المستخلص
يُعدّ بحث النقل بالمعنى أحد المباحث الرئيسة في علوم الحديث. ونظرًا لأن النقل بالمعنى جائز بشرط نقل المعنى المتعارف عليه كاملاً، وأن كثيرًا من أحاديث المعصومين قد نُقلت بالمعنى فعلاً، وأنه لا يوجد أصل عملي لإحراز ألفاظ المعصومين عند الشك؛ فإننا مضطرون للبحث في آثار النقل بالمعنى على استنباط الحكم الشرعي. وأهم مدخل لتأثيراته على استنباط الحكم الشرعي هو التأثيرات التي يفرضها على القضايا الأصولية. وقد بُحثت بعض آثار وقوع النقل بالمعنى سابقًا، ولكن ليس من منظور مباحث علم الأصول، وحتى التأثيرات التي له على تعارض الروايات لم تُبيَّن من منظور أصولي. ومن هذا المنطلق، وبهدف تصحيح منهج وأصول الاستنباط، تناولنا هذا السؤال: ما هي الآثار التي يتركها النقل بالمعنى في الأحاديث على مباحث علم الأصول، مع التركيز على مبحث علاج التعارض؟ وللإجابة على هذا السؤال، استخدمنا المنهج التحليلي الوصفي بالاعتماد على المصادر المكتبية. وكانت النتيجة أن كثيرًا من المباحث المطروحة ضمن مبحث تعارض الأدلة تحتاج إلى إعادة نظر؛ مباحث مثل تعارض الأظهر والظاهر، بما في ذلك تعارض العام والمطلق، وتعارض المنطوق والمفهوم، وتعارض الاستصحابين، وتعارض الروايتين اللتين يكون راوي إحداهما أفقه.
مقدمة
من أهم مصادر الشيعة في استنباط حكم الشارع أحاديث المعصومين، التي جمعها المحدّثون في مختلف كتب الحديث والجوامع المتنوعة. ولهذه الأحاديث دور كبير في عملية الاستنباط، وربما يؤثر الفهم الخاطئ لها قطعًا على الحكم المستنبط. ومن جهة أخرى، وردت أدلة متعددة على جواز النقل بالمعنى في الأحاديث، بشرط نقل المعنى المتعارف عليه كاملاً، كما أظهرت الدراسات الميدانية أن كثيرًا من الأحاديث قد نُقلت بالمعنى فعلاً. ونتيجة لذلك، إذا واجهنا خبرًا واحدًا، فمن المحتمل أن يكون هذا الحديث قد نُقل بالمعنى، ولا يوجد أي أصل عملي يمكنه إثبات أن الحديث المذكور قد نُقل باللفظ أو بالمعنى. هذا في حين أنه، بناءً على أدلة الجواز التي بُحثت في موضعها، فإن شرط مشروعية النقل بالمعنى هو مجرد نقل المعنى المتعارف عليه لكلام المعصوم كاملاً، وليس من الضروري نقل الدقائق المعنائية التي لا يلتفت إليها العرف. ونتيجة لذلك، قد ينقل الراوي الثقة رواية بالمعنى، وفي الوقت نفسه لا ينقل تلك النقاط الدقيقة أو لا يلتفت إليها أصلاً.
بهذه المقدمات، ندرك أن المباحث اللفظية الدقيقة المتعلقة بمدلول خبر واحد لم يُنقل بأسانيد متعددة هي محل إشكال، ولا دليل على حجيتها. ومع ذلك، نشهد أن كثيرًا من مباحث العلماء تدور حول المدلولات الدقيقة لألفاظ رواية ما، وينسبونها إلى المعصوم. وللعلامة الشعراني كلام حول دقة فقهاء المتأخرين على ألفاظ خاصة في الرواية لاستنباط الحكم الشرعي، وهو يخطّئ ذلك. (مازندراني، 1382، ج 2، ص 257). وهذا التوجه الخاطئ أخطر ما يكون في علم أصول الفقه، لأن كل قضية من قضايا هذا العلم تؤثر في نطاق واسع من الاستنباطات، وتؤثر على كثير من الفروع. إن كثيرًا من مباحث علم الأصول تتأثر بوقوع النقل بالمعنى في الأحاديث؛ ومنها مبحث الاستصحاب، والبراءة، وتعارض الأدلة. ولكن تركيزنا في هذا المقام سيكون منصبًّا على مبحث تعارض الأدلة، لأن وقوع النقل بالمعنى يترك أكبر الأثر على هذا المبحث. وفي النهاية، سؤال هذا البحث هو: ما هي التأثيرات التي يتركها وقوع النقل بالمعنى في الأحاديث على مبحث تعارض الأدلة؟
بعض الدراسات المتعلقة بموضوع المقالة:
- “نقل الروايات باللفظ أو بالمعنى” لمحمد جواد فاضل لنكراني، ضمن “رسائل في الفقه والأصول”، نشر مركز فقهي أئمة أطهار، الطبعة الأولى، قم، 1401هـ.ش. يبحث المؤلف في هذه الرسالة أدلة جواز وعدم جواز النقل بالمعنى في الأحاديث. كما يبيّن ثمرات كون الحديث منقولاً بالمعنى.
- “فقه الحديث (مباحث النقل بالمعنى)” لأحمد پاكتچي، نشر جامعة الإمام الصادق، الطبعة الأولى، طهران، 1394هـ.ش. يبيّن الدكتور پاكتچي في هذا الكتاب بالتفصيل مسألة النقل بالمعنى وأدلة جوازه وعدم جوازه وأنواعه المختلفة التي وقعت.
- “النقل بالمعنى في الأحاديث: أبعاده وآثاره” لمحمد تقي أكبر نژاد، “كاوشى نو در فقه إسلامى”، ربيع 1387هـ.ش، العدد 55، ص 65-120. يتناول الكاتب في هذه المقالة النقل بالمعنى بالتفصيل ويبحث جوانبه المختلفة. ويقول في مورد ثمرة البحث: في القرنين الأخيرين، ساد المنهج الفلسفي والأدبي في الاستفادة من الروايات، في حين أنه لو كانت الروايات منقولة بالمعنى لكانت هذه الدقائق غير ذات موضوع.
ميزة هذا البحث على الكتابات المذكورة هي أنه ناظر إلى آثار وقوع النقل بالمعنى على خصوص مباحث علم أصول الفقه، مع التركيز على مبحث تعارض الأدلة. هذا في حين أن هذه المسألة لم تُبحث أصلاً من قبل. وفي بعض الآثار السابقة، أُشير إلى تأثير النقل بالمعنى على تعارض الأحاديث، ولكن كان ذلك من جانب التأثير في وقوع التعارض فحسب، وهو ما لا يُعتبر مقولة أصولية أصلاً. أما في البحث الحاضر، فقد بُحث تأثير النقل بالمعنى على المباحث الأصولية للتعارض؛ أي التأثير على علاج تعارض الأدلة.
سؤال هذا البحث هو: ما هي التأثيرات التي يتركها وقوع النقل بالمعنى في الأحاديث على المبحث الأصولي لتعارض الأدلة؟ وباكتشاف موارد تأثير وقوع النقل بالمعنى في الأحاديث على هذا المبحث، يتأثر استنباط الحكم الشرعي المتفرع على هذا المبحث الأصولي، وبالتالي يؤثر على استنباط الحكم الشرعي. وربما تكون هناك أحكام صدرت بناءً على هذه المباحث الأصولية، في حين أنه بناءً على وقوع النقل بالمعنى في الأحاديث يكون صدور مثل هذه الأحكام بلا حجة.
- مفهوم اللفظ والمعنى
اللفظ هو الكلام. (الفراهيدي، 1409، ج 8، ص 161)؛ أي الحرف أو الحروف التي تُلفظ من الفم، وتشتمل عادةً على حركات الفتحة أو الضمة أو الكسرة. والمراد بالحرف كل وحدة من وحدات الأبجدية. (معين، 1360، ج 1، ص 1348). وبالطبع، يمكن تقسيم اللفظ من حيث كونه ذا معنى أو عديم المعنى إلى قسمين: اللفظ المهمل واللفظ المستعمل. اللفظ المهمل هو ما لا معنى له؛ مثل “دوب”، في مقابل اللفظ المستعمل الذي له معنى؛ مثل “چوب” (خشب). (دهخدا، 1373، ج 13، ص 19366). ويظهر اللفظ في أغلب الأحيان بصورة مركبة، والتركيب يعني ضم شيء إلى شيء آخر، سواء كان من جنسه أم لا؛ مثل ضم الفص إلى ركاب الخاتم. (ابن منظور، 1414، ج 1، ص 432). والحروف والكلمات أيضًا تشكل مركبًا من حيث إنها تُضم إلى بعضها البعض.
المعنى هو ظهور الشيء وبروزه. (ابن فارس، 1404، ج 4، ص 146). ونتيجة لذلك، فإن معنى اللفظ هو ما يفهمه العرف منه، وهو ما يسمى بالمعنى الحكائي. وهذا يشتمل على تقريبين: الأول هو الفرد الخارجي؛ فمثلاً، معنى كلمة “جواد” هو الشخص نفسه الذي سُمّي جوادًا، أو مثلاً معنى لفظ “فردوسي” هو الشخص المشهور. وبناءً على هذا التقريب، فإن معنى لفظ “فردوسي” ومعنى لفظ “ناظم الشاهنامة” واحد. أما التقريب الآخر فهو أن المراد بالمعنى هو العلاقة التي تربط اللفظ بمحكيه. وبناءً على هذا، لن يكون معنى “فردوسي” و”ناظم الشاهنامة” واحدًا؛ لأن العلاقة التي تربط لفظ “فردوسي” بذلك الشخص الخاص تختلف عن العلاقة التي تربط لفظ “ناظم الشاهنامة” بذلك الشخص. فالأولى من نوع علاقة اسم العلم بمدلوله، أما الثانية فمن سنخ علاقة الصفة الخاصة بموصوفها. (الوندي وطاهري، 1391، ص 23-24). ويبدو أن التقريب الأول أصح؛ لأن المهم عند العرف عند استخدام الألفاظ هو انتقال المخاطب إلى الفرد الخارجي، لا فهم العلاقة التي تربط ألفاظ كلامه بالفرد الخارجي. ومن ثم يمكن القول إن ظهور اللفظ هو في ذلك أيضًا.
اصطلاح النقل بالمعنى يعني ألا تُنقل عين الألفاظ التي نطق بها لسان المعصوم المبارك؛ بل يُنقل كل المعنى والمحتوى بألفاظ أخرى هي جزء من لغة الكلام نفسها. وبتعبير أوضح، يُتصوّر نقل الكلام بصورتين؛ إحداهما نقل عين ألفاظ المتكلم، والأخرى نقل محتوى الألفاظ ببيان آخر. الأولى تسمى النقل باللفظ. أما نقل المحتوى فممكن بصورتين؛ إحداهما نقل كل المحتوى الذي كان المتكلم بصدد إيصاله، والأخرى نقل لبّ المحتوى. وكل من هذين المحتويين إما أن يُنقل بلغة كلام المتكلم نفسها أو بلغة أخرى. والنقل بالمعنى الاصطلاحي ينحصر في نقل كل محتوى كلام المتكلم باللغة نفسها. وهذا هو التعريف الذي يذكره المرحوم الكلانتري في حاشية المكاسب ذيل كلام الشيخ. يقول الشيخ في المكاسب حول عبارة نُقلت كنص للرواية: “ما نُقل هو مضمون الرواية، لا معنى الرواية ولا ترجمتها”. (الأنصاري، 1410، ج 1، ص 148). ويقول المرحوم الكلانتري في حاشية هذا المطلب لتوضيح الفرق بين النقل بالمعنى والنقل بالمضمون والترجمة: “النقل بالمضمون هو نقل أصل الحكم الذي تعبر عنه ألفاظ المعصوم، أما النقل بالمعنى فهو نقل جميع مطالب كلامه بصورة مختصرة وبألفاظ أخرى من اللغة نفسها”. (الأنصاري، 1410، ج 1، ص 148). وكذلك يفرّق المحقق التبريزي في شرحه على المكاسب بين النقل بالمعنى والترجمة والنقل بالمضمون، ويضيف في النهاية أن النقل بالمضمون فقط هو الذي فيه قصور دلالي بالنسبة لبيان الإمام. (التبريزي، 1375، ج 1، ص 25). وبالطبع، ظاهر كلام بعض العلماء أنهم عرّفوا النقل بالمعنى بصورة أعم، بحيث يشمل النقل بالمضمون والترجمة أيضًا. (المحقق الحلي، 1423، ص 220). ولكن ما هو المقصود في هذه الرسالة وموضوع البحث هو المعنى المستفاد من كلمات الشيخ الأنصاري وشروحها؛ بمعنى ألا تُنقل عين ألفاظ المعصوم؛ بل يُنقل كل محتواها بألفاظ أخرى هي جزء من لغة الكلام نفسها.
- تأثير النقل بالمعنى على مبحث تعارض الأدلة
يشتمل مبحث تعارض الأدلة على مباحث متعددة، يتأثر بعضها بجواز ووقوع النقل بالمعنى في الأحاديث. ومن بين هذه المباحث، بعضها مبنائي ويتأثر بالنقل بالمعنى بناءً على بعض المباني فقط. وبعض المرجحات متفق عليها بين الأصوليين، وفي الوقت نفسه تتأثر بالنقل بالمعنى. وفيما يلي نبيّن هذه المباحث وكيفية تأثير النقل بالمعنى عليها.
2-1. تعارض الأظهر والظاهر
هناك مبنى في علم الأصول وضمن مبحث التعارض، وهو تقديم الأظهر على الظاهر في حال تعارضهما. وبعض علماء الأصول يقولون بهذا الترجيح؛ مثل الشيخ الأنصاري (الأنصاري، 1428، ج 4، ص 26) والمحقق الخراساني (الآخوند الخراساني، 1409، ص 438-439). ولا إشكال في هذا المطلب حيثما أحرزنا عين ألفاظ الأئمة. ولكن إذا كان المستند مجرد خبر واحد منقول عن ثقة، فإحراز كون الألفاظ المنقولة هي عين ألفاظ الإمام مشكل، ويوجد احتمال عقلائي للنقل بالمعنى. وحتى لو وقع هذا النقل بالمعنى صحيحًا، لا يثبت أن درجة ظهور الرواية التي وصلتنا هي بالضبط مثل درجة ظهور كلام المعصوم نفسه؛ لأن اللازم في النقل بالمعنى الصحيح هو مجرد انتقال المعنى المتعارف عليه كاملاً، ودرجة الظهور ليست جزءًا دخيلاً في المعنى المتعارف عليه. ومن ثم، حتى لو تغيرت درجة ظهور الكلام، يُنسب ذلك الكلام إلى المتكلم. ونتيجة لذلك، ليس هذا الاحتمال بعيدًا عن التصور أن يكون الراوي قد نقل النص بصورة ظاهر أو العكس. ونتيجة لذلك، يجب القول إن هذه النظرية الأصولية (تقديم الأظهر على الظاهر) ليست صحيحة في مورد تعارض أخبار الآحاد، ولا يمكن الدفاع عنها إلا في مورد القرآن الكريم أو الروايات التي نقطع بصدور ألفاظها عن المعصوم.
على سبيل المثال، لو نُقل في رواية: “أكرم الصبي”، وفي رواية أخرى: “لا يجب إكرام الصبي”، فالرواية الأولى ظاهرة في الوجوب، والرواية الثانية نص في عدم الوجوب. وفي هذا التعارض، قال البعض بتقديم الأظهر على الظاهر، والحال أنه من الممكن ألا يكون الإمام قد قال “أكرم الصبي”، بل قال: “يجب إكرام الصبي”، ولكن الراوي في مقام النقل بالمعنى لخّص “يجب إكرام” وحوّلها إلى “أكرم”.
وضمن بحث تقديم الأظهر على الظاهر، يُطرح بحثان آخران لهما نفس الملاك. أحدهما بحث تقديم المنطوق على المفهوم، والآخر تقديم العام على المطلق. وفيما يلي نتناول تأثير النقل بالمعنى على هذين البحثين بشكل خاص.
2-1-1. تعارض المنطوق والمفهوم
إذا تعارض منطوق دليل لفظي مع مفهوم دليل لفظي آخر، فاختلف في حكمه. بعض الأصوليين لم يقبلوا تقديم المنطوق على المفهوم. (الصدر، 1417، ج 3، ص 390). ولكن قبله الشيخ البهائي (الشيخ البهائي، 1423، ص 171)، وقال الشيخ الأنصاري أيضًا في خصوص مفهوم المخالفة: “له وجه”. (الشيخ الأنصاري، 1383، ج 4، ص 565). ولكن يبدو أن هذا الترجيح لا يجري حيثما كان أحد الدليلين اللفظيين خبرًا واحدًا.
توضيح المطلب هو أنه إذا كان الدليل اللفظي من نوع آية قرآنية أو روايات ذات طرق متعددة، نطمئن إلى أن ألفاظها هي عين الألفاظ الصادرة عن لسان المعصوم. أما إذا كان الدليل اللفظي مجرد خبر واحد، فيوجد احتمال عقلائي لكونه منقولاً بالمعنى. وفي النقل بالمعنى، حتى لو تم صحيحًا، لا يثبت إلا انتقال المعنى المتعارف عليه كاملاً. هذا في حين أن العرف لا يفرّق بين مفهوم كلام المتكلم ومنطوقه، وينسب كليهما إلى المتكلم. ونتيجة لذلك، من الممكن أن يكون شيء ما مفهوم كلام الإمام؛ ولكن الراوي في مقام النقل بالمعنى نقل ذلك المفهوم نفسه بصيغة المنطوق. فلا يمكن إذن القول بجريان ترجيح المنطوق على المفهوم في المورد الذي يكون فيه أحد الدليلين خبرًا واحدًا أيضًا. بعبارة أخرى، من الممكن أن يكون ما نتصوره منطوق الرواية هو في الواقع مفهوم كلام المعصوم، وأن الراوي في مقام النقل بالمعنى قرر أن ينطق بالمفهوم. ونتيجة لذلك، ربما يكون هناك منطوق هو في الواقع مفهوم كلام المعصوم، وربما يكون هناك مفهوم هو في الواقع منطوق كلامه.
على سبيل المثال، لو ورد في رواية: “إذا رأيت الهلال فالدعاء واجب”، وفي رواية أخرى: “إذا رأيت الهلال فالدعاء ليس بواجب”. فهاتان الروايتان بحسب الظاهر من قبيل تعارض المنطوقين؛ ولكن من الممكن أن تكون العبارة الأولى في الواقع مفهوم كلام المتكلم، وأن الراوي نقلها بصيغة النص. وفي هذه الحالة، بناءً على بعض المباني، يُقدَّم المنطوق على المفهوم ولا يتشكل تعارض مستقر.
2-1-2. تعارض العام والخاص (المقصود هنا العام والمطلق)
كذلك، بناءً على القول بتقديم الأظهر على الظاهر، قال بعض العلماء مثل الشيخ الأنصاري (الأنصاري، 1428، ج 4، ص 97-98) في تعارض العام والمطلق بتقدم العام. وفي المقابل، أنكر آخرون مثل المحقق الخراساني تقديمه، لأنهم لا يعتبرون العام أظهر أصلاً. (الآخوند الخراساني، 1409، ص 450). ولكن حتى بناءً على مبنى تقديم العام على المطلق، لا يمكن تقديم الرواية العامة على الرواية المطلقة، لوجود احتمال عقلائي لنقلهما بالمعنى.
توضيح المطلب هو أنه في النقل بالمعنى الصحيح، يلزم فقط نقل المعنى المتعارف عليه من كلام المتكلم. وعند العرف لا فرق بين العام (غير المجموعي) والمطلق، ويستخدمون كليهما مكان الآخر. ونتيجة لذلك، إذا استُخدم في رواية لفظ عام، فلا يمكن أن يكون ذلك ملاكًا للترجيح على دليل آخر ورد فيه لفظ مطلق؛ لأنه من الممكن أن يكون المتكلم قد قال العام؛ ولكن الراوي في مقام النقل بالمعنى حوّله إلى مطلق. وبهذه الأوصاف، تكون هذه القاعدة الأصولية (تقديم العام على المطلق) محل مناقشة في مورد تعارض الروايات.
على سبيل المثال، لو ورد في رواية: “أكرم كل عالم” (عام)، وفي رواية أخرى: “لا تكرم العالم” (مطلق). الرواية الأولى نُقلت بصيغة عامة، والثانية بصيغة مطلقة. ولكن من الممكن ألا يكون كلام المعصوم في الواقع على هذا النحو؛ بل مثلاً قال: “أكرم العالم” و “لا تكرم أي عالم”.
2-2. تعارض الاستصحابين
موضع آخر من مواضع تأثير النقل بالمعنى على مباحث التعارض هو في الموارد التي يُبيَّن فيها حكمان شرعيان لموضوعين، كلاهما وجودي. فإذا شككنا في مورد ما في أيٍّ من هذين الموضوعين قد تحقق (في فرض العلم الإجمالي بتحقق أحدهما)، فإن علماء الأصول يجرون استصحاب العدم في كلا الموضوعين، ونتيجة لذلك لا يثبت موضوع أيٍّ منهما. أما إذا كان موضوع أحدهما وجوديًا وموضوع الآخر عدم ذلك الوجود، فباستصحاب العدم يثبت موضوع أحدهما دون الآخر، ونتيجة لذلك لا يقع تعارض. وقد تناول الشيخ الأنصاري هذا المطلب أيضًا. (الأنصاري، 1428، ج 2، ص 128-129).
ومن الجدير ذكر أمثلة لتوضيح المطلب.
المثال الأول: كون الشخص رجلاً هو موضوع لأحكام، كما أن كونه امرأة هو موضوع لأحكام أخرى. فإذا كان هناك شخص خنثى يُعلم إجمالاً بكونه رجلاً أو امرأة، يجري استصحاب العدم بالنسبة لرجولته وأنوثته، فيتعارضان ويتساقطان بسبب مخالفتهما للعلم الإجمالي. أما إذا كان موضوع حكم ما هو “ليس امرأة” بل “غير رجل”، فيمكن في مورد الخنثى إثبات أنه ليس رجلاً عن طريق الاستصحاب، ونتيجة لذلك تترتب عليه أحكام “غير الرجل”. ولا يوجد استصحاب معارض؛ لأن استصحاب “ليس امرأة” لا يثبت أنه رجل، لأنه سيكون أصلاً مثبتًا.
المثال الثاني: الأحكام التي موضوعها الخبيث والطيب، مثل “الطيب حلال الأكل” و “الخبيث حرام الأكل”. في هذا المورد أيضًا، أصبح أمران وجوديان موضوعًا لحكمين، ويوجد علم إجمالي بأن الشيء إما خبيث أو طيب. فإذا شككنا في شيء ما هل هو خبيث أم طيب، يجري استصحاب العدم في كليهما فيتعارضان. أما إذا كان مثلاً موضوع أحدهما الطيب وموضوع الآخر “غير الطيب”، ففي موضع الشك يجري فقط استصحاب عدم كونه طيبًا، وتترتب عليه أحكام “غير الطيب”. ولا يوجد معارض؛ لأن استصحاب عدم كونه خبيثًا لا يمكنه إثبات طيبة ذلك الشيء، لأنه سيكون أصلاً مثبتًا.
المثال الثالث: المرأة القرشية، الدم الذي تراه حتى ستين سنة حيض، والمرأة غير القرشية حتى خمسين سنة. فإذا شككنا هل فلانة امرأة قرشية أم غير قرشية، يجب أن نرى ما هو موضوع الحكم بالضبط. إذا كان موضوع الحكم ببلوغ ستين سنة هو اتصاف المرأة بالقرشية، وموضوع الحكم ببلوغ خمسين سنة هو اتصاف المرأة بغير القرشية، فكلا الموضوعين أمر وجودي. ونتيجة لذلك، عندما يجري استصحاب العدم الأزلي في كليهما، يتعارضان، لوجود علم إجمالي بأن هذه المرأة إما متصفة بالقرشية أو متصفة بعدم القرشية. أما إذا كان موضوع الحكم ببلوغ ستين سنة هو اتصاف المرأة بالقرشية (وجودي)، وموضوع الحكم ببلوغ خمسين سنة هو عدم اتصاف المرأة بالقرشية (عدمي)، فباستصحاب العدم الأزلي لاتصافها بالقرشية يثبت موضوع أحد الحكمين ويرتفع موضوع الآخر. فكل الكلام يدور حول هل موضوع الحكم ببلوغ خمسين سنة سالب أم موجب معدول.
بالبيانات المتقدمة، علمنا أن كون الموضوع وجوديًا أو عدميًا مؤثر في جريان الاستصحاب وتعارضه مع استصحاب آخر. ونتيجة لذلك، فإن جواز ووقوع النقل بالمعنى مؤثر على هذا البحث أيضًا. فعند العرف لا فرق بين “امرأة” و “غير رجل”، كما أنه لا فرق عندهم بين “خبيث” و “غير طيب”. ونتيجة لذلك، لا يمكن بناءً على رواية واحدة تحديد كون الموضوع وجوديًا أو عدميًا وإجراء الاستصحاب فيه.
2-3. تعارض الرواية المنقولة باللفظ والرواية المنقولة بالمعنى
موضع آخر من مواضع تأثير النقل بالمعنى على مبحث التعارض هو حيث يكون أحد طرفي التعارض رواية منقولة باللفظ، والطرف الآخر رواية منقولة بالمعنى. وأحد المباني المطروحة في علم الأصول هو تقديم الرواية المنقولة باللفظ على الرواية المنقولة بالمعنى. (الشيخ البهائي، 1423، ص 172). ونتيجة لذلك، فإن النقل بالمعنى مؤثر أيضًا في بحث مرجحات باب التعارض.
يقول الشيخ الطوسي في تعارض روايتين إحداهما منقولة باللفظ والأخرى بالمعنى بترجيح الرواية المنقولة باللفظ، وذلك في حال احتمال خطأ الراوي في النقل بالمعنى. (الطوسي، د.ت، ج 1، ص 152). وقد صدّق المحقق الحلي على هذا الرأي للشيخ الطوسي. (المحقق الحلي، 1423، ص 224). ومن بين المتأخرين أيضًا، تجاوز المحقق الموسوي القزويني، في مقام بيان مرجحات باب التعارض، المرجحات المتعلقة بصفات الراوي وتناول المرجحات المتعلقة بالرواية نفسها. وقد أشار كنموذج إلى مسألة النقل بالمعنى ورجّح الرواية المنقولة باللفظ على الرواية المنقولة بالمعنى. (الموسوي القزويني، 1427، ج 7، ص 649). والفرق بين رأيه ورأي الشيخ الطوسي هو أن الشيخ الطوسي لم يعتبر وجود احتمال الخطأ في نقل معنى الرواية قطعيًا، بينما يعتبر المحقق الموسوي القزويني وجود هذا الاحتمال مسلمًا. وقد اعتبر المحقق محمد جواد فاضل الترجيح على هذا الأساس أمرًا محتملاً. (فاضل لنكراني، 1401، ج 3، ص 528-529).
وجدير بالذكر أن النقل بالمعنى في هذا البحث هو نفسه موضوع الترجيح، لا طريق لكشف الموضوع، بينما في المباحث السابقة اعتُبر النقل بالمعنى طريقًا لكشف العنوان العام أو المنطوق أو ما شابه ذلك. وعلى أي حال، فإن كون الرواية منقولة بالمعنى أو باللفظ أصبح منشأً لآثار أصولية، في حين أن إحراز أيٍّ منهما في الروايات يواجه تحديًا جديًا.
2-4. تعارض روايتين راوي إحداهما أفقه
يعتبر المحقق الموسوي القزويني أن سبب الترجيح ببعض صفات الراوي مرتبط أيضًا بوقوع النقل بالمعنى في الأحاديث. فالترجيح بالأفقهية في نظره يعود إلى أن الراوي الأفقه يفهم معنى كلام المعصوم أفضل من الراوي الآخر، ونتيجة لذلك يقل خطؤه عند نقل معنى كلام المعصوم. مثلاً، لو قال الإمام: “إذا بقي إلى منتصف الليل وقت بمقدار صلاة العشاء فقط، فهذا الوقت خاص بصلاة العشاء”، فإن الراوي الفقيه يفهم أن صلاة العشاء تكون أحيانًا أربع ركعات وأحيانًا ركعتين؛ مثل صلاة المسافر والخائف. فإذن، يكون الوقت الخاص بصلاة العشاء أحيانًا بمقدار أربع ركعات وأحيانًا بمقدار ركعتين. ونتيجة لذلك، عند نقل معنى الرواية، لا يقول أبدًا: “إذا بقي إلى منتصف الليل وقت بمقدار أربع ركعات فقط، فهذا الوقت خاص بصلاة العشاء”. هذا في حين أن الراوي غير الفقيه، بسبب عدم تفطنه لشقوق صلاة العشاء، قد يقول في مقام النقل بالمعنى “أربع ركعات” بدلاً من “صلاة العشاء”. (الموسوي القزويني، 1427، ج 7، ص 624-625).
تأثير جواز ووقوع النقل بالمعنى في الأحاديث بالنسبة للبحث المذكور هو من نوع فلسفة الترجيح؛ بمعنى أن سبب حكم الإمام بترجيح الرواية التي راويها أفقه هو جواز ووقوع النقل بالمعنى في الأحاديث؛ لأنه لو لم يكن النقل بالمعنى جائزًا أو لم يقع فعلاً، لما كان هناك وجه آخر لإدخال الفهم والفقه في ترجيح رواية ما.
وعلى أي حال، فإن هذا البحث الأصولي أيضًا قد تأثر بنوع ما بجواز ووقوع النقل بالمعنى. ومن الضروري لمن يوافقون المحقق الموسوي القزويني في الترجيح بالأفقهية أن يضيفوا هذا القيد، وهو أن هذا المرجح خاص بتعارض الروايات التي لم يُحرز فيها صدور عين الألفاظ عن المعصوم، وبعبارة أخرى، يُحتمل النقل بالمعنى في كلا طرفي التعارض. وإلا، فسيكون الترجيح بالأفقهية في هذا التعارض بلا دليل.
الخلاصة
لقد قبلنا كأصل موضوعي أن النقل بالمعنى في الأحاديث جائز بشرط نقل المعنى المتعارف عليه كاملاً، وأنه قد وقع، ولم يثبت ندرته. ومن جهة أخرى، لا يمكن في كثير من الحالات إثبات صدور لفظ خبر الواحد عن المعصومين، لأنه لا يوجد أصل يثبت أن الرواية التي يُشك في كونها منقولة بالمعنى لم تُنقل بالمعنى وأنها عين ألفاظ المعصوم.
إن تأثير جواز ووقوع النقل بالمعنى في الأحاديث واسع جدًا، ولكن التأثير الذي يتركه على قضايا علم أصول الفقه هو مدخل لتأثير واسع على أحكام متنوعة أُثبتت عن طريق تلك القضايا الأصولية. ومن جملة هذه المباحث الأصولية التي تتأثر بالنقل بالمعنى مبحث تعارض الأدلة. وخلاصة البحث هي أن كثيرًا من القضايا الأصولية التي تُبيَّن بالإجماع أو بناءً على بعض المباني في مقام علاج تعارض الأدلة، تختص بالمورد الذي يكون فيه النقل باللفظ قد تم، في حين أن إحراز هذا الأمر، بالنظر إلى جواز النقل بالمعنى ووقوعه في الجملة في الروايات، يبدو صعبًا. والأصل العملي أيضًا لا قدرة له على إثبات كون الروايات المشكوكة منقولة باللفظ. ومن ثم، يجب إعادة النظر في هذه القضايا الأصولية والتفصيل بين الأدلة المنقولة باللفظ والمنقولة بالمعنى.
مباحث مثل تعارض المنطوق والمفهوم، وتعارض العام والخاص (المطلق)، وتعارض الاستصحابين، وتعارض الرواية المنقولة باللفظ والمنقولة بالمعنى، وتعارض الروايتين اللتين يكون راوي إحداهما أفقه، هي مباحث تندرج ضمن تعارض الأدلة وتتأثر بجواز ووقوع النقل بالمعنى في الأحاديث.
المصادر
القرآن الكريم
- ابن فارس، أحمد (1404ق). معجم مقاييس اللغة. الطبعة الأولى، قم: دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.
- ابن منظور، محمد بن مكرم (1414ق). لسان العرب. الطبعة الثالثة، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.
- الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1410ق). كتاب المكاسب (المحشى). بشرح سيد محمد كلانتر. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسه مطبوعاتي دار الكتاب.
- الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1428ق). فرائد الأصول. الطبعة التاسعة، قم: مجمع الفكر الإسلامي.
- الأنصاري، مرتضى بن محمد أمين (1383ش). مطارح الأنظار. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
- آخوند خراساني، محمد كاظم بن حسين (1409ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى، قم: مؤسسة آل البيت.
- تبريزي، ميرزا فتاح شهيدي (1375ق). هداية الطالب إلى أسرار المكاسب. الطبعة الأولى، تبريز: نشر اطلاعات.
- دهخدا، علي أكبر (1373ش). لغت نامه دهخدا. الطبعة الأولى من الدورة الجديدة، تهران: مؤسسه انتشارات و چاپ دانشگاه تهران.
- شيخ بهائي، محمد بن حسين (1423ق). زبدة الأصول. الطبعة الأولى، قم: نشر مرصاد.
- الصدر، محمد باقر (1417ق). بحوث في علم الأصول. تقريرات محمود هاشمي شاهرودي. الطبعة الثالثة، قم: مؤسسه دائرة المعارف فقه إسلامي بر مذهب أهل بيت.
- الطوسي، محمد بن الحسن (1417ق). العدة في أصول الفقه. الطبعة الأولى، قم: نشر محمد تقي علاقبنديان.
- فاضل لنكراني، محمد جواد (1401ش). رسائل في الفقه والأصول. الطبعة الأولى، قم: مركز فقهي أئمه اطهار.
- فراهيدي، خليل بن أحمد (1409ق). كتاب العين. الطبعة الثانية، قم: نشر هجرت.
- مازندراني، محمد صالح بن أحمد (1382ق). شرح الكافي. تحقيق أبو الحسن شعراني. الطبعة الأولى، تهران: مكتبة الإسلامية.
- محقق حلي، جعفر بن حسن (1423ق). معارج الأصول. الطبعة الأولى، لندن: مؤسسه إمام علي.
- معين، محمد (1360ش). فرهنگ فارسي. الطبعة الرابعة، تهران: مؤسسه انتشارات امير كبير.
- موسوي قزويني، سيد علي (1427ق). تعليقة على معالم الأصول. الطبعة الأولى، قم: دفتر انتشارات إسلامي.
- الوندي، مهشيد؛ طاهري، جواد (1391ش). “رويكردى به مبحث معناى معنا”. مجله مطالعات تقريبى مذاهب إسلامى. العدد 27، ص 21-28.