نقد رؤية المحدث النوري في استلزام اختلاف القراءات لتحريف القرآن

ملخص

من المستلزمات الأساسية لحجية ألفاظ القرآن الكريم وأسس فهمه وتفسيره، هو توفر القراءة المبلغة عن النبي الأكرم (ص). لقد سعى علماء القراءات إلى جمع القراءات المنقولة عن القرآن، والتي يُصطلح عليها بـ«القراءات المشهورة». يتناول المحدث النوري في الدليل العاشر من أدلته الاثني عشر على إثبات تحريف القرآن، ومن خلال التشكيك في انعكاس القراءة النبوية في المصحف الحالي، طرح وتأييد نظرية تحريف القرآن. ويستند، بالاعتماد على قراءات متعددة للقرآن وبعد بيان عدة مقدمات، إلى نتيجة مفادها أن القرآن نزل بقراءة واحدة، ولكن المصحف الحالي لم يسلم من تسرب قراءات أخرى إليه؛ وبالتالي، فإن المصحف الحالي ليس هو نفسه القرآن الذي نزل على النبي الأكرم (ص). وبما أنه لا يرى المقدمات كافية لإثبات هذه النتيجة، فإنه يكمل دليله بالتمسك بالتتميم بعدم القول بالفصل وطريق الأولوية، ليستنتج من المقدمات المذكورة أن اختلاف القراءات يوجب تحريف القرآن. إن الدراسة الدقيقة والعلمية لاستدلال المحدث النوري على لزوم التحريف بسبب وجود اختلاف القراءات، تظهر أن استدلاله لا يثبت تحريف القرآن بأي وجه. ومن أهم الإشكالات الواردة على كلامه أن التمسك بالإجماع في هذا الموضوع غير صحيح أولاً، وأن الإجماع الذي يدعيه غير ثابت بين العلماء ثانياً.

المقدمة

في مجال عدم تحريف القرآن واختلاف القراءات، كُتبت كتب كثيرة وبُحثت فيها مسائل متنوعة. ولكن مسألة علاقة اختلاف القراءات بتحريف القرآن أو عدم تحريفه هي مما لم يُعثر على آثار وأبحاث كثيرة حوله. بشكل عام، يوجد في هذا المجال رأيان؛ فريق لا يرى اختلاف القراءات منافياً لعدم تحريف القرآن، وفريق يرى اختلاف القراءات دليلاً على تحريف القرآن. من بين علماء الشيعة، كان السيد نعمة الله الجزائري (المتوفى 1112هـ) أول من اعتبر في كتابيه الأنوار النعمانية ومنبع الحياة أن اختلاف القراءات دليل على تحريف القرآن (الجزائري، الأنوار النعمانية، 1404: 1/ 362 و 363؛ وهمو، منبع الحياة، د.ت: 66 و 67). وبعده، بحث المحدث النوري (المتوفى 1320هـ) في كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب بشكل مفصل في دلالة اختلاف القراءات على تحريف القرآن. نظراً للتفصيل والاستدلال في آراء المحدث النوري وظهورها من قبل بعض العلماء غير الشيعة كأنها رأي علماء الشيعة، من المناسب تحليل ودراسة آرائه. من ناحية أخرى، على الرغم من أن عدداً من الكتب مثل: كشف الارتياب عن تحريف كتاب رب الأرباب للشيخ محمود الطهراني؛ وبرهان روشن لميرزا مهدي البروجردي؛ وصيانة القرآن من التحريف لآية الله محمد هادي معرفت؛ والقرآن الكريم وروايات المدرستين للعلامة السيد مرتضى العسكري؛ والبيان في تفسير القرآن لآية الله الخوئي؛ وتحريف ناپذيري قرآن (عدم قابلية القرآن للتحريف) لحجة الإسلام فتح الله نجارزادگان، قد انتقدت آراءه في فصل الخطاب، إلا أنه لم يُكتب حتى الآن نقد كامل لبعض أقسام هذا الكتاب، بما في ذلك الدليل العاشر. من هنا، يهدف هذا المقال إلى دراسة رأي المحدث النوري في هذا المجال، ومن خلال نقده، يوضح أن الغالبية العظمى من علماء الشيعة لا يوافقون على هذا القول، ويعتبرون القرآن مصوناً من التحريف، وأن دليله العاشر لا يثبت تحريف القرآن.

دراسة المفهوم

1. القراءات

قبل تبيين ونقد رؤية المحدث النوري، من الضروري توضيح المقصود بمصطلحي «القراءات» و«التحريف» في اللغة والاصطلاح؛ لذا نبدأ بتوضيح هذين المصطلحين.

أ) القراءات في اللغة

«القراءات»، من حيث البنية، هي جمع «قراءة» ولها ثلاثة معانٍ:

1- الجمع: (ابن فارس، مقاييس اللغة، 1404: 5/ 78؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/ 128؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1412: 668).

وفقاً لهذا المعنى، فإن القراءة في الأصل ليست بمعنى التلاوة، بل لأن القارئ عند تلاوة القرآن يضم حروفه وكلماته بعضها إلى بعض، أُطلقت القراءة على التلاوة (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 1/ 128؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1412: 668).

2- القراءة والتلاوة: (صالح، مباحث في علوم القرآن، 1372: 19؛ السبزواري، لغت نامه قرآن كريم، 1383: 4/ 419).

وفقاً لهذا المعنى، تكون القراءة هي المعنى الأصلي لـ«قرأ»، وليست معنىً لازماً له. ويرى صبحي صالح هذا المعنى هو المعنى الأصلي لهذه المادة ويقول: إن «قرأ» بمعنى «تلا» كانت شائعة بين العرب قبل الإسلام (صالح، مباحث في علوم القرآن، 1372: 19-20).

3- القراءة مع الفهم:

يقول العلامة العسكري، مستشهداً باستعمالات كلمة «قراءة» في القرآن والروايات وزمن الصحابة، إن قراءة زمن النبي (ص) والصحابة كانت بمعنى القراءة مع فهم معاني الآيات، و«الإقراء» كان بمعنى تعليم لفظ القرآن مع معاني الآيات، و«المقرئ» كان يطلق على من يعلم قراءة القرآن مع تفسير الآياته للآخرين (العسكري، القرآن الكريم وروايات المدرستين، 1416: 1/ 289-298).

ب) القراءات في الاصطلاح

طُرحت تعريفات مختلفة لمصطلح «القراءة» في كتب القراءات وعلوم القرآن، ونشير فيما يلي إلى ثلاثة نماذج منها:

أولاً) يقول ابن الجزري: القراءات هي علم بكيفية النطق بكلمات القرآن واختلافها معزوة لناقلها (ابن الجزري، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، 1419: 49).

ثانياً) يعرف الزركشي القراءات كالتالي: القراءات هي اختلاف ألفاظ الوحي المنزل على النبي (ص) من حيث كتابة الحروف وكيفيتها كالتخفيف والتثقيل وما شابه، مما نقله القراء (الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/ 465).

ثالثاً) يقول عبد الهادي فضلي: القراءة هي حكاية ألفاظ القرآن كما نطق بها النبي الأكرم (ص) أو نُطقت بحضرته فأقرها؛ سواء كانت قراءة واحدة أو قراءات متعددة (فضلي، القراءات القرآنية تاريخ وتعريف، 1405: 56).

النقاط الجديرة بالاهتمام في التعريفات المذكورة هي:

1- السماع هو الركن الأساسي في القراءة؛ أي يجب على القراء اللاحقين أن ينسبوا قراءتهم إلى القراء الأوائل، وليس لهم حق الاجتهاد. بناءً على هذا المعنى، فإن أي طريقة غير مستندة إلى القراء لا تعد قراءة للقرآن. بالطبع، شرط السماع وعدم الاجتهاد في نقل القراءة لا يقتصر على الوصول إلى القراء الأوائل، بل يجب أن يمتد إلى شخص النبي الأكرم (ص)؛ والتعريف الثالث وحده يصرح بهذا الأمر.

2- في تعريف الزركشي، تنحصر القراءات في تلك الألفاظ القرآنية التي يقع فيها الاختلاف في كيفية قراءتها، بينما يشمل علم القراءات المواضع غير الخلافية أيضاً؛ ولهذا السبب، يستخدم علماء القراءات مصطلحين هما «متفق عليه بين القراء» و«مختلف فيه بين القراء» عند تناول القراءات الواردة في ألفاظ القرآن (انظر مثلاً: الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1422: 31 و 72 و 74). وبالتالي، فإن القراءات، بصرف النظر عن اختلافها، تشير إلى تعدد القراءات المنسوبة لكل قارئ، سواء كانت متفقاً عليها أم مختلفاً فيها، ولكن مصطلح اختلاف القراءات يطلق على ما كان مختلفاً فيه.

3- التعريف الأخير من بين التعريفات المذكورة أعلاه يراعي رأي أهل السنة ورأي الشيعة؛ حيث إن أهل السنة يقولون بتعدد القراءات من عند الله، بينما يقول الشيعة بقراءة واحدة، وفي هذا التعريف، يُلتفت إلى كلا الرأيين.

ج) الفرق بين القراءة واصطلاحي الرواية والطريق

بعد تعريف مصطلح القراءات، من المناسب الإشارة إلى الفرق بينه وبين مصطلحين آخرين مرتبطين به. من المصطلحات المستخدمة في سند القراءات مصطلح القراءة، والرواية، والطريق. إذا كان الاختلاف منسوباً إلى أحد الأئمة السبعة أو العشرة أو من في حكمهم، واتفقت الروايات والطرق عنه، سميت قراءة. أما إذا كان الاختلاف منسوباً إلى الراوي عن القارئ، سميت رواية. وكذلك إذا كان الاختلاف منسوباً إلى من بعد الراوي – في أي طبقة كانت – سمي طريقاً (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421: 1/ 256).

2. التحريف

أ) التحريف في اللغة

«التحريف» مأخوذ من مادة «حرف»، وقد ذكر اللغويون معاني متعددة لهذه المادة، منها: الحافة، والطرف، والنهاية (الفراهيدي، كتاب العين، 1409: 3/ 211؛ ابن منظور، لسان العرب، 1414: 9/ 41 و 42؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1412: 228)، والجهة (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 9/ 42)، والوجه، والطريق (ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 1404: 2/ 42؛ الفيومي، المصباح المنير، د.ت: 131)، والعدول، والميل (الفراهيدي، 1409: 3/ 211؛ ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 1404: 2/ 42). بالتدقيق في المعاني المذكورة، يمكن التوصل إلى نتيجة مفادها أنه، بناءً على تصريح بعض اللغويين، فإن المعنى الأصلي لها هو الحافة والطرف والنهاية، وبقية المعاني تعود إلى هذا المعنى (ابن منظور، لسان العرب، 1414: 41/9؛ الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، 1367: 2/ 369؛ المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، 1360: 2/ 198). عودة المعنى الفعلي لهذه المادة إلى معنى الحافة والطرف والنهاية يرجع إلى أن «حرف الشيء» يعني دفعه إلى الجانب والحاشية، ولازم هذا المعنى هو الميل عن الوسط والتغيير أو تغيير الجهة. وعندما تأتي هذه المادة على باب «تفعيل»، فإنها تعطي نفس معنى الثلاثي المجرد متعدياً، ولا يضاف إليها معنى آخر سوى التأكيد – الذي هو من لوازم زيادة الحروف؛ لذلك، فإن تحريف الكلام يعني إمالة معنى الكلام عن مقصود المتكلم (الفراهيدي، كتاب العين، 1409: 3/ 211؛ الجزري، النهاية في غريب الحديث والأثر، 1367: 2/ 370؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 1412: 228) أو تغيير وتبديل الكلام عن معناه وموضعه (صاحب بن عباد، المحيط في اللغة، 1414: 3/ 82؛ الحسيني الزبيدي، تاج العروس، 1414: 12/ 136).

ب) التحريف في الاصطلاح

بنظرة عامة وبناءً على المعنى اللغوي للتحريف، يمكن تقسيم تحريف القرآن إلى نوعين: معنوي ولفظي (نجارزادگان، تحريف ناپذيري قرآن، 1384: 17 و 18؛ الكوراني، تدوين القرآن، د.ت: 27 و 28). وقد ذكر البعض قسماً ثالثاً لأقسام التحريف وهو التحريف العملي (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 11/ 28 و 29). يُطلق «التحريف المعنوي» على الفهم المنحرف وتفسير وتوجيه الكلام بما يخالف مقصود المتكلم ووفقاً لآراء وأهواء شخص أو فئة معينة؛ مثل تأويلات بعض المذاهب الكلامية لآيات القرآن. والمقصود بـ«التحريف العملي» هو العمل بخلاف أوامر القرآن. هذان النوعان من التحريف قد وقعا قطعاً في القرآن، وقد أشير إليهما في الروايات ولا ينكرهما أحد. فمثلاً، في تفسير القمي، نُقل عن أبي ذر الغفاري أنه قال: عندما نزلت آية (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران: 106)، قال النبي (ص): يوم القيامة يُسأل الناس ماذا فعلتم بالثقلين؟ فيقولون: «أما الأكبر فحرفناه، ونبذناه وراء ظهورنا…» (لقد حرفنا الثقل الأكبر (القرآن) وألقيناه وراء ظهورنا) (القمي، تفسير القمي، 1367: 1/ 109). إذن، التحريف موضع النزاع الذي يكتسب أهمية في مباحث علوم القرآن ويُبحث عنه في باب عدم تحريف القرآن هو التحريف اللفظي. وبتعريف هذا القسم، يتضح التعريف الاصطلاحي للتحريف. تختلف آراء العلماء حول نطاق «التحريف اللفظي»؛ فيُفهم من عبارات بعض الباحثين في علوم القرآن أنهم حصروا بحث التحريف اللفظي في زيادة ونقصان ألفاظ القرآن (الطبرسي، مجمع البيان، 1415: 1/ 42 و 43؛ الطهراني الدامغاني: 471؛ معرفت، صيانة القرآن من التحريف، 1379: 19). والبعض الآخر، بالإضافة إلى الزيادة والنقصان، اعتبر تبديل الألفاظ سبباً للتحريف أيضاً (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1374: 11/ 29؛ نجارزادگان، تحريف ناپذيري قرآن، 1384: 17-18؛ الكوراني، تدوين القرآن، د.ت: 27-28). والبعض اعتبر التحريف عبارة عن المساس بالجانب الهدايتي والصفات الثابتة للقرآن (الطباطبائي، الميزان، 1417: 12/ 106 و 107؛ مغنية، تفسير الكاشف، 1424: 4/ 469). وفي النهاية، قال آية الله الخوئي: ما دامت مادة كلمات القرآن محفوظة، لم يقع التحريف (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، د.ت: 157-158).

رؤية المحدث النوري في استلزام اختلاف القراءات لتحريف القرآن

يُفهم من عبارات المحدث النوري في كتاب فصل الخطاب أنه يرى التحريف الاصطلاحي بمعنى وجود زيادة ونقصان في ألفاظ القرآن الكريم؛ لأنه كما سيأتي، لا يعتبر مجرد اختلاف القراءات دليلاً على تحريف القرآن؛ بل يلجأ إلى الإجماع وطريق الأولوية لطرح رأيه في استلزام اختلاف القراءات لتحريف القرآن (النوري، فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، د.ت: 210). وهذا يدل على أنه يريد أن يرجع اختلاف القراءات إلى التحريف بالزيادة والنقصان في الألفاظ. أقام المحدث النوري في كتاب فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب اثني عشر دليلاً لإثبات تحريف القرآن، وفي الدليل العاشر يسعى لإثبات تأثير اختلاف القراءات على تحريف القرآن. يذكر في هذا الدليل مقدمات أولاً، ومنها يستنتج أن المصحف الحالي لا يطابق القرآن المنزل على النبي (ص)؛ ولكن بما أنه لا يرى المقدمات كافية لإثبات هذه النتيجة، فإنه يلجأ إلى إكمال دليله، وبطريقتين يستنتج من هذه المقدمات أن اختلاف القراءات يوجب تحريف القرآن. فيما يلي، نبيّن المقدمات والطريقتين المذكورتين.

أ) مقدمات الدليل والنتيجة الأولية

المقدمة الأولى: يسلّم المسلمون باختلاف القراءات ويعتقدون بحدوث تغييرات كثيرة في الحروف والكلمات وهيئاتها (مثل زيادة أو نقصان كلمة أو حرف، تبديل كلمة و…)؛ وهذه الاختلافات، في رأيهم، كثيرة لدرجة أنها خارجة عن الإحصاء.

المقدمة الثانية: اختار المخالفون (أهل السنة) من بين كل هذه القراءات 7 أو 10 أو 14 قراءة، ونسبوها جميعاً إلى النبي الأكرم (ص). لازم قولهم أن يكون القرآن مبنياً على الاختلاف وموضوعاً على التغاير.

المقدمة الثالثة: القرآن نزل في جميع مراتبه على نحو واحد، ولا تغيير ولا اختلاف فيه؛ فكل الوجوه المنسوبة إلى النبي (ص) – ما عدا وجهاً واحداً مجهولاً ومردداً – باطلة وغير منسوبة إلى رسول الله الأكرم (ص)، وقراءة القرآن بهذه الوجوه هي قراءة بغير ما أنزل الله.

المقدمة الرابعة: من المسلم به أن المصحف الموجود الشائع منقح من بعض تلك الوجوه، بل من أكثرها.

النتيجة الأولية: إذن، هذا المصحف لا يطابق القرآن المنزل على النبي (ص) (نفسه، 210).

ثم يقول المحدث النوري، نظراً لأن العلماء لا يعتبرون التغيير في هيئة الكلمات والحروف جزءاً من التحريف المصطلَح، إن هذا الدليل حتى الآن ليس كافياً لإثبات نقصان سورة أو آية أو كلمة؛ لأن اختلاف القراءات لا يشمل مثل هذا النقصان، ولكن هناك طريقان لإثبات هذا الادعاء من خلال هذا الدليل نفسه: أ) التتميم بعدم القول بالفصل؛ ب) طريق الأولوية.

ب) تتميم الدليل بعدم القول بالفصل

الطريق الأول الذي يختاره المحدث النوري لإكمال دليله ويتمسك به هو التتميم بـ«عدم القول بالفصل» (نفسه، 210). لذلك، يجب أولاً توضيح مصطلح عدم القول بالفصل، ثم ننتقل إلى شرح كلام المحدث النوري.

تعريف عدم القول بالفصل

كلما أبدى مجتهدو عصر ما رأيين أو أكثر في مسألة، فإنهم يتفقون ضمناً على نفي الأقوال الجديدة الأخرى؛ مثل أن تفتي جماعة من الفقهاء بحرمة شيء، وتفتي جماعة أخرى بكراهته، فإنه يُستنتج من تركيب هذين الرأيين أن ذلك الشيء ليس واجباً ولا مستحباً باتفاق الجميع. هذا النوع من الإجماع السلبي الذي يُستخلص من تركيب الآراء يسمى الإجماع المركب – في مقابل الإجماع البسيط الذي هو اتفاق جميع الفقهاء على حكم شرعي واحد. الآن، إذا أفتى شخص في مسألة تحقق فيها الإجماع المركب بقول آخر (مثلاً، في المسألة المذكورة، حكم بوجوبه أو استحبابه)، فقد أحدث قولاً ثالثاً (الحائري الأصفهاني، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، 1404: 255). الإجماع المركب نفسه قسمان:

1- إجماع طائفتين من الفقهاء على حكمين يتعلقان بموضوع واحد.

2- إجماع طائفتين من الفقهاء على حكمين يتعلقان بموضوعين مختلفين؛ وهذا القسم الثاني هو ما يطلق عليه اصطلاحاً «عدم القول بالفصل» (نفسه).

يعتبر جميع العلماء خرق الإجماع المركب في القسم الأول – الذي هو في موضوع واحد – باطلاً؛ ولكن في القسم الثاني، الذي هو في موضوعين، هناك خلاف، وينقسم علماؤنا في هذا المجال إلى ثلاث مجموعات: بعضهم منع خرق هذا النوع من الإجماع مطلقاً، وبعضهم أجاز خرق الإجماع مطلقاً في هذا القسم، والبعض الآخر قال بالتفصيل؛ وهو أنه إذا صرحت كلتا الطائفتين من الفقهاء المجمعتين على قول بأن اختيار قول ثالث غير جائز – وهو ما يسمى اصطلاحاً بتحقق «القول بعدم الفصل» – فإن خرق ذلك الإجماع غير جائز، وفي غير هذه الصورة يكون جائزاً (الحائري الأصفهاني، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، 1404: 256).1

ثلاثة وجوه محتملة في كلام المحدث النوري

لا يوضح المحدث النوري القولين اللذين نتج عنهما الإجماع المركب، ولكن بالنظر إلى مقدماته ومطالبه السابقة، فإن هناك ثلاثة وجوه محتملة في كلامه، سنبينها أولاً، ثم بناءً على هذه الاحتمالات الثلاثة، سنقوم بتحليل ونقد كلامه.2 تجدر الإشارة إلى أنه في الاحتمالين الأولين، يُطرح الإجماع المركب بين علماء الشيعة، وفي الاحتمال الثالث، بين علماء الشيعة وأهل السنة.

الاحتمال الأول

مقصود المحدث النوري أن هذين القولين موجودان بين العلماء:

1) فريق من العلماء يقولون بوقوع اختلاف القراءات في القرآن ووقوع التحريف بالنقيصة.

2) فريق آخر من العلماء يقولون بعدم وقوع اختلاف القراءات في القرآن وعدم وقوع التحريف بالنقيصة.

ولكن لا أحد يقول بوقوع اختلاف القراءات مع عدم تحقق التحريف بالنقيصة!

فإذا لم نقبل بالتحريف بالنقيصة مع وجود القول بوجود اختلاف القراءات، نكون قد أحدثنا قولاً ثالثاً وخرقنا الإجماع المركب، وهو باطل. يعني أن كل من يقبل باختلاف القراء في هيئة الكلمات والحروف، يقبل أيضاً بنقصان السورة أو الآية أو الكلمة. وهذا يستلزم أن نقبل بالتحريف بالنقيصة حتى لا يلزم عدم القول بالفصل.

الاحتمال الثاني

مقصود المحدث النوري أن هذين القولين موجودان بين العلماء:

1) فريق يقول بالتحريف مطلقاً، أي أن التحريف وقع في جمل القرآن وفي كلماته وفي حروفه.

2) فريق يقول بعدم التحريف مطلقاً، أي أن التحريف لم يقع لا في الجمل، ولا في الكلمات، ولا في الحروف.

النتيجة: إذا قلنا إن اختلاف القراءات لا يوجب التحريف، فهذا يعني أننا نقول بالتحريف في الجمل، ولكننا لا نقول بالتحريف في الحروف والكلمات؛ وهذا خرق للإجماع المركب وهو باطل.

الاحتمال الثالث

1) فريق يعتقد بوقوع اختلاف في القراءات، ولكن بما أنهم يعتبرون هذا الاختلاف من عند الله، فإنهم يعتقدون أن القراءات الموجودة هي نفسها القراءات النازلة على النبي (ص)، وأن التحريف لم يقع في القرآن.

2) فريق آخر يقول بوقوع اختلاف في القراءات، ولكن بما أن هذه الاختلافات ليست من عند الله، بل القراءة الصحيحة مخفية في هذه القراءات، فقد وقع التحريف في القرآن.

ولكن لا يوجد أحد لا يعتبر اختلاف القراءات الواقع من عند الله، وفي نفس الوقت يعتبر قراءة القرآن الموجودة صحيحة ومطابقة لما أنزل الله، ويعتقد بعدم وقوع التحريف في القرآن.

– تتميم الدليل بطريق الأولوية

الطريق الثاني الذي يسلكه المحدث النوري لتتميم دليله هو طريق الأولوية. ويكمل دليله على النحو التالي: نتيجة سعي المسلمين للحفاظ على القرآن من تسرب الاختلاف إليه في سورة مثل الفاتحة، التي يجب قراءتها عدة مرات في اليوم، هو ظهور كل هذا الاختلاف في ألفاظها وتحريف هذه السورة؛ إذن، في سور مثل البقرة التي قد تُقرأ مرة واحدة في السنة، يكون التحريف والنقصان قد تسرب إليها من باب أولى (النوري، فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، د.ت: 210).

تحليل ونقد رؤية المحدث النوري في الدليل العاشر

بعد تبيين رؤية المحدث النوري وبيان الاحتمالات الموجودة في كلامه، ننتقل إلى نقده:

– نقد المقدمتين الأولى والرابعة

قال المحدث النوري في المقدمة الأولى: «اختلاف القراءات أمر مسلم به بين المسلمين وهذه الاختلافات إلى حد أنها خارجة عن الإحصاء». كما ذكر في المقدمة الرابعة: «المصحف الشائع الموجود منقّى من تلك الوجوه». وفي الجواب يجب القول: بروز الاختلاف في القراءات أمر مسلم به عند العلماء، ولكن أولاً، لا يمكن أن يكون هذا الأمر دليلاً على ادعاء المحدث النوري إلا إذا كان اختلاف القراءات قد شاع عموماً، وكان عامة المسلمين يعتبرون اختلاف القراءات حجة قرآنية، ولم تكن لديهم إمكانية الوصول إلى القراءة الأصلية أو كان ذلك متعذراً عليهم. ولكن بعض الشواهد التاريخية والروائية تظهر أن اختلاف القراءات لم يصل أبداً إلى درجة من الشيوع بين عامة المسلمين بحيث يقف في وجه القراءة المشهورة ويجعل الوصول إليها صعباً. ثانياً، كون القرآن الحالي منقّى من قراءات مختلفة أم لا، هو محل خلاف. بعض علماء أهل السنة يعتبرون القرآن والقراءات حقيقة واحدة؛ ولكن كما قال كثير من علماء الشيعة وأهل السنة، فإن القرآن والقراءات حقيقتان منفصلتان ولا يوجد تلازم بين تواتر القرآن وتواتر القراءات (انظر مثلاً: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1410: 1/ 465؛ الدمياطي، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، 1422: 7؛ الخوئي، البيان في تفسير القرآن، د.ت: 158). ولهذا السبب، يعتقد بعض العلماء، مثل العلامة البلاغي وآية الله معرفت، أن الطريق الوحيد للوصول إلى القراءة الأصلية للقرآن ليس الرجوع إلى القراءات الشائعة، بل القراءة الأصلية هي نفسها القراءة الشائعة بين عامة المسلمين (البلاغي النجفي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، 1420: 1/ 29؛ معرفت، صيانة القرآن من التحريف، 1415: 2/ 146-154). ثالثاً، تلك الفئة من علماء القرآن الذين يعتبرون القرآن والقراءات حقيقة واحدة أو يبحثون عن القراءة الأصلية للقرآن بين القراءات الشائعة، لا يعتبرون جميع القراءات حجة، لكي يصل اختلاف القراءات، على حد قول المحدث النوري، إلى حد لا يحصى، بل يحصرون القراءات في القراءات المشهورة والصحيحة.

– نقد المقدمتين الثانية والثالثة

الإشكال في المقدمتين الثانية والثالثة موجه إلى علماء أهل السنة، وليس إلى جميع علماء المسلمين؛ لأن الغالبية العظمى من علماء الشيعة لا يقبلون بنزول القرآن على عدة قراءات (انظر مثلاً: الشيخ الصدوق، اعتقادات، 1414: 86؛ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، د.ت: 7/1؛ الطبرسي، مجمع البيان، 1415: 1/ 38).

– الإشكال على تتميم الدليل في استدلال المحدث النوري

الجزء الأساسي من استدلال المحدث النوري في الدليل العاشر هو جزء تتميم الدليل؛ لأنه حتى هو نفسه يقبل بأن وجود اختلاف القراءات لا يثبت تحريف القرآن. من هنا، نتناول نقد هذا الجزء من استدلاله بمزيد من التفصيل.

رد دعوى الإجماع والتتميم بعدم القول بالفصل

دعوى الإجماع والتتميم بعدم القول بالفصل في كلام المحدث النوري ليس لها معنى محصّل، ولا يمكن الدفاع عنها؛ لأن عليها إشكالات كثيرة. هنا، نتناول دراسة التتميم بعدم القول بالفصل في كلامه، بناءً على الاحتمالات الثلاثة المذكورة، ونبين الإشكالات ضمن عنوانين: «الإشكالات المشتركة في كل الاحتمالات الثلاثة» و«الإشكالات الخاصة بكل احتمال».

الإشكالات المشتركة في الاحتمالات الثلاثة

بعض إشكالات كلام المحدث النوري مشتركة بين كل الاحتمالات الثلاثة التي ذُكرت في كلامه؛ وهذه الإشكالات هي:

1- طبقاً لرأي جميع علماء الشيعة، ليس الإجماع دليلاً في عرض الأدلة الأخرى لإثبات الأحكام، بل الإجماع حجة فقط إذا كان كاشفاً عن قول المعصوم (الحلي، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، 1413: 7/ 63؛ الأنصاري، فرائد الأصول، 1428: 1/ 186). بالإضافة إلى ذلك، فإن عدم القول بالفصل، وبشكل عام الإجماع، يجري فقط في الأحكام الشرعية لا في المسائل العقلية والأصولية والتاريخية (الأنصاري، فرائد الأصول، 1428: 1/ 547 و 548؛ الخراساني، كفاية الأصول، 1409: 343؛ الموسوي القزويني، ضوابط الأصول، 1371: 132؛ القمي، تفسير القمي، 1303: 142؛ البروجردي، تقريرات في أصول الفقه، 1417: 1/ 448 و 454؛ الحسيني الشهرستاني، غاية المسؤول في علم الأصول، د.ت: 180؛ المظفر، أصول الفقه، 1375: 2/ 98-103). بناءً على ذلك، وبما أن المسألة أولاً تتعلق بقول العلماء – وليست محلاً ومصداقاً لكشف قول المعصوم – وثانياً ترتبط بتحريف وعدم تحريف القرآن، وهي مسألة تاريخية وليست حكماً شرعياً؛ فلا يجري فيها أي قسم من أقسام الإجماع.

2- كما ذكرنا في تعريف «عدم القول بالفصل»، يختلف علماء الأصول في حجية هذا القسم من الإجماع المركب، وليس الأمر أنهم جميعاً أو على الأقل غالبيتهم متفقون على حجيته حتى يمكن الاستدلال بـ«التتميم بعدم القول بالفصل» هنا.

3- على فرض صحة دعوى الإجماع في قول العلماء، فإن عدم القول بالفصل والإجماع المركب، وبشكل عام الإجماع، يكون معتبراً عندما لا يكون هناك مستند آخر غير الإجماع (المشكيني الأردبيلي، كفاية الأصول، 1413: 3/ 381؛ الآملي، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار، 1395: 4/ 235؛ مكارم الشيرازي، أنوار الأصول، 1428: 2/ 289). والحال أن دراسة هذه المسألة في التاريخ وأقوال العلماء تقدم أدلة حول كيفية ارتباط اختلاف القراءات بالتحريف، مما يغنينا عن الاستناد إلى عدم القول بالفصل.

4- مبحث التتميم بعدم القول بالفصل يُطرح عندما يكون الحكم موضع البحث محصوراً في احتمالين أو ثلاثة، لا حيث تُطرح أقوال متعددة (الخميني، تحريرات في الأصول، 1418: 8/ 402). لذلك، في موضوع بحثنا، ومع وجود أقوال متعددة، فإن طرح التتميم بعدم القول بالفصل لا معنى له. مثلاً، حصر الشيخ الطوسي وأمين الإسلام الطبرسي التحريف الاصطلاحي في الزيادة والنقصان، وبالتالي أخرجا مبحث القراءات من عنوان التحريف (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، د.ت: 1/ 3؛ الطبرسي، مجمع البيان، 1415: 1/ 42 و 43). والعلامة البلاغي قائل بأن القرآن انتقل بالتواتر بين عامة المسلمين، من حيث مادة الصورة والقراءة، بصورة واحدة وبدون اختلاف من جيل إلى جيل، وأن اختلاف القراء والروايات الواردة عن الأئمة والصحابة بشأن قراءة بعض كلمات القرآن ليس له أي تأثير في هذا النقل الواحد المتواتر (البلاغي النجفي، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، 1420: 1/ 29). كذلك، يُستفاد من بيان آية الله الخوئي أنه قبل تسرب التغيير في هيئة وإعراب الكلمات، ولكنه لا يرى هذا الأمر منافياً لعدم تحريف القرآن؛ لأن مادة الكلمات محفوظة وقد وصلت إلينا بالتواتر (الخوئي، البيان في تفسير القرآن، د.ت: 157 و 158).

الإشكالات الخاصة بكل احتمال

هنا، نبين إشكالات كل من الاحتمالات الثلاثة المذكورة:

أ) إشكالات الاحتمال الأول

1- القول الثاني الذي يذهب إلى عدم وقوع التحريف وعدم وقوع اختلاف القراءات، يتنافى مع كلامه القائل بأن اختلاف القراءات أمر مسلم به بين المسلمين.

2- حصر الأقوال في هذا المجال في هاتين المجموعتين باطل؛ لأن بعض العلماء، هم قائلون بوقوع اختلاف القراءات ولا يقبلون بالتحريف؛ مثل الشيخ الطوسي، وأمين الإسلام الطبرسي، والعلامة الطباطبائي، وآية الله الخوئي وغيرهم.

3- من الناحية المنطقية، لا يوجد تلازم بين الاختلاف في هيئة الكلمات ونقصان السورة أو الآية، كما أن المحدث النوري نفسه قد التفت إلى هذه النقطة وأراد أن يجبرها بالتتميم بعدم القول بالفصل؛ غافلاً عن أنه عندما لا توجد علاقة منطقية بين شيئين، لا يمكن إقامة مثل هذه العلاقة حتى بالتمسك بالإجماع.

ب) إشكالات الاحتمال الثاني

1- تقسيم أقوال العلماء إلى هاتين المجموعتين لا واقع له في الخارج، ولم يصرح العلماء بالتلازم بين القول بتحريف الجملة والكلمات والحروف، كما أن المحدث النوري لم يقم دليلاً على هذا المطلب.

2- منطقياً، ليس من الضروري أن كل من لا يقول بالتحريف في الكلمات والحروف مع وجود القول باختلاف القراءات، يجب عليه حتماً أن يقبل بالتحريف في الجملة. بل يمكن القول إنه في حال صحة تقسيم أقوال العلماء إلى القولين المذكورين، فإن الذين لا يرون اختلاف القراءات مستلزماً للتحريف في الكلمات والحروف، هم من أنصار القول الثاني من باب أولى؛ أي أنهم لا يقبلون بالتحريف مطلقاً، لا في الجملة، ولا في الكلمات، ولا في الحروف.

ج) إشكالات الاحتمال الثالث

1- بالنظر إلى مقدمات المحدث النوري للدخول في الاستدلال، يتضح أنه يرى أن الطريق الوحيد للوصول إلى قراءة القرآن هو القراءات الموجودة؛ في حين لا يوجد تلازم بين هذين الأمرين؛ لأنه كما قيل، بناءً على رأي كثير من علماء القرآن، فإن القراءات والقرآن حقيقتان منفصلتان، وعدم قبولهما لا يستلزم عدم الوصول إلى القراءة الصحيحة للقرآن ووقوع التحريف فيه.

2- كثير من العلماء، مع قبولهم بوقوع اختلاف القراءات، لا يرون هذه الاختلافات موجبة لخلل في معنى وجوهر الكلمات، وبالتالي لا تستلزم تحريف القرآن.

– الإشكال على التتميم بطريق الأولوية في استدلال المحدث النوري

تتميم دليله بطريق الأولوية ليس صحيحاً أيضاً؛ لأن أولاً، الشهرة هي معيار علماء القراءات لقبول قراءة ما، وبالرجوع إلى القراءات العشر أو حتى الأربع عشرة المشهورة، نجد أن اختلاف أئمة القراءات في سورة الفاتحة قليل. بالإضافة إلى ذلك، فإن بعض الاختلافات تكمن في نوع نطق الكلمات والحروف ولا علاقة لها بزيادة أو نقصان الكلمات (مختار عمر وسالم مكرم، معجم القراءات القرآنية، 1412: 1/ 14-5). ثانياً، بناءً على إجماع العلماء، يجب إثبات نص القرآن بالتواتر ليكون حجة (فخر الرازي، 1420: 2/ 66؛ الخوئي، البيان في تفسير القرآن، د.ت: 124). وإذا لم نشترط التواتر في هذا الأمر، فعلى الأقل يجب أن نستند إلى قراءات تتمتع بصحة السند؛ وبالتالي، فإن استناد المحدث النوري في هذا الباب إلى أي اختلاف في القراءة نُقل – دون النظر إلى صحة أو عدم صحة سنده – ليس صحيحاً. ثالثاً، ليس الأمر أن جميع العلماء يقبلون بتسرب اختلاف القراءات إلى القرآن؛ بل كما ذُكر، فإن بعضهم، مثل العلامة البلاغي، يعتبرون القراءة الصحيحة قابلة للوصول إليها.

النتيجة

لقد تناول المحدث النوري في دليله العاشر، بعد بيان عدة مقدمات، الاستدلال على استلزام اختلاف القراءات لتحريف القرآن، ولكن بتحليل ودراسة مقدماته وأصل استدلاله، يتبين أن المطالب التي قدمها في هذا الدليل لا تستند إلى قواعد راسخة في علم الأصول والقراءات، وتتعارض مع رأي كثير من علماء الشيعة، وتوجد إشكالات متعددة ترد على كلامه الذي يبدو استدلالياً، مما يمنع قبوله؛ ولهذا لا يمكن اعتبار رأيه مقبولاً. كما بُيّن، توجد أقوال متعددة في مجال علاقة اختلاف القراءات بتحريف القرآن، وكثير من علماء الشيعة لا يعتبرون اختلاف القراءات مستلزماً لتحريف القرآن؛ لذا، لا يمكن نسبة قول المحدث النوري إلى الشيعة، واعتبار كلامه ممثلاً لرأي الشيعة.

المصادر

1. ابن الجزري، محمد بن محمد، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، تحقيق: علي بن محمد العمران، مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، 1419هـ.

2. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1404هـ.

3. ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار صادر، 1414هـ.

4. الآملي، ميرزا هاشم، مجمع الأفكار ومطرح الأنظار، تقرير: محمد علي إسماعيل پور، قم: المطبعة العلمية، 1395هـ.

5. الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1428هـ.

6. البروجردي، حسين، تقريرات في أصول الفقه، مقرر: علي پناه اشتهاردي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1417هـ.

7. البلاغي النجفي، محمد جواد، آلاء الرحمن في تفسير القرآن، قم: بنياد بعثت، 1420هـ.

8. الطهراني الدامغاني، الشيخ محمود، كشف الارتياب عن تحريف كتاب رب الأرباب، نسخة من المخطوطة الموجودة في مكتبة مجلس الشورى الإسلامي، رقم التسجيل: 62400.

9. الجزائري، السيد نعمت الله، الأنوار النعمانية، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404هـ.

10. الجزائري، السيد نعمت الله، منبع الحياة وحجية قول المجتهد من الأموات، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، د.ت.

11. الجزري، ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: محمود محمد طناحي، قم: مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان، 1367ش.

12. جعفريان، رسول، أسطورة تحريف القرآن، ترجمة: محمود شريفي، طهران: شركة الطباعة والنشر الدولية، 1382ش.

13. الحائري الأصفهاني، محمد حسين، الفصول الغروية في الأصول الفقهية، قم: دار إحياء العلوم الإسلامية، 1404هـ.

14. الحسيني الشهرستاني، محمد حسين، غاية المسؤول في علم الأصول، قم: الناشر أحمد شيرازي، د.ت.

15. الحسيني الزبيدي، محمد مرتضى، تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: علي هلالي وعلي سيري، بيروت: دار الفكر، 1414هـ.

16. الحلي، حسن بن يوسف، مختلف الشيعة في أحكام الشريعة، قم: دفتر انتشارات إسلامي، 1413هـ.

17. الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت (ع)، 1409هـ.

18. الخميني، السيد مصطفى، تحريرات في الأصول، قم: مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قده)، 1418هـ.

19. الخوئي، السيد أبو القاسم، البيان في تفسير القرآن، قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي، د.ت.

20. الدمياطي، أحمد بن محمد بن عبد الغني، إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر، بيروت: دار الكتب العلمية، 1422هـ.

21. الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، دمشق – بيروت: تحقيق: صفوان عدنان داودي، دار العلم الدار الشامية، 1412هـ.

22. الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، بيروت: دار المعرفة، 1410هـ.

23. السبزواري، محمود عادل، لغتنامه قرآن كريم، طهران: نشر ثالث، 1383ش.

24. السيوطي، جلال الدين، الإتقان في علوم القرآن، بيروت: ج 2، دار الكتاب العربي، 1421هـ.

25. الشيخ الصدوق، اعتقادات، قم: المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، 1414هـ.

26. صاحب بن عباد، المحيط في اللغة، تحقيق: محمد حسن آل ياسين، بيروت: عالم الكتاب، 1414هـ.

27. صالح، صبحي، مباحث في علوم القرآن، قم: منشورات الرضي، 1372ش.

28. الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم: دفتر انتشارات إسلامي جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1417هـ.

29. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان لعلوم القرآن، بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1415هـ.

30. الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، تحقيق: أحمد قصير عاملي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د.ت.

31. العسكري، السيد مرتضى، القرآن الكريم وروايات المدرستين، طهران: مجمع العلمي الإسلامي، 1416هـ.

32. الفراهيدي، خليل بن أحمد، كتاب العين، قم: انتشارات هجرت، 1409هـ.

33. فضلي، عبد الهادي، القراءات القرآنية تاريخ وتعريف، بيروت: دار القلم، 1405هـ.

34. الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، بيجا: بينا، د.ت.

35. القمي، علي بن إبراهيم، تفسير القمي، تحقيق: سيد طيب موسوي جزائري، قم: دار الكتاب، 1367ش.

36. القمي، محمد حسين بن محمد، توضيح القوانين، طهران: دار طباعة ميرزا عباس باسمجي، 1303هـ.

37. الكوراني العاملي، علي، تدوين القرآن، قم، دار القرآن الكريم، د.ت.

38. مختار عمر، أحمد وعبد العال سالم مكرم، معجم القراءات القرآنية، قم: انتشارات أسوة، 1412هـ.

39. المشكيني الأردبيلي، أبو الحسن، كفاية الأصول با حواشي مشكيني، قم: لقمان، 1413هـ.

40. المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران: بنگاه ترجمه ونشر كتاب، 1360ش.

41. المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، قم: إسماعيليان، 1375ش.

42. معرفت، محمد هادي، صيانة القرآن من التحريف، طهران: وزارة أمور خارجه، 1379ش.

43. مغنية، محمد جواد، تفسير الكاشف، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1424هـ.

44. مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، تقرير: أحمد قدسي، قم: مدرسة إمام علي بن أبي طالب (ع)، 1428هـ.

45. مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1374ش.

46. الموسوي القزويني، السيد إبراهيم، ضوابط الأصول، قم: مؤلف، 1371هـ.

47. نجارزادگان، فتح الله، تحريف ناپذيري قرآن، طهران: مشعر، 1384ش.

48. النوري، حسين بن محمد تقي، فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب، طباعة حجرية، موجود في مكتبة آية الله العظمى حائري مدرسة فيضيه، رقم التسجيل: 9123، د.ت.

الهوامش

1. التفصيل المذكور في هذا الباب هو طبقاً للمعنى المنقول عن العلامة الحلي وهو مشهور أيضاً بين الأصوليين ويستشهدون به كثيراً؛ انظر على سبيل المثال: تعليقة على معالم الأصول، ج5، ص 193 و 194؛ كفاية الأصول (مع حواشي المشكيني)، ج3، ص 381 و ج4، ص 60؛ التنفيذ لأحكام التقليد، ص 87؛ تسديد القواعد في حاشية الفرائد، ص 238؛ التنقيح، ج6، ص 303؛ تحقيق الأصول، ج5، ص 16.

2. بالطبع، قد تُطرح احتمالات أخرى، ولكن نتيجة لدراسات هذا المقال، وبناءً على مقدمات ومطالب المصنف السابقة، فإن الاحتمالات التالية هي المعتبرة، وعلى هذا الأساس تم تحليل ونقد كلام المحدث النوري.

Scroll to Top