الملخص
من جملة ينابيع الفكر التكفيري المستنداتُ الدينية، التي يمكن أن تُعد من الأسس الدينية المعرفية للفكر التكفيري. وتعتبر الموارد النقلية المعتمدة على النصوص الدينية من أهم الأسس التي يستند إليها أنصار هذا الفكر، ومنها حديث «الثلاث والسبعين فرقة» المشهور الذي يستشهد به التكفيريون في دعواهم الأحقية والنجاة وهلاك سائر الفرق الإسلامية. تتناول هذه المقالة، بالتركيز على المصادر الحديثية المعتبرة لدى أهل السنة وبمنهج وصفي-تحليلي، دراسة مدى اعتبار حديث «الثلاث والسبعين فرقة» ومضمونه واستنباط التوجه التكفيري منه. ورغم أن استنباط هذا التوجه المعرفي والسلوكي قد يبدو محتملاً عند النظر السطحي لظاهر الحديث، إلا أنه يتضح في نهاية المطاف، بعد دراسات جادة وأكثر عمقًا، أن هذا الاستنباط يتعارض مع سائر النصوص الدينية والعقل السليم وسيرة النبي (ص) والصحابة، ويؤدي إلى نشوء رذائل فكرية وسلوكية مثل ادعاء الحق، وتصور امتلاك الحقيقة، وإنكار الآخر.
۱. طرح المسألة
تستند النحل الإسلامية المختلفة في إثبات أحقية توجهها وبطلان غيرها إلى الآيات والروايات. ومن بين الفرق التي ترى بفكرها محورًا للحق وتعتبر عقائد الآخرين باطلة بجدية وثقة تامة، التكفيريون الذين يرفضون الآخر، والذين يتحدون الفرق الأخرى بهذا التصور. من الناحية الهوياتية، تعود جذورهم إلى «السلفية» المرتبطة بتيار «أهل الحديث». وبسبب هذا التقارب المفاهيمي، تستخدم هذه المصطلحات في هذه المقالة أحيانًا بشكل متبادل. فالتكفيريون والسلفيون وأهل الحديث قلما يعيرون اهتمامًا للأدلة العقلية، وفي المقابل، يسعون لتوفير سند قوي لفكرهم وسلوكهم من خلال الاستناد إلى الأدلة النقلية على نطاق واسع. ويعد حديث «الثلاث والسبعين فرقة» أو «حديث الافتراق» من تلك الأدلة النقلية التي تقتضي انشعاب الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة، تكون إحداها ناجية والبقية هالكة. وبناءً على ذلك، تتصور الفرقة الناجية أنها قد استحوذت على الإسلام الحقيقي، ومنحت نفسها الحق في تحديد علاقة الفرق الأخرى بالإسلام الأصيل، وتبيين قربها أو بعدها عن الفكر الإسلامي الأصيل؛ ولذا، فإن مدعيي أهل النجاة -التكفيريون بشكل خاص وأهل الحديث والسلفيون بشكل عام- يعتبرون تكفير الأفراد والجماعات الأخرى حقًا مسلمًا وطبيعيًا لهم، ويرون أن التسامح في هذا الأمر علامة على التردد في أحقية الدين والعقائد الإسلامية. ومن أجل إدراك قوة استدلال هذه الفرقة، يتم بحث العلاقة بين النتائج المستنبطة ودلالات ألفاظ النصوص المستند إليها وفقًا لقواعد اللغة العربية. كما يتم فحص وثاقة سند هذا الحديث، ودلالته على مقصود التكفيريين وأهل الحديث المتشددين، وعلاقته ببقية النصوص الدينية والمقتضيات العقلية وإعادة النظر فيها. إن النصوص الملهمة للتفرقة أو التي تشير إليها متعددة في الآيات والروايات (آل عمران: ١٠٥؛ الأنعام: ١٥٩؛ هود: ١١٩؛ …)، ومن أبرزها حديث «الثلاث والسبعين فرقة» الذي يشير إلى واقعة بروز التفرقة في المجتمع الإسلامي. ونظرًا لاتساع أسانيد هذا الحديث -والتي سيشار إليها بالتفصيل في القسم التالي- يمكن الحصول على اطمئنان نسبي بصدوره عن الشارع، خاصة إذا أضفنا أن جماعة من صحابة النبي (ص) قد رووا هذا الحديث عنه مباشرة (للاطلاع على مصادر ورواة الحديث، يرجى مراجعة القسم التالي والجدول رقم ١). وفي سياق الاستناد إلى الحديث المذكور لتبرير افتراق الأمة وتعيين «الفرقة الناجية»، يمكن القول إن هذا الاستناد له جذور في مسائل صدر الإسلام. فالشاطبي في «الاعتصام» يروي قصة محاجة أمير المؤمنين علي (ع) مع رأس الجالوت وأسقف المسيحيين، حيث استند الإمام (ع) إلى هذا الحديث نفسه وسألهم عن عدد فرق اليهود (الشاطبي، ١٩٩٢م، ٢: ٧٤٧-٧٤٨). ويبدو أن ابن مسعود أيضًا استند إلى هذا الحديث في حادثة مقتل عثمان وتشتت آراء المسلمين للدعوة إلى سنة النبي (ص) (نفسه، ٢: ٧٧٠). وقد قام عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه (نفسه، ٢: ٧٧١)، والشافعي (نفسه، ٢: ٧٧٤) وآخرون بتوضيح هذا الحديث وتبيين الفرقة الناجية. كما أشار أصحاب كتب الملل والنحل عمومًا في مقدمات كتبهم إلى هذا الحديث بل واستندوا إليه (الشهرستاني، د.ت، ١: ١٠؛ البغدادي، ١٩٧٧م، ٥)، وتناوله ابن حزم في معرض رده على مضمونه (ابن حزم، د.ت، ٣: ١٣٨). بالإضافة إلى هذه الدراسات الكلاسيكية، اتخذ السلفيون والتكفيريون من هذا الحديث على نطاق واسع مستمسكًا لآرائهم المتطرفة وقراءاتهم الدينية الراديكالية، وهو ما سيتم تناوله بالتفصيل لاحقًا. ورغم أن هذا الحديث قد ورد في المصادر الروائية الشيعية (راجع: الكليني، ١٣٦٣ش، ٨: ٢٢٤؛ المجلسي، د.ت، ٢٨: ١٤)، إلا أنه لم يحظ باهتمام ملحوظ في الكتب التي أُلفت حول الملل والنحل، فعلى سبيل المثال، لم يشر النوبختي في «فرق الشيعة» والأشعري القمي في «المقالات والفرق» إلى هذا الحديث.
۲. روايات حديث الثلاث والسبعين فرقة
۱-۲. الحديث الأول
أ- متن الحديث: «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَلَنْ تَذْهَبَ اللَّيَالِي وَلَا الْأَيَّامُ حَتَّى تَفْتَرِقَ أُمَّتِي عَلَى مِثْلِهَا – أَوْ قَالَ: عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ- وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» (عبد بن حميد، ٢٠٠٢م، ١: ١٦٤؛ ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٣؛ ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٩: ٢٤١)؛ انقسم بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة، ولن تنتهي الدنيا حتى تنقسم أمتي أيضًا إلى مثل هذا الانقسام. ومصير كل الفرق هو النار إلا فرقة واحدة هي التي تدخل الجنة، وهي فرقة الجماعة التي تشكل الأغلبية.
ب- أسانيد الحديث واعتباره: روى هذا الحديث أحمد بن حنبل وابن ماجه عن أنس بن مالك، وابن أبي عاصم عن معاوية، وعبد بن حميد عن سعد (عبد بن حميد، ٢٠٠٢م، ١: ١٦٤؛ ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٣؛ ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٩: ٢٤١). حول سند هذا الحديث، يقول محقق كتاب «المنتخب»: إن في سند هذا الحديث إشكالات، ولكن لكثير من ألفاظه شواهد (عبد بن حميد، ٢٠٠٢م، ١: ١٦٤). ويعتبر محققو مسند أحمد بن حنبل الحديث صحيحًا لشواهده (ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٩: ٢٤١). وقد روى ابن ماجه هذا الحديث نفسه عن طريق قتادة عن أنس بن مالك. وقد صحح كل من محمد فؤاد عبد الباقي والألباني، اللذين علقا على سنن ابن ماجه، سند هذا الحديث (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢). والخلاصة أن سند الحديث صحيح عند المحدثين.
۲-۲. الحديث الثاني
أ- متن الحديث: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢١؛ أبو داود، ٢٠٠٩م، ٥:٧؛ ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٤: ١٢٤؛ ابن حبان، ١٩٨٨م، ١٤: ١٤٠؛ ١٥: ١٢٥؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢-٣٣، ٦٦، ٦٧؛ الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٥)؛ انقسم اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وستنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة.
نص الترمذي أكثر تفصيلاً ويحتوي على عبارة «وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ» في متن الحديث (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٥). وقد روى أبو داود الحديث بشكل أكثر تفصيلاً من الترمذي وأضاف إليه عبارة «وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٥:٧).
ب- أسانيد الحديث واعتباره: روى هذا الحديث أبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وابن حبان عن أبي هريرة، وابن أبي عاصم بالإضافة إلى أبي هريرة عن أنس بن مالك (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢١؛ أبو داود، ٢٠٠٩م، ٥:٧؛ ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٤: ١٢٤؛ ابن حبان، ١٩٨٨م، ١٤: ١٤٠، ١٥: ١٢٥؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢-٣٣؛ الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٥). في الأسانيد المنتهية إلى أبي هريرة، يعد محمد بن عمرو حلقة الوصل، وهو ابن علقمة الليثي (أبو داود، نفس الموضع)، حيث تتشعب أسانيد الحديث منه، وهو يرويه عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقد كان محل نقد المحدثين من حيث الوثاقة (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٣). لم يرد في هذا الحديث إشارة إلى «الفرقة الناجية». وقد روى هذا الحديث أحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم النيسابوري (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٣). وقد اعتبر الألباني حديث الترمذي «حسنًا صحيحًا» (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٥). ويقول ابن أبي عاصم في اعتبار هذا الحديث: رغم ضعف هشام (راوي الحديث)، فإن الحديث صحيح لوجود متابع له (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢). كما صححه البوصيري، وبما أن له ست طرق أخرى معتبرة، فالحديث صحيح قطعًا (نفسه، ٣٣). وصححه محقق كتاب أبي داود أيضًا (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٥:٧). كما اعتبر محققو مسند الإمام أحمد درجة الحديث «حسنًا» (ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٤: ١٢٤). وفي النهاية، درجة الحديث عند المحدثين هي «صحيح» و«حسن صحيح».
۳-۲. الحديث الثالث
أ- متن الحديث: «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ» (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢، ١٣٩٢؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢؛ ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٩: ٤٦٢)؛ انقسم اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، واحدة منها في الجنة والبقية في النار. وانقسم النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون منها في النار وواحدة في الجنة. والذي نفس محمد بيده، لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة منها في الجنة واثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله، من هم أهل الجنة؟ قال: الجماعة [الأكثرية].
ب- أسانيد الحديث واعتباره: روى هذا الحديث ابن ماجه وابن أبي عاصم بسند واحد عن طريق عوف بن مالك، وأحمد بن حنبل عن طريق أنس بن مالك (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢، ١٣٩٢؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢؛ ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٩: ٤٦٢). ويعتبر الألباني وفؤاد عبد الباقي في تعليقهما على سنن ابن ماجه سند الحديث صحيحًا (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢، ١٣٩٢). وقد أورده ابن أبي عاصم تحت باب بعنوان «ما قاله النبي (ص) في افتراق الأمة وأن جميع الفرق مذمومة إلا فرقة واحدة» (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢). وقد اعتبر محققو مسند ابن حنبل سند الحديث ضعيفًا، ولكنهم صححوه لوجود شواهد (أسانيد معتبرة) (ابن حنبل، ٢٠٠١م، ١٩: ٤٦٢). وبناءً على ذلك، فإن درجة الحديث عند المحدثين هي «صحيح» و«صحيح بشواهده».
٤-۲. الحديث الرابع
أ- متن الحديث: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بني إسرائيل حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بني إسرائيل تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٦؛ ابن وضاح، ١٤١٦هـ، ٢: ١٦٧)؛ انقسم بنو إسرائيل إلى اثنتين وسبعين فرقة. وستنقسم أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. سئل: يا رسول الله، أي فرقة هي؟ قال النبي (ص): الفرقة التي تواصل السير على نهجي ونهج أصحابي.
ب- أسانيد الحديث واعتباره: روى هذا الحديث الترمذي وابن وضاح بأسانيد مختلفة، ولكن كلاهما عن طريق عبد الله بن يزيد المغفري عن عمرو بن العاص الصحابي (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٦؛ ابن وضاح، ١٤١٦هـ، ٢: ١٦٧). وقد اعتبر الألباني درجة حديث الترمذي «حسنًا» (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٦)، ولكن محقق كتاب أبي داود، بالإشارة إلى حديث الترمذي الذي يعرف الفرقة الناجية بتعبير «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، قد ضعف سنده (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٥:٧). وخلاصة القول أن درجة هذا الحديث عند المحدثين هي «ضعيف».
٥-۲. الحديث الخامس
أ- متن الحديث: «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً أَوْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَزِيدُ هَذِهِ الأُمَّةُ فِرْقَةً وَاحِدَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا السواد الأعظم» (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٤)؛ انقسم بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة أو قال إلى اثنتين وسبعين فرقة. وستزيد هذه الأمة عليهم فرقة واحدة، كلها في النار إلا [فرقة] السواد الأعظم.
ب- أسانيد الحديث واعتباره: روى ابن أبي عاصم هذا الحديث عن طريق أبي أمامة واعتبره حسنًا (نفسه).
٦-۲. الحديث السادس
أ- متن الحديث: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً – يَعْنِي: الْأَهْوَاءَ – كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ»[1] (ابن حنبل، ٢٠٠١م، ٢٨: ١٣٤-١٣٥؛ أبو يعلى، ١٩٨٤م، ١٠: ٣١٧، ٥٠٢؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٥)؛ انقسم أهل الكتاب في دينهم إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستنقسم هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة -أي أهل الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة. وسيظهر في أمتي أقوام تتغلغل فيهم الأهواء كما يتغلغل داء الكلب في جسد صاحبه، فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله.
ب- أسانيد الحديث واعتباره: روى أحمد بن حنبل وابن أبي عاصم هذا الحديث بوسيطين مختلفين عن صفوان بن عمرو السكسكي عن معاوية بن أبي سفيان. كما روى أبو يعلى روايتين عن أبي هريرة، حيث يكون محمد بن عمرو حلقة الوصل بين الروايات المنتهية إليه (ابن حنبل، ٢٠٠١م، ٢٨: ١٣٤-١٣٥؛ أبو يعلى، ١٩٨٤م، ١٠: ٣١٧، ٥٠٢؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٥). ويرى محققو مسند الإمام أحمد أن درجة الحديث «حسن». وقد رواه ابن أبي عاصم بشكل مختصر عن ابن حنبل وصححه (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٥). كما روى أبو يعلى هذا الحديث نفسه بتفصيل في ذكر أحوال اليهود والنصارى وبطريقين، وقد اعتبر محقق الكتاب كلا السندين «حسنًا» (أبو يعلى، ١٩٨٤م، ١٠: ٣١٧، ٥٠٢). وبناءً عليه، فإن درجة الحديث عند المحدثين هي «حسن».
۳. المضامين الرئيسية لروايات الثلاث والسبعين فرقة
الموضوعات الأساسية والرئيسية المستنبطة من أحاديث الثلاث والسبعين فرقة هي كما يلي:
۱-۳. افتراق الأمة إلى فرق متعددة
يقول عبد الباقي في شرح عبارة «وتفترق أمتي»: المراد بـ«الأمة» هم المسلمون وأهل القبلة، والمراد بـ«تفترق» هو الانقسام إلى فرق في الأصول والعقائد لا في الفروع والأعمال (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢١). لذا، يرى عبد الباقي أن هذا الحديث لا يتعلق بالخلافات الفقهية والفرعية. وكما يصحح محققو الحديث افتراق «الأمة»، فإن الجزء الأول من الحديث «افتراق الأمة» صحيح من حيث المفهوم والدلالة والتحقق الواقعي (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٧: ٦)، ومن حيث السند أيضًا، صحح العلماء هذا الجزء من الحديث وصرح بصحته الترمذي والحاكم والذهبي وغيرهم (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٧: ٥؛ الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٢). وعن حديث «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة»، يكتب الخطابي: يدل هذا الحديث على أن جميع الفرق المذكورة مسلمة، لأن الحديث يشير بكلمة «أمتي» إلى أن جميع الفرق محسوبة من أمة النبي (ص). حتى فرق أهل التأويل، وإن أخطأوا في تأويلهم، فهم جزء من الأمة (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٧: ٥). ويؤيد ابن القيم هذا الرأي (جلعود، ١٩٨٧م، ٢: ٥٣٠).
۲-۳. نجاة فرقة وهلاك بقية الفرق
الجزء الثاني من الرواية، الذي وصفه المحدثون بأنه زيادة على الحديث (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٧: ٥-٧) وأُلحق به، وهو عبارة «فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة»، هناك خلاف بين العلماء والمحدثين حول صحته وضعفه. فمعظم المحدثين يصححونه، وبعضهم يضعفه.
۱-۲-۳. الموافقون على تصحيح زيادة حديث «الفرقة الناجية والفرق الهالكة»
ابن تيمية، بعبارته «هذا حديث صحيح مشهور» (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٥؛ أشقر، ١٩٩٨م، ٦٢)، هو أشهر الموافقين على صحة هذه الزيادة. ولآرائه تأثير هائل على توجيه التيار التكفيري، وتُعد ركنًا مهمًا في الفكر التكفيري. ويقول ابن كثير أيضًا في ذيل آية «وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود: ١١٨): «هذا حديث مروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضًا» (ابن كثير، ١٩٩٩م، ٤: ٣٦١). ويقول الحاكم بعد الإشارة إلى الأسانيد المنتهية إلى أبي هريرة ومعاوية: «هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث» (الحاكم النيسابوري، ١٩٩٠م، ١: ٢١٨؛ الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٥). وأيد الذهبي تصحيح الحاكم هذا (نفس الموضع، تعليق الذهبي). ويصف العراقي أسانيد هذا الحديث بأنها «جياد» (العراقي، ٢٠٠٥م، ١١٣٣). كما صحح الشاطبي هذا الحديث مع هذه الزيادة (الشاطبي، ١٩٩٢م، ٢: ٦٩٨). ويبدو أن ابن أبي عاصم (١٩٨٠م، ١: ٣٢)، والصنعاني (١٤١٥هـ، ٩٤-٩٥)، وصالح بن مهدي المقبلي (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٧: ٧) قد صححوه. وصحح الألباني أيضًا الجزء الزائد، وردًا على آراء المخالفين، أشار إلى نقطة مهمة وهي أن هذا الحديث لا يعني خلود الفرق الإسلامية في جهنم (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٥-٤١٤). ويقول سليمان الأشقر أيضًا: إن هذه الزيادة تدل على أن الفرق الهالكة تدخل النار ولكنها لا تخلد فيها (أشقر، ١٩٩٨م، ٦٣).
۲-۲-۳. المخالفون لتصحيح زيادة حديث الفرقة الناجية والفرق الهالكة
يضعف ابن الوزير زيادة «كلها في النار إلا واحدة» ويقول: هذه زيادة فاسدة لا أساس لها من الصحة [سنديًا] وقد تكون من دسائس الملاحدة (ابن الوزير، ١٩٩٤م، ١: ١٨٦). وبحسب نقل ابن الوزير، فإن ابن حزم أيضًا يعتبر هذه الزيادة موضوعة (نفسه؛ الصنعاني، ١٤١٥هـ، ٩٦). كما يضعف الشوكاني هذه الزيادة سواء كانت موقوفة أو مرفوعة (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ٢: ٢٩٤). وقد ضعفها صديق حسن خان أيضًا (أشقر، ١٩٩٨م، ٦٢). وفي بقية المقال، في قسم النقد السندي، سيتم الحديث أكثر عن هذا الموضوع.
٣-٣. تعريف أوصاف الفرقة الناجية
في عدد من الروايات، وُصفت أوصاف أو طريقة الفرقة الناجية المشار إليها، وهي باختصار كالتالي:
۱-۳-۳. «الْجَمَاعَةُ»
في معظم الروايات، وُصفت «الفرقة الناجية» بـ«هم الجماعة» (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢). ويرى عدد من العلماء أن المقصود بـ«الجماعة» هو جماعة أهل الإسلام الذين أجمعوا على أمر من أمور الشرع، أو اتفقوا حول أمير في المجتمع الإسلامي (محمود، ١٩٩٥م، ١: ٣٠). ويقول عبد الباقي في شرح عبارة «الجماعة»: المراد هم الذين يوافقون جماعة صحابة النبي (ص) ويتخذون عقائدهم ويتمسكون برأيهم (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢٢؛ محمود، ١٩٩٥م، ١: ٢٨). ويرى البخاري «الجماعة» هم «أهل العلم»، وفسر أبو شامة وابن القيم الأمر بلزوم الجماعة بأنه أمر بالالتزام بالحق واتباعه، حتى لو كان أهل الحق قليلين ومخالفوهم كثيرين (التويجري، ١٤١٤هـ، ١: ٢٦٦). وأهل الحديث، الذين هم منشأ التيار التكفيري، يرون أن المراد بـ«الجماعة» هو «أهل الحديث» (محمود، ١٩٩٥م، ١: ٢٨)، ومنهم البخاري وأحمد بن حنبل والترمذي وابن المبارك وابن المديني وأحمد بن سنان وغيرهم. ولهذا السبب، يرى كثير من المحدثين أن أهل الحديث هم الفرقة الناجية التي يجب اتباع طريقها (محمود، ١٩٩٥م، ١: ٣٢). ونقل خميس هذا القول عن الحاكم النيسابوري وابن حبان (خميس، ١٤١٩هـ، ١٠). وسُئل ابن مسعود: كيف نكون مع «الجماعة»؟ فقال: الجماعة هي موافقة طاعة الله حتى لو كنت وحدك (اللالكائي، ٢٠٠٣م، ١: ١٢١). وفي حديث، قال النبي (ص): «الجماعة» هي تأكيد على الوحدة واجتناب التفرقة (نفسه، ١١٢).
٢-٣-٣. السواد الأعظم
في بعض الروايات، وُصفت الفرقة الناجية بـ«السواد الأعظم» (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٤). لذا، يعتبر البعض «الجماعة» و«السواد الأعظم» مترادفين (محمود، ١٩٩٥م، ١: ٢٩)، وهو أمر مقبول من حيث الدلالة اللفظية. ويرى البعض أن المقصود بـ«السواد الأعظم» هو الأكثرية التي تتفق على طاعة سلطان ما (نفسه). وفي حديث، ورد أن المقصود بـ«السواد الأعظم» هو: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الاخْتِلَافَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ» (اللالكائي، ٢٠٠٣م، ١: ١١٧). وهذا المعنى يدل على أهمية الوحدة وضرورة اجتناب التفرقة.
٣-٣-٣. مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي
في روايات أخرى، تُعتبر الفرقة الناجية هم أتباع النبي (ص) وأصحابه (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٦)، لأن الصحابة يتمتعون بخصائص مثل شهود التنزيل، وتلقي القرآن مباشرة من النبي (ص)، وكونهم أهل علم وفضل، وهي خصائص يفتقر إليها غيرهم (محمود، ١٩٩٥م، ١: ٢٨). وبعد ذكر وصف «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي»، يرى التويجري أن المراد من وصفي «الجماعة» و«السواد الأعظم» هو كونهم أهل الحق (التويجري، ١٤١٤هـ، ١: ٢٦٧). ولكن، سبق أن ذُكر أن الرواية التي تتضمن هذه الزيادة قد ضعفها عدد من المحدثين (أبو داود، ٢٠٠٩م، ٧: ٥).
٤. التكفيريون وحديث الثلاث والسبعين فرقة
يقول ابن الوزير، وهو من علماء القرن التاسع المشهورين، في سياق حديثه عن افتراق الأمة والإشارة إلى المذاهب والفرق: لا تقبل رأي من يكفر الفرق والمذاهب دون دليل شرعي متواتر وقطعي. إذا كنت ذا أذن صاغية وأهل فكر، فتأمل في شروط التكفير لتدرك أن التكفير لا يصح إلا في المعلومات الضرورية من الدين… ولا تغتر بعبارة «كل الفرق هالكة إلا واحدة»، فهذه زيادة فاسدة لا تقوم على أساس وسند صحيح، وربما تكون من دسائس الملاحدة (ابن الوزير، ١٩٩٤م، ١: ١٨٦). وبهذا الكلام، يكشف ابن الوزير عن العلاقة السببية بين قبول زيادة «كل الفرق هالكة إلا فرقة واحدة» وتكفير الفرق الأخرى. ويؤيد توجه التكفيريين في إصرارهم على صحة سند هذا الحديث تحليل ابن الوزير. وفي مقدمة الجميع، يجب الإشارة إلى رأي ابن تيمية الذي يقول: «هذا حديث صحيح مشهور» (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٥). ويقول ابن كثير، تلميذ ابن تيمية، في ذيل آية «وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ» (هود: ١١٨): «هذا حديث مروي في المسانيد والسنن من طرق يشد بعضها بعضًا» (ابن كثير، ١٩٩٩م، ٤: ٣٦١). بعد ابن تيمية وابن كثير، يلفت رأي الألباني الانتباه، حيث يقول في دراسة مفصلة لأسانيد هذه الزيادة: «اتضح أن هذا الحديث ثابت ولا شك في صحته. لذا، استند إليه علماء السلف والخلف، حتى إن الحاكم يقول في أول كتاب المستدرك: هذا حديث عظيم ومهم في [مباحث] أصول الدين، وأنا لم أرَ أحدًا من الألباني يورد إشكالاً على هذا الحديث إلا بعض من لا يُعتد برأيهم لتفردهم وشذوذهم…» (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٨). ويهاجم الألباني معارضي صحة هذه الزيادة، ويصف أحد معاصريه الذين يعتقدون بضعفها بأنه من «ذوي الأهواء» (نفسه)، وفي رده على رأي الشوكاني الذي قال إن جماعة من المحدثين ضعفوا هذه الزيادة، يقول: «لا أدري عن أي جماعة يتحدث؛ لأني لم أجد أحدًا من المتقدمين ضعف هذا الحديث، بل جماعة صححوه…» (نفسه، ٤٠٩). وحول نسبة تضعيف الحديث إلى ابن حزم، يقول الألباني: «لم أجد في كتاب الفصل في الملل والنحل ما يدل على تضعيف الحديث من قبله. بالإضافة إلى ذلك، فإن نقل رأيه بواسطة ابن الوزير والشوكاني فيه اختلاف فاحش؛ فيقول ابن الوزير: إن ابن حزم لم يصحح الحديث، ويقول الشوكاني: إن ابن حزم يعتبر الحديث موضوعًا، والفرق بين القولين واضح» (نفس الموضع). ولا يكتفي الألباني بذلك، بل يضيف: «على فرض صحة نسبة تضعيف الحديث من جانب ابن حزم، فإن هذا التضعيف مردود؛ أولاً: لأن النقد العلمي للأحاديث [ومعايير التصحيح] يدل على صحة الحديث، وبالتالي إذا ضعف أحد الحديث، فإن رأيه لا اعتبار له. ثانيًا: الذين صححوا هذا الحديث أكثر عددًا وأعلم من ابن حزم، خاصة أن ابن حزم معروف عند العلماء بالتشدد في نقد [الحديث]؛ لذا، فإن رأيه لو كان منفردًا به، حتى لو لم يكن له مخالف، غير مقبول، فكيف إذا كان له مخالفون» (نفسه، ٤٠٨-٤٠٩). ويرفض الألباني أيضًا رأي ابن الوزير اليماني في تضعيف هذا الحديث، ويقول: «القرائن تدل على أن تضعيف ابن الوزير يعود إلى محتوى الحديث ومعناه لا إلى سنده، وهذا النقد غير مقبول، لأنه قد يكون للحديث معنى آخر لم يخطر ببال الناقد» (نفسه، ٤١٠).
٥. تعامل التكفيريين مع حديث «الثلاث والسبعين فرقة» في ميزان النقد
۱-۵. النقد السندي لحديث الثلاث والسبعين فرقة
يتحدث المنتسبون إلى تيار السلفية والتكفيريين عن حديث افتراق الأمة، وخصوصًا زيادة «الفرقة الناجية والفرق الهالكة»، وكأن صحة سنده ومتنه قطعية، ولا يخالف رأيهم إلا من هو جاهل بالحديث وعلومه (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٩). في حين أن الجزء الأصلي والأولي من حديث الافتراق هو المقبول لدى أكثرية العلماء، وهو ما تحقق بالفعل، وأن زيادة «الفرقة الناجية والفرق الهالكة» لها معارضون جادون سيتم تناولهم لاحقًا:
أ- ابن حزم وتضعيف زيادة حديث «الفرقة الناجية والفرق الهالكة»
يدعي الألباني أولاً أنه لم يجد في «الفصل» ما يدل على تضعيف تلك الزيادة، وثانيًا، كعادة التكفيريين الذين يعتبرون مخالفة مخالفيهم لا أساس لها، يقلل من أهمية تضعيف ابن حزم. في حين أن ابن الوزير والشوكاني نقلا التضعيف والوضع (الصنعاني، ١٤١٥هـ، ٩٦) عن ابن حزم، لكن الألباني تجاهل كلامهما وشكك في نسبة هذا القول إلى ابن حزم، بحجة أنه بحث في كتاب «الفصل» ولم يجد فيه مثل هذا البحث (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٩). بل على العكس، يقول ابن حزم في «الفصل» بعد الإشارة إلى حديث الافتراق وزيادة «الفرقة الناجية والفرق الهالكة»: «هَذَانِ حديثان لا يصحان أصلاً من طَرِيق الْإِسْنَادِ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَيْسَ حَجَّة عِنْد من يَقُول بِخَبَرِ الْوَاحِد فكيف من لَا يَقُول بِهِ» (ابن حزم، د.ت، ٣: ١٣٨)؛ أي أن هذين الحديثين لا أصل لهما من حيث السند، والحديث الذي يكون كذلك ليس حجة حتى عند القائلين بحجية خبر الواحد، فكيف بمن لا يقول به. كما نقد هذا الحديث في رسائله وقال: «لَيسَ هكذا الحديث» (ابن حزم، ١٩٨١م، ٣: ٢١٣).
ب- الشوكاني وابن الوزير وتضعيف زيادة «الفرقة الناجية والفرق الهالكة»
يقول الألباني في نقد التضعيف المنسوب إلى ابن حزم: إن ابن الوزير نقل عن ابن حزم أن هذا الحديث غير صحيح، أما الشوكاني فنقل عن ابن حزم أنه حديث موضوع (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٩). ويرى الألباني أن هذين النقلين مختلفان وكأن هذا الاختلاف من نوع التعارض فيسقطان كلاهما. ولكن يجب القول إن عبارتي «لا يصح» و«حديث موضوع» ليستا بالضرورة مترادفتين ولا متناقضتين، بل قابلتان للجمع. وبعبارة أخرى، رغم أن «لا يصح» لا تعني «موضوع»، إلا أنها قابلة للاستعمال في الحديث الموضوع؛ لأن «لا يصح» عبارة مجملة وقد تدل على فساد في معنى الحديث أو عدم صحة سنده أو حتى كونه موضوعًا. لذا، فإن تعبير ابن حزم يحتمل القولين، وكلاهما يدل على ذلك؛ فعبارة «هَذَانِ حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الإسناد» (ابن حزم، د.ت، ٣: ١٣٨) يمكن استنباط عدم الصحة وبقليل من التسامح الوضع منها. والأهم من ذلك أنه خلافًا لادعاء الألباني، فقد نقل الشوكاني وابن الوزير عن ابن حزم وضع هذا الحديث واختلاقه (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ٢: ٦٨؛ ابن الوزير، ١٩٩٤م، ٣: ١٧٢). وفي رد فعل الألباني على كلام الشوكاني الذي قال إن جماعة ضعفوا هذه الزيادة، يقول: لا أدري عن أي جماعة يتحدث (الألباني، ١٩٩٦م، ١: ٤٠٩). في حين أن ابن حزم والشوكاني وابن الوزير اليمني والكوثري هم الأفراد الذين نقد الألباني آراءهم، وهم جماعة معارضة لتصحيح هذه الزيادة الحديثية، وليس من الصواب اعتبار المخالفين في الفكر والعلم «كأن لم يكن». بالإضافة إلى ذلك، ينسب الشوكاني تضعيف هذا الحديث إلى جماعة أخرى من المحدثين ويقول: «فَقَدْ ضَعَّفَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ» (الشوكاني، ١٤١٤هـ، ٢: ٦٨).
۲-۵. منشأ افتراق الأمة
في الأحاديث، يُذكر الغرور الديني كمنشأ للافتراق، وهو ما يعاني منه التكفيريون. وفي رواية، ورد أن شخصًا أصابه الكبر بسبب قوة جهاده، ورأى نفسه أفضل من الجميع. وعندما دخل المسجد، قال النبي (ص) عنه: هذا أول قرن من أمتي. لو قتلتموه، لما حدث اختلاف في أمتي… ثم أشار النبي (ص) إلى مسألة افتراق بني إسرائيل وافتراق المسلمين (المروزي، ١٤٠٨هـ، ٢١؛ أبو يعلى، ١٩٨٤م، ٧: ١٥٤). ويعتبر المقدسي درجة هذا الحديث «صحيحة» (المقدسي، ٢٠٠٠م، ٣: ٦). وبناءً عليه، يرى النبي (ص) أن الغرور الديني والتعالي هما علامة وبداية افتراق الأمة، ويحذر منه، وهو ما يقع فيه اليوم مدعو النجاة، وبدلاً من فهم مراد الحديث، يحملونه على تأييد أنفسهم ونفي الآخرين، ويغلقون باب التفاهم بالطعن في الآخرين. في حين أن مقصود الحديث من هلاك الجميع إلا «السواد الأعظم» أو «الجماعة» هو التحذير من التفرقة والانقسام، لا التوجيه إلى فرقة ناجية، خاصة أن بعض العلماء يرون أن المراد بالفرقة الناجية هم صالحو الفرق والمذاهب (الصنعاني، ١٤١٥هـ، ٩٣).
۳-۵. المحدثون الأوائل ومفهوم حديث افتراق الأمة
لم يكن لدى المحدثين المتقدمين نفس القدر من الاطمئنان الذي لدى المحدثين المتأخرين والتكفيريين بشأن المعنى الظاهري للحديث القاضي بنجاة فرقة معينة وهلاك البقية. بل يمكن فهم من خلال تعاملهم وتبويبهم للأحاديث في هذا الباب أنهم استنبطوا من هذه الأحاديث تحذيرًا من التفرقة والخروج على جماعة المسلمين، والانشقاق والاضطراب الذي ينبع من عصيان الله وعدم الاكتراث بأوامره والحكمة الجماعية. والأمثلة التالية شاهد على هذا الفهم:
١- يروي الترمذي في سننه في باب «مَا جَاءَ فِي افْتِرَاقِ هَذِهِ الأُمَّةِ» أحاديث بهذه المضامين: أولاً: افتراق الأمة (دون الإشارة إلى فرقة ناجية وفرق هالكة). ثانيًا: افتراق الأمة. ثالثًا: خلق الظلمة والنور، وكل من وصل إليه النور فهو مهتدٍ وإلا فهو ضال. رابعًا: حق الله على العباد هو التوحيد الخالص، وحق العباد على الله هو النجاة من العذاب. خامسًا: البشارة بدخول الجنة لجميع الموحدين حتى لو ارتكبوا السرقة والزنا (الترمذي، ١٩٧٥م، ٥: ٢٥-٢٧). في هذه الأحاديث، يوجد فقط افتراق، لا فرقة ناجية ولا فرق هالكة. بالإضافة إلى ذلك، فإن أبواب الترمذي السابقة هي على التوالي: «بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، «بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ رَمَى أَخَاهُ بِكُفْرٍ»، «بَابُ مَا جَاءَ سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ»، «بَابُ مَا جَاءَ فِي عَلَامَةِ المُنَافِقِ»، «بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا»، «بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ المُسْلِمَ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، وكلها تدل على كمال الإيمان وحرمة دم وعرض المؤمن أو أمور مشابهة تتعارض تمامًا مع تقسيم الأمة إلى ناجية وهالكة. لو فهم الترمذي من هذه الروايات تفكيك الأمة إلى ناجية وهالكة، لكان من الأفضل أن يضع هذا الحديث تحت «أبواب الجهاد» (نفسه، ٤: ١٩١)، أو «أبواب الفتن» (نفسه، ٤: ٤٦٠)، أو «أبواب صفة جهنم» (نفسه، ٤: ٧٠١).
٢- يروي ابن ماجه في سننه في باب «افتراق الأمم» روايات يكون الحديث الأول فيها لا يتضمن زيادة «الفرقة الناجية والفرق الهالكة». والحديث الثاني عن الثلاث والسبعين فرقة والفرقة الناجية مع التأكيد على نجاة «الجماعة». والحديث الرابع عن اتباع أمة الإسلام لأهل الكتاب شبرًا بشبر وذراعًا بذراع (ابن ماجه، د.ت، ٢: ١٣٢١-١٣٢٢، ح ٣٩٩١-٣٩٩٤). إن نوع تعامل ابن ماجه مع أحاديث الثلاث والسبعين فرقة يدل على أنه لا يصر على تفكيك الأمة إلى فرقة ناجية وفرق هالكة.
٣- وضع ابن أبي عاصم في باب «بَابٌ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَذَمِّهِ الْفِرَقَ كُلَّهَا إِلَّا وَاحِدَةً وَذِكْرِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: إِنَّ قَوْمًا سيركبون سنن من كان قبلهم» (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٢) عنوانًا للباب، جمع فيه أحاديث الثلاث والسبعين فرقة مع مسألة اتباع أهل الكتاب في مكان واحد، وكأن فهمه لهاتين المسألتين أمر واحد. فالأحاديث الأول والثاني والثالث والسادس تشير إلى الافتراق وذكر الفرقة الناجية، والحديثان الرابع والخامس يشيران فقط إلى الافتراق، والحديث السابع يشير إلى الافتراق الناشئ عن الأهواء. والحديثان الثامن والتاسع يدلان على نجاة ثلاث فرق -لا فرقة واحدة-. والأحاديث من العاشر إلى السابع عشر كلها، دون الإشارة إلى التفرقة، تدل على اتباع أهل الكتاب في ارتكاب المعاصي والشرك (نفسه، ١: ٣٢-٣٩). وأبوابه السابقة هي: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، «بَابُ أَمْرِ النَّبِيِّ (ص) بِالْقَتْلِ لِمَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ»، و«بَابُ مَا أَمَرَ بِهِ مِنِ اتَّبَاعِ السُّنَّةِ وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ». وأبوابه اللاحقة هي: «أَمْرُهُ بِلِزُومِ الْجَمَاعَةِ وَإِخْبَارِهِ أَنَّ يَدَ اللهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ» و«الجماعة رحمة والفرقة عذاب» (نفسه، ١: ٣٠-٤٤). هذا التبويب يظهر أن المؤلف يفهم من حديث الثلاث والسبعين فرقة التذكير بضرورة التمسك بالحكمة الجماعية والتوافق، خاصة أنه في موضع آخر من كتابه أورد أبوابًا عن الخوارج والروافض وغيرهم (نفسه، ٢: ٤٣٨، ٤٧٤ و…).
٤- رواية المصنف عن أبي أمامة تدل بشكل أوضح على هذه المسألة. فأبو أمامة الصحابي، بعد التحذير من ضرورة الوحدة، يستخدم نفس عبارات حديث الثلاث والسبعين فرقة ويقول: «السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ خَيْرٌ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالْمَعْصِيَةِ» (ابن أبي شيبة، ١٤٠٩هـ، ٧: ٥٥٤، ح ٣٧٨٩٢). هذه التكملة تبين المعنى الحقيقي لحديث الثلاث والسبعين فرقة، وهو أنه يجب التمسك بالحكمة الجماعية، وهذا يتعارض مع معنى إثارة التفرقة. ويتعامل سائر المحدثين المتقدمين بشكل مشابه مع أحاديث الثلاث والسبعين فرقة. فقد تجنب البخاري ومسلم، رغم شهرة هذا الحديث، ذكره (الصنعاني، ١٤١٥هـ، ٩٩). وأورد ابن حبان حديثًا واحدًا فقط عن افتراق الأمة لم يشر فيه إلى فرقة ناجية أو هالكة (ابن حبان، ١٩٨٨م، ١٥: ١٢٥). وقد وضع المتقدمون أحاديث افتراق الأمة إلى جانب سائر الأحاديث التي تدعو إلى ضرورة التوافق مع الجماعة والنهي عن الانفصال عنها والتوجه إلى الحكمة الجماعية والتحذير من التفرقة، وفسروها في ضوء ذلك (على سبيل المثال، انظر: اللالكائي، ٢٠٠٣م، ١: ١٠٩-١٢١؛ ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٤٢-٤٤). وهذه النظرة الكلية والشاملة هي التي قللت من تشكل الاستنباطات غير الصائبة من الأحاديث.
٤-۵. النسبة بين «الفرقة الناجية» و«أهل الحديث»
رغم أن السلفيين وأهل الحديث يبدون ظاهريًا في تعديل صوري لخلافاتهم مع سائر نحل أهل السنة، إلا أنهم عند بيان مصداق الفرقة الناجية يتحدثون أحيانًا وكأن مرادهم جميع مذاهب أهل السنة (جبرين، د.ت، ٧؛ الذهبي، ٢٠٠٣م، ١: ٨)، ولكنهم أحيانًا يصرحون بأن الجميع ما عداهم من الفرق الهالكة، ويزيحون الستار عن هذا الاختلاف، وبالطبع يقعون في تناقض واضح. ومن موارد ظهور الاختلاف بحث اتباع السلف. يقول جبرين السلفي المعاصر في تناقض واضح: «أهل السنة هم الفرقة الناجية الذين يُسمون أيضًا السلفيين لأنهم على عقيدة السلف الصالح ويتبعونهم… أما الخلفيون، فمذاهب الخلف [أي المذاهب الكلامية] يفضلونها على مذهب السلف…» (جبرين، د.ت، ١٣). ثم ينقل عن ابن تيمية أن أكثر أتباع أبي الحسن الأشعري في بحث الإيمان وتأويل الآيات والأحاديث يخالفون مذهب السلف (نفسه، ١٤). في هذه الأقوال تناقض واضح في استعمال لفظ «أهل السنة» الذي يطلق تارة على عموم أهل السنة وتارة على السلفيين وأهل الحديث. كما يصرح السلفيون والتكفيريون في بحث تعيين الفرقة الناجية بأحقيتهم المطلقة وبطلان غيرهم. ويصر التكفيريون بشكل خاص وأهل الحديث والسلفيون بشكل عام على أن «أهل الحديث» هم الفرقة الناجية (عواجي، ٢٠٠١م، ١: ١٠٨). في حين أن مؤلفي كتب الفرق والمذاهب يسمون أهل السنة، لا أهل الحديث بشكل خاص، بالفرقة الناجية (هراس، ١٤١٥هـ، ١٨٢-١٨٣؛ براك، ٢٠٠٨م، ٤٠٨-٤٠٩). يقول ابن تيمية في بيان مفهوم «أهل السنة والجماعة»: يستعمل العلماء مصطلح «أهل السنة» في أحد المعنيين التاليين: ١- قبول خلافة الخلفاء الثلاثة الراشدين…؛ ٢- أهل الحديث والسنة المحضة. وبحسب هذا الرأي، فإن أهل السنة هم القائلون بإثبات الصفات لله، وقدم القرآن، ورؤية الله في الآخرة، وإثبات القدر، وسائر الأصول المعروفة لأهل الحديث والسنة (ابن تيمية، ١٩٨٦م، ٢: ٢٢١). وقد أخذ سائر المحدثين هذا الفهم عن ابن تيمية وصرحوا به أحيانًا. يقول الذهبي: المراد بأهل السنة هو المعنى الثاني. ولهم أسماء مثل أهل الحديث، والفرقة الناجية، والجماعة، وغيرها (الذهبي، ٢٠٠٣م، ١: ٢٧-٢٨). وقد نُسب هذا الرأي إلى محدثين مثل البخاري، وأحمد بن حنبل، والترمذي، وابن المبارك، وابن المديني، وأحمد بن سنان، وغيرهم (محمود، ١٩٩٥م، ١: ٢٨، ٣٢). ويرى خميس السلفي المعاصر أن استعمال كلمة «أهل الحديث» يكون فيمن يعتقد عقيدة أئمة الحديث والسنة، وأن المدح للفرقة الناجية والطائفة المنصورة ينظر إليهم (خميس، ١٤١٩هـ، ٩، ١١). ويصر عبد الله، ابن محمد بن عبد الوهاب، على أن أكثر علماء أهل السنة، أهل الحديث، هم الفرقة الناجية (ابن عبد الوهاب النجدي، ١٤١٢هـ، ١٢٥)، وينقل عن البخاري وابن حنبل أن المراد بالجماعة التي هي دائمًا على أمر الله هم أهل الحديث (ابن عبد الوهاب النجدي، ١٤١٢هـ، ١٢٥). ويرى الفوزان أيضًا أن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة هم أهل الحديث (ابن فوزان، ٢٠٠٢م، ١: ٣٤٠). وبناءً عليه، فإن أهل الحديث والسلفيين والتكفيريين قد استخلصوا مصداق مصطلح «الفرقة الناجية» وأطلقوه على أنفسهم، وأحيانًا عندما يطلقون هذا المصطلح على عموم أهل السنة يكون ذلك خداعًا واضحًا أو تناقضًا فاضحًا أو تساهلاً غير موجه.
٥-۵. تعدد الفرق الناجية، نقض غرض وحدانية الفرقة الناجية
تؤكد معظم روايات هذا الباب على نجاة فرقة واحدة وهلاك بقية الفرق، ولكن في بعض الروايات أشير إلى نجاة أكثر من فرقة في الأديان السابقة (ابن أبي عاصم، ١٩٨٠م، ١: ٣٥، ح ٧٠). ويشير الحاكم النيسابوري بعد تأييد صحة الحديث، بناءً عليه، إلى نجاة ثلاث فرق من المسيحيين: ١- الشهداء الذين قاتلوا الحكام الظالمين، ٢- الأفراد الذين لم يكن لديهم القدرة على القتال ولكنهم استشهدوا في سبيل هداية الناس وإرشادهم، ٣- الفرقة التي لجأت إلى الكهوف (الحاكم النيسابوري، ١٩٩٠م، ٢: ٥٢٢، ح ٣٧٩٠)؛ وبناءً عليه، فإن ادعاء الحق وإنكار الآخر من قبل أهل الحديث والتكفيريين لا مبرر له. بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض العلماء أن حديث الثلاث والسبعين فرقة لا يدل على نجاة فرقة محددة. يقول الصنعاني: إن هذه الأحاديث في وصف آخر الزمان حيث يكون الهالكون كثر والناجون قلة، والمراد بالفرقة الناجية والناجين في الواقع هم أتباع النبي (ص) قولاً وفعلاً من أي فرقة كانوا. لذا، فإن «الفرقة الناجية» هم صالحو جميع الفرق، ويرى البعض أن المراد بهم أهل البيت (ع) وأتباعهم (الصنعاني، ١٤١٥هـ، ٩١-٩٤).
٦-۵. عرض حديث افتراق الأمة على القرآن
إن عرض الحديث على القرآن معيار معتبر ومهم لدراسة محتوى الأحاديث. وقد وردت أخبار عرض الروايات على الآيات من طرق متعددة في المصادر الروائية الشيعية وأهل السنة (الكليني، ١٣٦٣ش، ١: ٦٧، ح ١٠؛ ١: ٦٩، ح ٢؛ الحر العاملي، ١٤٠٣هـ، ١٨: ٨٠، ٨١ و٨٦، ح ١٨، ٢١، ٣٥؛ الدارمي، د.ت، ١: ١٤٦، ح ٥٢٩؛ المتقي الهندي، ١٩٨٩م، ١: ١٩٦، ح ٩٩٢ و٩٩٣). وعموم أهل السنة قائلون بعدم لزوم العرض (الشوكاني، ١٩٩٩م، ١: ٩٧؛ ابن عبد البر، ١٩٩٤م، ٢: ١١٨٩)، ولكن بما أن أحد شروط صحة الحديث هو «عدم الشذوذ» (العراقي، ١٩٦٩م، ٢٠؛ صبحي الصالح، ١٩٨٤م، ١٤٦)، ولازمة إثبات عدم الشذوذ هي عرض الأحاديث على القرآن وعدم مخالفة مضمون الحديث للآيات بشكل جدي. وبناءً عليه، فإن عدم المخالفة للقرآن يعتبر معيارًا معتبرًا لأهل السنة أيضًا. يخاطب الله تعالى العموم دون الإشارة إلى فرقة ناجية فيقول: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ» (آل عمران: ١٠٥). وفي موضع آخر، يأمر الأمة بالوحدة ويقول: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» (آل عمران: ١٠٣)، وفي سورة الأنعام، ينفي النسبة الدينية بين النبي (ص) وأهل التفرقة فيقول: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ» (الأنعام: ١٥٩). وقد روي أن المراد بهذه الآية «هُمْ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَأَصْحَابُ الْبِدَعِ وَأَصْحَابُ الضَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ» (الشاطبي، ١٩٩٢م، ١: ٧٩؛ البغوي، ١٤٢٠هـ، ٢: ١٧٥؛ الآلوسي، ١٤١٥هـ، ٤: ٣١٠). وفي رواية أخرى ورد: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَصِدْقَ الْحَدِيثِ» (الشاطبي، ١٩٩٢م، ٢: ٧٣٣). في هذه النصوص، لم يتم التمييز بين فرقة ناجية وسائر الفرق الإسلامية، ولا توجد إشارة تدل على هذا الأمر. لذا، فإن استنباط ادعاء الحق وإنكار الآخر من حديث الثلاث والسبعين فرقة لا يتوافق مع النصوص القرآنية والروائية.
٦. الخاتمة
بناءً على ما سبق، يمكن ذكر النقاط التالية كنتائج لهذه الدراسة:
١- أسانيد روايات تقسيم الأمة الإسلامية إلى ثلاث وسبعين فرقة موثوقة، ولكن يجب الانتباه إلى أن أصل الانقسام مقبول بشكل كلي ومجمل.
٢- سند زيادة «كل الفرق هالكة والفرقة الناجية أهل الجنة» لم يؤيده عدد من العلماء، ومضمونه ومحتواه يتعارض مع الآيات وسائر الروايات، وبالتالي فهو غير مقبول.
٣- العدد المحدد «ثلاث وسبعون» هو من باب بيان كثرة الانقسامات أو، كما ورد في الروايات، من باب الإشارة إلى الاتباع الشامل لأهل الكتاب.
٤- خلافًا للمحدثين المتأخرين والسلفيين والتكفيريين، كان للمحدثين المتقدمين استنباط غير متشدد من حديث الثلاث والسبعين فرقة وتحذير من التفرقة واتباع أهل الكتاب؛ وبناءً عليه، لا وجه للاعتماد على رأي السلفيين القاضي بإبطال آراء الفرق الإسلامية الأخرى.
٥- وقع أهل الحديث والتكفيريون في تناقض في بيان مصداق الفرقة الناجية. فأحيانًا يطلقونه على عموم أهل السنة، وأحيانًا على المحدثين. وبناءً على هذا التناقض، يمكن رد رأيهم.
٦- الاستناد إلى حديث الافتراق، وخاصة الزيادة الملحقة به، دون الانتباه إلى النصوص القرآنية والروائية الأخرى، أدى إلى استنباطات متشددة يجب ترميمها وإصلاحها في ضوء العرض على القرآن.
الهوامش
- يقول السندي: «تجارى بهم؛ أي تجري في عروقهم ومفاصلهم؛ «الكلب» بفتح الكاف واللام، هو داء يعرض من عض الكلب [داء الكلب]» (ابن حنبل، 2001م، 28: 134-135).