مواضع الكرامة الذاتية للإنسان في علم أصول الفقه والاستنباطات الفقهية والفروق المنهجية بينها

الملخص: الكرامة الذاتية للإنسان، بمعنى قيمة الإنسان بصفته إنسانًا، دخلت عملية الاستنباط الفقهي منذ القرن الثاني الهجري بين الفقهاء أمثال الشافعي كأصل أصولي، وأحيانًا كقاعدة فقهية. وفي العصر الحالي، أُجريت أبحاث في هذا المجال. وفي بعض الأحيان، وعلى الرغم من اختلاف نوع دور الكرامة في الاستنباط الفقهي، لم يراعَ اختلاف منهج الاستنباط. إن النقد العلمي والحكم في رد أو قبول دور كرامة الإنسان في أصول الفقه وعملية الاستنباط يعتمد على معرفة مواضع دور الكرامة واستخدام المنهج المناسب لذلك الموضع. ولهذا السبب، تسعى هذه المقالة إلى توضيح مجالات دور الكرامة في أصول الفقه واستنباط الحكم، وتوضيح الفروق بينها في منهج الاستنباط. تكمن أهمية هذا البحث في ارتباطه الكبير باستنباط الحكم الفقهي في المسائل المستحدثة، وضرورته في وجود الشبهات والمواقف المتعلقة بالكرامة، والخلط في مواضعها المختلفة، مما أدى إلى تعامل غير صحيح مع الأحكام الفقهية وفي الاستنباط الفقهي. وقد تم تنظيم هذه المقالة بمنهج وصفي وتحليلي، تم فيه جمع البيانات ذات الصلة من المصادر الفقهية بالمنهج المكتبي، ثم تم فحصها وتحليلها بمنهج اجتهادي واستنباط فقهي مبني على علم الفقه وأصول الفقه. إن ابتكار هذه المقالة يكمن في توضيح وتحليل المجالات المتنوعة لدور الكرامة الإنسانية في أصول الفقه واستنباط الأحكام، وبيان الفروق وطرق التعامل مع كل منها في الفقه الإسلامي.

مقدمة

الكرامة تعني النقاء والرفعة والشرف. وقد ذكر في معادلها الفارسي في معجم دهخدا عناوين مثل القيمة، والاعتبار، والعظمة، والعزة، والشرف، والإنسانية. وعلى الرغم من أن هذه الكلمة من الكلمات القرآنية ، ويرى بعض المفسرين أنها لا تملك معادلًا فارسيًا بسيطًا. وقد قسم علماء الإسلام كرامة الإنسان إلى ذاتية ومكتسبة ، وهذا التقسيم يعتبر أحد الفروق بين نظام حقوق الإنسان الإسلامي والغربي. الكرامة الذاتية، بحسب الجعفري ، هي الشرف المبني على أصل خلق الإنسان، ولهذا فإن هذا النوع من الكرامة موجود بالتساوي في جميع أفراد الإنسان بلا مراتب. أما الكرامة المكتسبة، مثل الكرامة الخاصة بالعالم والمؤمن، فتشمل قيمًا تعتمد على جهد الأفراد ومكتسبة، ولها مراتب.

على الرغم من أن كلا النوعين من الكرامة يحظيان باهتمام جاد في التعاليم الدينية، إلا أن موضوع الحديث في هذه المقالة هو الكرامة الذاتية التي حظيت باهتمام في مواضع متعددة في العلوم الإسلامية، وفي الفقه والأصول أيضًا منذ القرن الثاني الهجري في الكتب الفقهية الاستدلالية من قبل الإمام الشافعي وغيره كقاعدة أصولية. وقد تم توضيح هذا الموضع وخصائصه في مقالة سابقة للمؤلف. وبغض النظر عن الموضع المذكور، فقد حظيت الكرامة أحيانًا بالاهتمام في بعض المباحث الأصولية مثل التعارض والتزاحم، وفي مواضع أخرى في استنباط الأحكام الفقهية. ونظرًا لاختلاف هذه المواضع من حيث الأصل العلمي ونوع المسألة، فإنها تتطلب مناهج مختلفة في أداء دورها. هذا في الوقت الذي نواجه فيه مشكلة عند دراسة الأبحاث المنجزة، وهي أنه على الرغم من اختلاف المواضع، لم يراعَ اختلاف منهج الاستنباط. على سبيل المثال، يختلف إثبات الكرامة كموضوع لحكم شرعي عن إثباتها كفلسفة للشريعة ودليل على الحكم الشرعي، وكذلك آثار كل منهما. وكما أن إثبات دور الكرامة في موضع القاعدة الأصولية يختلف كثيرًا عن الكرامة كقرينة ارتكازية في فهم الأدلة اللفظية من حيث نوع الدليل وآثاره ووظيفته. وبناءً عليه، يلزم إجراء بحث لتحديد هذه المجالات وتوضيح الفروق بينها.

يُعدّ البحث الحالي مهمًا وضروريًا نظرًا لارتباط كرامة الإنسان باستنباط الحكم الفقهي في المسائل المستحدثة، ووجود الشبهات والمواقف تجاه الكرامة، والتداخل في مواضعها المختلفة. وقد تم تحليل هذا البحث بعد جمع البيانات المتعلقة بالموضوع، باستخدام منهج الوصف والتحليل، ومنهج الاجتهاد والاستنباط الفقهي القائم على علم الفقه وأصوله. تتناول هذه المقالة توضيح مواضع كرامة الإنسان كفلسفة عامة للأحكام الشرعية ، وموضوع قاعدة أصولية، وموضوع حكم وقاعدة فقهية، ومرجّح في باب التعارض ، ومرجّح في باب التزاحم، وقرينة لكشف مدلول دليل الحكم، وكونها سببًا للعناوين الثانوية، مع تناول اختلاف منهج الاستنباط لكل منها.

في الأبحاث الفقهية التي تناولت موضوع الكرامة، تم التطرق إلى دور الكرامة على أساس المسألة، ولم يتم التطرق بشكل خاص إلى الموضع الأصولي، ولم تتناول أي من الأبحاث المنجزة توضيح مجالات دور الكرامة في الاستنباط الفقهي واختلاف منهج الاستنباط فيها. ولذلك، فإن ابتكار هذا البحث يكمن في توضيح مواضع دور الكرامة الإنسانية في علم أصول الفقه والفقه الإسلامي، وطرق التعامل مع كل منها. ومن خلال دراسة مفهوم كرامة الإنسان وتطبيقاتها في القرآن والحديث، ومع الأخذ في الاعتبار قدرات الفقه والعلوم المرتبطة به، يمكننا أن ندرك أن هناك سبعة مجالات على الأقل لدور الكرامة، والتي سيتم دراستها لاحقًا:

١. كرامة الإنسان كفلسفة عامة للأحكام الشرعية

إذا دلّ دليل معتبر على إثبات فلسفة الأحكام، فهل يمكن أن تلعب الكرامة الذاتية للإنسان دورًا في استنباط الحكم الشرعي بشروط؟

أ) دليل إثبات موضع فلسفة الشريعة للكرامة الذاتية

من مسلمات الفكر الديني أن البعثة والشرائع السماوية هي لتربية الإنسان ومنبثقة من لطف الله تجاه عباده. وبما أن الإنسان قبل البعثة والتربية الإلهية لا يمتلك إلا إنسانيته ، فإن أي احترام له يكون فقط بسبب صفته الإنسانية، أي كرامته الذاتية. ولذلك، فإن الكرامة الإنسانية ووجود القدرات المباركة للإنسان هي علة وفلسفة وجود البعثة وإرسال الرسل وتدوين الدين والشريعة.

تأكيدًا لما سبق، يمكن الإشارة إلى قول أمير المؤمنين في الخطبة ١٨٩ من نهج البلاغة ، وإن لم يُذكر كدليل بسبب وجود إرسال في سنده. ففي هذه الخطبة الشريفة، تُعرّف بعثة النبي (ص) بأنها كرامة واحترام للأمة (كَرَامَةً لِأُمَّتِهِ). وهذا الاحترام، الذي كان لكل فرد من البشر، وقبل تربيته، وحتى مع وجود الشرك والعناد، كان فقط بسبب كونه إنسانًا وقدرته الخاصة، أي كرامته الذاتية.

ب) الدور الاستنباطي للكرامة في موضع فلسفة الحكم الشرعي ومنهجها

يمكن أن يؤدي الاهتمام بموضع فلسفة الأحكام للكرامة الذاتية إلى حل بعض المسائل التي لم يرد فيها حكم واضح في الشريعة، ويكون طريقًا لاكتشاف الحكم الشرعي المتناسب مع كرامة الإنسان. ومن ناحية أخرى، بناءً على الموضع المذكور، إذا وُجد دليل يبيّن الحكم الشرعي، يتبين أن الشارع المقدس ببيانه للحكم الشرعي يبيّن مصداقًا للحفاظ على كرامة الإنسان ورعايتها. ومع وجود بيان الشارع، لا يمكن أن يكون لغيره اعتبار ، لأنه وحده من يعلم كنه الأمور وآثارها المتعلقة بالإنسان في الدنيا والآخرة، ويعلم ما يخالف كرامته في الدارين، حتى لو لم يكن ذلك معلومًا للإنسان.

إن طريقة الاستفادة من الكرامة الذاتية للإنسان في موضع فلسفة الشريعة في استنباط الأحكام الشرعية تختلف عن الاستفادة من الكرامة في موضع آخر، وسيتم بيان ذلك في قسم الكرامة في موضع القاعدة الأصولية.

٢. الكرامة في موضع القاعدة الأصولية

أحيانًا، يمكن لكرامة الإنسان أن تلعب دورًا في استنباط الأحكام الفقهية في قالب قاعدة أصولية. وبتوضيح ذلك، فكلما استنبطنا حكمًا فقهيًا بناءً على ملازمة الحكم الفقهي لحكم ثابت، نكون قد أسسنا قاعدة أصولية. تمامًا كما أن بحث وجوب المقدمة، بسبب بحث ملازمة وجوب ذي المقدمة لوجوب المقدمة، يُعتبر من مباحث علم أصول الفقه. يقول الآخوند الخراساني : “بينما بحث وجوب مقدمة الواجب هو حتمًا بحث فقهي”. ولذلك، إذا قبلنا بوجود ملازمة بين كرامة الإنسان وتشريع حكم مناسب لكرامة الإنسان، بحيث يمكن استخدامه في مقام الإثبات والاستنباط ، فإننا بالتأكيد قد قبلنا بقاعدة أصولية، وسيكون البحث فيها بحثًا أصوليًا.

إن استخدام مصاديق الكرامة في الاستنباط الفقهي بمثابة قاعدة أصول الفقه حظي باهتمام الإمام الشافعي ثم غيره من الفقهاء في القرن الثاني الهجري في الحالات التي لم يكن حكمها له دليل شرعي واضح. ومثال ذلك، الحكم بطهارة مني الإنسان، لأنه في رأيهم لا يوجد دليل كافٍ على نجاسة مني الإنسان ؛ بل إن نجاسة نقطة نشأة الإنسان تتنافى مع تكريم الإنسان. الشافعي، والجويني ، وابن مازه ، والدميري ، والعيني. ومثال آخر، الحكم بطهارة ميتة الإنسان بسبب تكريم الإنسان، الذي ورد في الآية ٧٠ من سورة الإسراء. الرافعي ، والنووي ، والعيني ، والشربيني ، ومرتضى أحمد ، والسنيكي ، والكاساني ، والمصري ، وابن الهمام. وقد ذكر بعضهم كرامة الإنسان كدليل على طهارة أجزاء ميتة الإنسان. النووي. في الحالات المذكورة، تم اعتبار وجود المناسبة والملازمة مع الكرامة في استنباط الأحكام الفقهية أمرًا مسلمًا به ؛ بحيث يمكن استنباط الحكم الشرعي بناءً عليها. وبما أن هذه الملازمة لا تتضمن أي حكم فقهي، ولكنها في نفس الوقت تُعتبر كبرى للاستنباط في استنباط الحكم الفقهي، فهذا يدل على أنها تُعتبر بمثابة قاعدة أصول الفقه.

بقبول كرامة الإنسان في موضع فلسفة الأحكام الشرعية، فإن بحث الملازمة بين كرامة الإنسان والحكم الشرعي المتناسب معها يتطلب مباحث جدية وواسعة النطاق ؛ خاصة أن معرفة مصاديق كرامة الإنسان من وجهة نظر العقلاء تختلف فيما بينهم، وتختلف من وجهة نظر المالك الحقيقي للعالم بالنسبة للعباد. وجمع الفهم العقلائي في معرفة مصاديق الكرامة مع اعتبار الشارع المقدس في بعض الحالات مثل العقوبات والحدود الشرعية يواجه تحديًا. ولهذا السبب، فإن قبول وتطبيق هذه القاعدة يتطلب ضوابط مبنية على مصادر عقلية ونقلية، وقد نوقش ذلك في مقالة وبحث مستقل للمؤلف. (خادمي كوشا ). ولكن باختصار، يجب القول إن بناء العقلاء يكون حجة فقط في الحالة التي يكون فيها الشارع المقدس متحد المسلك مع العقلاء. الأصفهاني ، المظفر. مثل استخدام الألفاظ لنقل المعنى ومعرفة المعنى المراد منها، حيث يتحد الشارع المقدس مع العقلاء في المسلك. وفي الحالات التي لا يوجد فيها اتحاد في المسلك، لا يمكن أن يكون كاشفًا عن رضا الشارع ولا يكون حجة.

بناءً على ما سبق، فإن الكرامة التي يراعيها العقلاء فيما بينهم لا يمكن أن تكون فاعلة في التعامل الخاص بين الله والإنسان، مثل أحكام العبادات والتعبديات ؛ لأنه أولًا: الشارع المقدس، بناءً على علمه اللامحدود بمصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، يرى كرامة الإنسان ويشرع الحكم الشرعي بما يتناسب معها. وهو لا يتحد في المسلك مع الإنسان الذي لا يملك علمًا بحياة الإنسان في الآخرة وجميع مصالحه الحقيقية، ويحكم بناءً على علمه الناقص. ثانيًا: بناء العقلاء في هذه الحالات يتعلق بالإنسان مع الإنسان، حيث لا توجد علاقة ملكية حقيقية أو علاقة عبد ومالك حقيقية بينهما، وهو يختص بالتعاملات العقلائية فيما بينهم. ولا يوجد بناء عقلائي في الأساس بشأن مراعاة الكرامة في التعامل بين الإنسان والمالك الحقيقي.

٣. كرامة الإنسان كموضوع للحكم والقاعدة الفقهية

كل شخص يدرك بوضوح وفطريًا منذ الطفولة أن لديه شخصية وكرامة ملازمة له يجب أن يراعيها. وهذا التعليم الفطري يظهر أيضًا في الأحكام الفقهية، حيث تم تحديد حقوق وواجبات تتعلق بالحفاظ على الكرامة ورعايتها، سواء فيما يتعلق بالمكلف نفسه أو بالآخرين. وبناءً عليه، حظيت الكرامة باهتمام الشارع المقدس كموضوع لحكم شرعي.

أ) تبيين حكم كرامة الإنسان

لتجنب الخلط بين هذا البحث عن كرامة الإنسان في موضع موضوع الحكم الشرعي ومبحث كرامة الإنسان في موضع دليل الحكم الشرعي، يجب الانتباه إلى أننا في هذا القسم لا نسعى لإثبات وجود كرامة الإنسان كحقيقة وجودية وتأثيرها في إثبات الأحكام الشرعية ، بل نسعى إلى بيان تكليف الإنسان وأمر الشارع المقدس بضرورة مراعاة شخصية الأفراد واحترامهم وكرامتهم. ولذلك، ليس هذا موضع الاستناد إلى الكرامة الذاتية للإنسان في آية تكريم الله لبني آدم (الإسراء/٧٠).

يجب الانتباه إلى أن موضوع الحكم الفقهي للكرامة يختلف عن الكرامة الذاتية للإنسان كحقيقة فطرية. ذلك لأن موضوع الحكم الفقهي، الكرامة، هو الكرامة العرفية التي تتمثل في المكانة والشخصية التي تتحدد بناءً على الاعتبارات العرفية، وقد تختلف باختلاف كل قوم وقبيلة، وسيتم بيان طرق معرفتها لاحقًا. أما الكرامة الذاتية فهي المكانة والشخصية الإنسانية بناءً على الإدراكات الفطرية وغير المتغيرة التي تشكل أساس الأحكام الدينية الثابتة. وهذه الكرامة الذاتية هي أساس الحكم الفقهي لمراعاة الكرامة العرفية لكل إنسان.

وبما أن المقصود بمراعاة كرامة الإنسان هو احترامه من حيث حفظ النفس والشرف، ومراعاة راحته النفسية، فيمكن الاستناد لإثبات التكليف بمراعاة كرامة الإنسان إلى أدلة وجوب حفظ الشرف والشخصية الإنسانية، والأصل الأولي لحرمة الدماء والأنفس ، وأصل احترام النفس ، أو أصل احترام كل ذي روح.

بناءً على أدلة حرمة النفس، ومنها دليل العقل، فإن قتل الإنسان دون وجود عناوين أخرى يُعتبر حرامًا وله قبح ذاتي. وبما أن الأحكام العقلية والقبح الذاتي لا تقبل التخصيص، يجب القول إن النفس المحترمة وموضوع الحرمة هي فقط نفس الإنسان في حالتها الأولية، أي دون عروض عناوين أخرى. ومع عروض عناوين أخرى، تتكون حالة أخرى. ولهذا السبب، يجب القول في الآيات والروايات، حتى لو كانت بظاهرها تحمل لسان التخصيص، إن حرمة النفس المحترمة لم تُخصص، بل تم بيان حكم النفس غير المحترمة. ونتيجة لذلك، يطرح سؤال آخر: كيف تُهمل كرامة الإنسان الذاتية في بعض الحالات؟

توجيه حكم جواز قتل النفس الإنسانية غير المحترمة، مع الاعتقاد بكرامة الإنسان الذاتية، يُعدّ من تحديات الاعتقاد بالكرامة الذاتية في الأديان السماوية. والجواب باختصار هو أنه عندما تعرض حالة أخرى، مثل جريمة القتل وسلب أمن المجتمع، لإنسان، وتكون لها حكم آخر، فإنها تتعارض مع الكرامة الذاتية. ولأجل مراعاة أمر أهم، مثل حفظ أمن المجتمع وكرامة باقي الناس، يتم التنازل عن مراعاة الكرامة الذاتية للفرد. ولهذا السبب، فإن قتل المعتدي في مقام الدفاع يُعدّ أمرًا جائزًا في جميع المجتمعات البشرية.

ب) تحديد نطاق مراعاة الكرامة كموضوع للحكم الشرعي

يُدرس نطاق مراعاة الكرامة من جهتين: الأولى من حيث شمولها للمكلف نفسه، بمعنى أن كل مكلف يقع عليه واجب حفظ كرامته ورعايتها. والثانية من حيث شمولها لجميع مصاديق الإنسان وجميع لحظات حياته، من بداية وجوده في رحم الأم حتى بعد وفاته. وسنتناول هاتين الجهتين فيما يلي:

أولًا: مراعاة كرامة الذات

إن الإهمال بكرامة الذات وشخصيتها يُعدّ ذنبًا وشرًا. وقد وردت هذه الحقيقة في بعض الأحاديث ، خاصة إذا وصل الأمر إلى حد يؤدي إلى ذل الإنسان، وهو بحد ذاته ذنب مستقل. ودليل هذا الحكم، بالإضافة إلى دليل العقل، هو موثقة ابن مسكان التي وصفها المجلسي بالحديث الصحيح. فقد نُقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَوَّضَ إِلَى الْمُؤْمِنِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا إِذْلَالَ نَفْسِهِ». وفي هذا القول من الإمام الصادق (عليه السلام)، يُحرم كل مخالفة لكرامة الذات تصل إلى حد الإذلال والهوان. وذِكْر المؤمن هنا جاء لمراعاة المخاطبين، وإلا فبناءً على أصل اشتراك التكليف، فإن المؤمن وغير المؤمن يشتركان في هذا التكليف ، تمامًا كما تشمل التكاليف المذكورة في الخطابات القرآنية بعبارة “يا أيها الذين آمنوا” غير المؤمنين أيضًا.

ثانيًا: مراعاة كرامة الآخرين

أحياناً تكون كرامة الآخرين هي موضوع الحكم الشرعي ، وكل إنسان في شريعة الإسلام مكلف بمراعاة كرامة الأفراد وشخصيتهم. ففي نظر الإسلام، كل إنسان، بلا أي قيود من حيث العرق أو القبيلة أو اللون، وحتى من حيث الدين أو المذهب، يمتلك شخصية وكرامة يجب على الناس مراعاتها. وذلك استناداً إلى الأمر العام الوارد في صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام الصادق (عليه السلام) : “لا ينبغي أن يُهدر حق أحد”. وإذا اعتبرنا الحق موضوعاً عرفياً، فإن كرامة الإنسان وشخصيته من أوضح حقوق كل إنسان في نظر العرف ، فيجب حفظها. وإذا اعتبرنا الحق موضوعاً شرعياً يتطلب تأييداً وتقريرًا من الشارع المقدس ، فحتى في هذه الحالة، بشهادة السنة القطعية للنبي (صلى الله عليه وآله) في مكة والمدينة وأهل البيت (عليهم السلام)، فإن جميع الناس، مسلمين وغير مسلمين، يتمتعون بكرامة واحترام. وقد ورد الأمر بمراعاة ذلك في سنة النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليهم السلام) تواترًا معنويًا.

ج) طريقة معرفة الكرامة كموضوع للحكم الشرعي

إن معرفة مفهوم الموضوع في كل حكم شرعي ونوعه، لغرض تحديد مصاديقه، ومعرفة أمور مثل مصدر المعرفة ومنهج تطبيق الموضوع على مصاديقه، هي ضرورة في دراسة الموضوع في الفقه. وبناءً على ذلك، فإن طريقة معرفة الكرامة كموضوع للحكم الشرعي تعتمد على طريقة اعتبارها في الحكم الشرعي.

أولاً: المعيار العرفي وخصائصه

بشكل عام، إذا بيّن الشارع المقدس حكمًا لموضوع ولم يشرح موضوعه، فإن الموضوع المذكور يُحمل على المعنى العرفي. وذلك لأنه عندما لا يبيّن معنى خاصًا، وبقرينة كونه يتحدث بلغة العرف، فإنه يجب أن يُحمل على المعنى الذي يقصده العرف. ولهذا السبب، فإن مراعاة كرامة كل إنسان تجاه الآخر، عندما تكون متعلقة بحكم شرعي ولم يُذكر لها تعريف خاص في دليل الحكم الشرعي، يجب أن تُوكل إلى العرف.

إن معيار تحقق الكرامة العرفية، كغيرها من الموضوعات العرفية، هو حكم العرف والعقلاء. وبناءً على ذلك، ومع تغير العرف في الأزمنة والمناطق المختلفة، فإن مصاديق الكرامة تتغير أيضًا.

خاصية مصداق الكرامة بمعيار عرفي هي أنها من نوع الموضوعات الاعتبارية. ولهذا السبب، لا يمكن تحديد مصداق دائم وشامل وواقعي للكرامة العرفية. على الرغم من إمكانية تدخل الشارع، يمكن اعتبار بعض المصاديق بناءً على اعتبارات شرعية دائمة داخلة أو خارجة عن مصاديق الكرامة، لأن قوام الكرامة الشرعية بالاعتبار الشرعي، وديمومتها ونطاقها يتبعان دليل اعتبارها.

إن مصاديق الكرامة بمعيار عرفي هي من النوع الكلي. ونتيجة لذلك، فإن المصاديق الشخصية للكرامة، بمعنى الأمور التي يربطها كل شخص بشخصيته بناءً على أهوائه، ستكون خارج هذا النطاق. على الرغم من أن مراعاتها واجبة بناءً على قواعد أخرى مثل الكرامة الذاتية للإنسان وحريته وحرمة الإيذاء لكل أحد، إلا أن الاعتبارات الشخصية لا يمكن أن تكون مصداقًا للكرامة العرفية ؛ لأن قوام المصاديق العرفية للكرامة يتبع مبادئ اعتبارها، والتي لا يمكن تطبيقها في المصاديق الشخصية البحتة.

ثانيًا: المعيار الشرعي وخصائصه

في الحالات التي عرّف فيها الشارع المقدس موضوع الحكم كموضوع شرعي، أو بيّن تضييقات أو توسيعات للموضوع العرفي، فإن الدليل الذي بيّن ذلك الحكم الشرعي يُعتبر كدليل حاكم يبيّن حدود الموضوع ، ويمكن أن تكون له حكومة تضييقية أو توسيعية. وبناءً على ذلك، فإن الكرامة هي موضوع عرفي، ولكن الباب مفتوح للتضييق والتوسيع الشرعي.

كل ما اعتُبر تكريمًا بناءً على الأدلة الشرعية ، يُعتبر توسيعًا في دائرة الكرامة، ولا يمكن اعتباره مخالفًا للكرامة. وكل ما اعتُبر إهانة، مع كونه لا يُعتبر إهانة عرفًا، فهو تضييق في دائرة الكرامة. على سبيل المثال، يُعتبر تعجيل دفن الميت كرامة للميت ، وهو توسيع في مصاديق احترام الميت ومورد فتوى الفقهاء. العلامة الحلي. أو على سبيل المثال، السجود أمام الآخرين قد يُعتبر تكريمًا ومراعاة للكرامة في بعض الأعراف الماضية والحالية ؛ ولكن مع الأخذ في الاعتبار المنع الشرعي من ذلك أمام شخص يعتبر نفسه عبدًا لله، فإنه ليس تكريمًا فحسب ، بل لأنه لم يُقبل به، بل هو مخالف لرضاه ، فإنه يُعتبر إهانة للمكرّم وذلاً للمكرِّم. تمامًا كما أن السجود أمام الله، قد يُعتبر مخالفًا لكرامة الإنسان في نظر بعض الأشخاص الذين لا يملكون معرفة كافية بعظمة الله.

إن خاصية مصاديق الكرامة في الحالات التي يكون فيها المعيار شرعيًا فقط هي أنها لا تنظر إلى المفهوم العرفي والعقلائي. ونتيجة لذلك، فإن التغيرات العرفية في مصاديق الكرامة من حيث الزمان والمكان لا يمكن أن تؤدي إلى تغيير في الأحكام الشرعية. وتعتمد مصاديق الكرامة الشرعية على الأدلة الشرعية، ويتم تحديد دوامها وزوالها بتلك الأدلة.

ثالثًا: المعيار العقلي وخصائصه

أحيانًا، تُعرّف مصاديق الكرامة بناءً على الفطرة البشرية ، ولهذا السبب أيضًا، هي متفق عليها من قبل جميع العقلاء في جميع الأزمنة والأمكنة. وفي هذه الحالة، لا يمكن اعتبار طبيعة هذا النوع من الكرامة عرفية ؛ بل إن هذه الكرامة، التي تستند إلى الإدراك المشترك للعقلاء، وتنبع من الانسجام النفسي والفطرة البشرية، هي كرامة عقلية. مثل مراعاة العدل مع جميع الناس.

من مصاديق الكرامة بمعيار عقلي في العلاقات بين الناس حرية الإنسان، وقد ورد ذلك في بعض أقوال الفلاسفة المعاصرين. مطهري. وكذلك يمكن ذكر جميع الفضائل الأخلاقية مثل السخاء وحسن الخلق، وكذلك السلوكيات المتوافقة مع الفطرة الإنسانية مثل الابتعاد عن التجاوز، والامتناع عن تناول القاذورات، وعدم التعري أمام الآخرين، ومراعاة الحدود بين الفسق والفجور وبين حرمة الزوجية وغيرها من الحرمات.

إن خاصية مصاديق الكرامة بناءً على الإدراك الفطري للإنسان هي أنها موضوع حقيقي. بمعنى أنها لا تحتاج إلى اعتبار من العرف أو الشرع ، بل تُعرف كشرف بناءً على الطبيعة والفطرة الإنسانية ، ويُعتبر عدم مراعاتها دناءة وخسة.

تجدر الإشارة إلى أن معرفة المصاديق الجزئية لمراعاة كرامة الإنسان تعتمد على معرفة وجود المصلحة في ذلك المصداق بالنسبة للإنسان. خادمي كوشا. ومن ناحية أخرى، فإن العقل لا يدرك الأمور الجزئية بشكل مستقل ، إلا في الحالات التي يمكنه فيها الإدراك بمساعدة قوى أخرى، بما في ذلك الاستفادة من قوة الفطرة. ونتيجة لذلك، فإن معرفة مصاديق الكرامة بشكل مستقل ممكنة فقط في المصاديق الكلية مثل مراعاة العدل والحقوق والابتعاد عن الظلم والتجاوز على الحقوق. أما معرفة المصاديق الجزئية فغير ممكنة للعقل ، لأن معرفة المصداق الجزئي لكرامة الإنسان تعتمد على معرفة وجود مصلحة حقيقية للإنسان، ومعرفة وجود المصلحة الحقيقية تتطلب معرفة كاملة بجميع أبعاد الإنسان وأبعاد ذلك المصداق في العالمين، والعلاقة بينهما. وهذا النوع من المعرفة، خاصة فيما يتعلق بالآخرة، خارج عن نطاق معرفة البشر. ولهذا السبب، فإن معيار العقل في معرفة مصاديق الكرامة له أيضًا حدود.

د) كرامة الإنسان كموضوع للقاعدة الفقهية

بعد أن تُعتبر الكرامة موضوعًا لحكم شرعي، يمكنها بطبيعة الحال، بناءً على الأصول والمنهج الفقهي، أن تؤثر في استنباط الأحكام الشرعية وتطبيقها. وإذا كانت هذه الكرامة، بالنظر إلى نطاقها، تقع في موضع حكم عام قابل للتطبيق على مصاديق متنوعة في أبواب مختلفة من الفقه، وهو معيار القاعدة الفقهية، فإنها تقع في منزلة القاعدة الفقهية. الموضع الاستنباطي للكرامة في الحالة المذكورة هو نفس موضع القاعدة الفقهية. بمعنى أنه عندما تكون الكرامة موضوع قاعدة فقهية وهي وجوب مراعاة كرامة الإنسان ، فإنه يمكن إثبات الحكم الشرعي في مصاديق الكرامة العرفية من باب تطبيق الحكم الكلي على مصاديقه.

قد يُظن أنه إذا اعتبرنا كرامة الإنسان موضوعًا لحكم إلزامي، فإن كل فقيه سيرى نفسه مكلفًا بهذا الحكم. ونتيجة لذلك، عند استنباط حكم شرعي، إذا وجد دليلًا على حكم يرى العرف أن تطبيقه يتنافى مع مراعاة كرامة الإنسان، فإن عملية الاستنباط تواجه تحديًا ولا يمكن استنباط حكم يخالف كرامة الإنسان. وللحكم في هذه المسألة، يجب التفريق بين بابي التعارض والتزاحم، والحكم بناءً على المباحثين القادمين في الكرامة في موضع المرجح في باب التعارض وفي باب التزاحم.

ه) دور كرامة الإنسان في باب تزاحم الأحكام

بعد إثبات حكم الكرامة كموضوع لحكم إلزامي، عندما يريد الفقيه أن يصدر فتوى بناءً على قاعدة أو حكم فقهي في مسألة ما، قد يواجه تحديًا في تطبيق العناوين الكلية، وهو تزاحم حكمين فقهيين، بحيث لا يمكنه مراعاة كلا الحكمين الفقهيين. في هذه الحالة، يجب عليه مراعاة مرجحات باب التزاحم وتقديم أحد الحكمين.

على سبيل المثال، فإن مراعاة احترام وكرامة وحرية جميع البشر في الظروف العامة والأولية هي واجب شرعي في قالب قاعدة فقهية. ومن ناحية أخرى، فإن حفظ النظام وأمن الأمة هو أيضًا قاعدة فقهية. الآن، إذا أصدر الحاكم الشرعي حكمًا بالسجن أو الكشف عن معلومات خاصة لأفراد ثبتت مشاركتهم، بناءً على تطبيق القاعدة الثانية ، فإن هذا الحكم بالتأكيد يخالف مراعاة احترام الإنسان ؛ ولكنه ضروري لأمن الأمة في تقديره. لأنه لا شك في أهمية وتقديم الثاني على الأول. وكذلك إذا تزاحمت كرامة واحترام إنسان عالم مع حفظ حياة إنسان ، فإن احترام العالم حرام. شهابي. لأنه في هذه الحالات لا شك في أهمية حياة الإنسان وتقديم حفظها.

لذلك، إذا أردنا إصدار حكم قضائي بحق فرد ، مثل تعزير المجرم، حيث طريقة العقوبة هي برأي الحاكم ، فإنه لا يمكننا اختيار طريقة تسبب إهانة أكبر للمجرم تتجاوز طبيعة العقوبة، وذلك لمراعاة تزاحمها مع كرامة الإنسان. على سبيل المثال، إذا أمكن معاقبته بعقوبة مالية أو عقوبة غير مهينة ، فلا ينبغي فرض عقوبة مهينة تتجاوز مقتضى العقوبة المذكورة.

٦. الكرامة في موضع القرينة لكشف مدلول دليل الحكم

لا شك أن الأحكام العقلية والخصائص العامة للبشر في المحاورات العرفية تُعتبر قرينة ارتكازية لكشف مقصود المتكلم. وبناءً على ذلك، يتم التمييز بين العديد من الاستعمالات المجازية، سواء كانت من نوع المجاز في الكلمة أو المجاز في الإسنادات الكلامية (المجاز العقلي)، وبين الاستعمالات الحقيقية.

كرامة الإنسان، كخاصية إنسانية، تُعتبر دائمًا أمرًا ارتكازيًا في المحاورات العرفية ؛ بحيث يدرك الناس مقصد بعضهم البعض دون تأمل مع مراعاة الكرامة الإنسانية. على سبيل المثال، عندما يطلب شخص من آخر ماءً أو طعامًا لتناوله، فإن المستمع لا يتجاهل أبدًا المستلزمات المتناسبة مع كرامته، ويدرك أن المتكلم قد طلب منه مصاديق متناسبة مع شأنه وشخصيته الإنسانية.

أ) دور قرينة الكرامة في فهم المعنى المجازي في كلام الشارع

بناءً على كون كرامة الإنسان قرينة ارتكازية في المحادثات العرفية، فمن الواضح أنه لا يمكن إهمال هذه القرينة العرفية في النصوص الدينية. على سبيل المثال، إذا كانت عبارة من الشارع المقدس محل بحث، فإن عرف الناس يفسر هذه العبارة مع الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وحتى لو كان المعنى المقصود عرفًا من النوع المجازي، فإنهم لا يتخلون عنه، ويعتبرون المعنى الحقيقي واللفظي مخالفًا للظاهر.

قد يكون بيان رواية في هذا الشأن مفيدًا وواضحًا ؛ فعندما قام شخص بالتملق أمام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمر النبي علي بن أبي طالب أن يقطع لسانه. ظن الناس أنه سيقطع لسانه حقًا، ولكن الإمام علي (عليه السلام)، بالنظر إلى شخصية الإنسان وكرامته وتناسب الحكم مع الموضوع، قام وأعطاه بضعة دراهم. (الصدوق ). وهذا الفهم للمعنى من وجهة نظر عرفية يعتمد فقط على الانتباه إلى قرينة قيمة الإنسان وشخصيته، حيث يدرك ارتكازيًا أن منع التملق والمبالغة في مدح الإنسان لا يتناسب مع قطع لسان الإنسان، وأن المعنى المجازي هو المقصود.

في رواية أخرى، ورد أن النبي أمر أحد الصحابة بهذا الأمر، فسأل بتعجب: “هل أقطع لسانه حقًا؟” فأجابه النبي: “أمرتك أن تقطع لسانه بالعطاء”. المغربي. وبما أن هذا المعنى لم يُذكر في كلام النبي، يتضح أن إشارة النبي إلى إرادة المعنى المذكور تستند إلى قرائن حالية بناءً على الفهم العرفي ، والعرف في مثل هذه الحالات يدرك المعنى مع مراعاة تناسب المعنى مع كرامة الإنسان وشخصيته.

هذه الأقوال لا تتعارض أبدًا مع صدور أمر واضح في حالات خاصة، قد يُعتبر مخالفًا للكرامة في نظر الناس. ولكن ذلك يتطلب قرائن كافية لإرادة المعنى المخالف للكرامة العرفية. وبدون قرائن، ومع احتمال وجود معنى مجازي، لا يمكن إرادة المعنى الحقيقي المخالف للكرامة العرفية.

ب) دور قرينة الكرامة في كون الدليل العام يمتنع عن التخصيص

لا شك أن من مقامات تكريم الله تعالى للإنسان مواضع إعطاء النعم. وإذا ألقى دليل لفظي في مقام بيان نعم خاصة للإنسان ، فإن مقام الكلام يُعتبر من مقامات الامتنان. وفي المصادر الفقهية، الأصولية ، يعتبر لسان الامتنان للدليل قرينة لكشف نطاق موضوع الحكم. والعموم، عندما ينبع من امتنان الحكم الشرعي، لا يقبل التخصيص ، لأن التخصيص يخالف الامتنان. ولذلك، فإن العموم النابع من الامتنان لا يقبل التخصيص. الطباطبائي ، الأنصاري. وبناءً عليه، إذا ورد دليل في مقام مراعاة كرامة الإنسان وبغية بيان تكريم الإنسان ، فإنه من نوع الدليل الامتناني، ولهذا السبب لا يقبل التخصيص. ولذلك، إذا دلّ دليل واضح على حكم يخالف الكرامة عرفًا ، فإنه يدل على مصلحة تراعى لأجل كرامة الإنسان ، ويدل على خروج تخصصي وليس من نوع التخصيص.

ج) دور قرينة الكرامة في تخصيص الدليل العام

إذا استُخدمت ألفاظ عامة في دليل الحكم، بحيث يشمل الحكم العام حالات تخالف الكرامة العرفية، فإن الفهم العرفي، كقرينة لبية، يؤدي إلى التخصيص. على سبيل المثال، عندما ورد في مصدر الوحي أن “كل ما في الأرض حلال لكم”، فإن هذا الدليل، مع كونه لفظًا عامًا، لا يشمل الخبائث وما يخالف كرامة الإنسان تناوله، وذلك بسبب كرامة الإنسان.

د) دور قرينة الكرامة في منع إطلاق الدليل

ينعقد إطلاق الدليل عندما لا توجد قرينة تخالف الإطلاق. ومع وجود كرامة الإنسان، التي هي من القرائن اللبية والارتكازية، لا يمكن أن ينعقد إطلاق مخالف للكرامة العرفية للدليل اللفظي.

على سبيل المثال، عندما يبيّن الدليل الشرعي أو عبارة الحاكم الشرعي أن المالك يمكنه استرداد ملكه في أي وقت يجده في يد الغاصب ، هل يشمل هذا الدليل الثياب المغصوبة التي يرتديها الغاصب؟ وهل يمكن القول بناءً على إطلاق الدليل أن للمالك الحق في تعرية الغاصب علنًا؟ وهل للدليل الشرعي أو حكم الحاكم الشرعي إطلاق إلى هذا الحد أساسًا؟ من الواضح أنه لا يمكن قبول إطلاق الكلام إلى هذا الحد.

٧. الكرامة في موضع سبب للعناوين الثانوية

أحيانًا تُقدّم رتبة حكم مراعاة الكرامة على أحكام أخرى. فما ذُكر سابقًا هو الحكم الأولي لمراعاة الكرامة، ولكن أحيانًا يُقدّم هذا الحكم الأولي لأنه يصبح سببًا لعارض العناوين الثانوية على الحكم الأولي الآخر. على سبيل المثال، الخوف على الشرف والكرامة العرفية هو من مصاديق الخوف من الضرر. ونتيجة لذلك، في الحالات التي لا يجد فيها شخص ماءً للوضوء، ويعطيه شخص آخر الماء بشرط أن يقوم بفعل يؤدي إلى خطر على شرفه ومخالف لكرامته، فبما أن الخوف على العرض والشرف في شريعة الإسلام كالخوف على النفس ، لا يمكنه أن يُعرض نفسه للذل وهتك الحرمة ومخالفة الكرامة من أجل الحصول على الماء.

بهذا التوضيح، يمكن القول إن ما ينطبق على العناوين الثانوية مثل الضرر والحرج، يشمل الضرر والحرج من حيث كرامة الإنسان أيضًا. وبالتالي، يتوسع نطاق قاعدة نفي الحرج والضرر. بالإضافة إلى ذلك، فإن الكرامة هي حق خاص غير قابل للتنازل أو المصالحة، وتتجاوز الضرر المالي، وهي مثل الضرر الجسدي.

النتائج

١. إن تنوع دور كرامة الإنسان في الاستنباط الفقهي يؤدي إلى اختلاف في الأدلة ومنهج الإثبات. ونتيجة لذلك، في مقام الاستنباط الفقهي المبني على كرامة الإنسان، يجب بالإضافة إلى التفريق بين المواضع مراعاة المنهج المناسب لكل موضع.

٢. كلما كانت كرامة الإنسان فلسفة للحكم الشرعي، وفي مرتبة المصالح والمفاسد للأحكام الشرعية، فإن الملاك هو فقط ما اهتم به الشارع. ولذلك، فمحل البحث هو: هل يمكن بمعرفة وجود الكرامة في نظر العرف التوصل إلى حكم الشريعة؟ وهل بناء العقلاء والمصاديق العرفية سبيل لمعرفة فلسفة الحكم؟

٣. إذا كانت كرامة الإنسان موضوع حكم شرعي، فيمكن أن تلعب دورًا في قالب قاعدة فقهية. وفي هذه الحالة، ونظرًا لعدم تحديد مفهوم خاص للكرامة في الشرع، فإن موضوع الكرامة هو موضوع عرفي، وطريقة معرفته هي العرف.

٤. إذا طُرحت الكرامة في تمييز الحجة أو ترجيح الحجة في باب التعارض، فإن المصداق العرفي للكرامة لا يمكن أن يكون فعالًا في تحديد الحجة، ولا يُعدّ من المرجحات. ولكن في حالات التزاحم، يمكن، باستخدام موازنة أهمية مصاديق الكرامة حتى من منظور عرفي، اختيار أحد التكليفين للقيام به.

٥. بما أن موضع أصول الفقه للكرامة مبني على قبول موضع فلسفة ومقصد الكرامة الشرعية ، ندرك أنها ليست موضوعًا عرفيًا، بل هي حقيقة مبنية على مصلحة حقيقية للإنسان، تُعرف بالنظر إلى الحياة الدنيا والآخرة معًا. ومعرفتها تكون فقط بعلم الشارع، والشارع يخبر عنها. ونتيجة لذلك، يجب أن يقتصر سبيل كشفها على البيان الشرعي.

٦. كلما ظهرت الكرامة في مصداق لسبب عنوان ثانوي مثل الضرر والحرج وغيرها، فإنها ستكون موضوعًا عرفيًا، وتُدرس كغيرها من موضوعات الأحكام الشرعية.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • نهج البلاغة، السيد الرضي ١٤١٤ق، قم: مؤسسة نهج البلاغة.
  • ابن زهرة الحلبي (١٤١٧ق). غنية النزوع إلى علمي الأصول و الفروع. ط ١، قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).
  • ابن مازة محمود بن أحمد البخاري الحنفي (١٤٢٤ق). المحيط البرهاني في الفقه النعماني. ط ١، بيروت: دار الكتب العلمية.
  • ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم (١٤١٤ق). لسان العرب. بيروت: دار صادر – دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  • ابن نجيم المصري زين الدين بن إبراهيم بن محمد (بلا تا). البحر الرائق شرح كنز الدقائق. ط ٢، بيروت: دار الكتاب الإسلامي.
  • أحمد بن فارس بن زكريا (١٤٠٤ق). معجم مقاييس اللغة. ط ١، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.
  • آخوند الخراساني محمد كاظم بن حسين (١٤٢٤ق). كفاية الأصول. ط ١، قم: مؤسسة آل البيت.
  • أردبيلي، أحمد بن محمد (١٤٠٢ق). مجمع الفائدة والبرهان في شرح ارشاد الأذهان. قم: دفتر انتشارات إسلامي.
  • أصفهاني، محمد تقي (بلا تا). هداية المسترشدين في شرح معالم الدين. قم: مؤسسة آل البيت.
  • أنصاري شيخ مرتضى (١٤١٩ق). فرائد الأصول. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • توني، عبد الله بن محمد (١٤١٢ق). الوافية في أصول الفقه. قم: مجمع الفكر الإسلامي.
  • جعفري تبريزي محمد تقي (١٤١٩ق). رسائل فقهية. ط ١، طهران: مؤسسة منشورات كرامت.
  • جوادي آملي، عبد الله (١٣٩٦ش). كرامت در قرآن. ط ٣، قم: مركز نشر فرهنگي رجاء.
  • جويني، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف (١٤٢٨ق). نهاية المطلب في دراية المذهب. ط ١، بيروت: دار المنهاج.
  • حائري، محمد حسين (١٤٠٤ق). الفصول الغروية في الأصول الفقهية. قم: دار إحياء العلوم الإسلامية.
  • حلي، علامة حسن بن يوسف (١٤١٤ق). تذكرة الفقهاء. ط ١، قم: مؤسسة آل البيت.
  • حلي، علامة حسن بن يوسف (١٤١٢ق). منتهى المطلب. ط ١، مشهد: مجمع البحوث الإسلامية.
  • حلي، علامة حسن بن يوسف (١٤١٩ق). نهاية الإحكام في معرفة الأحكام. ط ١، قم: مؤسسة آل البيت.
  • خادمي كوشا، محمد علي (١٤٠٢). ملازمة كرامت إنسان با حكم شرعي و راه شناخت مصاديق آن در استنباط فقهي، فصلنامه پژوهشهاي أصولي، ٣٥(١٠) ٩٤٠-٧١.
  • ديميري، كمال الدين محمد بن موسى الشافعي (١٤٢٥ق). النجم الوهاج في شرح المنهاج. ط ١، جدة: دار المنهاج.
  • رافعي، عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (بلا تا). فتح العزيز بشرح الوجيز. بيروت: دار الفكر.
  • سبزواري، سيد عبد الأعلى (١٤١٣ق). مهذب الأحكام. ط ٤، قم: مؤسسة المنار.
  • سنيكي الأنصاري زكريا بن محمد بن أحمد (١٤١٤ق). فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر.
  • سيد مرتضى، علي بن حسين موسوي (١٤١٧ق). المسائل الناصريات. ط ١، طهران: رابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية.
  • سيوري حلي، مقداد بن عبد الله (١٤٠٤ق). التنقيح الرائع لمختصر الشرائع. ط ١، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
  • شافعي، محمد بن إدريس (بلا تا). أحكام القرآن. بيروت: دار الكتب العلمية.
  • شربيني، محمد بن أحمد (١٤١٥ق). مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج. ط ١، بيروت: دار الكتب العلمية.
  • شهابي عاملي محمود قانصو (١٤١٨ق). المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه. بيروت: دار المؤرخ العربي.
  • شهيد ثاني زين الدين بن علي (١٤١٣ق). مسالك الأفهام. قم: مؤسسة معارف إسلامية.
  • شيخ بهائي عاملي بهاء الدين محمد (بلا تا). الحاشية على كتاب من لا يحضره الفقيه. قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
  • صاحب بن عباد (١٤١٤ق). المحيط في اللغة. ط ١، بيروت: عالم الكتاب.
  • صدوق، محمد بن علي بن بابويه (١٣٨٦ق). علل الشرائع. ط ١، قم: كتابفروشي داوري.
  • صدوق، محمد بن علي بن بابويه (١٤٠٣ق). معاني الأخبار. قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • صدوق، محمد بن علي بن بابويه (١٤١٣ق). من لا يحضره الفقيه. قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • طباطبائي قمي، سيد تقي (١٤٢٣ق). الدلائل في شرح منتخب المسائل. ط ١، قم: كتابفروشي محلاتي.
  • طباطبائي، سيد محمد (بلا تا). مفاتيح الأصول. دار الطباعة (طبعة حجرية).
  • طبرسي، أحمد بن علي (١٤٠٣ق). الاحتجاج. ط ١، مشهد: نشر مرتضى.
  • عاملي، محمد بن علي موسوي (١٤١١ق). مدارك الأحكام في شرح عبادات شرائع الإسلام. ط ١، بيروت: مؤسسة آل البيت.
  • عميد زنجاني عباسعلي وتوكلي محمد مهدي (١٣٨٦). حقوق بشر اسلامي و كرامت ذاتي إنسان در اسلام، مجلة “مطالعات حقوق خصوصي (حقوق)”، الدورة ٣٧، العدد ٤، ص ١٦١-١٨٩.
  • عيني بدر الدين محمود بن أحمد (١٤٢٨ق). منحة السلوك في شرح تحفة الملوك. المحقق د. أحمد عبد الرزاق الكبيسي، قطر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  • عيني، بدرالدين محمود بن أحمد (١٤٢٦ق). عمدة القاري في شرح صحيح البخاري. بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  • غروي أصفهاني محمد حسين (١٣٧٤ق). نهاية الدراية في شرح الكفاية. ط ١، طبعة قديمة، قم: سيد الشهداء.
  • فراهيدي خليل بن أحمد (١٤١٠ق). كتاب العين. ط ٢، قم: نشر هجرت.
  • فيض كاشاني، محمد محسن ابن شاه مرتضى (١٤٠٦ق). الوافي. ط ١، أصفهان: مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي.
  • كاشف الغطاء، جعفر بن خضر مالكي (١٤٢٢ق). كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء. ط ١، قم: (ط – الحديثة انتشارات دفتر تبليغات إسلامي حوزه علميه قم.
  • كليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب (١٤٠٧ق). الكافي. ط ٤، طهران: دار الكتب الإسلامية.
  • مجلسي، محمد تقي (١٤٠٦ق). روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه. ط ٢، قم: مؤسسة ثقافية إسلامية كوشانبور.
  • محدث نوري، ميرزا حسين (١٤٠٨ق). مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل. بيروت: مؤسسة آل البيت.
  • مراغي، سيد مير عبد الفتاح بن علي حسيني (١٤١٧ق). العناوين الفقهية. ط ١، قم: دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم.
  • مرتضى، أحمد بن يحيى (بلا تا). شرح الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، مؤسسة الإمام زيد بن علي.
  • مرعشي نجفي سيد شهاب الدين (١٤١٥ق). القصاص على ضوء القرآن والسنة. ط ١، قم: انتشارات مكتبة آية الله مرعشي نجفي.
  • مطهري، مرتضى (١٣٩٠). حكمتها و اندرزها. طهران: صدرا.
  • مظفر، محمدرضا (١٣٧٥ش). أصول الفقه. ط ٥، قم: إسماعيليان.
  • مغربي نعمان بن محمد تميمي (١٣٨٥ق). دعائم الإسلام. ط ٢، قم: مؤسسة آل البيت.
  • موسوي أردبيلي، سيد عبد الكريم (١٤٢٧ق). فقه الحدود والتعزيرات. ط ٢، قم: مؤسسة النشر الجامعة المفيد.
  • موسوي قزويني، سيد علي (١٤٢٢ق). تعليقة على معالم الأصول. قم: انتشارات جامعه مدرسين.
  • مؤمن قمي، علي (١٤٢١ق). جامع الخلاف والوفاق. ط ١، قم: زمينه‌سازان ظهور إمام عصر (عج).
  • نجفي، شيخ محمد حسن (١٣٦٧ش). جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام. ط ٣، طهران: دار كتب الإسلامية.
  • نووي، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (بلا تا). المجموع شرح المهذب. بيروت: دار الفكر.
Scroll to Top