نظرية إلهية الوضع في فكر المحقق النائيني

الملخص

اشتهر المحقق محمد حسين النائيني بين الأصوليين الإمامية بكونه أهمّ القائلين بنظرية إلهية الوضع. تنطوي نظريته على تعقيدات مُغفَلة تجعلها مختلفة عن القراءة البسيطة والكلاسيكية لنظرية إلهية الوضع، ذات التاريخ الطويل في الثقافة الإسلامية. وقد زاد من تعقيد هذه النظرية وتصورها، عدم وجود تصنيف أصولي للنائيني ووجود اختلاف كبير في تقريرات تلامذته وفهمهم لها. يسعى الكاتب في هذه المقالة، بمنهج تحليلي، إلى تقديم تقرير دقيق لنظرية النائيني وتقييمها داخليًا، ولتحقيق هذا الغرض، أخذ بنظر الاعتبار جميع التقريرات المتاحة لدرسه الأصولي. ومحصلة التحقيق هي أن نظرية النائيني تواجه العديد من الإشكالات والإبهامات، ولكن يمكن إجمالاً فهم أنه من وجهة نظره، توجد مناسبة بين اللفظ والمعنى، وباعتبار هذه المناسبة، يُلهم الله عباده لفظًا خاصًا لمعنى خاص، أو يودعه في فطرتهم.

مدخل

في باب كيفية دلالة الألفاظ على المعاني، وماهية الواضع -بناءً على كون الدلالة وضعية- وكون اللغة توقيفية أم اصطلاحية، طُرحت نظريات مختلفة في الثقافة الإسلامية. وتُعد نظرية إلهية الوضع من أكثر هذه النظريات عراقة وقبولاً على مر تاريخ الثقافة الإسلامية. قال الأشعري وبعض أتباعه، وأهل الظاهر، وحتى عدد قليل من المعتزلة، مثل أبي علي الفارسي وابن فارس، بأن الواضع هو الله، ونتيجة لذلك، في النزاع حول توقيفية اللغة أو اصطلاحيتها -الذي يبدو أنه قد عُمّم من خصوص أسماء الله وصفاته ليشمل منشأ الألفاظ واللغات- تبنّوا جانب التوقيفية ورتّبوا عليه ثمرات. وبناءً على هذه النظرية، أولاً، دلالة الألفاظ على المعاني ليست ذاتية وبالطبع، بل هي وضعية وجعلية. وثانياً، واضع وجاعل الألفاظ للمعاني هو الله، الذي أطلعنا على الوضع عن طريق الوحي للأنبياء، أو خلق الأصوات في الأجسام، أو خلق العلم الضروري. (ابن حزم، 1403، ج1، ص29؛ الجويني، 1418، ج1، ص44؛ فخر الرازي، 1418، ج1، ص181؛ الآمدي، 1402، ج1، ص29؛ الزركشي، 1414، ج2، ص239).

في أوساط الأصوليين الإمامية، اشتهر محمد حسين النائيني (1276-1355هـ) بكونه أبرز القائلين بهذه النظرية. لكن نظريته تنطوي على تعقيدات مُغفلة تجعلها مختلفة عن القراءة البسيطة والكلاسيكية لنظرية إلهية الوضع، كما أن فقدان تصنيف أصولي له ووجود اختلاف كبير في تقريرات وفهم تلامذته والأصوليين من بعده، قد زاد من تعقيد هذه النظرية وتصورها. والملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا هي أن جميع التقريرات الموجودة حول هذا المبحث من درس النائيني تعود إلى دورة واحدة من دروس الخارج في الأصول، وبناءً على هذا، لا مجال لاحتمال تغير رأي المحقق المذكور.

في هذه المقالة، تمت دراسة ثلاثة تقريرات موجودة له: فوائد الأصول، أجود التقريرات، والتقريرات العالية في أصول الفقه. فوائد الأصول هو تقرير محمد علي الكاظمي الخراساني (1309-1365هـ) لدرس خارج أصول النائيني. وقد شاع أن فوائد الأصول يمثل الدورة الأولى لأصول النائيني وأن أجود التقريرات يمثل الدورة الثانية. ولكن من بين الدورات الأصولية الثلاث التي ألقاها النائيني، فإن مباحث الحجج والأمارات والتعادل والتراجيح في فوائد الأصول تعود إلى الدورة الثانية، ومباحث الألفاظ إلى الدورة الثالثة. ويعود السبب في ذلك إلى أن الدورة الثالثة لأصول النائيني بدأت عام 1345هـ، وانتهت مباحث الألفاظ عام 1348هـ. وقد ذكر الكاظمي في نهاية مباحث الألفاظ: «وقد تمت مباحث المطلق والمقيد في الليلة التاسعة والعشرين من شهر ربيع الأول سنة 1348 وله الحمد أولاً وآخراً وأنا العبد المذنب محمد علي الكاظمي الخراساني». طُبعت مباحث الألفاظ من هذا التقرير بعد مباحث الحجج والأمارات والتعادل والتراجيح، وخلافاً لهذه المباحث، لم يره النائيني ولم يكتب عليه تقريظًا. أجود التقريرات، تقرير أبو القاسم الخوئي (1317-1413هـ) لدرس خارج أصول النائيني. جميع مباحث هذا التقرير تعود إلى الدورة الثالثة، ومباحث الألفاظ منه، في عام 1348هـ، نُشرت بدون تعليقات الخوئي وبتقريظ من النائيني. وميزة هذا التقرير هي أن النائيني قد اطلع عليه بالكامل وكتب عليه تقريظًا. التقريرات العالية في أصول الفقه، تقرير مرتضى المرتضوي اللنكرودي (1306-1383هـ) من نفس الدورة الثالثة لدرس خارج أصول النائيني ونُشر في عام 1443هـ. ويبدو أن المقالة الحالية هي أول دراسة تقيّم هذا التقرير الأخير.

وقد سعى الكاتب في هذه الدراسة إلى الوصول إلى تصور واضح لنظرية النائيني من خلال تحليل التقريرات والتدقيق فيها. كما أنه، قدر الإمكان، تجنب النقد الخارجي بسبب زيادة حجم المقالة إلى عدة أضعاف، وركّز على النقد الداخلي. بالإضافة إلى فهم نظرية النائيني، فإن محاكمة تقريرات درسه وتقييم دقتها هي أيضاً من أهداف هذه المقالة. في ما يلي، سيتم تحليل كل من تقريرات الكاظمي، الخوئي واللنكرودي. والملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أن النائيني في البداية يطرح مسألته على أنها كيفية دلالة الألفاظ على المعاني، وليس ماهية الواضع؛ لأن المسألة الثانية منطقياً متفرعة عن المسألة الأولى.

تقرير الكاظمي الخراساني وتحليله

بناءً على تقرير الكاظمي، دلالة الألفاظ على المعاني إما «بالطبع» أو «بالوضع».

1. الدلالة بالطبع

«هي خصوصية في ذات اللفظ تقتضي دلالته على معناه، دون وضع وتعهد من قبل أي شخص.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص29)

إبطال احتمال الدلالة بالطبع

«يشهد الوجدان بأن المعنى لا ينسبق إلى الذهن من اللفظ عند الجاهل بالوضع.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص29)

بعبارة أوضح، إذا كان شخص ما جاهلاً بوضع لفظ لمعنى، فإنه لا ينتقل من اللفظ إلى المعنى. بناءً على هذا، فإن دلالة الألفاظ على المعاني ليست بالطبع؛ بل هي بالوضع.

ويبدو أن صياغة الاستدلال على الادعاء ضد الدلالة بالطبع ولصالح الدلالة بالوضع بهذا الشكل أرجح: دلالة الألفاظ على المعاني إما بالطبع أو بالوضع. إذا كانت دلالة الألفاظ على المعاني بالطبع، لزم أن يكون الجاهل بمعاني الألفاظ بلا مصداق. واللازم باطل؛ لأن الوجدان يشهد بوجود جاهل بمعاني الألفاظ، وأن المعنى لا ينسبق إلى ذهنه من اللفظ. فالملزوم مثله؛ إذن دلالة الألفاظ على المعاني ليست بالطبع. ونتيجة لذلك، فإن دلالة الألفاظ على المعاني تكون بالوضع.

هذا الدليل الذي أقيم لإبطال احتمال الدلالة بالطبع غير تام؛ لأنه في توضيح الدلالة بالطبع ذُكر أن الخصوصية الموجودة في ذات اللفظ «مقتضية» لدلالة اللفظ على المعنى. وبناءً على نسبة «الاقتضاء» بين اللفظ ودلالته على المعنى، فإن اللفظ لا يستلزم بالضرورة انسباق المعنى منه عند الجاهل بالوضع، حتى يلزم من بطلان اللازم (الانسباق) بطلان الملزوم (الدلالة بالطبع)؛ بل إن التالي الفاسد (الإشكال الثبوتي) المذكور لا يلزم إلا إذا كانت الخصوصية الموجودة في ذات اللفظ علة تامة لدلالة اللفظ على المعنى؛ إلا أن يقال إن «الاقتضاء» لم يُستخدم بمعناه الدقيق والفني، وإنما أريد به معنى مسامحياً يشمل العلية التامة أيضاً.

2. الدلالة بالوضع

معرفة الدلالة بالوضع متوقفة على معرفة «الوضع». الوضع هو «الجعل» و«التعهد» و«إحداث علقة بين اللفظ والمعنى». (الكاظمي، 1376، ج1، ص29)

بناءً على هذا التفسير [الوضع بالمعنى المصدري]، ينحصر «الوضع» في الوضع التعييني، وتعميمه ليشمل الوضع التعيّني يكون مسامحة:

«إذا كان الوضع أعم من التعييني والتعيّني، فسيُشكل: من المعلوم أنه في الوضع التعيّني لا يوجد تعهد وجعل علقة، بل إن اختصاص اللفظ بالمعنى يحصل قهرًا بسبب كثرة الاستعمال؛ بحيث ينسبق المعنى من اللفظ عند الإطلاق.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص29)

ويقدم المقرر هنا تفسيراً آخر للوضع لتصحيح تقسيمه إلى تعييني وتعيّني: «قد يفسر الوضع بمعناه الاسم المصدري، وهو عبارة عن نفس العلقة والاختصاص الذي يحصل تارة بسبب التعهد، وتارة بسبب كثرة الاستعمال.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص29)

على أي حال، الدلالة بالوضع هي دلالة تنشأ من جعل وتعهد وإحداث علقة بين اللفظ والمعنى أو من كثرة الاستعمال. حتى الآن، كان البحث يدور حول كيفية دلالة الألفاظ على المعاني، حيث افترض المقرر بتعيين الدلالة بالوضع بعد إبطال احتمال الدلالة بالطبع، ثم شرع في تبيين الوضع والدلالة بالوضع. وبالطبع، فإن التعريف والتبيين الذي قُدم مبهم. هل مفاهيم «الجعل»، و«التعهد»، و«إحداث العلقة» مترادفة أم هي من أقسام ومصاديق الوضع؟ هل الجعل أوضح من الوضع حتى يُعرّف به؟ هل الوضع، في مسلك التعهد، منحصر فيه؟ بالنظر إلى النص، لا يمكن العثور على إجابة واضحة لهذه الأسئلة. من هنا فصاعداً، ينتقل البحث إلى ماهية الواضع. بناءً على تقرير الكاظمي، الواضع إما شخص أو جماعة معينة أو هو الله:

إبطال احتمال واضعية شخص أو جماعة خاصة

«دلالة الألفاظ على المعاني ليست بسبب تعهد شخص خاص بجعل اللفظ قالباً للمعنى.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص30)

خلافاً لهذا الادعاء بأن الوضع هو «التعهد» و«إحداث العلقة» بين اللفظ والمعنى من قبل «شخص خاص» مثل يعرب بن قحطان، فإننا نقطع بذلك. (الكاظمي، 1376، ج1، ص30)

الدليل الأول: «قطعاً لم يوجد تعهد من قبل شخص لجعل اللفظ للمعنى، ولم يُعقد مجلس لوضع الألفاظ.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص30)

في هذا الشبه-الدليل – الذي ينظر إلى مقام «الإثبات» و«التحقق» – لم يُذكر مستند القطع، وفي الواقع، هو مجرد تكرار للادعاء ولا يقدم دليلاً للقارئ. والأمر الجدير بالملاحظة هو أن البحث في الادعاء كان محصوراً في باب التعهد وإحداث العلقة من قبل «شخص خاص»، أي الوضع التعييني الفردي، ولكن في الشبه-الدليل المذكور، تم ذكر «مجلس» لوضع الألفاظ أيضاً، وهو ما يعني الوضع التعييني الجمعي/الجماعي.

الدليل الثاني: «كيف يمكن التعهد مع كثرة الألفاظ والمعاني، بحيث لا يمكن للبشر الإحاطة بها؟ بل إن ادعاء استحالة التعهد ليس بعيداً؛ لأن عدم تناهي الألفاظ مع معانيها بديهي.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص30)

في هذا الدليل – الذي ينظر إلى مقام «الثبوت» – لإبطال إمكان الوضع والتعهد من قبل البشر، يُدّعى أولاً «كثرة» الألفاظ والمعاني التي لا يمكن الإحاطة بها، ثم يرتقي من الادعاء السابق، وبناءً على البداهة، يدّعي عدم تناهي الألفاظ والمعاني. وبالطبع، فإن إثبات استحالة تعهد البشر أسهل مع ادعاء عدم تناهي الألفاظ والمعاني؛ وإن كان إثبات عدم تناهي الألفاظ والمعاني أصعب من كثرتها التي لا يمكن الإحاطة بها.

فيما يتعلق بالدليلين المذكورين، يمكن القول إن المراد في الواقع ليس إقامة دليلين؛ بل من باب «أدل دليل على عدم وقوع شيء عدم إمكانه»، تم طرح ادعاء القطع بعدم وقوع التعهد من قبل شخص أو جماعة معينة؛ بهذا الشكل: دلالة الألفاظ على المعاني ليست بسبب تعهد شخص أو جماعة معينة؛ لأننا نقطع بعدم وقوع تعهد من قبل شخص أو جماعة معينة، ودليل القطع بعدم وقوع مثل هذا التعهد هو عدم إمكان التعهد من قبل شخص أو جماعة معينة؛ لأن «أدل دليل على عدم وقوع شيء، عدم إمكانه». بناءً على هذا التقرير، بنقض عدم إمكان التعهد البشري، لن يكون لدينا دليل على عدم وقوعه، وبالتالي لن يكون لدينا دليل لنفي التعهد البشري. ويبدو أنه بالإضافة إلى أن هذه الفقرة من فوائد الأصول تحتمل مثل هذا الاحتمال، فإن السطر الأخير من هذا المبحث يدل على هذا الاحتمال: «لا سبيل لنا إلى هذا الادعاء بأن شخصًا خاصًا – مثل يعرب بن قحطان أو غيره – هو الواضع؛ لأنك علمت أن إحاطة البشر بتلك [الألفاظ والمعاني] غير ممكنة.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص31)

هذا التقرير لا ينسجم مع عبارة أجود التقريرات. أجود التقريرات طرح الدليل الأول بشكل مستقل، بل جعله الدليل الأساسي، واعتبر التواريخ مستندًا للقطع بعدم الوقوع، وسيأتي تفصيله. في ما يلي، ينتقل البحث من عدم وقوع وعدم إمكان التعهد إلى «إيصال» التعهد بشكل دفعي وتدريجي: «على فرض إمكان إحاطة البشر والتعهد، فإن إيصال ذلك التعهد إلى جميع البشر دفعة واحدة محال عادةً. وهذا الادعاء بأن إيصال ذلك التعهد كان تدريجيًا [وليس دفعيًا، لذا فهو ممكن عادةً] لا يفيد؛ لأن الحاجة إلى أداء المقاصد بالألفاظ ضرورية للبشر، بحيث يتوقف عليها حفظ نظام حياة البشر. والسؤال الآن هو أنه قبل وصول ذلك التعهد إلى الناس، كيف كانوا يؤدون مقاصدهم؟ بل يُسأل: كيف كان الناس الأوائل يعبرون عن مقاصدهم بالألفاظ في حين لم يسبقهم وضع وتعهد من أحد؟» (الكاظمي، 1376، ج1، ص30)

هذه الفقرة تبدأ البحث في باب «إيصال الوضع/التعهد» بهذا البيان: «إيصال الوضع/التعهد البشري إذا كان دفعيًا، فهو محال عادةً، وإذا كان تدريجيًا، فإنه وإن كان ممكنًا عادةً، إلا أنه لا فائدة منه؛ لأنه يطرح السؤال: قبل وصول ذلك التعهد إليهم، كيف كانوا يؤدون مقاصدهم؟» وينتهي بـ«تحقق الوضع/التعهد»: «الناس الأوائل، في حين لم يكن قبلهم إنسان آخر ليقوم بوضع تعهدي، كيف كانوا يعبرون عن مقاصدهم بالألفاظ؟»

ويبدو أنه كان من الأفضل فصل مقامي «تحقق الوضع/التعهد» و«إيصال الوضع/التعهد» منذ البداية وتقسيمهما إلى «دفعي» و«تدريجي». وكان من المناسب ذكر محذور «كيفية إبراز المقاصد بالألفاظ قبل تحقق الوضع أو التعهد» كدليل ثالث، ثم البحث في باب الإيصال. إن إدماج هذين المطلبين في فقرة واحدة أدى إلى خلط البعض بين مقامي «تحقق الوضع/التعهد» و«إيصال الوضع/التعهد». (الموحدي اللنكراني، 1382، ص151 و153)

من الواضح أن الانتباه إلى تغير وتكامل احتياجات البشر على مر الزمن من البسيط والمحدود إلى المعقد والمتعدد، وبالتالي تغير وتكامل الألفاظ التي تؤديها، وكذلك نظام البشر، لا يترك مجالاً لإقامة الأدلة المذكورة. على الرغم من أنه في تعريف الوضع، بالإضافة إلى «التعهد»، أشير أيضًا إلى «إحداث العلقة» و«الجعل»، ولكن بالنظر إلى مجموع العبارات وخاصة الانتقادات الموجهة للوضع البشري، يبدو واضحًا أننا نواجه حصر الوضع في «نظرية التعهد». في حين أن نظرية التعهد هي واحدة فقط من النظريات والمسالك في باب الوضع البشري، والاكتفاء بإبطالها لإبطال الوضع البشري هو مصداق لأخصية الدليل من المدعى. كان من المناسب أن يسمي الكاظمي، مثل المقررين الآخرين، هذا النوع من الدلالة «وضعيًا محضًا» أو «وضعيًا تعهديًا محضًا». بالجملة، بإبطال الوضع والتعهد البشري، يتعين الوضع الإلهي:

إثبات احتمال واضعية الله

«لا مفر من انتهاء الوضع إلى الله، القادر على كل شيء والمحيط بكل شيء.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص30)

ما يبدو من هذه العبارات هو أنه نظرًا لأن النظريات الأخرى، من وجهة نظر النائيني، لم تستطع تبيين كيفية نشأة اللغة ودلالة الألفاظ على المعاني وسد الخلل، فقد وجد نظرية إلهية الوضع أفضل تبيين، ولتغطية هذا الخلل، لم يجد مفرًا من الاستناد إلى الله العالم القادر المطلق، وبالطبع، ساد الثغرات. هذه النقطة ذات أهمية بالغة، وهي أنه في أي من التقريرات المتاحة للنائيني، لا يوجد أي استناد أو حتى استشهاد بالأدلة النقلية – التي هي الأدلة «المثبتة» لنظرية إلهية الوضع، ومحور النظرية الكلاسيكية لإلهية الوضع الشائعة بين الأشاعرة – لم يحدث. وسبب عدم استناد النائيني هو إما أنه لم يرَ دلالة هذه الأدلة على مدعاه تامة، أو أنه لم يعتبر المسائل العقلية الأصولية مجرى للأدلة النقلية – التي هي غير قطعية باتفاق شبه كلي -؛ لذا، باتخاذ أسلوب السبر والتقسيم وإقامة الأدلة العقلية، اكتفى فقط بـ«إبطال» احتمالات الخصم.

كيفية الوضع الإلهي

«وضع الألفاظ للمعاني من قبل الله، ليس كوضع الأحكام على متعلقاتها، وضعاً تشريعياً، ولا كوضع الكائنات، وضعاً تكوينياً؛ لأننا نقطع بخلاف أن وضع الألفاظ للمعاني هو وضع تشريعي أو تكويني. المراد من كون الله واضعاً هو أن حكمته البالغة، حين اقتضت تكلم البشر بإبراز مقاصدهم بالألفاظ، كان لابد من أن ينتهي ‘كشف’ الألفاظ لمعانيها إلى الله، إما بوحي من الله إلى نبي من أنبيائه، أو بإلهامه للبشر، أو بإيداعها في طبائع البشر؛ بحيث يتكلمون ويعبرون عن مقاصدهم بالألفاظ حسب فطرتهم وما أودعه الله في طبائعهم. من الواضح أن إيداع لفظ خاص لأداء معنى مخصوص ليس بمجرد اقتراح ودون موجب، بل يجب أن تكون هناك جهة تقتضي أداء المعنى بسبب اللفظ المخصوص، بحيث يخرج عن محذور الترجيح بلا مرجح، ولا يلزم أن تعود تلك الجهة إلى ذات اللفظ فتكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص30) «بل يجب أن توجد جهة تقتضي أداء معنى الإنسان بلفظ الإنسان ومعنى الحيوان بلفظ الحيوان.» (الكاظمي، 1376، ج1، ص31)

ملخص العبارة المذكورة هو أن الله يضع الألفاظ للمعاني. وضع الألفاظ للمعاني من قبل الله ليس تشريعياً ولا تكوينياً، ودليله هو القطع بعدم التشريعية والتكوينية. المراد من واضعية الله هو انتهاء «كشف» الألفاظ لمعانيها إلى الله، والذي يتم إما بالوحي للأنبياء أو بالإلهام (الخاص) للبشر أو بإيداعه في طبائع البشر – بحيث يتكلمون ويعبرون عن مقاصدهم بالألفاظ حسب فطرتهم وما أودعه الله في طبائعهم. لتجنب الترجيح بلا مرجح، يجب أن توجد جهة تقتضي أداء المعنى بسبب اللفظ المخصوص، وتلك الجهة، لتجنب الدلالة اللفظية الذاتية، يجب ألا تعود إلى ذات اللفظ.

في هذا التقرير، يُدّعى أن الوضع الإلهي ليس تشريعياً ولا تكوينياً؛ أي يُنفى مطلق كونه تشريعياً وتكوينياً، وليس خصوص كونه تشريعياً محضاً وتكوينياً محضاً. لازم هذا الادعاء هو أنه بالإضافة إلى التشريعي والتكويني، يوجد شق ثالث يكون الوضع الإلهي مصداقاً له. في هذه الحالة، سيُشكل: هل قضية «شيء ما إما تشريعي أو تكويني» ليست مانعة الرفع؟

في ما يلي، يُدّعى أن المراد من واضعية الله هو انتهاء «كشف» الألفاظ لمعانيها إلى الله، والذي يتصور بثلاث صور: الوحي للأنبياء، الإلهام (الخاص) للبشر، أو إيداعه في طبائع البشر. والسؤال الآن هو: هل الله واسطة في ثبوت اللفظ للمعنى، أم واسطة في إثباته، أم كلاهما؟

هنا، الحديث عن «كشف» الألفاظ عن المعاني من قبل الله. ظاهر هذا التعبير هو التأكيد على المقام الإثباتي وكاشفية الله، ولم يتم الحديث عن مقام الثبوت والإيجاد. إضافة إلى ذلك، فإن الطرق المذكورة هي طرق إثباتية. في هذا التقرير، خلافاً للتقريرات الأخرى، لم يتم التصريح بتعيين احتمال الإيداع، على الرغم من أن المقرر في ما يلي يبني بحثه عملياً على احتمال الإيداع. أيضاً، على الرغم من نفي الوضع التشريعي في البداية، إلا أنه في ما يلي أشار مرة أخرى إلى احتمال الوحي عن طريق الأنبياء، وهو إما سهو أو أن المقرر لم يعتبره تشريعياً.

سؤال آخر هو: ما المراد من الألفاظ والمعاني هنا، هل هو نوع الألفاظ والمعاني أم كل لفظ ومعنى؟ بعبارة أخرى، هل المراد دلالة نوع الألفاظ على نوع المعاني، أم دلالة الألفاظ الخاصة على المعاني الخاصة؟ أن يكون المراد دلالة نوع الألفاظ على نوع المعاني، يعني أن الله أوحى إلى أنبيائه أن الألفاظ تكشف عن المعاني، وأنتم أبلغوا هذا إلى سائر عبادي، أو أن يلهم كل فرد من العباد، دون وساطة الأنبياء، إلهامًا خاصًا بأن الألفاظ تكشف عن المعاني، أو أن يودع دلالة الألفاظ على المعاني في طبع وفطرة جميع بني آدم، دون الحاجة إلى وساطة الأنبياء أو إلهام خاص.

أن يكون المراد دلالة الألفاظ الخاصة على المعاني الخاصة، يعني أن الله أوحى إلى أنبيائه أن لفظ «ألف» يدل على معنى «باء»، وأنتم أبلغوا هذا إلى سائر عبادي، أو أن يلهم كل فرد من العباد، دون وساطة الأنبياء، إلهامًا خاصًا بأن لفظ «ألف» يكشف عن معنى «باء»، أو أن يودع دلالة لفظ «ألف» على معنى «باء» في طبع وفطرة جميع بني آدم، دون الحاجة إلى وساطة الأنبياء أو إلهام خاص.

من جهة، فإن فقرتي «حكمة الله البالغة حين اقتضت تكلم البشر بإبراز مقاصدهم بالألفاظ» و«حسب فطرتهم وما أودعه الله في طبائعهم يتكلمون ويعبرون عن مقاصدهم بالألفاظ» تظهران في أصل تحقق اللغة وقوة التكلم ودلالة نوع الألفاظ على نوع المعاني، ويبدو أنه لا شك في أن الله أودع قوة التكلم والنطق في وجود الإنسان وأراد أن يعبر البشر عن مقاصدهم باستعمال الألفاظ قدر الإمكان، وخلق الأعضاء المتناسبة مع ذلك في جسم البشر. ولكن من جهة أخرى، فإن العبارة واضحة في أن «إيداع لفظ خاص لأداء معنى مخصوص ليس بمجرد اقتراح ودون موجب» تصرح في الألفاظ والمعاني الخاصة. وبالطبع، فإن هذين الاحتمالين ليسا مانعة الجمع.

المقرر في العبارة المذكورة، من بين الطرق الإثباتية الثلاثة: الوحي، والإلهام، والإيداع في النفس، -بناءً على أن الكلمة هي إيداع- يفترض الطريق الأخير ويبين أن الله لا يودع كل لفظ لكل معنى في نفس الإنسان حتى يلزم محذور استحالة الترجيح بلا مرجح؛ بل توجد جهة ما «تقتضي» أداء المعنى باللفظ المخصوص؛ ولكن هذه الجهة لا تعود إلى ذات اللفظ حتى يلزم نظرية الدلالة الذاتية الباطلة وتُبطَل النظرية المختارة -الدلالة الوضعية-.

في البداية كان الاعتماد على حيثية الله الإثباتية، ولكن هنا يبدو أن البحث قد انتقل إلى الحيثية الثبوتية؛ لأن إشكال الترجيح بلا مرجح مترتب على مرتبة وضع اللفظ للمعنى وإيجاد نسبة/علقة (سبب/مقتضٍ) وليس على مرتبة الكشف عن الوضع والنسبة/العلقة الموجودة ودلالة اللفظ على المعنى (مسبَّب/مقتضَى).

النقطة المهمة هي أنه ليس من الضروري لتجنب قبول الدلالة الذاتية إنكار عودة جهة -مقتضي أداء المعنى باللفظ المخصوص- إلى ذات اللفظ؛ لأنه يتصور أن تكون الجهة الموجودة في ذات اللفظ -كما ورد في عبارة المتن- «مقتضية» لأداء المعنى بذلك اللفظ أو بعبارة أوضح، مقتضية لدلالة اللفظ على المعنى، وليست «علة تامة» حتى تلزم ذاتية الدلالة. بناءً على هذا، فإن فعلية المقتضي منوطة بوضع الواضع -سواء كان إلهياً أم بشرياً- ليكون جزءًا أخيرًا للعلة التامة، ويوجب اختصاص وتعلق اللفظ بالمعنى، وبإعلام هذا الوضع، بالتبع، دلالة اللفظ على المعنى. ليس واضحًا ما هي هذه الجهة المقتضية لأداء المعنى باللفظ المخصوص التي لا تعود إلى ذات اللفظ، وكيف تحصل، وما هي نسبتها بالله؟ إذا كان الله يكشف لنا عن هذه الجهة/النسبة فقط، فهل يكون لاتصاف الله بالواضع وجه؟ إذا كان الله يوجد هذه الجهة/النسبة، فهل يعود إشكال الترجيح بلا مرجح -على فرض استحالته-؟

بالجملة في هذا التقرير، لا يوجد تمييز واضح بين أصل اللغة وقابلية التكلم، والوضع، والعلم بالوضع، والدلالة، ونوع الألفاظ والمعاني، والألفاظ والمعاني الخاصة، وبإدماج هذه الأمور معًا، أصبح تصور دعوى النائيني صعبًا. البحث الآخر هو ما هي نسبة الوضع الإلهي -الذي ليس تشريعياً ولا تكوينياً- بالتعريف الذي قُدم سابقاً للوضع والذي كان عبارة عن «الجعل» و«التعهد» و«إحداث العلقة» بين اللفظ والمعنى؟ هل يمكن لأي من «الجعل» و«التعهد» و«إحداث العلقة» -التي مر سابقاً أن النسبة بينها غير واضحة- أن تكون مقسماً لـ«التشريعي» و«التكويني» و«لا تشريعي ولا تكويني»؟

إذا لم يكن الوضع الإلهي -الذي ليس تشريعياً ولا تكوينياً- جعلاً أو تعهداً أو إحداث علقة بين اللفظ والمعنى، فلا يُعد من أقسام الوضع، بل هو قسيم له، وليس الأمر أن كيفية دلالة/وضع الألفاظ على المعاني في الوضع البشري والوضع الإلهي متماثلة والاختلاف فقط في الواضعين، بل هناك اختلاف في أصل كيفية الدلالة/الوضع، ومصطلح «الوضع» الذي يطلق عليهما هو «مشترك لفظي». ونتيجة لذلك، سنواجه ثلاثية «الدلالة بالطبع» و«الدلالة بالوضع» و«الدلالة لا بالطبع ولا بالوضع»، وليس ثنائية «الدلالة بالطبع» و«الدلالة بالوضع» التي وردت في المتن.

إذا كان الوضع الإلهي -الذي ليس تشريعياً ولا تكوينياً- جعلاً أو تعهداً أو إحداث علقة بين اللفظ والمعنى، فيجب دراسة نسبة الجعل والتعهد وإحداث العلقة بالثلاثية «التشريعي» و«التكويني» و«لا تشريعي ولا تكويني»، وهل يمكن تصور أي منها في الله؟ المتن صامت في هذا الخصوص.

إذا كان الوضع الإلهي -الذي ليس تشريعياً ولا تكوينياً- بعضاً من الأمور الثلاثة: الجعل، والتعهد، وإحداث العلقة بين اللفظ والمعنى، ففي هذه الحالة، فإن التعريف الذي قُدم للوضع -بناءً على ما سبق من عدم وضوح نسبة هذه الأمور مع بعضها ومع الوضع المذكور- يحتاج إلى مراجعة وإيضاح. بالجملة، بناءً على إلهية الوضع، لا مفر من اختيار أحد هذه الاحتمالات: (1) دلالة الألفاظ على المعاني ليست بالوضع. (2) دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع، ولكن الوضع ليس عبارة عن الجعل والتعهد وإحداث العلقة -سواء من الإنسان أو غيره-. (3) دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع، والوضع عبارة عن الجعل والتعهد وإحداث العلقة، ولكن من غير الإنسان. (4) دلالة الألفاظ على المعاني بالوضع، والوضع عبارة عن «بعض» الجعل والتعهد وإحداث العلقة، ولكن من غير الإنسان. ويبدو أن مراد المتن هو الاحتمال الأخير. فهو يحصر الوضع البشري في التعهد والالتزام وإحداث العلقة -كما أن الانتقادات الموجهة للوضع البشري محصورة بذلك- ويعتبره تشريعياً محضاً؛ لأن مفهوم هذه الاصطلاحات هو أنه لم تكن هناك أي علقة أو مناسبة بين اللفظ والمعنى من قبل، وبمجرد التعهد والإحداث الاعتباري منا، وُجدت العلقة والمناسبة. بإبطال هذه «المصاديق» للوضع، لا ينتفي الوضع؛ لأن المفهوم الكلي والمبهم للجعل (=القرار) يبقى.

تقرير الخوئي وتحليله

بناءً على تقرير الخوئي، دلالة الألفاظ على المعاني إما «ذاتية محضة» أو «جعلية صرفة» أو «هم ذاتية وهم جعلية».

1. الدلالة الذاتية المحضة

«أن يفهم كل شخص، من كل لفظ، معناه المخصوص به.» (الخوئي، 1368، ج1، ص11)

في فوائد الأصول -كما مر- استُخدم مصطلح «بالطبع» بدلاً من مصطلح «ذاتي».

إبطال الدلالة الذاتية

«نجد عدم الدلالة الذاتية -بحيث يفهم كل شخص، من كل لفظ، معناه المخصوص به- وجداناً.» (الخوئي، 1368، ج1، ص11)

في فوائد الأصول، تم التصريح بمستند حكم الوجدان بعدم الدلالة بالطبع/الذاتية -وهو ملازمة الجهل بالوضع مع عدم الانتقال من اللفظ إلى المعنى-، ولكن في أجود التقريرات، وإن لم يأتِ بهذا الوضوح، إلا أن المقرر بعبارة «أن يفهم كل شخص من كل لفظ معناه المخصوص به» بصدد بيان نفس المطلب، وهو أنه إذا كان المراد من الدلالة الذاتية أن «كل شخص» -سواء كان عالماً أم جاهلاً- ينتقل إلى المعنى بسماع أي لفظ، فإن الوجدان يحكم بعدم وجود مثل هذه الدلالة.

الإشكال الذي يرد على هذا الإبطال هو أن عدم الشيء لا يُدرَك بالوجدان، وهذه نقطة قلما يُلتفت إليها ويُلتزم بها.

2. الدلالة الجعلية الصرفة

«أن يضع شخص أو جماعة… ألفاظاً متكثرة في لغة واحدة لمعانيها حتى تدل تلك الألفاظ على تلك المعاني.» (الخوئي، 1368، ج1، ص11) «التعبير عن الجعل بـ(التعهد) و(الالتزام)، لا محصل له.» (نفس المصدر، ص12)

خلافاً لفوائد الأصول الذي كان جل اهتمامه بالوضع والتعهد «الشخصي» وأشار مرة واحدة فقط في هذا البحث إلى الوضع والتعهد الجمعي/الجماعي، فإن أجود التقريرات أولى اهتماماً بالوضع والتعهد الجمعي/الجماعي بقدر اهتمامه بوضع وتعهد الشخص الواحد.

وكذلك في هذا التقرير، سيتم إبطال الدلالة الجعلية الصرفة، التي هي عبارة عن التعهد والالتزام، وليس مطلق الجعل والدلالة الجعلية.

إبطال الدلالة الجعلية الصرفة

«وفقًا للتواريخ التي وصلتنا، نقطع بأنه لم يوجد شخص أو جماعة وضعوا ألفاظاً متكثرة في لغة واحدة لمعانيها لتدل تلك الألفاظ على تلك المعاني، فما بالك بسائر اللغات.» (الخوئي، 1368، ج1، ص11)

في فوائد الأصول، لم يُذكر مستند القطع بعدم الوقوع، ولكن في أجود التقريرات ذُكر مستنده وهو «التواريخ»، الذي يتمم بفرض غير مذكور وهو «عدم الدليل دليل العدم»، «لو كان لبان». «مما يؤكد المطلب هو أننا لو افترضنا جماعة أرادوا إحداث ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أي لغة، لما كانوا قادرين على ذلك، فما بالك بشخص واحد، إضافة إلى كثرة المعاني التي يتعذر تصورها من قبل شخص أو أشخاص متعددين.» (الخوئي، 1368، ج1، ص12)

في فوائد الأصول، تم الارتقاء من «كثرة» الألفاظ والمعاني التي لا يمكن الإحاطة بها إلى ادعاء «عدم تناهيها». في التقريرات العالية -التي ستأتي لاحقاً- اعتبرت الألفاظ والمعاني غير متناهية. ولكن في أجود التقريرات، ادُعيت فقط «كثرة» الألفاظ والمعاني ولم يأتِ ذكر لعدم تناهيها. هذا في حين أن شخص الخوئي -خلافًا للرأي السائد بين الأصوليين- بالإضافة إلى المعاني، يعتبر الألفاظ أيضًا غير متناهية وقد أقام دليلاً على ذلك. (فياض، 1422، ج1، ص227-228) ليس من المستبعد أن يكون الخوئي متأثرًا بالنائيني في قوله بعدم تناهي الألفاظ.

3. واضعية الله

«إذن الله، هو واضع حكيم جعل لكل معنى لفظًا مخصوصًا باعتبار مناسبة بينهما مجهولة لدينا، وجعل هذا الأمر واسطة بين جعل الأحكام الشرعية -التي يحتاج إيصالها إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب- وجعل الأمور التكوينية -التي ألف الإنسان إدراكها وصارت من سجيته، مثل حدوث العطش عند حاجة المعدة إلى الماء وما شابه-، بناءً على هذا، فالوضع جعل متوسط بين الأمرين، ليس تكوينيًا محضًا حتى لا يحتاج إلى أمر آخر، وليس تشريعيًا صرفًا حتى يحتاج إلى تبليغ نبي أو وصي؛ بل إن الله يلهم عباده، حسب اختلافهم، كل جماعة أن يتكلموا بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص… حقيقة الوضع هي التخصيص والجعل الإلهي.» (الخوئي، 1368، ج1، ص11-12)

بعد إبطال الدلالة الذاتية المحضة والدلالة الجعلية الصرفة من قبل شخص/جماعة بشرية، تتعين واضعية الله. في هذا التقرير أيضًا، نشهد الانتقال من كيفية دلالة الألفاظ على المعاني إلى ماهية الواضع. مختار النائيني، بناءً على هذا التقرير، هو كالتالي: توجد بين اللفظ والمعنى «مناسبة مجهولة» -مجهولة لنا-. والله، باعتبار هذه المناسبة المجهولة، يجعل «لفظًا مخصوصًا» «لكل معنى». هذا الجعل للفظ المخصوص لكل معنى باعتبار المناسبة المجهولة، هو متوسط بين جعل الوضع التكويني المحض وجعل الوضع التشريعي المحض. وعليه، فإنه ليس تكوينيًا محضًا ولا تشريعيًا صرفًا. بناءً على هذا: (1) المناسبة بين اللفظ والمعنى خافية علينا ولا نعلم ما هي وكيف حصلت وما هي نسبتها بالله وإلى ماذا تعود. في فوائد الأصول أيضًا، هذه المناسبة -التي عبر عنها بـ«الجهة»- مجهولة ولم يقل عنها أي شيء إثباتي، وفقط نُفيت عودة هذه الجهة/المناسبة إلى ذات اللفظ لتجنب الدلالة الذاتية. هذا في حين أنه في أجود التقريرات من باب «المجهول المطلق لا يخبر عنه سلبًا وإيجابًا»، لم يقل شيئًا عنها، ولم يوقع المقرر نفسه في ورطة الإشكالات التي وردت على تقرير الكاظمي. (2) الله هو الواسطة في ثبوت وجاعل اللفظ للمعنى، وليس مجرد واسطة في إثبات اللفظ للمعنى وكاشف عن المناسبة الموجودة بين اللفظ والمعنى والوضع المسبق. في هذا التقرير، خلافًا لفوائد الأصول، لا نشهد تشتتًا في العبارات وتداخلاً بين أصل اللغة وقابلية التكلم، والوضع، والعلم بالوضع، والدلالة. (3) الله واضع للألفاظ الخاصة للمعاني الخاصة، وخلافًا لفوائد الأصول، لا يوجد إبهام حول ما إذا كان المراد هو نوع الألفاظ والمعاني أم الألفاظ والمعاني الخاصة. (4) جعل اللفظ الخاص -باعتبار المناسبة المجهولة- للمعنى الخاص، متوسط بين جعل الوضع التكويني المحض وجعل الوضع التشريعي المحض؛ أي ليس تكوينيًا محضًا ولا تشريعيًا صرفًا. خلافًا لفوائد الأصول الذي نفى مطلق كونه تشريعيًا وتكوينيًا. (5) الجعل التكويني المحض هو جعل لا يحتاج إلى أمر آخر وقد ألف الإنسان إدراكه وصار من سجيته؛ مثل حدوث العطش عند حاجة المعدة إلى الماء. الجعل التشريعي المحض هو جعل يحتاج «إيصاله» إلى العباد إلى إرسال الرسل وإنزال الكتب، مثل جعل الأحكام الشرعية. بهذه المقدمة، ما المراد من «متوسط بين جعل الوضع التكويني المحض وجعل الوضع التشريعي المحض» و«لا تكويني محض ولا تشريعي صرف»؟ يبين المقرر أن الوضع هو جعل متوسط بينهما، ليس تكوينيًا محضًا حتى لا يحتاج إلى أمر آخر، وليس تشريعيًا صرفًا حتى يحتاج إلى «تبليغ» نبي أو وصي؛ بل إن الله يلهم عباده، حسب اختلافهم، كل جماعة أن يتكلموا بلفظ مخصوص عند إرادة معنى خاص. بعبارة أوضح، الوضع الإلهي للإيصال، يحتاج إلى أمر آخر (نفي التكوينية الصرفة) ولكن ذلك الأمر ليس إرسال وتبليغ الأنبياء (نفي التشريعية الصرفة)، بل هو الإلهام. بناءً على هذا، فإن تفكيك الوضع إلى تكويني محض، وتشريعي محض، ومتوسط بينهما، أو لا تكويني محض ولا تشريعي صرف، هو باعتبار كيفية إيصال الوضع، وليس باعتبار ماهية الوضع/الجعل أو ماهية الذات الموضوعة/المجعولة.

بناءً على هذا، سيُشكل أنه مع وحدة جميع الجهات، فإن «التوسط بين الأمور الواقعية/الحقيقية التكوينية» و«الجعلية/الاعتبارية التشريعية» و«كونه لا تكوينياً محضاً ولا تشريعياً صرفاً» لا معنى محصل له، وضرورة عدم وجود واسطة بين الأمور الواقعية والجعلية؛ لأن حقيقة الشيء إما من الواقعيات التي لا يتوقف وجودها على اعتبار أي معتبر، أو من الاعتباريات الجعلية التي يتوقف وجودها على اعتبار معتبر. والإلهام نفسه من الأمور التكوينية الحقيقية (الخوئي، 1368، ج1، ص11؛ فياض، 1422، ج1، ص37) وحقيقته ليست متوسطة بين التكويني والتشريعي. مع كل هذه الأوصاف، فإن هذه النظرية لا تبين حقيقة الوضع بأي وجه، بل تقتصر على باب كيفية إيصاله. وقد قدم البعض، استنادًا إلى تقرير الخوئي، تفسيرًا جديدًا لنظرية النائيني، وتنسيقه كالتالي: الوضع الإلهي، «من جميع الجهات» تكويني وممحض في التكوينية، و«من جميع الجهات» تشريعي وممحض في التشريعية ليس، بل هو من جهة -أي من جهة كيفية الجعل التي هي الإلهام- تكويني، ومن جهة أخرى -أي من جهة كيفية الذات المجعولة التي هي المعنى الإنشائي- تشريعي. (السيستاني، 1434، ج1، ص365-366) مع أن هذا التفسير يتلاءم مع ظاهر نفي «التمحض» في التكوينية والتشريعية -وليس «مطلق» التكوينية والتشريعية- وادعاء وسطية الوضع الإلهي بين التكويني «المحض» والتشريعي «المحض» -وليس «مطلق» التشريعي والتكويني- في تقرير الخوئي، إلا أنه مخدوش لجهات: أولاً، في تقرير الخوئي، كان كل من التكويني والتشريعي ناظرًا إلى «كيفية إيصال» الجعل/الوضع. وهذا خلاف التفسير الحالي الذي فُصِل فيه بين كيفية الجعل وكيفية الذات المجعولة، واعتبر الأول تكوينيًا والثاني تشريعيًا. ثانيًا، يبدو أن هناك فرقًا بين كيفية الوضع/الجعل وكيفية إيصال الوضع/الجعل، وفي هذا التفسير، تم الخلط بينهما. ثالثًا، الذات المجعولة إما «اللفظ» أو «المعنى» أو «النسبة بينهما». «اللفظ» كيف مسموع ومبصر وملموس، و«المعنى» من جهة كيف نفساني ومن جهة أخرى وجود ذهني. والنسبة بينهما إما وجود رابط أو مقولة عرض نسبي إضافة. فالوضع الإلهي من جهة الذات المجعولة لا يختلف عن سائر التكوينيات. وتجدر الإشارة إلى أن كل هذه المطالب في باب التكوينية والتشريعية والوسطية بينهما مبنية على اعتبار الإرادة والأمر التشريعي وبينونة بين التكوين والتشريع، في حين أن القول الحق هو عينية التكوين والتشريع. (انظر: الأصفهاني، 1414، ج2، ص365-366؛ الخميني، 1418، ج1، ص66؛ نفسه، 1418، ج2، ص68-71؛ الميلاني، بلا تاريخ؛ الصادقي، بلا تاريخ)

من ظاهر تقرير الخوئي يتبين أن المراد هو الإلهام الخاص وليس الإلهام العام. وبناءً على هذا، لا يرد إشكال عدم اختصاص الإلهام بالوضع (فياض، 1422، ج1، ص37). في أجود التقريرات، كان الحديث ابتداءً عن دلالة الألفاظ على المعاني، حيث ذُكر أنها ذاتية وجعلية. وفي ما يلي، انتقل البحث إلى ماهية الواضع وماهية الوضع -الذي هو سبب الدلالة- وذُكر أن الوضع ليس تكوينيًا محضًا ولا تشريعيًا محضًا، بل هو متوسط بينهما؛ ولكن هذا التوضيح لا يبين حقيقة الوضع، بل يبين كيفية إيصاله. وفي النهاية، يُذكر بشكل مبهم أن حقيقة الوضع هي جعل وتخصيص إلهي وليس تعهدًا والتزامًا بشريًا.

تقرير المرتضوي اللنكرودي وتحليله

بناءً على تقرير اللنكرودي، دلالة الألفاظ على المعاني إما «ذاتية محضة» أو «وضعية تعهدية محضة» أو «أمر بين الأمرين» أي «لا ذاتية محضة ولا وضعية تعهدية محضة» أو «هم ذاتية وهم وضعية».

1. الدلالة الذاتية المحضة

«هي دلالة لا يكون للوضع مدخلية فيها بنحو من الأنحاء، وتكون وضعية المعاني والألفاظ كوضعية الخواص الطبيعية المودعة في الأشياء؛ مثل حرارة النار وبرودة الماء.» (المرتضوي اللنكرودي، 1443، ج1، ص109)

في هذا التقرير، خلافًا للتقريرين السابقين، لم يتم إبطال احتمال الدلالة الذاتية المحضة، وربما لم يرَ المتن ضرورة لإبطالها لفرط بداهتها.

2. الدلالة الوضعية التعهدية المحضة

«هي دلالة لا توجد فيها أي مناسبة بين الألفاظ والمعاني.» (المرتضوي اللنكرودي، 1443، ج1، ص109)

في هذا التقرير، تم التدقيق في ألا يُبطَل مطلق الدلالة الوضعية -كما في تقرير الكاظمي- لئلا يقع في إشكال أن الوضع الإلهي هو أيضًا وضع. ولهذا السبب، أُبطل الوضع «المحض». وكذلك، ذُكر بوضوح أن المراد من الوضع الذي لا يمكن الالتزام به -أي الوضع بمعنى التعهد-.

إبطال احتمال الدلالة الوضعية التعهدية المحضة

«نقطع بأن مثلاً يعرب بن قحطان لم يؤسس ‘مجلسًا’ لتأسيس اللغة العربية (وكذلك غير يعرب بن قحطان في سائر اللغات)، بل لم يكونوا قادرين على ذلك أيضًا؛ لأن إحاطة البشر بوضع ألفاظ ‘غير متناهية’ لمفاهيم ‘غير متناهية’ غير ممكنة. من يرجع إلى ‘التواريخ’، يجزم بأن تأسيس اللغات لم يكن من عمل البشر. وقضية تاريخية مروية عن جرجي زيدان (1278-1332هـ) شاهد على هذا المطلب. إنكار الترادف والاشتراك في اللغة العربية يتضح من تلك [القضية]؛ لأنه -بعد ادعائه بأن جميع البشر كانوا يتكلمون بلغة واحدة، وحدث الاختلاف بعد الطوفان- يقول: العرب في زمن ظهور اللغة العربية كانوا أربع قبائل وتفرعت منهم شعب، وكل قبيلة وشعبة كانت تتكلم أحيانًا بألفاظ خاصة. ونتيجة لذلك، لمعنى واحد، حصلت ألفاظ عديدة، ولمعاني متعددة، لفظ واحد، ومن هنا توهم الترادف والاشتراك. وقد استند في مقالته إلى الحفريات وادعى تطابقها مع البرهان. بالجملة، يُستفاد من مجموع كلامه أن البشر لم يكونوا متصدي وضع اللغات، بل إن أمر الوضع منتهٍ إلى المبدأ الإلهي.» (المرتضوي اللنكرودي، 1443، ج1، ص110)

لإبطال احتمال الدلالة الوضعية التعهدية المحضة، أقيم دليلان، وهذان الدليلان، مثل تقرير الكاظمي، لم يتميزا عن بعضهما بوضوح، والدليل الثاني ذُكر بنحو الترقي من الدليل الأول. الدليل الأول: ناظر إلى مقام الإثبات والتحقق وعبارته هي القطع بعدم تأسيس «مجلس» من قبل شخص خاص لتأسيس لغة. مستند هذا القطع هو التواريخ التي تتمم بفرض غير مذكور وهو «عدم الدليل دليل العدم» «لو كان لبان». ويبدو أن تأسيس «المجلس» ليس له موضوعية لتأسيس لغة، وبدونه أيضًا يمكن تصور تأسيس لغة من قبل شخص خاص (وضع فردي). كما أنه في ما يلي، ذُكرت التواريخ كمستند للجزم بمطلق تأسيس اللغة من قبل البشر -سواء كان مصحوبًا بتأسيس مجلس وضع أم لا-. في هذا التقرير أيضًا، مثل تقرير الخوئي وخلافًا لتقرير الكاظمي، ذُكر مستند القطع بعدم تأسيس لغة من قبل شخص خاص -وهو التواريخ-. وكذلك، في هذا التقرير، خلافًا للتقريرات السابقة، الحديث عن «تأسيس لغة» وليس مجرد وضع ألفاظ للمعاني. ويبدو أن وضع الألفاظ للمعاني -ولو كانت ألفاظًا ومعانٍ كثيرة- وإن كان «شرطًا لازمًا» لتأسيس لغة، إلا أنه ليس «شرطًا كافيًا».

الدليل الثاني: ناظر إلى مقام الثبوت وعبارته هي عدم قدرة وإحاطة الإنسان بتأسيس ووضع لغة بسبب عدم تناهي الألفاظ والمفاهيم. هذا التقرير، بالنظر إلى ادعاء «عدم تناهي» الألفاظ والمعاني، ينسجم مع تقرير الكاظمي -وإن كانت دلالته على هذا الادعاء أوضح بكثير من تقرير الكاظمي- ويختلف عن تقرير الخوئي الذي ادعى فقط كثرة الألفاظ والمعاني ومر تفصيله. في ما يلي، «استُشهد» لنصرة ادعاء أن البشر ليسوا مؤسسي اللغة، بنظرية وجود لغة أم واحدة واختلاف اللغات بعد الطوفان، لجرجي زيدان. كان النائيني (1276-1355هـ) وزيدان (1278-1332هـ) قد عاشا 52 عامًا مشتركًا، وعاش النائيني 23 عامًا بعد وفاة زيدان؛ بناءً على هذا، فإن استشهاد النائيني بزيدان ممكن الوقوع، خاصة أن النائيني كان يبدو من أهل مطالعة آثار كتّاب العالم العربي؛ كما يظهر من «تنبيه الأمة» أنه تأثر بـ«طبائع الاستبداد» لعبد الرحمن الكواكبي (1271-1320هـ).

بالإضافة إلى تقرير اللنكرودي، في تقرير الخوئي، تحت بحث عدم إشكال في إمكان ووقوع الاشتراك والترادف في اللغة العربية وغيرها، أشير أيضًا إلى نظرية زيدان -بشكل مبهم وبتعبير «بعض المؤرخين»- (الخوئي، 1368، ج1، ص51) وقد علّق حسين الحلي (1309-1394هـ) -أحد تلامذة النائيني البارزين- على هذه الفقرة من أجود التقريرات (الحلي، 1432، ج1، ص216)، ولكن لا يوجد مثل هذا الاستناد في تقرير الكاظمي. ليس من المستبعد أن يكون النائيني قد سمع هذه النظرية من الحلي، بل وتأثر به في نظريته في باب ماهية الوضع وماهية الواضع -بالنظر إلى المراسلات العلمية الكثيرة بينهما-؛ لأن الحلي لديه رسالة بعنوان «رسالة في تحقيق معنى الوضع» تاريخ كتابتها 1338هـ؛ أي قبل سبع سنوات من بدء الدورة الثالثة لأصول النائيني. وهو يكتب في هذه الرسالة: «قد يُدعى أن جميع اللغات أو أغلبها تعود إلى لغة واحدة هي أصلها، وجميعها فروع عنها. هذه نظرية انتهى إليها فكري القاصر -دون علم بأن أحدًا قال بها- في تحقيق أصل اللغات وسبب تعددها وتشعبها. بعد أن كتبت هذه النظرية، نُقل لي أن أكثر المعاصرين وبعض المتقدمين يقولون بها، والآن لا يوجد عندي كتاب من أي من هاتين المجموعتين لأراجعه، ولكن نُقل لي أن من بين الذين اختاروا هذه النظرية من أهل العصر، الباحث الشهير وصاحب مجلة الهلال [جرجي زيدان] الذي صنف في هذا الباب كتابًا بعنوان ‘اللغة كائن حي خاضع لنواميس النشوء والارتقاء’، ورغم أني لم أرَ ذلك الكتاب، إلا أن الظاهر أن ما ذكره في هذه الرسالة يصلح لأن يكون شرحًا لذلك العنوان، وإن لم يخلُ من تلك الاصطلاحات.» وكذلك في هذه الرسالة، خلافًا للتوقع، لا أثر لشرح نظرية أستاذه في باب ماهية الوضع وماهية الواضع، واهتمامه منصب على نظرية محمد هادي الطهراني (1253-1321هـ) التي تشبه إلى حد كبير نظرية النائيني والحلي. (انظر: التبريزي، 1437، ص369-377)

3. دلالة الأمر بين الأمرين

«تحقيق المطلب هو أن دلالة الألفاظ على المعاني أمر بين الأمرين؛ بمعنى أن الدلالة ليست ذاتية محضة بحيث لا يكون للوضع مدخلية بوجه من الوجوه، وتكون وضعية المعاني والألفاظ كوضعية الخواص الطبيعية المودعة في الأشياء، مثل حرارة النار وبرودة الماء. والدلالة ليست وضعية تعهدية محضة بحيث لا تكون هناك مناسبة أصلًا بين الألفاظ والمعاني. بل الدلالة وضعية وذاتية معًا؛ بمعنى أن أمر الدلالة، مع حفظ المناسبة بين كل لفظ ومعناه، ينتهي إلى المبدأ الأعلى، وهذا بسبب إيداع من الله في نفوس البشر. انتهاء اللغات ووضعها إلى المبدأ الأعلى، ليس مثل انتهاء الأحكام الشرعية إليه، بسبب الوحي إلى نبي من أنبيائه حسب اختلاف مراتب الوحي؛ بل بسبب إيداع من الله في فطرة وجبلة نفوس البشر. بناءً على هذا، يتكلم البشر بسبب فطرتهم البشرية، باللغات والألفاظ، مع مراعاة المناسبة بينها [الألفاظ] ومعانيها -حتى لا يلزم الترجيح بلا مرجح-. المتحصل من مجموع ما بيناه هو كالتالي: دلالة الألفاظ على معانيها ‘وضعية’؛ بمعنى انتهاء أمر الدلالة إلى المبدأ الإلهي بنحو الإيداع في الفطرة [أو الإلهام في نفوس البشر] وليس بمعنى تعهد والتزام الواضع البشري. وهي أيضًا ‘ذاتية’؛ بمعنى حفظ المناسبة بين اللفظ والمعنى حسب ما أودعه الله في نفوس البشر، وليس بمعنى نشوء خواص ذاتية في الأشياء، مثل حرارة النار وبرودة الماء. ما ذُكر من التوالي الفاسدة في الكتب المفصلة يترتب فقط على الذاتية والوضعية بالوجه الذي نُفي، وليس بالوجه الذي أثبتناه في هذه الرسالة. هكذا أفاد أستاذنا النائيني (دام ظله) على ما في ذهني.» (المرتضوي اللنكرودي، 1443، ج1، ص109-112)

في هذا التقرير، بعد إبطال احتمالي الدلالة الذاتية المحضة والدلالة الوضعية التعهدية المحضة، يختار دلالة الأمر بين الأمرين. وهي دلالة ليست ذاتية محضة بحيث لا يكون للوضع أي مدخلية فيها، وليست وضعية تعهدية محضة بحيث لا تكون هناك أي مناسبة بين اللفظ والمعنى؛ بعبارة أخرى، هي ذاتية ووضعية معًا. ذاتية لأن هناك مناسبة بين اللفظ والمعنى. ووضعية لأنها تنتهي إلى الله، والمناسبة بين اللفظ والمعنى لا تكفي للدلالة، بل إن انتهاءها إلى الله، مثل الأحكام الشرعية، ليس عن طريق الوحي للأنبياء؛ بل عن طريق إيداعها من الله في نفوس بني آدم، أو بعبارة أخرى، الإلهام. وكذلك في هذا التقرير، خلافًا للتقريرين السابقين، لم يأتِ ذكر للتكوينية والتشريعية أو التوسط بينهما، حتى لا ترد الإشكالات التي أثيرت في باب عدم التوسط بين الأمور التكوينية والتشريعية. يؤكد هذا التقرير على الإيداع، وورد لفظ الإلهام مرة واحدة فقط بين قوسين، ويبدو أنه أُضيف في مراجعة المقرر. وكذلك، يظهر من ظاهر هذا النص أن المراد هو الإلهام العام، وليس الإلهام الخاص، وفي هذه الحالة، سيُشكل أن الإيداع والإلهام العام لا يقتصران على اللغة، وجميع الظواهر يمكن إرجاعها إلى الله بهذا النحو. في هذا التقرير، خلافًا للتقريرات السابقة، هناك تأكيد أكبر على ظاهرة اللغة وليس مجرد اللفظ والمعنى والوضع والدلالة. وكذلك، المراد هو الألفاظ والمعاني الخاصة وليس نوع الألفاظ والمعاني.

الخلاصة

دلالة الألفاظ على المعاني ليست ذاتية محضة -بمعنى أن ذات اللفظ تكفي لدلالة اللفظ على المعنى-؛ لأنه يلزم أن يكون كل شخص عالمًا بألفاظ جميع اللغات.

دلالة الألفاظ على المعاني ليست جعلية صرفة -بمعنى أن يقوم واضع/واضعون بشريون بالتعهد بوضع لفظ خاص لمعنى خاص، ويحدثوا علقة بينهما لم تكن موجودة من قبل-؛ وهذا لأن ذلك، أولًا، يستلزم الترجيح بلا مرجح -على فرض قبول تحققه واستحالته-، وثانيًا، لم يذكر في التواريخ شخص/أشخاص كواضعي ألفاظ اللغة لمعانيها، وثالثًا، وضع ألفاظ ومعانٍ غير متناهية أو كثيرة من قبل إنسان متناهٍ محال.

دلالة الألفاظ على المعاني هي ذاتية وجعلية معًا؛ أي توجد مناسبة بين اللفظ والمعنى -لذا لا يلزم الترجيح بلا مرجح- ولكن هذه المناسبة لا تكفي لدلالة اللفظ على المعنى -حتى لا يلزم علم كل شخص بألفاظ جميع اللغات- بل تحتاج إلى وضع وواضع، ولكن هذا الواضع ليس بشرًا -حتى لا يلزم إشكال وضع ألفاظ ومعانٍ غير متناهية أو كثيرة من قبل إنسان متناهٍ وعدم ذكر اسم الواضع/الواضعين في التواريخ- بل الواضع هو الله غير المتناهي المحيط علام الغيوب، الذي يضع هذا اللفظ لذلك المعنى، باعتبار وجود مناسبة بين اللفظ الخاص والمعنى الخاص؛ بمعنى أنه يودع التكلم بذلك اللفظ عند إرادة ذلك المعنى في فطرة بني آدم، أو يلهم عباده أن يتكلموا بذلك اللفظ عند إرادة ذلك المعنى، لا أن يبلغه عن طريق الأنبياء، كما في الأحكام الشرعية.

كما مر، تواجه هذه النظرية إبهامات مختلفة، وتتداخل فيها حيثيات مختلفة. ليس واضحًا هل هذا الإلهام أو الإيداع هو عين الوضع أم طريق إيصال الوضع أم سبب الوضع؟ وهناك احتمال كبير أن يكون الإيداع والإلهام من جانب الله، والوضع من جانب العباد.

تتميز نظرية النائيني بفروقات مهمة عن النظرية الكلاسيكية لإلهية الوضع: أولًا، لا يُرى أي استناد أو استشهاد نقلي في أي من التقريرات الموجودة لدرسه. ثانيًا، ثمرة النظرية الكلاسيكية لإلهية الوضع هي توقيفية الوضع، في حين أنه في أي من التقريرات الموجودة لدرس النائيني، لا توجد إشارة إلى التوقيفية والاصطلاحية، ولم تترتب عليها ثمرة فقهية.

الهوامش

١. يقول السيوطي: «زعم بعضهم أن هذا الخلاف لا فائدة له، وليس كذلك، بل له فائدتان: الأولى فقهية، ولذا ذكروها في أصول الفقه. والثانية نحوية، ولذا ذكرناها تبعًا لابن جني في أصول النحو، وهي جواز القلب؛ فإنه جائز على القول بالاصطلاح، ممتنع على القول بالتوقيف. وعليه جرى أكثر النحاة في أن المصاحف ليست بكلام». (السيوطي، ١٤٢٧هـ، ص٢٦) كما أنه بناءً على التوقيفية قد يُشكك في الترادف والاشتراك اللفظي. وقد طرح النراقيان من الفوائد والثمرات الفقهية المترتبة على هذه المسألة، مسألة «مهر السر والعلانية» وشرحاها. (انظر: النراقي، ١٣٨٨هـ، ج١، ص٣٩-٤٠؛ همو، ١٣١٧هـ، ص٥؛ النراقي، بلا تاريخ، ص٣٢-٣٣)

٢. في المحاضرات، تم التفريق أيضًا بين هذين القسمين من الدلالة الذاتية: «هل منشأ دلالة الألفاظ على المعاني هو مناسبة ذاتية بين اللفظ والمعنى فتكون الدلالة ذاتية، أم منشؤها الجعل والمواضعة فتكون الدلالة جعلية محضة؟ (١) إن كان المراد بكون الدلالة ذاتية هو أن الارتباط الذاتي والمناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى تبلغ حدًا يكون معه سماع اللفظ ‘علة تامة’ لانتقال الذهن إلى معناه، فبطلانها واضح ولا نزاع فيه، لأن لازمه أن يتمكن كل شخص من الإحاطة بجميع اللغات، فضلًا عن لغة واحدة. (٢) إن كان المراد بكونها ذاتية هو أن الارتباط والمناسبة بين اللفظ والمعنى يبلغان حدًا يكون معه سماع اللفظ ‘مقتضيًا’ لانتقال الذهن إلى معناه؛ أي أن المناسبة اقتضائية وليست علية تامة، فيرد الإشكال بأنه وإن كان مثل هذا الارتباط ممكنًا ثبوتًا ومحلاً للنزاع، لأنه لا يوجد مانع عقلي من ثبوت هذا النحو من المناسبة بين الألفاظ والمعاني، نظير الملازمة الثابتة بين أمرين دون توقف على اعتبار أي معتبر أو فرض أي فارض، ودون تفاوت بين كون طرفي الملازمة ممكنين أو مستحيلين أو مختلفين، وهي ثابتة في الواقع والأزل؛ لأن صدق الملازمة لا يتوقف على صدق طرفيها، وبالتالي فالملازمة صادقة حتى مع استحالة طرفيها، نظير آية ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾. نعم، سنخ ثبوتها غير سنخ ثبوت المقولات (مثل الجواهر والأعراض)، وبناءً عليه، لا تدخل تحتها؛ ولكن لا يوجد أي دليل على ثبوتها في مرحلة الإثبات، وبالتالي لا يمكن الالتزام بها.» (فياض، ١٤٢٢هـ، ج١، ص٣٣)

٣. في فقرة «بداهة عدم تناهي الألفاظ بمعانيها»، لا تجد معنى محصلاً إلا في فرض كون «الباء» للمعية، فيكون المعنى أن كلًا من الألفاظ والمعاني غير متناهية. هذا في حين أن النظرية الشائعة بين الأصوليين هي تناهي الألفاظ.

٤. نسبة التناهي وعدم التناهي إلى كل من الألفاظ والمعاني مسألة جديرة بالاهتمام، ولكن نظرًا للأقسام والتعاريف والملاكات المتعددة للمتناهي وغير المتناهي في العلوم المختلفة، فإننا نصرف النظر عن تحقيق هذا المطلب -الذي يخرج عن نطاق هذه المقالة- وعن الحكم الخارجي على تقريرات النائيني بناءً عليه، ونقتصر في المقالة على وصف ومقارنة التقريرات.

٥. يمكن رؤية ما يشبه هذا المطلب في كلام برتراند راسل (١٢٨٩-١٣٨٩هـ): «من الصعب أن نتخيل مجلسًا من الحكماء، الذين كانوا حتى ذلك الحين بلا لغة، يجتمعون ويتفقون على تسمية البقر بقرًا والذئب ذئبًا.» (Russell, 1921)؛ انظر أيضًا: الحائري، ١٤٢٨هـ، ج١، ص١٠٨-١٠٩).

٦. هذه النظرية مرتبطة باسم علي النهاوندي (المتوفى ١٣٢٢هـ) صاحب كتاب تشريح الأصول؛ وإن كان تحديد مبتكرها ليس سهلاً.

٧. Best Explanation (أفضل تفسير)

٨. God of the gaps (إله الثغرات)

٩. محمد حسين الطباطبائي (١٣٢١-١٤٠٢هـ) -الذي كان تلميذ النائيني- في فقرة «إن الواضع هو الله سبحانه لبطلان كلما قيل في غيره» (الطباطبائي، ١٤٠٢هـ، ج١، ص٢٠) يشير إلى هذه النقطة في منهج بحث أستاذه.

١٠. في بعض النسخ، وردت كلمة «إبداع»؛ ورغم أن هذه الكلمة إشكالية، إلا أن كلمة «إيداع» أكثر انسجامًا مع العبارات.

١١. الملاحظة الجديرة بالاهتمام هي أن محمود الحسيني الشاهرودي (١٣٠١-١٣٩٥هـ) -من أبرز تلامذة النائيني- حسب تقرير أحد مقرريه، يرى لزوم محذور الترجيح بلا مرجح فقط في فرض واضعية الله: «الترجيح بلا مرجح لا يلزم إلا بالنسبة إلى الله الذي تحضر عنده جميع الأشياء وله علم حضوري بها، ومن جملتها الألفاظ والمعاني… أما بالنسبة للمخلوق، فلا يلزم الترجيح بلا مرجح؛ لأن الترجيح بلا مرجح لا يلزم إلا في صورة أن يرى الواضع مثلاً بعض الألفاظ ويعطيها خلعة الوضع، ويضع لكل معنى لفظًا مخصوصًا. ففي هذه الحالة، يجب أن يرجح، والحال أن الوضع والتخصيص دون مرجح غير ممكن له. أما إذا افتُرض أنه لا يتصور جميع الألفاظ والمعاني، بل الوضع تدريجي فقط، فلا يلزم الترجيح بلا مرجح.» (رحمتي، ١٣٩٨هـ، ج١، ص٢٨) وبالطبع هو يشير: «إذا كان الله هو الواضع، فيجب أن يكون له علم بخصوصية توجب اختصاص أحد الألفاظ الخاصة بالمعنى الموضوع له.» الإشكال الوارد على هذا المطلب هو أنه يتضمن فرض انفعالية علم الباري، في حين أن علم الباري فعلي؛ أي علة إيجاد الموجودات. بناءً على هذا، علم الله بخصوصية ما، يعني أنه علة إيجاد تلك الخصوصية، وإن كان يرد إشكال الترجيح بلا مرجح على وضع واختصاص لفظ خاص لمعناه من قبل الله، فإنه يرد على إيجاد تلك الخصوصية بين لفظ ومعنى خاص دون غيره نفس الإشكال.

١٢. عنوان اختاره الخوئي لهذا البحث هو «في باب بعض المباحث اللغوية».

١٣. بالإضافة إلى ذلك، بناءً على هذه النظرية، يلزم تحقق مناسبة ذاتية بين لفظ واحد ومعانٍ متضادة أو متناقضة، وبالتالي بين المعاني المتضادة أو المتناقضة نفسها. إذا دل اللفظ في حالة واحدة على معنيين معًا، لزم الاختلاف بالذات، وهو محال بسبب اجتماع النقيضين أو الضدين في محل واحد. وإذا دل اللفظ في حالة على أحد المعنيين وفي حالة أخرى على المعنى الآخر، لزم تخلف ما بالذات عن الذات، وهذا أيضًا محال بسبب استحالة تخلف المعلول عن العلة. (القمي، ١٤٣٠هـ، ج١، ص٤٤٠) وبالطبع، هذا الإشكال ليس في تقريرات درس النائيني، ويبدو أن نظريته دافعة له.

١٤. المراد هو ذلك القسم من أجود التقريرات الذي يقتصر على تقرير درس النائيني؛ لأنه في حواشي الخوئي، صُرح بهذا المطلب: «بطلان ادعاء الملازمة بين تصور اللفظ والانتقال منه إلى المعنى واضح، وإلا لما كان الجهل باللغات ممكنًا، في حين أن وقوع الجهل بها من أوضح الواضحات.» (الخوئي، ١٣٦٨هـ، ج١، ص١١)

١٥. يمكن تنسيق استدلال روح الله الخميني (١٣٢٠-١٤٠٩هـ) ضد المناسبة الذاتية بين الألفاظ ومعانيها على النحو التالي: وجود مناسبة ذاتية بين الألفاظ ومعانيها يستلزم تركب ذات الله؛ واللازم باطل؛ فالملزوم مثله. بيان الملازمة هو أن لذات الله أسماء متكثرة متخالفة من لغات مختلفة. وجود مناسبة ذاتية بين الألفاظ ومعانيها يستلزم مناسبة ذاتية بين الأسماء المتكثرة المتخالفة وذات الله، وبالتالي تركب ذاته. أما أن اللازم باطل؛ فلأن ذات الله بحتة وبسيطة؛ إذن لا توجد مناسبة ذاتية بين الألفاظ ومعانيها. (المرتضوي اللنكرودي، ١٣٧٦هـ، ج١، ص٧٩؛ السبحاني، ١٤٢٣هـ، ج١، ص٢٢)

١٦. يشير الطباطبائي في هذه الفقرة إلى هذه النقطة: «فسرت هذه النظرية بأن الله يلهم المتكلم بلفظ خاص عند إرادة معنى مخصوص، ويجب أن يتمم الإلهام في جانب المتكلم بإلهام آخر في جانب المخاطب. وجه الفساد هو أن هذه النظرية لا تفيد شيئًا في تشخيص حقيقة الوضع، والبحث عن علة وجود اللفظ، كالبحث عن علة وجود [المعنى] -من حيث إن كليهما كباقي العلوم، معلوم في الأذهان، في حين أن هذه العلوم كلها غير مستندة إلى إرادة العالم بها- غير بحث عن حد الوضع. إذن هذه النظرية أقرب إلى نظرية ذاتية دلالة الألفاظ على المعاني منها إلى نظرية الوضعية.» (الطباطبائي، ١٤٠٢هـ، ج١، ص٢٠-٢١) بعبارة أخرى، كون علة علم المتكلم باللفظ والمعنى هو إلهام الله، لا يكشف عن حقيقة وكيفية وضع اللفظ للمعنى؛ بل يكشف فقط عن أن الله يوجد اللفظ والمعنى كباقي العلوم في أذهان الناس. نعم، إذا كانت دلالة الألفاظ على المعاني ذاتية، يمكن اعتبار موجد اللفظ والمعنى واضعًا للفظ للمعنى. وبالطبع، يمكن الرد على هذا الاستنتاج بأن «علومنا ليست مستندة وتابعة لإرادتنا -نحن العالمون بتلك العلوم- إذن نحن لسنا علة تلك العلوم والله هو علة تلك العلوم» بالقول بأن العالم يمكن أن يكون بلا إرادة علة للعلوم في ذهنه.

١٧. العنوان الذي اختاره المرتضوي اللنكرودي لهذا البحث -مثل تقرير الكاظمي- هو «في باب الوضع».

١٨. هذه الرسالة لم تُطبع بعد على ما يبدو، ومخطوطتها موجودة لدي. وقد أشار الحلي في كتاب أصول الفقه إلى هذه الرسالة: «كما شرحناه مفصلاً في رسالة في أصل الوضع وحقيقته وتشعب اللغات فراجعها.» (الحلي، ١٤٣٢هـ: ٣٨/١).

١٩. قد تمت الرسالة والحمد لله عصرية يوم الجمعة ثاني شهر رمضان المبارك سنة ١٣٣٨ هجرية.

٢٠. للأسف، لم يصلنا بعد تقرير من الدورة الأولى ومباحث الألفاظ للدورة الثانية لأصول النائيني، لكي نبحث هل كان قائلًا بإلهية الوضع في تلك الأدوار وقبل رسالة الحلي أم لا.

٢١. «اللغة كائن حي خاضع لنواميس النشوء والارتقاء». والعنوان الدقيق للكتاب هو «اللغة العربية كائن حي».

٢٢. وجود مناسبة بين اللفظ والمعنى في هذا التقرير يُصور على النحو التالي: «كيف لا تكون هناك مناسبة والحال أن المعنى عبارة عن مدرك عقلاني واستعمال اللفظ فيه ليس إلا إلقاء ذلك المدرك العقلاني بلفظه؛ بناءً على هذا، اللفظ مرتبة نازلة من المعنى. توضيح ذلك أن مثلاً ‘زيد’ له مراتب في المدركية. المرتبة الأولى: تجريده من المادية وإحضار صورته في الحس المشترك. المرتبة الثانية: حضور صورته في الخيال، بنحو ألطف مما في الحس المشترك. المرتبة الثالثة: حضوره في العقل، بأبسط شيء يناسب هذا الوعاء. هذا هو تمام قوس صعوده. ونزوله عبارة عن إلقاء ذلك المدرك العقلاني بلفظه.» (المرتضوي اللنكرودي، ١٤٤٣هـ، ج١، ص١١٠-١١١)

المصادر

1. الآمدي، أبو الحسن علي بن أبي علي (١٤٠٢هـ). الإحكام في أصول الأحكام. الطبعة الثانية. بيروت: المكتب الإسلامي.

2. ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد (١٤٠٣هـ). الإحكام في أصول الأحكام. الطبعة الثانية. بيروت: دار الآفاق الجديدة.

3. الأصفهاني، محمد حسين (١٤١٤هـ). نهاية الدراية في شرح الكفاية. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث.

4. التبريزي، محمد صادق (١٤٣٧هـ). المقالات الغرية في تحقيق المباحث الأصولية. الطبعة الأولى. النجف: مركز المرتضى لإحياء التراث و البحوث الإسلامية.

5. الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله (١٤١٨هـ). البرهان في أصول الفقه. الطبعة الأولى. بيروت: دار الكتب العلمية.

6. الحائري، كاظم (١٤٢٨هـ). مباحث الأصول. تقريرات درس خارج أصول محمد باقر صدر. الطبعة الأولى. قم: دار البشير.

7. الحلي، حسين (١٤٣٢هـ). أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: مكتبة الفقه و الأصول المختصة.

8. الحلي، حسين (بلا تاريخ). رسالة في تحقيق معنى الوضع (مخطوط). بلا مكان: بلا ناشر.

9. الخميني، مصطفى (١٤١٨هـ). تحريرات في الأصول. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.

10. الخوئي، أبو القاسم (١٣٦٨ش). أجود التقريرات. تقريرات درس خارج أصول محمد حسين نائيني. الطبعة الثانية. قم: مصطفوي.

11. رحمتي، محمد (١٣٩٨ش). مبانى أصول الفقه. تقريرات درس خارج أصول محمود حسيني شاهرودي. الطبعة الأولى. قم: قرآن صاعد.

12. الزركشي، أبو عبد الله محمد بن بهادر (١٤١٤هـ). البحر المحيط في أصول الفقه. الطبعة الأولى. عمان: دار الكتبي.

13. زيدان، جرجي (١٩٨٨م). اللغة العربية كائن حيّ. الطبعة الثانية. بيروت: دار الجيل.

14. السبحاني، جعفر (١٤٢٣هـ). تهذيب الأصول. تقريرات درس خارج أصول روح الله خميني. الطبعة الأولى. طهران: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.

15. السيستاني، محمد باقر (١٤٣٤هـ). مباني الأصول. بلا مكان: بلا ناشر.

16. السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (١٤٢٧هـ). الإقتراح في أصول النحو. الطبعة الثانية. دمشق: دار البيروتي.

17. الصادقي، علي رضا. (بلا تاريخ). إرادة تشريعي و إرادة تشريع. بلا مكان: بلا ناشر.

18. الطباطبائي، محمد حسين (١٤٠٢هـ). حاشية على كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: بنیاد علمی وفکری علامه طباطبائی.

19. فخر الرازي، أبو عبد الله محمد بن عمر (١٤١٨هـ). المحصول. الطبعة الثالثة. بيروت: الرسالة.

20. فياض، محمد إسحاق (١٤٢٢هـ). محاضرات في أصول الفقه. تقريرات درس خارج أصول أبو القاسم خوئي. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة إحياء آثار الإمام الخوئي.

21. القمي، أبو القاسم (١٤٣٠هـ). القوانين المحكمة في أصول المتقنة. الطبعة الأولى. قم: إحياء الكتب الإسلامية.

22. الكاظمي، محمد علي (١٣٧٦ش). فوائد الأصول. تقريرات درس خارج أصول محمد حسين نائيني. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة النشر الإسلامي.

23. المرتضوي اللنكرودي، محمد حسن (١٣٧٦ش). جواهر الأصول. تقريرات درس خارج أصول روح الله خميني. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني.

24. المرتضوي اللنكرودي، مرتضى (١٤٤٣هـ). التقريرات العالية في أصول الفقه. تقريرات درس خارج أصول محمد حسين نائيني. الطبعة الأولى. قم: آثار نفيس.

25. الموحدي اللنكراني، محمد جواد. (١٣٨٢). رسالة في حقيقة الوضع. فصلنامه پژوهشهای اصولی ١(٢و٣). ١٤٤-١٨٢.

26. الميلاني، محمد هادي (بلا تاريخ). تقريرات درس خارج فقه، مبحث قضاء الصلوات: الصلوة المنذورة (مخطوط). بلا مكان: بلا ناشر.

27. النراقي، أحمد بن محمد مهدي (بلا تاريخ). شرح تجريد الأصول (مخطوط). بلا مكان: بلا ناشر.

28. النراقي، محمد مهدي بن أبي ذر (١٣٨٨ق). أنيس المجتهدين في علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: بوستان كتاب.

29. النراقي، محمد مهدي بن أبي ذر (١٣١٧ق). تجريد الأصول (چاپ سنگي). بيجا: سيد مرتضى.

30. Russell, B. (1921). The Analysis of Mind, London: Unwin Brothers Ltd.

Scroll to Top