الملخص: إحدى المسائل المطروحة حول نص القرآن هي: هل ألفاظ القرآن، كالمحتوى والمعنى، وحي إلهي؟ أم أن المحتوى نزل من الله وحياً على النبي الأكرم، وقام النبي نفسه بصياغة ذلك المحتوى في قالب الألفاظ؟ توجد رؤيتان أساسيتان في هذا الشأن: الرؤية الأولى هي الاعتقاد بكون ألفاظ القرآن وحياً إلهياً، وهي الرؤية التي يعتبرها عامة المسلمين؛ والرؤية الثانية هي بشرية ألفاظ القرآن، وبناءً على الرؤية الثانية، فإن ألفاظ القرآن هي كلام نبوي، ومحتواه فقط وحي إلهي. هذا القول يتعارض صراحة مع الكتاب والسنة والإجماع. تتناول هذه المقالة أولاً تعريف مفهوم الوحي، ثم تعرض الأقوال المختلفة حول المسألة وتناقشها. وفي الختام، يتم بيان الرؤية الصحيحة مع أدلتها، ويستنتج في النهاية أن القرآن كلام الله لا كلام النبي؛ لأن نسبة الكلام إلى قائله تصدق عندما يكون هو الذي صاغ المعاني في قالب الألفاظ ونظمها. إذا كان النبي هو الذي أنشأ الألفاظ القرآنية وألبس المعاني ثوب اللفظ، فلن يكون القرآن كلام الله. وبالنظر إلى إطلاق «كلام الله» على القرآن الموجود، ومفهوم «الكلام» الذي يلاحظ فيه وجود اللفظ، يتضح أن ألفاظ القرآن الكريم إلهية، وأن جميع ألفاظه قابلة للاستناد والنسبة إلى الذات الإلهية المقدسة.
مقدمة
من المسائل التي تُطرح بين الحين والآخر في بعض المجلات اليوم مسألة وحيانية أو غير وحيانية ألفاظ وكلمات القرآن. يُطرح السؤال على هذا النحو: هل ألفاظ وكلمات القرآن، مثل محتواها ومعانيها، أوحيت من قبل الله ولم يكن للنبي أي دور أو تدخل فيها؟ أم أن القرآن ظاهرة بشرية من صنع النبي نفسه، وبعبارة أخرى، قوالب عبّر بها النبي عن تجربته الباطنية؟ هذا السؤال طُرح أيضاً فيما يتعلق بالنصوص المقدسة المسيحية، لكن الدافع والمصير اللذين شهدهما هذا السؤال فيما يتعلق بالنصوص المقدسة المسيحية يختلفان اختلافاً جوهرياً عن دافعه ومصيره فيما يتعلق بالقرآن. أولاً، تاريخ هذا السؤال بشأن القرآن، كما يتضح من “الإتقان” للسيوطي و”البرهان” للزركشي، يعود إلى قرون مضت، والعامل الذي أدى إلى طرح هذا السؤال ونظرية عدم وحيانية ألفاظ القرآن، كما سنذكر لاحقاً، كان أمراً داخلياً دينياً، مثل فهم خاص لبعض الآيات أو رؤية خاصة للكلام الإلهي. أما في المسيحية، فقد طُرح هذا السؤال متأخراً جداً، وثانياً، كان دافعه بعض التناقضات التي كانت بين النصوص المقدسة والإنجازات العلمية. الفرق الآخر هو أنه على الرغم من أن السؤال المذكور طُرح متأخراً في العالم المسيحي، إلا أنه وجد إجابته بسرعة كبيرة؛ فقد كشف التقدم العلمي والبحوث التاريخية التي أُجريت حول النصوص المقدسة وكيفية تشكلها بوضوح حقيقة أن النصوص المقدسة هي من صنع البشر، وليس من صنع موسى وعيسى عليهما السلام أنفسهما، بل من صنع أفراد معينين من أتباعهما الذين عاشوا في أزمنة متأخرة جداً عنهما. أما في ما يتعلق بالقرآن، فالأمر عكس ذلك؛ أي أن نظرية عدم وحيانية ألفاظ القرآن، بعد أن طُرحت، عُرفت في البداية كنظرية نادرة وغريبة، وكلما مر الزمن، أصبحت هذه النظرية أكثر رفضاً وهجراً، لأن تقدم العلم لم يخطئ حقائق القرآن فحسب، بل أكد صحتها. أما لماذا تُطرح هذه النظرية مجدداً اليوم، فالسبب هو تقليد بعض المثقفين الغربيين الذين يسعون إلى نقل التحديات والأزمات المتعلقة بالمسيحية إلى العالم الإسلامي بشكل ما. في هذا المقال، تم بحث مسألة وحيانية أو عدم وحيانية ألفاظ القرآن، ليس لأن هذه المسألة ذات أهمية في حد ذاتها، بل لأن بعض التوجهات في الدين تقوم، بقصد أو بغير قصد، على أساس عدم وحيانية ألفاظ القرآن.
١. مفهوم الوحي
إحدى الواجبات الأساسية للأنبياء هي تلقي الرسالة الإلهية، والتي يُعبّر عنها بالوحي. الحديث عن ماهية الوحي وحقيقته صعب للغاية، وحقيقة الوحي لا يمكن إدراكها؛ لأن الوحي ليس ظاهرة طبيعية يمكن معرفتها بالأدوات المتعارفة العامة والعلمية، بل هو ظاهرة خارقة للعادة بين الله وبعض البشر المختارين، ولا يستطيع الحكم على ماهيتها إلا هم أنفسهم، ومن لم يصل إلى تلك المرحلة والموقع. لكن معناه ومفهومه قابلان للفهم والإدراك، وبقدر سعة العقل، يمكن التفكير والبحث فيه بناءً على أقوال الأنبياء الإلهيين.
أ) المعنى اللغوي
يقول ابن منظور في “لسان العرب”: الوحي بمعنى الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما يُلقى إلى الغير. وتعبير “وحي إليه وأوحى” يعني أنه كان معه بطريقة أخفاها عن الآخرين.
ويقول الراغب الأصفهاني: «أصل الوحي: الإشارة السريعة». ولهذا يقال لكل عمل يُنجز بسرعة: وحي، وقد يكون ذلك في كلام رمزي وكنائي، أو صوت مجرد من الألفاظ والكلمات، أو إشارة ببعض الأعضاء، أو بالكتابة.
ويرى اللغويون أن الجامع لجميع معاني واستخدامات كلمة الوحي هو الفهم والإلقاء السريع والخفي الذي يتجه إلى مخاطب معين ويكون مخفياً عن الآخرين. وهذا المعنى المشترك يصدق على جميع مصاديق الوحي؛ سواء كان إلقاء أمر تكويني على الجمادات، أو إلقاء أمر غريزي على الحيوانات؛ أو تفهيم خطرات فطرية وقلبية على البشر العاديين، أو تفهيم الشريعة على الأنبياء المختارين؛ سواء كان إشارة، أو صوتاً خفياً، أو كتابة بشرية. في جميع هذه الحالات، يتضمن الأمر تفهيماً سرياً وسريعاً.
ب) المعنى الاصطلاحي
الوحي في الاصطلاح الإسلامي هو إيصال الله الرسالة إلى الأنبياء عن طريق ربطهم بالعالم الغيبي وإيجاد نوع من الاتصال فوق الطبيعي. وبما أن هذا النوع من إيصال الرسالة يتم بسرعة وخفاء عن الآخرين، فقد عُبّر عنه بكلمة “وحي”.
ويقول العلامة الطباطبائي: “الوحي نوع من التكليم السماوي (غير المادي) الذي يحدث في بعض الأفراد بمشيئة الله، ويتلقون به الأوامر الغيبية الخفية عن الحس والعقل من وحي وتعليم إلهي”.
٢. التجربة الدينية
التجربة هي واقعة يمر بها الشخص، سواء كان فاعلاً أو مراقباً، ويكون واعياً ومطلعاً عليها. وتتنوع التجارب وتتسع، وتشمل نطاقاً واسعاً من التجارب. ومنها: التجربة الجمالية، والتجربة الأخلاقية، وتجربة اللذائذ، والتجربة الحسية، وما إلى ذلك. لكن التجربة الدينية تختلف عن التجارب المتعارفة؛ فموضوع هذه التجربة هو كائن أو حضور فوق طبيعي أو مرتبط بما وراء الطبيعة أو الحقيقة المطلقة، كـ: تجربة الله، أو تجلي الله في شيء أو شخص كالمسيح أو مريم العذراء، أو رؤية ملك أو التحدث معه، وما شابه ذلك.
وكذلك في التجربة الدينية، يعتقد المتمرس بأن تفسير تلك التجربة بناءً على الأمور الطبيعية غير كافٍ وقاصر، ويجب تفسيرها بناءً على التعاليم الدينية. وبعبارة أخرى، يقدم المتدينون تفسيراً دينياً لتجربتهم ويصفونها ويفسرونها بناءً على التعاليم الدينية. لذلك، يوجد شرطان لكي تصبح التجربة دينية: الأول أن تتم في مجال الدين، والثاني أن يستفيد فاعل التجربة في وصف حالاته من المفاهيم الدينية.
التجربة الدينية هي تجربة تنشأ من مواجهة النبي المباشرة مع الله، وتكون مصحوبة بتأثر ديني. في هذه المواجهة لا تُتبادل رسائل ولا كلمات، ولا تُلقى حقائق في صورة قضايا على النبي، بل يجد النبي نفسه مواجهاً للأمر المقدس، وما يبلغه للناس باسم الوحي ليس رسالة ولا كلاماً إلهياً، بل هو تفسير لمواجهته مع ذلك الأمر المقدس.
تفاوت الوحي والتجربة الدينية
توجد فروق أساسية بين الوحي والتجربة الدينية، وهذه الفروق ترفض تماماً توهم المساواة بينهما. ويمكن إجمال هذه الفروق فيما يلي:
- من السمات الأساسية للوحي إعجازه، مما يميزه عن التجربة الدينية. فما ينزل من عند الله في قالب الوحي على النبي يتمتع بقوة خارقة للعادة، تُظهر من خلالها معجزة أو أكثر تفوق قدرة البشر، مما يدل على امتلاك النبي لقوة إلهية خارقة للعادة. وقد سمّى القرآن الكريم هذه الآثار الخارقة للعادة التي كان الأنبياء يقدمونها بإذن الله دليلاً على صدق وحيهم «آية»، أي علامة ودلالة على نبوة النبي. والمتكلمون الإسلاميون، من حيث إن هذه العلامات تكشف عجز الآخرين وضعفهم، يسمونها «معجزة». بناءً على ذلك، يمكن بفكر يسير فهم أن التجربة الدينية لا يمكن أن تكون معجزة.
- نقطة أخرى حول الفرق بين التجربة الدينية والعرفانية هي أن تجربة صاحب التجربة تتأثر بثقافته ومعتقداته السابقة. فعندما يكون المتمرس منشغلاً بالسير والسلوك والتجربة العرفانية، يجد نتاجات حاله أو ماضيه في النوم أو اليقظة. ولهذا، فإن ثقافة ومعتقدات الشخص المتمرس تمنح تجربته تحديداً وتخصيصاً معيناً. أما وحي الأنبياء، فعلى عكس التجارب الدينية. فما كان النبي يأخذه ويتلقاه في قالب الوحي كان ضد أفكار وعقائد زمانه ومغيراً تماماً للأوضاع والأحوال السائدة في ثقافته وزمانه، ولم يكن يغير الأفكار والعقائد والرؤى السائدة في المجتمع فحسب، بل كان يغير القيم الأخلاقية والاجتماعية أيضاً. بناءً على ذلك، فإن وحي الأنبياء، خلافاً للتجارب الدينية والعرفانية التي تتأثر بثقافة زمانها، كان مؤثراً في الثقافة والزمان. وهذا التأثر، في الواقع، بعدم التأثر بثقافة الزمان يعود إلى سمة أخرى للأنبياء، وهي «العصمة». «العصمة»، كما يقول الشهيد مطهري، تعني الحصانة من الذنب والخطأ، أي أن الأنبياء لا يتأثرون بالهوى، ولا يرتكبون الذنوب، ولا يخطئون في أعمالهم وأفكارهم، ولهذا فهم ليسوا تحت تأثير العادات الاجتماعية وثقافة زمانهم. ولهذا، عندما يتلقون الوحي من الله، يبلغونه للناس دون أي تغيير أو تصرف.
- من هنا يمكن إدراك الفرق بين النبي والعباقرة، فالعباقرة هم أفراد يتمتعون بقوة فكر وتعقل وحساب قوية، أي أنهم يتصلون بالأشياء عن طريق حواسهم، ويعملون بقوتهم الحاسبة العقلية على نتاجاتهم الذهنية، ويصلون إلى نتائج، وقد يخطئون أحياناً. أما الأنبياء الإلهيون، فبالإضافة إلى تمتعهم بقوة العقل والفكر والحسابات الذهنية، مجهزون بقوة أخرى تسمى «الوحي»، والعباقرة يفتقرون إلى هذه القوة، ولهذا لا يمكن مقارنة الأنبياء بالعباقرة بأي وجه من الوجوه؛ لأن المقارنة تكون صحيحة عندما يكون عمل كلتا المجموعتين من نوع واحد ومن جنس واحد، أما بما أنهما من نوعين وجنسين مختلفين، فالمقارنة خاطئة.
- فرق آخر بين الوحي والتجربة الدينية هو أن لازم الوحي على النبي هو القيادة، والنبوة وإن كانت تبدأ بمسار روحي نحو الله والتقرب إلى ذاته والانقطاع عن الخلق (سير من الخلق إلى الحق) الذي يستلزم الانصراف عن الخارج والتوجه إلى الداخل، إلا أنها تنتهي بالعودة إلى الخلق والخارج بهدف إصلاح وتنظيم حياة الإنسان وهدايته في مسار صحيح (سير بالحق في الخلق).
تبعات القول ببشرية ألفاظ القرآن
قبل أن نعرض النظريات ونناقش أدلتها، لا بد من طرح هذا السؤال: ما هي التبعات والآثار المترتبة على اعتبار ألفاظ القرآن بشرية وغير وحيانية؟ في الإجابة على هذا السؤال، يمكن ذكر الأمور التالية كـ”تبعات القول ببشرية الألفاظ”:
- النتيجة الأولى لهذه النظرية هي نزع القداسة عن ألفاظ وكلمات القرآن. فلطالما أقر المسلمون قيمة لألفاظ القرآن وكلماته وأعطوها احتراماً. واستخدام فن الخط وأساليب الخط المختلفة والتذهيب وغيرها من الزخارف الفنية في القرآن، وظهور علم القراءات والتجويد لتحسين أداء كلمات وحروف القرآن، ومراعاة الأدب والطهارة عند لمس كلمات القرآن، كلها دلائل ومظاهر للشعور بالقداسة والقيمة التي يكنها المسلمون لكلمات القرآن وحروفه. أما اعتبار ألفاظ القرآن بشرية، فيزيل هذه القيمة والقداسة، ويضع ألفاظ وكلمات القرآن على مستوى ألفاظ وكلمات سائر الكتب والمؤلفات.
- النتيجة الثانية لهذه النظرية هي نفي الإعجاز في البعد اللفظي والمعجمي للقرآن. ولا يخفى أن أحد أبعاد إعجاز القرآن، الذي كان مطروحاً منذ بداية النزول وحتى الآن، هو الإعجاز البياني، أو بعبارة أخرى، الإعجاز في الفصاحة والبلاغة. أما الأبعاد الأخرى للإعجاز، كالإعجاز العلمي والإعجاز التشريعي، فهي حقائق تم اكتشافها مع مرور الزمن وبفعل تطور الفكر البشري. لكن ما اتفق عليه جميع المتخصصين منذ البداية وحتى الآن، وربما كان المحور الأساسي للتحدي القرآني في زمن النزول، هو هذا البعد من الإعجاز البياني والبلاغي.
- ومن جهة أخرى، فإن مستويات الإعجاز البياني المختلفة، مثل الجمال، والإيقاع الدقيق الذي لا يُضاهى، والسهولة، ووضوح الترتيب والاختيار المنظم والمحسوب، وما إلى ذلك، تُطرح جميعها على محور الألفاظ والكلمات. ومعنى الإعجاز في هذا البعد ليس إلا أن الإتيان بألفاظ وكلمات بهذه الخصائص يفوق قدرة البشر، ولا يستطيع أي إنسان أن يأتي بكلام بمثل هذه الخصائص. نظرية بشرية ألفاظ القرآن تنكر هذا البعد من الإعجاز تماماً؛ لأنه عندما تكون الألفاظ من صنع الإنسان، فمن الطبيعي أن يستطيع البشر الآخرون أن يأتوا بأفضل منها أو على الأقل بمثلها. ومن هنا يمكن الاستنتاج أن أدلة الإعجاز البياني هي في حد ذاتها أفضل دليل على بطلان هذه النظرية، كما سنتطرق إليه في تتمة البحث.
- التبعة الثالثة لنظرية بشرية النص، هي التحرر من النص، أو بعبارة أخرى، تجاهل مرجعية القرآن في فهم الدين.
- التعددية الدينية هي تبعة أخرى تترتب على نظرية بشرية الألفاظ. فأساس وأرضية التعددية في مجال الأديان هي هذه النظرية التي تقول إنه لا يوجد دين يحمل الحقيقة كاملة، بل كل دين له نصيب من الحقيقة، ولهذا لا يبقى مجال لادعاء الحصرية أو الشمولية.
هـ. عرض وجهات النظر
قبل الشروع في عرض وجهات النظر القائمة ومناقشة أدلتها، سنذكر أولاً الافتراضات الممكنة في هذه المسألة ثم نقوم بتحليلها ومناقشتها. يبدو أنه يمكن تصور خمسة افتراضات في المسألة قيد البحث:
- ما نزل على النبي الأكرم ﷺ كان مجرد معانٍ ومعارف سماوية للقرآن، وقام النبي نفسه بصياغة تلك المعاني والمعارف في قالب الألفاظ والكلمات والجمل وعرضها على البشر.
- المعاني والمعارف القرآنية السامية جاءت من الله، لكن الألفاظ والكلمات والجمل صاغها ملك الوحي جبرائيل على تلك المعارف وعرضها على النبي ﷺ.
- ما نزل على النبي ﷺ كان مجرد ألفاظ وكلمات وجمل، وانتقل النبي من خلال هذه الألفاظ إلى معانيها ومعارفها السامية.
- الألفاظ والمعاني القرآنية كانت جميعها من النبي نفسه، واستناد القرآن إلى الله هو مجرد لكون الله قد أوجد الأرضية لمثل هذه الألفاظ والمحتوى في وجود النبي.
- المعاني والمعارف السامية للقرآن، وكذلك ألفاظه وكلماته وجمله، كلها من الله، وقد تلقاها النبي ﷺ كاملة من الله وعرضها على البشر دون أن يتدخل في معانيها أو ألفاظها بأي شكل من الأشكال. العلامة الطباطبائي يوافق على هذا الافتراض.
إن دراسة الآراء حول ألفاظ القرآن تُظهر أن بعض الافتراضات الخمسة المذكورة لم تُقبل من أي من المتخصصين في مجال التفسير وعلوم القرآن، ولم تلقَ اهتماماً وقبولاً سوى ثلاثة افتراضات منها. وقد ذكر الزركشي في هذا الباب ثلاث وجهات نظر تتطابق مع تلك الافتراضات الثلاثة:
أ) المعاني والمعارف القرآنية نزلت في قالب هذه الألفاظ والجمل من الله، وجبرائيل والنبي كانا مجرد وسيطين في تبليغ الرسالة الإلهية إلى البشر. (الافتراض الخامس)
ب) المعاني والمعارف القرآنية نزلت وحدها من الله عن طريق جبرائيل على النبي، وقام النبي بنفسه بصياغتها في قالب الألفاظ والجمل وعرضها على المؤمنين. (الافتراض الأول)
ج) أُلقيت المعاني والمعارف القرآنية على جبرائيل، وقام جبرائيل بنفسه بصياغتها في قالب الألفاظ وعرضها على النبي ﷺ. (الافتراض الثاني)
الزركشي، وإن لم يذكر أسماء المعتمدين على كل من الآراء الثلاثة المذكورة أعلاه، إلا أنه من بيانه قبل نقل هذه الأقوال يتضح أن أهل السنة متفقون على الرأي الأول.
“واعلم أنه اتفق أهل السنة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال فقيل: معناه إظهار القرآن، وقيل: إن الله أفهم كلامه جبرائيل وهو في أسماء وهو عال من المكان وعلمه قرائته، ثم جبرائيل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان.”
وقد اكتفى السيوطي أيضاً بنقل الآراء الثلاثة المذكورة أعلاه، وأقام أدلة على الرأي الأول مع تأكيد.
ومن كلام الزرقاني الدقيق في هذا الباب أيضاً يتضح أن الآراء الثلاثة المذكورة أعلاه فقط هي التي كانت مطروحة بين أصحاب الاختصاص، وأن الافتراضين الآخرين (الافتراض الثالث والرابع) إما لم يكونا مطروحين أصلاً، أو لم يكن لهما أي مؤيد ذو شأن بين المفكرين الدينيين.
من كلام العلامة الطباطبائي يتضح أن الافتراض الرابع، وهو أن الألفاظ والمعاني جميعها من النبي ﷺ، كان له قائل أيضاً من بين الافتراضات الخمسة، لكنه، بازدرائه لهذه الرؤية ورفضها، لم يذكر شيئاً عن قائلها:
“وأسخف منه قول من قال: إن القرآن بلفظه ومعناه من منشآت النبي ألفته مرتبة من نفسه الشريفة تسمى الروح الأمين إلى مرتبة منها تسمى القلب.”
من بين الافتراضات والآراء المذكورة في موضوع ألفاظ القرآن، حظيت رؤيتان باهتمام وقبول عامة المسلمين والمفكرين في الحوزات الدينية منذ البداية وحتى الآن، وخصصت لهما أكبر قدر من النقاشات. توخياً للاختصار، سنتناول عرض هاتين الرؤيتين ومناقشتهما، ونحيل التفاصيل والتوسع إلى مصادر أخرى.
أ) إلهية المعاني والألفاظ
الرؤية السائدة بين المسلمين منذ الأيام الأولى لمعرفتهم بالوحي الإلهي حتى الآن تقوم على هذا المبدأ بأن القرآن الكريم بكل معارفه السامية ومحتواه السماوي نزل على النبي الأكرم في قالب الكلمات والجمل والتراكيب الموجودة، وأن النبي، بصفته واسطة بين خالق الكون والبشر، تلقى هذه الرسالة الإلهية وأبلغها للناس دون أي نقصان أو زيادة. هذه الرؤية مدعومة بمثل هذا السند البرهاني والتأييدات القرآنية والروائية بحيث تعتبر من ضروريات الدين بين المسلمين، وقد ادعى العديد من المفكرين الإجماع عليها.
إن الجهود الواسعة التي بذلها النبي ﷺ للحفاظ على القرآن من أي تغيير أو تحريف، واستعانته بمجموعة من المؤمنين لتدوين وتسجيل آيات القرآن بدقة، وتعليمه الآيات المنزلة فور نزولها على المسلمين الحاضرين، وإرساله فرقاً تبليغية لتعليم القرآن للمسلمين في المناطق الأخرى، وتأكيده على القراءة المستمرة وحفظ القرآن، كل ذلك يدل على أن الكلمات والجمل والتراكيب القرآنية، شأنها في ذلك شأن المعارف السامية، قد نبعت من المصدر الذي لا ينضب للعلوم الإلهية.
لقد كان السلوك العملي للمسلمين في التعامل مع القرآن يشير دائماً إلى هذه الحقيقة. فالمسلمون، بقدر ما اجتهدوا في فهم معارف ومفاهيم القرآن السماوية وقاوموا أي انحراف في هذا المجال، بذلوا أيضاً جهوداً كبيرة في معرفة الكلمات والجمل والأساليب التركيبية والبنية الظاهرية للنص، وإدراك الأسلوب البديع وجوه الفصاحة والبلاغة والنغم المتناسق للقرآن. إن الجهود الواسعة التي بذلها المفكرون المسلمون حول البنية الظاهرية والأسلوب الكلامي للقرآن، قبل أي عامل آخر، كانت مبنية على الإيمان والاعتقاد بألوهية ألفاظ القرآن. فالعديد من النقاشات التي دارت حول ظهورات القرآن، وإمكانية فهم وتفسير القرآن، وترجمة القرآن إلى لغات أخرى، وجمع القرآن وتدوينه وكتابته، وتواتر القرآن عبر العصور، وعدم تحريف القرآن، كلها نبعت بشكل أو بآخر من الاعتقاد بألوهية هذا الكتاب السماوي – سواء في المحتوى أو في الشكل. إن الاعتقاد بألوهية الألفاظ والبنية الظاهرية لنص القرآن متجذر في نفوس المؤمنين، حتى أصبح القرآن الكريم نصاً مقدساً يحظى باحترام خاص لدى المسلمين، ووضع في مكانة فريدة أعلى من أي نص بشري.
أدلة الرؤية الأولى
أقيمت أدلة كثيرة على إلهية الألفاظ والبنية الظاهرية لنص القرآن، وإلى بعضها نشير:
- القرآن الكريم يصف نفسه بوضوح بأنه كلام الله. في الآية السادسة من سورة التوبة يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾. وفي الآية ٧٥ من سورة البقرة والآية ١٥ من سورة الفتح، ورد تعبير «كلام الله». ونسبة الكلام إلى قائله تكون منطقية ومعقولة عندما يكون القائل نفسه هو الذي اضطلع بالدور الرئيسي في اختيار الكلمات، وتنظيمها، وترتيبها، وتشكيل بنية الجمل. أما إذا ألقى شخص ما مفاهيم فقط على شخص آخر، وقام الشخص الثاني بنفسه باختيار الكلمات وتنظيمها وتركيب الجمل، فإن الكلام في هذه الحالة يُنسب إلى الشخص الثاني، ونسبته إلى الشخص الأول ليس منطقياً ولا متعارفاً عليه إطلاقاً.
- لا شك أن جزءاً كبيراً من إعجاز القرآن يعود إلى البنية الظاهرية للنص، وأسلوبه البديع، وأسلوبه الفريد. فصاحة القرآن وبلاغته المنقطعة النظير، التي طالما كانت محل اتفاق جميع خبراء الكلام والعارفين باللغة العربية كأحد وجوه الإعجاز القرآني، تشير إلى ألفاظ العبارات والبنية الظاهرية للنص القرآني. إن رسالة آيات التحدي التي دعت الجميع إلى الإتيان بمثل القرآن، هي من زاوية البنية الظاهرية للنص، والتي مفادها: إذا كنتم تشكون في إلهية ألفاظ وقوالب القرآن التي تتضمن المعارف السامية، فأتوا في مقام المعارضة، ولإثبات دعواكم، بألفاظ وجمل أخرى مشابهة لهذه الألفاظ والعبارات. وهذا التحدي وعجز المشركين عن صياغة كلام مماثل للقرآن يدل على أن البنية الظاهرية للنص والأسلوب البياني للقرآن هما من عند الله أيضاً، وأن ذهن ولسان أي إنسان، حتى النبي ﷺ، لم يتدخلا في تشكيله.
- يقول الزرقاني في بيان هذا الدليل: “إن الإعجاز منوط بألفاظ القرآن، فلو أبيح أداؤه بالمعنى ذهب إعجازه وكان مظنة للتغيير والتبديل.”
آيات كثيرة من القرآن الكريم تدل بوضوح على وحيانية وإلهية الألفاظ والبنية العربية للقرآن.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾؛ “إنّا جعلنا هذا الكتاب قرآناً عربياً لعلكم تعقلون معانيه وتفهمونها، وإنه في أم الكتاب لدينا لَعلىٌّ حكيم”. (الزخرف: ٣-٤)
﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾؛ “وقد أنزلنا من قبل هذا القرآن كتاب موسى إماماً يُقتدى به ورحمة، وهذا كتاب مصدق لما قبله، لسانه عربي مبين، لِـيُنذِرَ به الظالمين، وبشرى للمحسنين”. (الأحقاف: ١٢)
الآيات المذكورة تنسب البنية اللفظية وعربية القرآن صراحة إلى الله، ومن الواضح جداً أن “لسان” و”عربية” لا يمكن أن يكون لهما أي علاقة بالمحتوى، وتعتبران من أوصاف اللفظ والبنية الظاهرية للنص. وتدل آيات أخرى بوضوح على عدم تدخل النبي ﷺ في البنية الظاهرية للقرآن، وتابعيته المطلقة للوحي الإلهي. وفيما يلي بعض الأمثلة على هذه الآيات:
﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَن أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾؛ “وقال الذين لا يرجون لقاءنا للنبي: ائت بقرآن غير هذا، أو بدّله. قل أيها النبي: لا يحلّ لي أن أبدّله من عندي. إني أتبع إلا ما يوحى إليّ”. (يونس: ١٥)
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾؛ “وما يتكلم محمد ﷺ في القرآن عن رغبة وهوى. ليس هذا القرآن إلا وحي يوحي الله به إليه”. (النجم: ٣-٤)
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾؛ “واقْرَأْ ما أوحى إليك ربك من كتابه، لا يغيّر كلماته أحد، ولن تجد من دونه ملجأ تلجأ إليه”. (الكهف: ٢٧)
بالإضافة إلى الآيات المذكورة أعلاه، فإن آيات أخرى تتحدث صراحة عن تلاوة القرآن وقراءته وإلقائه على النبي تدل أيضاً على الموضوع قيد البحث:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾؛ “وقال الذين كفروا: هلا أنزل على محمد القرآن جملة واحدة؟ قلنا: كذلك أي أنزلناه مفرقاً لنثبت به فؤادك، ولنقويه به، ورتلناه ترتيلا”. (الفرقان: ٣٢)
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ “إن علينا جمعه في صدرك وقراءته على لسانك. فإذا قرأناه عليك، فاتبع قراءته”. (القيامة: ١٧-١٨)
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾؛ “إنَّا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا عظيمًا، وهو القرآن لما فيه من التكاليف والأحكام”. (المزمل: ٥)
من الواضح جداً أن “الترتيل” و”القراءة” و”إلقاء القول” كلها تتعلق بالألفاظ والعبارات، ولا يمكن أن يكون هناك أي نسبة بينها وبين محتوى الكلام. فبمجرد الدراسة والتدقيق في الآيات المذكورة أعلاه والعديد من الآيات الأخرى التي تتحدث عن تعريف الوحي وكيفية نزوله على النبي الأكرم، لا يبقى أدنى شك في أن ألفاظ القرآن وبنيته الظاهرية وأسلوبه الكلامي، شأنها شأن محتواه السامي ومعارفه المشرقة، قد نزلت من الله العظيم على سفير الوحي، وكان دور ملك الوحي والنبي ﷺ في هذا المجال مجرد دور الوسيط في التلقي والتبليغ.
التمييز الواضح بين البنية الظاهرية لنص القرآن وكلام وأحاديث النبي ﷺ المنقولة عنه، وهو ما لم يخفَ على أي باحث عميق، هو دليل آخر على وحيانية ألفاظ وعبارات القرآن الكريم. فالعرب في عصر النبي ﷺ، الذين عاشروا النبي سنوات عديدة وتعرفوا تمام المعرفة على كلماته وأقواله، وجدوا أنفسهم فجأة، بعد سماع الآيات الأولى من القرآن من لسان النبي ﷺ، أمام محيط من المضامين السامية، في قالب من الألفاظ والأسلوب الذي يفوق بكثير القوالب البشرية، واعترفوا صراحة بألوهية ذلك. فبعضهم آمن فوراً وبذل وجوده في هذا السبيل بإخلاص، وبعضهم، مع اعترافه الصريح بهذه الحقيقة، سلك طريق العناد والعداوة وأصيب بالظلمات الأبدية.
الزرقاني، الذي كان مدركاً تماماً لدقة هذا الدليل، يقول في هذا الشأن تحت عنوان “أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبوي”:
“ولقد كان هؤلاء العرب يعرفون نبي الإسلام ويعرفون مقدرته الكلامية من قبل أن يوحى إليه، فلم يخطر ببال منصف منهم أن يقول: إن هذا القرآن كلام محمد ﷺ وذلك لما يرى من المفارقات الواضحة بين لغة القرآن ولغة الرسول ﷺ.”
كان عرب عصر النزول يعرفون النبي ويعرفون قدرته الكلامية قبل أن يوحى إليه. ومع ذلك، لم يخطر ببال أي منصف منهم أن يقول: إن هذا القرآن كلام محمد؛ لأن فرقاً واضحاً كان يُرى بين لغة القرآن ولغة النبي ﷺ. وقد أقر القرآن نفسه بشكل ما بالتمييز بين كلام النبي وآيات الوحي: ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾؛ “قل أيها النبي: لو أراد الله ألا أتلو عليكم هذا القرآن، ما تلوته عليكم، ولا أعلمكم به؛ فقد مكثت فيكم عمراً طويلاً من قبل أن يُوحى إليّ، ما قرأت فيه كتاباً، ولا قلت شعراً، أفلا تعقلون أن هذا من عند الله؟!” (يونس: ١٦)
- معارف وحقائق ومحتوى القرآن تتمتع بعظمة وعمق وسعة بحيث أن وضعها في قالب من الألفاظ والعبارات القادرة على حمل تلك المعارف والحقائق السماوية يفوق قدرة البشر. القرآن الكريم نفسه يتحدث عن عظمة وثقل الوحي بقوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾. ومن جهة أخرى، يصف النبي بأنه إنسان مثل سائر البشر، قد نزل عليه الوحي من الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾.
- النبي، وهو إنسان مثل سائر البشر، بفضل الشرح الصدر الإلهي والطهارة من كل دنس، قادر على تلقي الوحي الإلهي بعظمته وعمقه، وتبليغه للبشر دون أدنى نقص أو زيادة. إن إلباس الحقائق السماوية الرهيبة والمحتوى الرباني العميق واللامحدود ثوب الألفاظ والعبارات، كما هو خارج عن قدرة الإنس والجن، كذلك هو خارج عن قدرة النبي ﷺ نفسه.
- وقد استدل جلال الدين السيوطي على وحيانية ألفاظ القرآن بهذا الدليل نفسه قائلاً: “وإن تحت كل حرف منه معاني لا يحاط بها كثرة، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بما يشتمل عليه.”
- إن تحت كل حرف من حروف القرآن معاني كثيرة لا تحيط بها الكثرة، فلا يستطيع أحد أن يأتي بدلاً من ذلك الحرف بحرف يشتمل على كل تلك المعاني.
- من مجموع الأدلة المذكورة أعلاه، يتضح بجلاء أن ألفاظ القرآن وعباراته وبنيته الظاهرية، شأنها شأن محتواه السامي ومعارفه النورانية، هي وحي إلهي، وقد عبرت من خلال ملك الوحي والنبي الأكرم دون أي تغيير، ووصلت إلى البشر. وما يُعرف بالقرآن في عصر النزول والعصور التي تلته حتى اليوم، والذي ظل متاحاً للبشرية، والذي ظلت المجتمعات البشرية تستفيد من بركاته النورانية، هو وحي إلهي بكامله، حرفاً بحرف، وهو موجه إلى جميع البشر في جميع العصور على حد سواء.
ب) المعارف والمحتوى إلهي والألفاظ من النبي
الرؤية الثانية تعتقد أن ما أوحى الله به على النبي ﷺ هو فقط المعارف والمضامين القرآنية العميقة التي لم تكن معرفة البشر بها ممكنة بدون الوحي، ولكن صياغة الألفاظ والعبارات لتلك المعارف تمت بواسطة النبي نفسه.
تعود جذور هذا الرأي إلى المتكلم الشهير من القرن الثالث الهجري، أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان البصري. كان من مؤسسي العقائد الكلامية السلفية التي اتبعها لاحقًا أبو الحسن الأشعري وغيره، وأسسوا الكلام الأشعري. كان ابن كلاب من المعارضين المعروفين والمعتبرين للمعتزلة، وله مؤلفات ضد آرائهم. لم يُحدد تاريخ وفاته بالضبط، ولكن يُذكر أنه توفي بعد عام ٢٤٠ هـ. كان لعقائد وآراء ابن كلاب الكلامية أثر مهم في تشكيل الكلام الإسلامي. وقد ناقش المتكلمون بعده آراءه بجدية، سواء بالموافقة أو بالمعارضة. وقد أُطلق على أتباع آرائه اسم “الكلابية”.
يعتبر من رواد نظرية الأشاعرة. وهو يرى في كلام الله أن كلام الله صفة لذاته وقديم وغير مخلوق. بالإضافة إلى هذا الرأي الذي تبناه الأشاعرة بالقبول، لديه رأي خاص آخر حول القرآن وسائر الكتب السماوية، حيث يعتقد أن الكلام النفسي وكلام الله القديم لم يتجسد قط في مصحف أو كتاب مدون. ودليل ابن كلاب على هذا الادعاء هو أن:
“الرسم والتعبير العربي أو العبري لكلام الله يختلف عن عين كلام الله، والقرآن المجيد هو رسم وتعبير عربي لكلام الله وليس عينه.” ويرى أن خلال نزول الوحي القرآني وسماعه من قبل النبي الإسلامي، حدثت ظاهرة “تعبير” لها خصائص اللغة العربية.
كان يؤمن أن القيود الموجودة في اللغة العربية تسببت في تقييد كلام الله عند النزول، وأعطت كلام الله صبغة بشرية. ولهذا، لا يمكن الادعاء بأن القرآن هو عين كلام الله.
على الرغم من أن الرأي الخاص لابن كلاب حول ألفاظ وعبارات القرآن قد تعرض لهجوم شديد من قبل كبار المفكرين مثل القاضي عبد الجبار وأبي الحسن الأشعري في القرنين الرابع والخامس، وابن تيمية في القرن السادس، إلا أن هذا الرأي ظل منذ ذلك الحين وحتى اليوم حاضراً كنظرة نادرة بين المفكرين في مجال علوم القرآن وتفسيره. وقد ذُكر هذا الرأي إلى جانب الرأي الأول، الذي كان الرأي السائد والمتفق عليه بين المسلمين في القرون الإسلامية الأولى، في مصادر مهمة مثل “البرهان” للزركشي، و”الإتقان” للسيوطي، و”مناهل العرفان” للزرقاني، ونقله عن مفكرين سابقين، وهذا يدل على استمرارية حضور هذا الرأي في مجالات الفكر الديني ونقاشه المستمر، وإن لم تذكر أي من المصادر المذكورة قائلين لهذا الرأي.
يبدو أن هذا الرأي قد حظي باهتمام وقبول أكبر في القرن الأخير، حيث سعى بعض الكتاب الحداثيين في العالم الإسلامي إلى تعزيزه وترويجه من خلال تبنيه. وقد رأى شاه ولي الله الدهلوي، الذي كان له دور في حركة الإصلاح الديني في شبه القارة الهندية، أن معاني القرآن ومعارفه فقط هي التي أوحيت إلى النبي، أما القوالب والبنية الظاهرية لألفاظ القرآن ونصه فهي من النبي نفسه. وكان لسير سيد أحمد خان الهندي، وسيد أمير علي حلبي، رؤى مشابهة، ويمكن استنتاج هذا الرأي من بعض كتابات نصر حامد أبو زيد، أحد المفكرين المصريين. وبعض الكتاب الذين ساواوا الوحي بالتجربة الفردية للنبي قد تبنوا هذا الرأي، بقصد أو بغير قصد.
نقد ومراجعة
لم يستدل مؤيدو هذا الرأي بأي دليل منطقي لإثبات دعواهم، واكتفوا بعرض ادعائهم. ربما يمكن البحث عن المستند الأساسي لهذا الرأي في بعض آيات القرآن، لأن بعض الآيات تتحدث بوضوح عن نزول الوحي على قلب النبي، ونزول الوحي على القلب لا يستلزم بطبيعة الحال استخدام ألفاظ وعبارات. لاحظوا الآيتين التاليتين:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾؛ “نزل به جبريل الأمين على قلبك أيها النبي، لتكون ممن ينذرون الناس، ويخوّفونهم من عذاب الله”. (الشعراء: ١٩٣-١٩٤)
﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ “قل: من كان عدواً لجبريل – فإنه نزّله على قلبك – بإذن الله”. (البقرة: ٩٧)
بناءً على هاتين الآيتين، فإن محل نزول الوحي هو قلب رسول الله ﷺ الطاهر، وإدخال شيء إلى القلب لا يتطلب استخدام قوالب لفظية وعبارات. واستخدام الألفاظ والتراكيب الكلامية هو فقط لغرض إيصال شيء إلى الأذن، والتي تعتبر من الحواس الظاهرية للإنسان.
يبدو أن الأدلة الخمسة المذكورة لإثبات الرأي الأول، بالإضافة إلى إثباته، قادرة بوضوح على رد ورفض الرأي الثاني أيضاً. ومن ناحية أخرى، فإن التمسك بالآيات المذكورة والاستدلال بها لإثبات الرأي المذكور محل مناقشة ومخدوش من عدة جوانب، وذلك لأن:
- الآيات التي ذكرت لإثبات الرأي الأول تتحدث صراحة عن وحيانية الألفاظ والبنية العربية للقرآن، و”التلاوة” و”الترتيل” و”إلقاء القول” التي تعتبر كلها من خصائص البنية الظاهرية للنص، تتحدث عن التبعية المطلقة للنبي للوحي الإلهي وعدم تدخله في تبديله وتغييره. وفي بعض هذه الآيات، نُسبت “عربية” القرآن مباشرة إلى الله. ولذلك، فإن تفسير الآيات التي تعتبر قلب رسول الله ﷺ محل نزول القرآن يجب أن يتم بطريقة تتوافق وتنسجم مع العديد من الآيات الأخرى.
- لا يوجد أي تعارض بين وحيانية الألفاظ والعبارات والبنية العربية للقرآن ونزول القرآن على قلب النبي ﷺ؛ لأنه لا القرآن ولا أي من المفكرين الذين يؤمنون بوحيانية الألفاظ فسروا نزول الوحي بآلية مادية أو بآليات حسية. وإن نزول المعارف والمفاهيم السماوية السامية في قالب الألفاظ والعبارات واللسان العربي المبين، وإن كان موضع تأكيد القرآن وإيمان غالبية المؤمنين منذ بداية نزول الوحي حتى الآن، إلا أن هذا القول والإيمان لا يستلزم أن تكون الأسباب والوسائل الحسية المتعارفة، مثل الفم واللسان من جانب المرسل والأذن من جانب المتلقي، قد استخدمت في تحقيق الوحي. وكما أن الوحي من مقولة العلم الحضوري، فإن قوالبه وبنيته الظاهرية يمكن أن تكون أيضاً من مقولة العلم الحضوري، ولا يمكن الادعاء بأن الوحي من مقولة العلم الحضوري بينما تكون القوالب والبنية الظاهرية لتحققه من نوع الأسباب والوسائل التي تستخدم في العلم الحصولي.
- بناءً على ذلك، وكما أن تحقق وحي المفاهيم والمعارف السماوية السامية من بحر العلوم الإلهية اللامتناهي يتم بشكل حضوري على وجود النبي ﷺ، مما يؤدي إلى توسع وجود النبي ﷺ واتصاله ببحر العلوم الإلهية، ففي الوقت نفسه، تتشكل القوالب والعبارات والبنية الظاهرية المتناسبة مع تلك المفاهيم والمعارف العميقة في وجوده، وتظهر أمامه كمرآة. وهذه القوالب المتشكلة في وجود النبي ﷺ هي التي تمكنه من تبليغ الوحي الإلهي إلى الناس دون أي تغيير أو نقص أو زيادة.
- وعلى هذا الأساس، فإن الآيات التي أعلنت قلب النبي ﷺ محل نزول الوحي لا تتعارض إطلاقاً مع الآيات التي تعتبر ألفاظ القرآن وبنيته الظاهرية وحيانية، بل جميع الآيات تكمل وتتمم بعضها البعض. وقد أكد العلامة الطباطبائي على الإجابة المذكورة أعلاه في تفسيره لآيتي ١٩٣ و ١٩٤ من سورة الشعراء، التي تنص صراحة على نزول القرآن على قلب النبي ﷺ، مع رفض الرأي الذي ينسب ألفاظ القرآن وبنيته الظاهرية إلى النبي ﷺ. وهو يعتقد أن “القلب” في الآية المذكورة هو النفس الإنسانية التي تمتلك الشعور والإدراك والإرادة. ويعتبر نزول الوحي على القلب في الآية المذكورة إشارة إلى كيفية تلقي النبي للوحي. ويصرح بأن تلقي الوحي كان يتم بواسطة وجود النبي ﷺ الطاهر، ولم يتدخل فيه أي من الحواس الظاهرية. وكان النبي يرى ملك الوحي ويسمع كلامه أثناء الوحي دون أن يستخدم عينه وأذنه وحواسه الظاهرية في هذا الرؤية والسماع. وقد ورد في القرآن الكريم، بعد أن تحدث في آيتي ١٩٣ و ١٩٤ من سورة الشعراء عن نزول القرآن على قلب النبي، قوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. وهذا يدل بذاته على عدم وجود تنافي بين نزول الوحي وكون ألفاظ القرآن وبنيته الظاهرية وحيانية. ولهذا، فإن الآيات التي تعتبر قلب النبي محل نزول الوحي الإلهي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون مستنداً مقبولاً للرأي الثاني. وعليه، فإن هذا الرأي ادعاء لا يستند إلى أي سند علمي أو برهاني.
الخاتمة
من استخدام كلمة “تلاوة” التي يُقصد بها اللفظ، فيما نزل من الله على النبي، يستفاد إلهية لفظ القرآن. وثانياً، أُطلق لفظ “كلام الله” على القرآن الكريم مرتين في الآيات: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾؛ “وإن استجارك أحد من المشركين، ليسمع كلام الله، فأجره”. (التوبة: ٦)
﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. “يريدون أن يبدلوا كلام الله.” (الفتح: ١٥)
المقصود بـ “كلام الله” في هذه الآية الكريمة جزء من القرآن. وإطلاق “كلام الله” على القرآن الكريم يدل على إلهية لفظه؛ لأن “الكلام” في اللغة يطلق على القول الذي ينقل المعنى والأصوات المتتالية لإيصال المعنى.
وبناءً على ذلك، فإن وجود اللفظ وامتلاكه معنى قد أُخذا في مفهوم الكلام، ولهذا السبب، استخدم الفعل “يسمع” في الآية ٦ من سورة التوبة، وتحدث عن سماع كلام الله. بالإضافة إلى ذلك، فإن إسناد الكلام إلى قائله يكون صحيحاً عندما يكون هو نفسه قد صاغ المعاني في قالب الألفاظ ونظمها. فإذا كان النبي ﷺ هو الذي أنشأ الألفاظ القرآنية وألبس المعاني ثوب اللفظ، فلن يكون القرآن كلام الله، وبالنظر إلى إطلاق «كلام الله» على القرآن الموجود، ومفهوم «الكلام» الذي يلاحظ فيه وجود اللفظ، يتضح أن ألفاظ القرآن الكريم إلهية وليست من صنع النبي الأكرم.
المصادر والمراجع:
- القرآن الكريم.
- ابن منظور، محمد بن مكرم (1405هـ)، لسان العرب، قم: أدب الحوزة.
- الحسيني، موسى (1379)، وحيانية ألفاظ القرآن، مشهد: دفتر تبليغات إسلامي، ش 22-021.
- حلبي، علي أصغر (1374)، تاريخ نهضات ديني إسلامي معاصر، طهراني: بهبهاني.
- خرمشاهي، بهاء الدين (1364)، تفسير وتفاسير جديد، طهران: كيهان.
- راغب أصفهاني، حسين بن محمد (1385)، المفردات في غريب القرآن، أوروميه.
- الزركشي، بدر الدين محمد بن عبد الله (1427هـ)، البرهان في علوم القرآن، القاهرة: دار الحديث.
- الزرقاني، محمد عبد العظيم (د.ت)، مناهل العرفان في علوم القرآن، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (1380)، الإتقان في علوم القرآن، فخر الدين.
- صادقي، هادي (1382)، كلام جديد، قم: كتاب طه ونشر معارف.
- طباطبائي، محمد حسين (1361)، القرآن في الإسلام، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
- طباطبائي، محمد حسين (د.ت)، الميزان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- مصباح يزدي، محمد تقي (1384)، قرآن شناسي، ج 1، قم: مركز انتشارات مؤسسه آموزشي و پژوهشي إمام خميني (ره).
- معرفت، محمد هادي (1368)، التمهيد في علوم القرآن، قم: مركز مديريت حوزه علميه.
- موسوي بجنوردي، محمد كاظم بن حسن (1370)، دائرة المعارف بزرگ إسلامي، ج 4، ج 1، طهران.
- مجتهد شبستري، محمد (1375)، هرمنوتيك كتاب وسنت، طهران: طرح نو.
- مير محمد زرندي، سيد أبو الفضل (1369)، تاريخ وعلوم قرآن، ج 2، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
- مصباح يزدي، محمد تقي (1367)، راهنما شناسي، ج 1، قم: مركز مديريت حوزه علميه.
- مطهري، مرتضى (1376)، مجموعه آثار، ج 2، طهران: انتشارات صدرا.
- مايكل بيترسون وآخرون (1379)، عقل واعتقاد ديني، ترجمة: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، طهران: طرح نو.
- مصطفوي، حسن (1371)، التحقيق في كلمات القرآن، طهران: وزارة فرهنگ وإرشاد إسلامي.
- ناصحيان، علي أصغر (1389)، علوم قرآني در مكتب أهل بيت ﷺ، مشهد: دانشگاه علوم إسلامي رضوي.
- نصر حامد أبوزيد (2000م)، مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، ج 5، بيروت: المركز الثقافي العربي.