعتبارية محضة، وبالتالي لا يمكن اعتبار علم الفقه من العلوم الاعتبارية المحضة ومن ضمن العلوم البشرية، وتسري فيه النقائص البشرية. كما لا يمكن اعتبار علم أصول الفقه، الذي تناول الكثير من الأمور الحقيقية، من العلوم الاعتبارية المحضة. وبناءً عليه، فإن ادعاء مؤيدي تطبيق قاعدة “الواحد” في “كفاية الأصول” يتقوى، وهو دليل على ابتكار المدرسة الأصولية للآخوند الخراساني في مجال توظيف قاعدة “الواحد” في أصول الفقه.
٣. التبعات الاعتقادية لتطبيق قاعدة “الواحد” في علم الكلام
إن تطبيق قاعدة “الواحد” في علم الكلام قد أثار اعتراضات كثيرة من قبل المتكلمين. ومن بين مجموعة المتكلمين الذين أنكروا قاعدة “الواحد”، هناك اثنان أكثر شهرة: فخر الدين الرازي وأبو حامد الغزالي. وقد بذل الإمام فخر الدين الرازي وأبو حامد الغزالي قصارى جهدهما لإفساد قاعدة “الواحد”. وفيما يلي سنوضح وننتقد وجهة نظر هذين المتكلمين.
أ) رؤية الغزالي وفخر الرازي في تطبيق قاعدة “الواحد” على الله يعتقد الغزالي أن هذه القاعدة تتعارض أولاً مع مبادئ الحكماء، وثانياً، تطبيق القاعدة على الله خاطئ أساساً، لأنه يستلزم أمرين مستحيلين: ١. أن الله ليس قادراً ومريداً مطلقاً. ٢. أن جميع الموجودات الممكنة، ما عدا العقل الأول، ليست مخلوقة وفعلًا إلهيًا.
وفقًا للغزالي، يعتقد الحكماء أن عالم الخلق وجميع موجوداته لا يمكن أن تصدر دفعة واحدة وفي عرض واحد من الله، بل ما يصدر من الله هو موجود مجرد ممكن واحد فقط، وهو العقل، الذي يُعبر عنه في لسان الشريعة بالملك. وهذا الصادر الأول يعلم بذاته وبعلته. ثم يُوجِد هذا العقل المجرد عقلاً آخر، وهذا الأخير يُوجِد عقلاً آخر، وهكذا، حتى تتحقق الكثرة في العالم تدريجيًا. وبهذه الطريقة، بناءً على رأي الحكماء، ليس لله إلا فعل واحد مباشر.
يقول الغزالي إن لازم قول الحكماء هو أنه لا توجد لدينا أي كثرة عرضية، وأن الكثرة تنحصر في سلسلة طولية، بينما الواقع في العالم ليس كذلك، فلدينا كثرة عرضية أيضاً. في الواقع، من نتائج قاعدة الواحد أنه لا يوجد في العالم أي موجود مركب؛ لأن من كل موجود واحد يصدر موجود واحد بسيط فقط، بينما نرى في العالم موجودات متعددة يعتقد الحكماء أنفسهم أنها مركبة من أجزاء دون أن يكون أحدها علة للآخر، مثل الجسم المركب من الصورة والمادة والإنسان الواحد المركب من النفس والبدن. ومن ناحية أخرى، يجب أن تكون هذه الموجودات الواحدة في سلسلة وجودية طولية، ويكون صدور الموجودات من الباري تعالى على نحو الترتيب العلي والمعلولي، وهذا يتعارض بطبيعة الحال مع القدرة الإلهية المطلقة. لذلك، لا بد أن نقبل بأن العلة البسيطة والواحدة يمكن أن يكون لها معلولات متكثرة ومتعددة.
ويرى فخر الرازي أن الالتزام بهذه القاعدة يتعارض مع الإيمان بعموم قدرة الله تعالى. وقد صرح بذلك في كتابيه “المباحث المشرقية” و”الأربعين في أصول الدين”. وقد خصص المسألة الثالثة والعشرين من كتاب “الأربعين” لمناقشة القدرة العامة لله تعالى، وأقام ثلاثة براهين لإثباتها. ثم قسم جميع من أنكروا عموم قدرة الله تعالى إلى عدة مجموعات، واعتبر المجموعة الأولى منهم هم الفلاسفة الذين أثبتوا القاعدة المذكورة.
ب) اعتراضات الغزالي على رؤية الحكماء
١. هل هذه الحيثية والخاصية الإمكانية للعقل الأول هي منشأ وجود الجرم الفلكي الأقصى، أم هي عين وجود العقل الأول، أم لا؟ إذا كانت عين وجوده، ففي هذه الحالة لا توجد خاصية منفصلة، ولم تتحقق كثرة، وبالتالي لن تكون منشأ لوجود الفلك. وإذا لم تكن عين الوجود، بل شيئاً غيره، ففي هذه الحالة ينطبق هذا الكلام نفسه على خاصية وجوب الله أيضاً، أي أن وجوبه سيكون غير وجوده، وبالتالي سيكون لدينا شيئان: وجوب ووجود، ويمكننا القول بأن معلولين يصدران من هاتين الجهتين، وبالتالي، خلافاً لقول الحكماء، يصبح الله منشأ لأمور متعددة. ولكن إذا قلتم إن وجوب وجود الله ليس إلا وجوده نفسه، وبالتالي لا يوجد تعدد، فجوابنا هو أنه يمكن قول هذا الكلام نفسه في حق العقل الأول أيضاً، بأن إمكانه ليس إلا وجوده، لأن الوجود معنى عام وينقسم إلى واجب وممكن، وبما أن المقسّم غير الأقسام، فإن الإمكان والوجوب كلاهما بملاك غير الوجود. وإذا كان الوجوب عين الوجود لأي دليل، فبنفس المعيار يكون الإمكان أيضاً عين الوجود.
٢. هل علم وتعقل العقل الأول بالنسبة إلى الله تعالى هو عين وجود العقل الأول وعين تعقله بالنسبة إلى نفسه أم هو شيء غير ذلك؟ إذا كان هذان الشيئان عين بعضهما، ففي هذه الحالة لا توجد كثرة، وبالتالي لا يتحقق تعدد في المعلولات. ولكن إذا كانا غير بعضهما، ففي هذه الحالة يمكن اعتبار هذه الكثرة نفسها في حق الواجب تعالى أيضاً، ويُمكن ترك وحدانيته من جميع الجهات وقبول إمكان صدور الكثرة منه.
ويرى فخر الرازي أنه لا مانع من أن تكون للعلة البسيطة معلولات متعددة. فالواجب الوجود مبدأ العاقلية والمعقولية، ولا يعقل الأمور على نحو الترتيب حتى يُوجد أولاً، وفقًا لقاعدة “الواحد”، العقل الأول، ثم يُوجد العقل الأول العقل الثاني، وهكذا، حتى تنتهي سلسلة العقول إلى العقل الفعال الذي هو علة عالم المادة. لأن في هذه الحالة ستنتج علل ومعلولات لا متناهية. وذلك لأنه في هذه الحالة، سيعتبر الواجب الوجود معلولًا لكل علة، وستستمر هذه السلسلة إلى ما لا نهاية. والتالي، أي حصول العلل والمعلولات اللامتناهية، باطل. لذلك، فإن المقدم، أي تعقل الأمور على نحو الترتيب، غير صحيح.
ج) الرد على رأي الغزالي وفخر الرازي
يعتقد عموم الأشاعرة والغزالي أن الله، بالإضافة إلى كونه أزلياً وقديماً، فإن صفاته السبعة (العلم، الحياة، إلخ) قديمة وأزلية أيضاً، وهذا لا يتعارض مع توحيد الله. لكن رأي الحكماء هو أن الصفات الإلهية، وإن كانت مغايرة مفاهيمياً بعضها لبعض ومغايرة لذات الحق، إلا أنها في الخارج عين بعضها البعض وعين الذات، ولا ينفصل بعضها عن بعض بأي حال. ومن هنا، فإن الغزالي لا يؤمن أساساً بوحدة الله بالمعنى المطروح في قاعدة “الواحد”؛ بل يعتبر الله ذا جهات متعددة، وبناءً على هذا الافتراض المسبق، وكذلك الافتراض المسبق بأن تطبيق قاعدة “الواحد” على الله يتعارض مع إرادته واختياره، فإنه ينكر تطبيق القاعدة على الله. لذلك، لا يمكن توقع أن يقبل الغزالي هذه القاعدة في تطبيقها على الله. إلا إذا قمنا أولاً بنقد وتحليل آرائه بشأن عينية الصفات بالذات و”القدم الثمانية”.
رداً على هذا الاعتراض بأن الله، في حال تطبيق القاعدة عليه وافتراض العقول العشرة، له مخلوق واحد فقط، يجب القول: حتى لو كان هذا الاعتراض صحيحاً، فإنه موجه فقط إلى رأي الحكماء الذين يرون أن الصادر الأول هو العقل الأول. وذلك لأن كبار العرفاء مثل القونوي يؤمنون بهذه القاعدة وتطبيقها على الله، لكنهم، خلافاً لرأي الحكماء، يرون أن الصادر الأول هو الفيض المنبسط و”نفس الرحمن” الذي يشمل وجوده جميع الموجودات، خلافاً للعقل الأول الذي هو محدود ومتميز عن العقل الثاني والثالث وسائر المخلوقات والممكنات.
د) رد فخر الرازي
مفاد براهين التسلسل هو أن سلسلة العلل والمعلولات من ناحية العلة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية أبداً، ويجب أن تنتهي حتماً إلى علة ليست معلولاً بنفسها، وهناك تنقطع السلسلة. أما هذه السلسلة من ناحية المعلول، فلا يوجد لها حد توقف، وليس من الضروري أن تنتهي السلسلة إلى معلول معين وتنقطع هناك.
السبب في ذلك هو أن في جميع براهين التسلسل، يعتبر شرطان أساسيان، هما الترتيب والاجتماع، معتبرين. وبالتالي، في سلسلة العلل والمعلولات التصاعدية، جميع العلل المترتبة، حسب الفرض والمرتبة الذاتية للمعلول، موجودة، وتقدمها يعود فقط إلى تحليل العقل. أما في سلسلة المعلولات التنازلية، فإن جميع المعلولات المترتبة ليست موجودة في المرتبة الذاتية للعلة؛ وهذا لأن المعلول، من حيث النقص في الوجود وكونه محاطاً بالعلة، لا يمكن أبداً أن يكون في المرتبة الذاتية للعلة. أما العلة، فمن حيث كمالها الوجودي وكونها محيطة، موجودة في المرتبة الذاتية للمعلول وتحيط به. وبهذه الطريقة، يمكن أن يتحقق الشرطان الأساسيان، الترتيب والاجتماع، للعلل في السلسلة التصاعدية من ناحية العلل، ولكن لا يمكن أن يتحققا في السلسلة التنازلية من ناحية المعلولات. وبناءً على ذلك، فإن التسلسل في الجانب النزولي وصدور المعلولات بشكل ترتيبي من واجب الوجود ليس مستحيلاً.
النتيجة
لقد تعرض استخدام قاعدة الواحد من قبل الآخوند الخراساني لانتقاد مفكرين مثل الشهيد مطهري والعلامة الطباطبائي وغيرهما. كما أن تطبيق هذه القاعدة في علم الكلام قد واجه انتقادًا شديدًا من قبل المتكلمين مثل فخر الرازي والغزالي، وذلك من حيث تعارض القاعدة مع القدرة الإلهية المطلقة والتوحيد الأفعالي. وبالطبع، مع الفهم الصحيح للوحدة الإلهية الحقة، يتم تأييد صحة هذا التطبيق. ويرى المرحوم العلامة أن أصول الفقه من العلوم الاعتبارية المحضة، وأن منطق الاستدلال في الاعتباريات هو الجدل. لذا، فإن تطبيق القاعدة الفلسفية “الواحد” في أصول الفقه يعتبر خطأ، لأن الفلسفة من العلوم الحقيقية. لكن صحة هذا الادعاء تُشكك فيها عند تتبع أعمال مختلفة للعلامة والشهيد مطهري؛ لأنهما صرحا في تلك الأعمال بأن كل اعتبار يستند إلى حقيقة. في المقابل، تؤيد مجموعة أخرى هذا التطبيق، مستندة إلى أدلة كثيرة تؤكد الارتباط بين العلوم الحقيقية والاعتبارية.
- وجود ارتباط توليدي بين العلوم الحقيقية والاعتبارية.
- مبادئ الجدل ليست دائماً غير يقينية، بل هي إما نظرية وتحتاج إلى إقامة برهان، أو أن صدقها مشروط بقياس خفي لم يتضح في القضية المذكورة.
- ترتب الآثار التكوينية على اعتبارات الشارع يخرج علم الفقه، وبالتالي علم أصول الفقه، من كونه اعتباريًا محضًا.
وبناءً على هذه التفاصيل، لا يمكن اعتبار علم الأصول والفقه من العلوم الاعتبارية المحضة. لذا، فإن تطبيق قاعدة “الواحد” جائز، على الأقل في بعض المسائل الأصولية، وهو يفتح آفاقاً لحل مسائل هذا العلم.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- آشتياني، سيد جلال (١٣٧٨)، نقدٌ على تهافت الفلاسفة للغزالي، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
- ابراهيمي ديناني، غلام حسين (١٣٨٨)، القواعد الكلية الفلسفية في الفلسفة الإسلامية، ج ۱، طهران: معهد بحوث العلوم الإنسانية والدراسات الثقافية.
- ابن رشد الأندلسي، محمد (١٩٧٣م)، تفسير ما بعد الطبيعة، بيروت: موريس بويج.
- ابن سينا، علي (١٤٠٥ق)، منطق الشفاء، المحققون: إبراهيم بيومي وزائد سعيد وطه حسين وأبو العلاء عفيفي، قم: مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة.
- (١٤٠٣ق)، الإشارات والتنبيهات، طهران: مكتب نشر الكتاب.
- الأصفهاني، محمد حسين (١٣٧٤)، نهاية الدراية في شرح الكفاية، قم: مؤسسة سيد الشهداء عليه السلام.
- الأنصاري، مرتضى (١٣٦٨)، فوائد الأصول، قم: المطبوعات الدينية.
- بهمنيار، المرزبان (١٣٧٥)، التحصيل، تحقيق: مرتضى مطهري، طهران: جامعة طهران.
- الحلي، الحسن بن يوسف (١٣٦٣)، الجوهر النضيد، قم: مؤسسة بيدار.
- الخميني، روح الله (١٣٨١)، تقريرات فلسفة الإمام الخميني (تقرير آية الله السيد عبدالغني الأردبيلي)، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، قم.
- الخراساني، محمد كاظم (١٤١٥ق)، كفاية الأصول، طهران: المكتبة الإسلامية.
- الرازي، فخر الدين (١٤٠١ق)، المباحث المشرقية، بيروت: دار الكتاب العربي.
- الشيرازي، صدر الدين محمد (١٣٦٨)، الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، ج ۲ و ۷، قم: منشورات مصطفوي.
- الصدر، محمد باقر (١٤٢١ق)، المعالم الجديدة، قم: مركز الأبحاث والدراسات التخصصية للشهيد الصدر.
- صدر الدين القونوي، محمد بن إسحاق (١٣٨٢)، مصباح الأنس بين المعقول والمشهود في شرح مفتاح غيب الجمع والوجود، طهران: مولى.
- الطباطبائي، محمد حسين (١٣٨١)، رسائل التوحيدية، قم: مؤسسة الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي العلمية والفكرية.
- (١٣٦٢)، رسائل سبعة، قم: مؤسسة الأستاذ العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي العلمية والفكرية.
- (١٣٥٩)، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، قم: صدرا.
- (بي تا)، حاشية الكفاية، قم: مؤسسة أهل البيت عليهم السلام.
- (١٣٨١)، رسالة الولاية، قم: مؤسسة أهل البيت عليهم السلام.
- (١٣٨٤)، نهاية الحكمة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- الطوسي، محمد بن حسن (١٣٧٦)، عدة الأصول، ج ٢، قم: ستاره.
- الغزالي، أبو حامد (١٣٩٢)، تهافت الفلاسفة، طهران: دار المعارف.
- (١٣٦٨)، آراء أهل المدينة الفاضلة، القاهرة: مطبعة الحجازي.
- الرازي، محمد بن عمر (١٤١١ق)، المباحث المشرقية، تحقيق: محسن بيدار فر، قم: بيدار.
- (١٣٥٣)، الأربعين في أصول الدين، حيدر آباد دكن.
- الفياض، محمد إسحاق (١٤١٩ق)، محاضرات في أصول الفقه (تقرير درس آية الله الخوئي)، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- فيض الكاشاني، ملا محسن (١٤٢٨ق)، المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- كلبايكاني، علي رباني (١٣٨٦)، إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة، قم: منشورات مركز العلوم الإسلامية العالمي.
- مصباح يزدي، محمد تقي (١٣٨٦)، تعليم الفلسفة، ج ٢، طهران: چاپ ونشر بين الملل.
- (١٤٠٥ق)، تعليقة على نهاية الحكمة، قم: مؤسسة في طريق الحق.
- مظفر، محمد رضا (١٤٠٨ق)، المنطق، قم: فيروز آبادي.
- مطهري، مرتضى (١٣٨٩)، مجموعة آثار، شرح المقالة السادسة، ج ٢، قم: منشورات صدرا.
- نوري طهراني، ميرزا أبو القاسم (١٣٨٣)، مطارح الأنظار (تقريرات درس أصول الشيخ الأنصاري)، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.