«وقف البيان» في الآية 217 من سورة البقرة

الملخص

يقوم قُرّاء القرآن الكريم، من أجل إلقاء مراد الله تعالى على السامع على الوجه الصحيح، بتلاوة آيات القرآن بالنظر إلى مفهوم الآية، ويختارون الوقف أو الوصل أو الابتداء المناسب بالنظر إلى الارتباط اللفظي والمعنوي بين عبارات القرآن. يتناول هذا البحث مصاديق الآيات التي تكون عباراتها في موضع معين محل خلاف بين المفسرين، فتارة يُختار الوقف وتارة أخرى الوصل. في هذا النوع من الآيات، حيث يُختار الوقف بين العبارات بناءً على وجه تفسيري معين، تبلغ أهمية إلقاء المعنى بواسطة ذلك الوقف إلى درجة أن وصل العبارة يوهم معنىً خلاف المراد. ولهذا، يختار القراء الوقف على عكس مقتضى الارتباط اللفظي والمعنوي بين العبارات، ليلقوا المعنى الصحيح للآية على السامع؛ لأنه في حال عدم بيان هذا الوقف، لا يقتصر الأمر على عدم إلقاء المعنى المنشود على السامع، بل قد يوهم معنىً مخالفاً له أيضاً. ومن هنا، أطلق بعض علماء الوقف والابتداء على هذا النوع من الوقف اسم «وقف البيان». هذا البحث، ضمن تبيينه لوقف البيان في الآية 217 من سورة البقرة، يتناول بالنقد والتحليل الوجوه الخمسة للوقف والابتداء في هذه الآية، والمؤيدات التي تدعم وقف البيان فيها.

المقدمة

إن علم الوقف والابتداء هو أحد العلوم القرآنية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتفسير. ويعدّه قراء القرآن الكريم فناً مهماً من فنون التلاوة، ويسعون من خلال تطبيق الوقف والابتداء المناسب مع تفسير الآيات إلى تفهيم وإلقاء المعنى الصحيح للآية على السامع. وقد قام علماء الوقف والابتداء بتعيين مواضع الوقف بالنظر إلى مختلف التفاسير، وبالنظر إلى الارتباط اللفظي والمعنوي بين العبارات، قد رجّحوا أحياناً الوقف على الوصل، وأحياناً أخرى الوصل على الوقف.

دراسة مفهوم البيان

المعنى اللغوي

كلمة «بيان» مشتقة من الأحرف الأصلية الثلاثة: «الباء» و«الياء» و«النون». وقد قيل في معنى «البيان»: «إظهار المعنى وتوضيحه لشخص ما» (الطريحي، 1375: 6، 218)، أو «ما يتضح به المعنى» (الجوهري، 1407: 5، 2083). وقيل أيضاً في معنى آخر لهذه الكلمة: «إظهار المراد والمقصود وكشفه بأبلغ لفظ عن طريق اللسان» (ابن منظور، 1414: 13، 69). وفي الواقع، «البيان» هو الفصاحة باللسان؛ فمثلاً حين يُقال: فلانٌ «أبْيَنُ» من فلان، فالمقصود أنه أفصح منه كلاماً وأوضح قولاً (الجوهري، 1407: 5، 2082).

التعريف الاصطلاحي

«البيان» في اصطلاح علم القراءة هو إحدى مراتب الوقف، وقد عُرّف بأنه: توجد في القرآن الكريم مواضع يكون ما قبلها وما بعدها متعلقين ببعضهما من الناحيتين اللفظية والمعنوية، وهذا يقتضي منع الوقف في ذلك الموضع، ولكن وجود سبب يقتضي الوقف في ذلك الموضع، وقد لا يتضح المعنى بدونه (الأشموني، 1429: 21؛ الحصري، 1370: 92). في تبيين هذا النوع من الوقوف، يمكن القول إن «وقف البيان» في السياق الفعلي والتلاوة يقع في مرتبة «الوقف اللازم»[1] في السياق النظري والمكتبي؛ لأن وصل العبارتين يوهم معنى آخر يخالف مراد الله ومقصوده.

وتجدر الإشارة إلى أن من بين علماء الوقف والابتداء، لم يذكر صراحةً سوى زكريا الأنصاري[2] «وقف البيان» كأحد أقسام الوقف (الأنصاري، 2006م: 9). ولكن آخرين، بعد بيان أقسام الوقف، أشاروا إليه ضمنياً؛ فمثلاً، السخاوي[3] تحت عنوان «الوقف البياني» (السخاوي، 1413: 1، 32)، والأشموني[4] تحت عنوان «وقف البيان» (الأشموني، 1429: 21) قد عرّفوا وبيّنوا هذا النوع من الوقف. كما أن صاحب ‘معالم الاهتداء’[5] لم يضع له اسماً خاصاً بسبب تنوع أسباب وعلل هذا الوقف (الحصري، 1370: 95).

نماذج من مواضع وقف البيان في القرآن الكريم

كما ذُكر، يُطلق هذا النوع من الوقف – بشكل خاص – في الحالات التي يُطرح فيها لزوم الوقف على الرغم من الارتباط اللفظي والمعنوي بين ما قبل موضع الوقف وما بعده. وبناءً على ذلك، يكون وقف البيان في كثير من الحالات من نوع «الوقف الحَسَن». والوقف الحسن هو: «الوقف على موضع يحسن الوقف عليه، ولكن لا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظاً ومعنى» (الداني، 1407: 145). كما ينطبق وقف البيان في بعض الحالات على الوقف التام والكافي. فالوقف التام هو: «الوقف على موضع يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده؛ لعدم تعلقه بشيء مما بعده. وهذا الوقف يوجد في أواخر القصص، والفواصل، ورؤوس الآي». والوقف الكافي هو: «الوقف على موضع يحسن الوقف عليه والابتداء بما بعده، إلا أن ما بعده متعلق به من جهة المعنى لا اللفظ» (الداني، 1407: 140-143). وقد ذكر ابن الجزري نماذج من أنواع وقف البيان على النحو التالي:

أ) نموذج من وقف البيان التام

﴿وَ لَا يَحْزُنُكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَميعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ﴾ (يونس: 65). وصل عبارة «قولهم» بما بعدها يوهم أن الجملة التي تليها هي من كلام الكافرين، بينما هي من كلام الله.

ب) نموذج من وقف البيان الكافي

﴿وَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ…﴾ (البقرة: 116). وصل عبارة «ولداً» بما بعدها يوهم أن الجملة الثانية هي أيضاً من كلام الكافرين، بينما هي من كلام الله.

ج) نموذج من وقف البيان الحسن

﴿… فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها…﴾ (التوبة: 40). وصل العبارة بعد «عليه» بـ«أيده» يوهم أن مرجع الضميرين واحد، بينما ليس الأمر كذلك. يرى ابن الجزري، تبعاً لبعض المفسرين من أهل السنة، أن مرجع الضمير في «عليه» هو أبو بكر، وفي «أيده» هو النبي صلى الله عليه وسلم (ابن الجزري، بي تا: 232-233). وبالطبع، هذا الرأي قابل للنقد، لكننا لا نتعرض له هنا. في ما يلي، ومن خلال دراسة بعض جوانب الإعراب، والتفسير، والوقف والابتداء في الآية 217 من سورة البقرة، وبمساعدة الشواهد والأدلة، سيُقترح الوجه الراجح فيما يتعلق بالآراء المطروحة حول وقف البيان.

﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ…﴾ (البقرة: 217). يظهر من ظاهر الآية أن القتال في الشهر الحرام إثم كبير، ولكن موضع النزاع هو: هل يُفهم من هذه الآية أن «الصد عن سبيل الله» و«الكفر به» إثم كبير أيضاً، أم أن القتال نفسه، بالإضافة إلى كونه إثماً كبيراً، يُعدّ أيضاً «صداً وكفراً»؟ وكذلك، هل عرّف الله القتال فقط بأنه إثم كبير، واعتبر الذنوب التي تليه (الصد، والكفر، والإخراج) أكبر منه؟ في الواقع، إن ما هو موضع سؤال من حيث الوقف والابتداء هو الوقف على «كبير» أو وصلها بما بعدها. وقد ذكر المعربون وجوهاً مختلفة من الإعراب لهذه الآية، ولكن ما سيُذكر هو الحالات التي يكثر فيها الجدل، والتي تقتضي كل منها نوعاً معيناً من الوقف والابتداء. وبناءً على ذلك، وللوصول إلى الإعراب الأقرب للصواب، الذي هو أساس الوقف الصحيح، يبدو من الضروري كشف مراد الله ومقصوده. ومن هذا المنطلق، فإن الاهتمام بسبب النزول والروايات التي وردت في ذيل هذه الآية أمر جدير بالاعتبار، وهو ما سنتناوله فيما يلي.

سبب نزول الآية

وردت روايات مختلفة في سبب نزول الآية المذكورة بالمضمون التالي: قبل غزوة بدر، أرسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سرية من سبعة رجال بقيادة عبد الله بن جحش لتراقب قوافل قريش. وكان في إحدى هذه القوافل عمرو بن عبد الله الحضرمي، فاشتبك معه جيش الإسلام وقتلوه، وأخذوا القافلة بما فيها من بضائع تجارية إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقع هذا الاشتباك في اليوم الأول من شهر رجب، وهو أحد الأشهر الحرم، بينما كان المسلمون يظنون أنه اليوم الأخير من شهر جمادى الثانية. عندئذ، بدأ كفار قريش يطعنون في أن محمداً قد أحلّ الحرب وسفك الدماء والأسر في الأشهر الحرم. وفي هذا الوقت، نزلت الآية المذكورة (القمي، 1367: 1، 71 و72؛ الطبري، 1412: 2، 202 و203؛ الثعلبي، 1422: 2، 138 و139؛ الطبرسي، 1372: 2، 551؛ ابن الجوزي، 1422: 1، 181؛ ابن كثير، 1419: 1، 429؛ السيوطي، 1404: 1، 250؛ الفيض الكاشاني، 1415: 1، 247؛ البحراني، 1416: 1، 453؛ القمي المشهدي، 1368: 2، 319 و320). يمكن أن يُستنتج من سبب النزول هذا أن السؤال الذي تحكيه عبارة «يسألونك» كان من طرف المؤمنين لا من طرف المشركين الذين كانوا يطعنون (الطباطبائي، 1417: 2، 191). وفي الواقع، أنزل الله هذه الآية لتكون حجة للمسلمين على الكافرين (أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 200). ويؤيد هذا الاستنتاج مطلبان: 1. ما نُقل عن ابن عباس: «عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قُبض، كلهن في القرآن، منهن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾، و﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾، ما كانوا يسألون إلا عما كان ينفعهم» (القرطبي، 1364: 3، 40؛ السيوطي، 1404: 1، 244؛ الطباطبائي، 1417: 2، 162 و163)؛ أي: «لم أرَ قوماً خيراً من أصحاب محمد، لم يسألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة، وكلها في القرآن، مثل: «يسألونك عن الخمر والميسر»، «يسألونك عن الشهر الحرام»…». 2. الخطاب في الآية الكريمة موجه للمؤمنين؛ لأنه يقول في تتمة الآية: ﴿وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ…﴾ أي يواصلون قتالكم ليردوكم عن دينكم (الطباطبائي، 1417: 2، 191). وفيما يلي، وبالنظر إلى سبب النزول المذكور، نتناول دراسة الوجوه المختلفة لإعراب الآية.

الوجوه الإعرابية للآية

الوجه الأول: «وصدٌّ» مبتدأ؛ «وكفرٌ» و«إخراجٌ» معطوفان عليه؛ «أكبرُ»: خبر للثلاثة

إذا اعتُبر «وصدٌّ» مبتدأ، و«كفر وإخراج» معطوفين عليه، و«أكبرُ» خبراً للثلاثة جميعاً، فإن جملة ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تكون معطوفة على جملة ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، وهي المقول الثاني لـ«قل». في هذه الحالة، يكون وصل العبارات هو المطلوب، ويصبح معنى الآية: «قل إن القتال في الشهر الحرام إثم كبير، و[قل أيضاً ولكن] الصد عن سبيل الله، والكفر بالله، والصد عن المسجد الحرام، وإخراج أهله منه، كل ذلك أكبر [من القتال في الشهر الحرام]». المعربون الذين اختاروا هذا الوجه الإعرابي يعتبرون «المسجد الحرام» معطوفاً على «سبيل الله»؛ أي: وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. والمقصود بأهل المسجد الحرام هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون (الطباطبائي، 1417: 2، 167). وقد اعتبر معظم المعربين والمفسرين الإعراب والمعنى المذكورين أفضل وأصح (انظر: الطبري، 1412: 2، 202؛ ابن النحاس، 1421: 1، 110؛ الزجاج، 1420: 1، 201؛ الثعلبي، 1422: 2، 140؛ الطوسي، بي تا: 2، 205؛ ابن الجوزي، 1422: 1، 276؛ أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 199؛ الطبرسي، 1372: 2، 552؛ القرطبي، 1364: 3، 45؛ العكبري، بي تا: 55؛ السمين، بي تا: 2، 392؛ الآلوسي، 1415: 1، 504؛ الشوكاني، 1414: 1، 250؛ الزمخشري، 1407: 1، 259؛ النسفي، 1367: 1، 68؛ الصافي، 1418: 2، 449؛ الدرويش، 1415: 1، 322؛ الدعاس، 1425: 1، 90). وتؤيد الأدلة التالية صحة هذا الوجه: 1. التطابق والانسجام مع سبب النزول: كما اتضح من سبب النزول، كان سؤال المسلمين عن القتال في الشهر الحرام، وقد أجاب الله عنه بعبارة «قتال فيه كبير» (القتال في الشهر الحرام إثم كبير). أما الجواب التالي، الذي هو في رد شبهة المشركين، فيشير إلى الذنوب التي ارتكبها المشركون، أي الصد عن سبيل الله، والصد عن المسجد الحرام، والكفر به، وإخراج أهله منه، وهي ذنوب أعظم حتى من القتال في الشهر الحرام. يُلاحظ أنه بناءً على هذا الوجه الإعرابي، يمكن الوصول بسهولة إلى معنى ينسجم مع سبب النزول. 2. التطابق والانسجام مع الإعراب الصحيح لـ«المسجد الحرام»: بناءً على هذا الوجه، يكون «المسجد الحرام» معطوفاً على «سبيل الله»؛ أي «وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام».[6] 3. نظم الآية: يعتقد بعض المفسرين أن صحة نظم الآية تكون بأسلوب هذا الوجه الإعرابي (أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 200؛ ابن عاشور، بي تا: 2، 312). 4. انتظام المعنى: قال بعض الأكابر إن هذا الوجه الإعرابي يضفي على الآية انتظاماً معنوياً أكبر (السجاوندي، 1422: 143؛ النيسابوري، 1416: 1، 591). وتجدر الإشارة إلى أن معظم المترجمين المشهورين للقرآن الكريم قد ترجموا هذه الآية بناءً على هذا الوجه الإعرابي.

الوجه الثاني: «صدٌّ» مبتدأ وخبره محذوف دل عليه «كبير»

إذا كان «صدٌّ» مبتدأ ولكن خبره محذوف بقرينة «كبير» المتقدم، فإن تقدير الآية يكون: «قل القتال فيه كبير، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيل الله والكفرُ به». أي: قل إن القتال في الشهر الحرام إثم كبير، وكذلك الصد عن سبيل الله والكفر بالله والصد عن المسجد الحرام إثم كبير، ولكن إخراج أهله منه عند الله إثمه أكبر. وبهذا، وبسبب عطف «صدٌّ» على «قتال»، يكون وصل عبارة «وصدٌّ» بما قبلها مناسباً. هذا الإعراب لم يختره إلا قلة من المعربين والمفسرين (الفراء، بي تا: 1، 141؛ الطباطبائي، 1417: 2، 167)، وبعضهم الآخر اعتبر هذا الوجه محتملاً نقلاً عن الفراء (انظر: أبو حيان، 1420: 2، 386؛ الفخر الرازي، 1420: 6، 389). ومن علماء الوقف والابتداء، يبدو أن أبا حاتم[7] اعتبر الوقف على «المسجد الحرام» كافياً بناءً على هذا الوجه (ابن النحاس، 1423: 99؛ الداني، 1407: 184)؛ بمعنى أن الوقف عليه والابتداء بما بعده صحيح. وعند ابن الأنباري[8] هو وقف حسن؛ بمعنى أن الوقف عليه جيد ولكن الابتداء بما بعده ليس جيداً (ابن الأنباري، 1390: 1، 550). يبدو أن الإعراب المذكور غير صحيح للأسباب التالية: 1. عدم التناسب مع سبب النزول: كما استُنتج من سبب النزول، كان الهدف من نزول الآية هو أن تكون حجة للمسلمين ورداً على شبهة المشركين. يُلاحظ أنه بالنظر إلى الإعراب المذكور، يقع السامع في إيهام: هل خاطب الله المسلمين بتعظيم «الصد والكفر» كحجة، أم أنه ذكر ذلك في معرض الرد على شبهة المشركين؟! كما أن سؤال المسلمين كان عن القتال والحرب في الشهر الحرام، لا عن «الصد والكفر»؛ لذا، يظهر من ظاهر الآية أن الله في جوابه لسؤال المسلمين، أجاب فقط عن «القتال» بأنه إثم كبير، وأن بقية الآية موجهة للمشركين.

2. بناءً على هذا الإعراب، يصبح إخراج أهل المسجد الحرام إثماً أكبر من الكفر؛ أي أن ما هو جزء من الكفر، يصبح إثمه أكبر من الكفر، وهذا غير صحيح (الزجاج، 1420: 1، 201؛ الطوسي، بي تا: 2، 205).

3. الإعراب المذكور يستلزم تقدير محذوف في الآية، وهو ما لا يجوز حسب القواعد النحوية ما لم تكن هناك حاجة في معنى الآية إلى التقدير.

وتجدر الإشارة إلى أن قلة من المترجمين المشهورين للقرآن الكريم، مثل تشكري، قد ترجموا هذه الآية بناءً على هذا الوجه الإعرابي.

الوجه الثالث: «وصدٌّ» عطف على «كبير»؛ «وكفرٌ» عطف عليه؛ «وإخراجٌ» مبتدأ

إذا اعتُبر «وصدٌّ» معطوفاً على «كبير»، و«كفر» معطوفاً عليه أيضاً، فإن تقدير الآية يصبح: «قل قتال فيه كبير، وقتال فيه صدٌّ عن سبيل الله، وقتال فيه كفرٌ به وبالمسجد الحرام». أي: قل إن القتال في الشهر الحرام هو إثم كبير، وهو أيضاً صد عن سبيل الله وكفر بالله وبالصد عن المسجد الحرام، ولكن إخراج أهله منه إثمه عند الله أكبر. وبهذا الترتيب، يقتضي وصل العبارة كلها؛ لأن الواو في «وإخراج» هي واو عاطفة تعطف «إخراج» على «قتال»، وتكون هي نفسها جملة ومقولاً ثانياً لـ«قل». هذا الإعراب لم يختره إلا قلة من المعربين (الفراء، بي تا: 1، 141؛ الأخفش، 1405: 1، 366؛ السمين، بي تا: 2، 392). وبالطبع، بعض المعربين والمفسرين الآخرين، نقلاً عن الفراء، فرضوا هذا الإعراب على الآية (الفخر الرازي، 1420: 6، 389؛ النيسابوري، 1416: 1، 591؛ أبو حيان، 1420: 2، 386). من منظور علم الوقف والابتداء، وفي هذا الوجه الإعرابي، يمكن اعتبار الوقف على «والمسجد الحرام» وقف بيان. هذا الوجه معيب للأسباب التالية: 1. التناقض مع سبب النزول: كما استُنتج من سبب النزول، أنزل الله هذه الآية لتكون رداً على طعن المشركين وحجة للمسلمين على الكافرين. يُلاحظ أنه بناءً على هذا الوجه الإعرابي، تصبح الآية حجة للكافرين على المسلمين؛ لأن قتال المسلمين يصبح إثماً كبيراً و«صداً ومنعاً» و«كفراً بالله»، وهذا كله يقوي حجة الكافرين، وكأن الآية نزلت للمشركين، وهذا يخالف سبب نزول الآية (أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 200). 2. التناقض مع قول جمهور المفسرين: يرى جمهور المفسرين أن القتال في الشهر الحرام، وإن كان إثماً كبيراً وقد يكون «صداً» لأن الناس ينفرون منه (الزجاج، 1420: 1، 201)، إلا أنه ليس «كفراً». ولكن هذا الوجه الإعرابي يتضمن معنى أن القتال في الشهر الحرام هو كفر، وهذا يخالف قول جمهور المفسرين (انظر: الزجاج، 1420: 1، 201؛ الطبري، 1412: 2، 205؛ ابن النحاس، 1423: 99؛ الطبرسي، 1372: 2، 550؛ أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 200؛ الأشموني، 1429: 91). 3. إحداث خلل في فهم الآية: بناءً على الإعراب المذكور، يحدث خلل في فهم الآية يمكن تحليله من جهتين: أ) قيل إنه بناءً على هذا الوجه الإعرابي، يُعتبر القتال كفراً؛ وبناءً عليه، فإن تتمة الآية ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشير إلى أن إثم إخراج أهل المسجد الحرام هو أعظم حتى من الكفر. وفساد هذا القول واضح تماماً؛ لأنه لا يوجد ذنب أعظم من الكفر (الزجاج، 1420: 1، 201؛ ابن النحاس، 1423: 99؛ الطوسي، بي تا: 2، 205؛ الطبرسي، 1372: 2، 550؛ ابن عطية، 1422: 1، 290). ب) بناءً على هذا الوجه الإعرابي، يصبح «القتال» هو نفسه «الصد عن سبيل الله»، وهذا غير صحيح عقلاً. وحتى لو قيل إن «القتال» هو «سبب الصد» (السجاوندي، 1422: 143)، فهذا أيضاً خطأ؛ لأن «صد سبيل الله» كان موجوداً قبل «القتال» في الشهر الحرام، ولم يكن سببه القتال (أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 200). وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من المترجمين المشهورين للقرآن الكريم، مثل القرشي، والطالقاني، والنجفي الخميني، والمصطفوي، والعاملي، والفولادوند، والبانو أمين، والمعزي، والأنصاري، والإسفراييني، والميبدي، وصفي عليشاه، قد ترجموا هذه الآية بناءً على هذا الوجه الإعرابي.

الوجه الرابع: «وصدٌّ» عطف على «كبير»؛ و«كفرٌ» مبتدأ

إذا كان «صدٌّ» معطوفاً على «كبير»، و«وكفرٌ» بداية جملة تالية، فإن «وكفرٌ» مبتدأ، و«إخراجٌ» معطوف على «كفر»، و«أكبرُ» خبر لكليهما (الكفر والإخراج). ويكون تقدير العبارة على هذا النحو: قل قتال فيه كبير وصدٌّ عن سبيل الله (السمين، بي تا: 2، 392). أي أن الله في جوابه للمسلمين قال: القتال في الشهر الحرام إثم كبير وصد عن سبيل الله، ولكن الكفر به و[الكفر] بالمسجد الحرام وإخراج أهله منه، إثمه أعظم من القتال. وبهذا، يقتضي وصل العبارة كلها؛ لأن «الواو» في «وكفرٌ» هي واو عاطفة تعطف «كفر» على «قتال»، وتكون هي نفسها جملة وهي المقول الثاني لـ«قل». وبناءً على ذلك، يقتضي في التلاوة ألا يكون هناك أي وقف من «قل قتال» إلى «أكبر عند الله». بالطبع، هذا الوجه الإعرابي هو وجه أورده السمين[9] لتوجيه الوجه السابق. ويبدو أنه طرح هذا الوجه ليرفع من جهة الفساد الذي ورد في الوجه السابق نقلاً عن ابن عطية، ومن جهة أخرى ليرد قول الفراء بشكل كامل. ويبدو أن الوجه المذكور معيب أيضاً للأسباب التالية: 1. التناقض مع سبب النزول: بناءً على هذا الوجه الإعرابي، فإن «القتال» في الشهر الحرام، بالإضافة إلى كونه إثماً كبيراً، هو أيضاً صد عن سبيل الله. وبناءً عليه، لا يمكن أن يكون حجة للمسلم ضد الكافر. بالإضافة إلى ذلك، سيصبح حجة وذريعة للكفار، بينما هدف نزول الآية هو عكس ذلك. 2. التناقض مع القواعد النحوية في إعراب «المسجد الحرام»: بناءً على هذا الوجه الإعرابي، نضطر إلى عطف «المسجد الحرام» على الضمير المجرور في «به» (البغوي، 1420: 1، 276؛ القرطبي، 1364: 3، 45)، وهذا يخالف القواعد النحوية؛ لأن العرب لا تعطف الاسم الظاهر على الضمير المتصل المجرور إلا إذا تكرر حرف الجر؛ لأن الجار والمجرور بمنزلة اسم واحد، وعطف اسم على جزء من اسم غير صحيح (الطبرسي، 1372: 2، 551؛ أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 200؛ البيضاوي، 1418: 1، 137). كما أن المعنى يُلقى بصيغة «الكفر بالمسجد الحرام»، وهي عبارة لا معنى لها (ابن عاشور، بي تا: 2، 312).

وقد قال أبو حيان أيضاً إن هذا الإعراب لـ«المسجد الحرام» فيه تكلف شديد وبعيد عن نظم القرآن وتركيبه الفصيح. ويذكر حلاً آخر لإعراب «المسجد الحرام» في هذا الوجه، وهو أن يتعلق بفعل محذوف بقرينة آية ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (الفتح: 25) (أبو حيان، 1420: 2، 386). وبالطبع، هذا التوجيه نفسه فيه إشكال؛ لأنه يستلزم حذف حرف الجر مع بقاء عمله، وهو ما لا يجيزه كثير من النحاة (السمين، بي تا: 2، 397). 3. إحداث خلل في فهم الآية: نفس الخلل الذي ذُكر في الوجه السابق (الإشكال 3، البند ب) ينطبق على هذا الوجه أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن قلة من مترجمي القرآن الكريم، مثل خاني/رياضي، قد ترجموا هذه الآية بناءً على هذا الوجه الإعرابي.

الوجه الخامس: «الواو» في «المسجد الحرام» واو القسم

إذا كانت «الواو» في «المسجد الحرام» واو القسم، فإن «صدٌّ» و«كفرٌ» يُعطفان على «كبير»، والكلام يتم عند «كفر به»، ويصبح معنى الآية: قل إن القتال في الشهر الحرام أمر كبير وصد وكفر. والقسم بالمسجد الحرام أن إثم إخراج أهله منه أكبر من القتال. هذا الوجه الإعرابي اعتبره الفخر الرازي محتملاً في الآية (الفخر الرازي، 1420: 6، 390)، ولكنه يبدو قابلاً للنقاش للأسباب التالية: 1. التناقض مع سبب النزول؛ 2. التناقض مع قول جمهور المفسرين؛ 3. إحداث خلل في فهم الآية؛ وهذه الإشكالات الثلاثة هي نفسها التي ذُكرت في الوجه الثالث. 4. التناقض مع الأسلوب الأدبي للقرآن: إذا كانت «الواو» في «المسجد الحرام» واو القسم، فإن «الواو» في «وإخراج أهله» لا تكون مفيدة لا من حيث المعنى ولا من حيث الإعراب.

دراسة آراء علماء الوقف والابتداء

الوقف على «كبير» عند الأنصاري والأشموني هو وقف تام، أي أن الوقف عليه والابتداء بما بعده حسن (الأنصاري، 2006: 42؛ الأشموني، 1429: 90). وهذا الموضع عند أبي عمرو الداني[10] وقف كافٍ (الداني، 1407: 184)، وعند ابن النحاس[11] وقف حسن (ابن النحاس، 1423: ص 98). كما أن السجاوندي وصاحب غرائب القرآن[12] قد عيّنا رمز «ط» للوقف على «كبير»؛ بمعنى أن الابتداء بما بعده حسن (السجاوندي، 1422: 143؛ النيسابوري، 1416: 1591). وكذلك صاحب معالم الإهتداء ذكر الوقف على «كبير» ضمن الوقوف التي يجب العمل بها لدفع الإيهام (الحصري، 1370: 93). وفي بعض المصاحف أيضاً، وبالنظر إلى الوجوه الإعرابية والتفسير المستفاد منها وآراء المتخصصين في الوقف والابتداء، اعتُبر الوقف على «كبير» هو الراجح، واستُخدمت علامة الوقف اللازم؛ مثل نص قرآن «التفسير المعين» (هويدي، 1991: 34). وفي بعض القرآنيات الأخرى، سُجلت علامة «الوقف المطلق»، «جائز الطرفين»، أو علامة «الوقف أولى من الوصل».

دراسة تلاوة القراء المشهورين

في هذه الآية، يُطرح الوقف على «كبير» كوقف بيان، وقد اختاره معظم القراء المشهورين للقرآن، حيث وقفوا على «كبير» وابتدأوا من «وصدٌّ». في الواقع، لقد تلوْا الآية مع التأكيد على إلقاء الوجه الأول. (انظر تلاوات: مصطفى إسماعيل، المنشاوي، عبد الباسط، شحات محمد أنور، خليل الحصري، سعد الغامدي، عبد الرحمن الحذيفي، أبو بكر الشاطري، محمد جبريل، أحمد علي العجمي، عبد المنعم عبد المبدئ، مشاري العفاسي، ماهر المعيقلي، محمد محمود الطبلاوي، علي جابر). كما أن قلة من القراء المشهورين وصلوا «كبير» بما بعدها، ووقفوا على «والمسجد الحرام» وابتدأوا من «وإخراج» مع التأكيد على إلقاء الوجه الثالث للتلاوة (انظر: ترتيل عبد الرحمن السديس). وصل «كبير» بما بعدها والوقف على «عند الله» يمكن أن يلقي أياً من معاني الوجوه الأول، الثاني، أو الثالث، وهو ما قام به بعض القراء المشهورين (انظر: ترتيل عبد المحسن القاسم، إبراهيم الأخضر، محمد حصان)، الذين يبدو أنهم تركوا استنباط المعنى للسامع. وصل «كبير» بما بعدها والوقف على «كفر به» يمكن أن يكون مبنياً على أي من معاني الوجوه الأول، الثاني، أو الثالث، ولكن الابتداء من «وكفر به» يلقي معنى أن «وكفر به» هو مبتدأ لجملة تالية. في الواقع، إن «وكفر به» مع إلقاء وجهين من الإعراب في تلاوة واحدة، أمر غير صحيح (انظر: ترتيل أحمد خليل شاهين). قلة من القراء المشهورين اختاروا وصل «كبير» بما بعدها والوقف على «سبيل الله»، وهو ما يمكن أن يكون مبنياً على أي من معاني الوجوه الثاني أو الثالث، ولكن الابتداء من «وصدٌّ» والوقف على «كفر به» يلقي المعنى بناءً على الوجه الأول. وكذلك الابتداء من «المسجد الحرام» يلقي معنى الوجه الخامس الذي تكون فيه «الواو» في «المسجد الحرام» واو القسم، أو يكون مبنياً على أن «والمسجد الحرام» مبتدأ (انظر: ترتيل هاني الرفاعي). هذه التلاوة مردودة من حيث أنها تخلق إيهاماً في إلقاء وجوه الإعراب المختلفة. ويبدو أن الوقف على «كبير» والعودة والابتداء من «قل» ووصل العبارة حتى «كفر به» مع التأكيد على إلقاء معنى الوجه الثاني، ولكن الابتداء من «وكفر به» ووصله بما بعده من حيث أنه يجمع بين إلقاء وجهين إعرابيين لـ«وكفر به»، هو أمر مردود (انظر: ترتيل محمد عبد الكريم).

التحليل التفسيري للآية ﴿…قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ…﴾

بناءً على كل من الوجوه الإعرابية المختلفة، فإن عطف «صدٌّ» ووصله بالجملة التي قبله أمر بديهي، ولكن، وفقاً للتفسير الصحيح للآية، الذي ينسجم مع سبب النزول والمؤيدات الأخرى، فإن عطفه على «قتال» هو الصحيح، وهذا ينطبق على الوجهين الأول والثاني؛ ولكن الوجه الثاني، بالنظر إلى الإشكالات التي وردت عليه، هو وجه مرجوح، ويبدو أن الوجه الأول يلقي معنى أكثر استقامة وصحة. لوحظ في جميع الوجوه المذكورة سابقاً، أن بين جملة «قتال فيه كبير» والجملة التي بعدها، يوجد ارتباط لفظي ومعنوي، وهذا الارتباط يقتضي منع الوقف على كلمة «كبير». ولكن لأن وصلها بالجملة التي بعدها يوهم معنى أحد الوجوه الأربعة الأخرى – وكلها مرجوحة – يُوقف على كلمة «كبير» حتى يُبيَّن مراد الآية بوضوح أكبر، مع دفع الإيهام. ومن هنا، اختار معظم علماء الوقف والابتداء الوقف على «كبير».

ويبدو أن الوقف على «كبير» بعنوان «وقف بيان حسن» يمكن أن يعبّر بشكل أفضل عن مراد الله. هو وقف بيان لأن هذا الوقف يجب أن يُبيَّن لكي يُلقى مراد الآية؛ لأن وصله يوهم معنى خلاف المراد. وهو وقف حسن لأن بين جملة «وصدٌّ عن سبيل الله…» والجملة التي قبلها ارتباط لفظي ومعنوي.

النتيجة

في وقوف البيان، يدور الحديث حول الفصل والوصل في العبارة، وهو ما يتم بناءً على وجهين أو عدة وجوه تفسيرية. وبما أنه بعد الدراسة التفسيرية للوجوه المختلفة، يكون اختيار الوجه الأرجح هو الأليق بكلام الله، فإنه في هذا النوع من الوقوف، يُرجَّح وجه الفصل على وجه الوصل؛ لأن وصله يوهم معنى مخالفاً أو معنى وجه مرجوح. وبهذا، يتضح تأثير التفسير على الوقف والابتداء في هذا النوع من الوقوف إلى درجة أن علماء الوقف والابتداء، بناءً على الوجوه المختلفة، قد عيّنوا علامات الوقف والابتداء. فهم، بناءً على معنى وجه معين، أجازوا الوصل، وبناءً على معنى وجه آخر، أجازوا الفصل أيضاً، وأحياناً يجيزون الوقف في الموضع المعني بتعيين علامات الوقف أو بتعيين نوع الوقف. يعتقد كثير من العلماء أنه من أجل إلقاء مراد الله كاملاً، يجب بيان الوقف في الموضع المعني حتى يتم تمييز فهم المعنى الصحيح عن فهم المعنى المرجوح أو الخاطئ بشكل جيد. إن اختيار الفصل في مثل هذه المواضع، وخاصة في الوقف الحسن، يدل على تأثر الوقف والابتداء بتفسير المفسرين واختيار المعنى الراجح. ويظهر تأثير الوقف والابتداء على إلقاء معنى الآية في هذا النوع من الوقوف بحيث أنه ما لم يُبيَّن الوقف في الموضع المعني، لا يكون المراد الراجح للآية قابلاً للفهم والإلقاء، أو على الأقل لا يُلقى كاملاً؛ بمعنى أنه يختلط بمعاني الوجوه الأخرى ويوهم معاني وجوه أخرى. بالنظر إلى الأدلة مثل التطابق والانسجام مع سبب النزول، والتطابق والانسجام مع إعراب «المسجد الحرام» المذكور، ونظم الآية وانتظام المعنى، من بين الوجوه الإعرابية الخمسة في الآية المدروسة، يبدو الوجه الأول هو الأكثر استقامة.

الهوامش

1. ورد الوقف اللازم في تعريف السجاوندي، المتوفى في القرن السادس الهجري، صاحب كتاب «الوقف والابتداء»، على النحو التالي: إذا وُصل طرفا موضع الوقف ببعضهما، تغير مراد ومفهوم الكلام وأصبح الكلام قبيحاً. وقد عيّن هذا العالم الوقف اللازم برمز «م» (السجاوندي، 1422: 118).

2. أبو يحيى، زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري (ت 926هـ) من علماء مصر، كان قاضياً ومفسراً ومحدثاً في عصره. وقد لخّص كتاب «المرشد» لعمّاني بعنوان «المقصد لتلخيص ما في المرشد» (الأنصاري، 2006م، المقدمة).

3. السخاوي من علماء علم القراءات في القرن السابع الهجري. وقد ذكر أقسام الوقف على النحو التالي: تام، كافٍ (صالح، مفهوم، جائز)، حسن، وقبيح (السخاوي، 1413: 2، 563).

4. الأشموني من كبار علماء علم القراءات في القرن الحادي عشر الهجري. من آثاره كتاب «منار الهدى في الوقف والابتداء».

5. «معالم الاهتداء» هو أحد كتب الوقف والابتداء. هذا الكتاب من تأليف الشيخ محمود الحصري، من قراء وعلماء مصر المعاصرين. توفي سنة 1360هـ (الحصري، 1370: 7-17).

6. ذكر المعربون لإعراب «المسجد الحرام» في حالة «الجر» أربعة وجوه: أ) العطف على «سبيل الله» أي «وصدٌّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام». ويعتبره ابن عطية والزمخشري أصح الإعرابات (ابن عطية، 1422: 1، 290؛ الزمخشري، 1407: 1، 259). واعتبره البعض، استشهاداً بآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (الحج: 25)، أفضل الإعرابات (ابن قتيبة، بي تا: 76؛ ابن النحاس، 1423: 99؛ أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 199). ب) العطف على الضمير المجرور في «كفر به» أي «كفر به وبالمسجد الحرام». هذا رأي الكوفيين الذي رفضه البصريون؛ لأن العرب لا تعطف الاسم الظاهر على الضمير المتصل المجرور إلا إذا تكرر حرف الجر، لأن الجار والمجرور بمنزلة اسم واحد، وعطف اسم على جزء من اسم غير صحيح (أبو الفتوح الرازي، 1408: 3، 199). ج) العطف على «الشهر الحرام» أي «يسألونك عن الشهر الحرام وعن المسجد الحرام»، وهذا مردود من جهة أبي البقاء؛ لأنه حسب سبب النزول، كان السؤال عن القتال في الشهر الحرام لا عن القتال في المسجد الحرام. د) متعلق بفعل محذوف أي «ويصدون عن المسجد الحرام». هذا الإعراب جيد عند أبي البقاء، ولكنه ليس جيداً عند السمين؛ لأنه يستلزم حذف حرف الجر مع بقاء عمله، وهو ما لا يجوز (انظر: السمين، بي تا: 2، 393-397).

7. سهل بن محمد، المشهور بأبي حاتم السجستاني (ت 248هـ)، من كبار علماء اللغة والشعر العربي، وصاحب كتاب «المقاطع والمبادئ» في الوقف والابتداء (حاجي خليفة، 1360: 2، 1781).

8. ابن الأنباري (ت 328هـ)، أديب ونحوي مشهور، وصاحب كتاب «إيضاح الوقف والابتداء».

9. أحمد بن يوسف السمين، من متقدمي علم النحو، وصاحب كتاب «الدر المصون في علوم الكتاب المكنون» في علم النحو.

10. أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني (ت 444هـ)، من كبار علماء القراءات والوقف والابتداء. من كتبه «الاهتداء في الوقف والابتداء» و«المكتفى في الوقف والابتداء».

11. أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس (ت 338هـ)، من النحويين وعلماء الوقف والابتداء. كتاب «القطع والائتناف في الوقف والابتداء» من آثاره.

12. نظام الدين حسن بن محمد النيسابوري، صاحب تفسير «غرائب القرآن ورغائب الفرقان»، من أدباء وعرفاء القرن الثامن الهجري. في كتابه التفسيري، ضمن تفسير الآيات، عيّن علامات الوقف برموز يبدو أنها مستلهمة من رموز السجاوندي (النيسابوري، 1416: 1، 44 و45).

Scroll to Top