ملخص
تحظى رسائل السياسة والعهود السياسية في تاريخ الإسلام بأهمية خاصة. ومن أشهر ما كُتب في هذا الباب خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة، عهد الإمام علي (ع) إلى مالك الأشتر النخعي، ووصية طاهر بن الحسين ذي اليمينين، القائد المعروف في الدولة العباسية، إلى ابنه عبد الله. تسعى هذه المقالة إلى عقد مقارنة بين هاتين الوثيقتين، اللتين تمثل كل منهما أنموذجًا لآداب الحكم ونوع الإدارة في كل من الدولة العلوية والخلافة العباسية. تظهر نتائج هذا البحث أن عهد الإمام علي (ع) يتمتع بعمق رؤية اجتماعية أوسع، حيث أولى اهتمامًا دقيقًا لبعض الفئات الاجتماعية التي لم يرد لها أي ذكر في وصية طاهر. في فكر أمير المؤمنين (ع)، تكون خدمة الوالي، مع إقامة العدل، وسيلة لنيل رضا الله. في المقابل، نجد في وصية ممثل الدولة العباسية أن رضا الخليفة هو الشرط الأساسي لممارسة الحكم على الناس. ورغم ذلك، تلاحظ بعض أوجه التشابه بين الوثيقتين في مسائل مثل استشارة الأفراد ومراقبة أداء العمّال.
المقدمة
في تاريخ إيران والإسلام، كانت الأفكار السياسية وآداب الحكم تُدوَّن أحيانًا من قبل النخب في قوالب الوصايا والرسائل الإرشادية ذات الطابع السياسي والاجتماعي والأخلاقي والإداري، والتي خلّفت تأثيرات بالغة في الحياة السياسية والاجتماعية للشعوب والحكومات. ومن بين هذه الرسائل، يشتهر عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) إلى مالك الأشتر (قائده الشهير) (1)، ورسالة طاهر بن الحسين ذي اليمينين (2) إلى ابنه عبد الله في عهد الخليفة العباسي المأمون (حكم 198-218هـ/813-833م). وقد كُتبت هذه الرسالة في وقت كان طاهر بن الحسين يتولى فيه حكم خراسان (205-207هـ/820-822م). في هذه المقالة، تم السعي لمقارنة وتحليل هاتين الرسالتين نظرًا لأهميتهما في عصر كتابتهما وما بعده. من الجدير بالذكر أنه على الرغم من وجود اختلاف زمني بين الرسالتين، فإنهما تشتركان في بعض التشابهات التاريخية. منها: أولًا، أن كلًّا من مالك الأشتر وعبد الله بن طاهر كانا حاكمين على أرض مصر عند كتابة الرسالتين لهما. ثانيًا، أُرسل كلاهما إلى مصر بعد فترة من الاضطراب والأزمة السياسية لتأمين المنطقة (3). ثالثًا، أصبحت كلتا الرسالتين نموذجًا في أسلوب الحكم لمن بعدهما، حتى إن المأمون أمر بنسخ نسخ عديدة من رسالة طاهر وإرسالها إلى جميع عماله ليتبعوها ويتخذوها نموذجًا لإدارة شؤون الحكم.
1. طاعة الله وضرورة الاعتبار من الماضين
إن ضرورة طاعة الله والخوف من يوم القيامة قد تم التأكيد عليها في بداية كلتا الوصيتين، وهو أمر عادة ما يُلحظ في مستهل المكاتبات والرسائل الإدارية. إن الاعتبار بمن مضى، خاصة الحكام، هو من المسائل التي حظيت باهتمام دائم في الإسلام. فقد حث القرآن الكريم في آيات متعددة على دراسة سير الأقوام وأعمالهم وأسباب سقوطهم، بهدف التشجيع على اكتساب التجربة والعبرة. على هذا الأساس، يؤكد الإمام علي (ع) في عهده لمالك الأشتر تأكيدًا مضاعفًا على الاعتبار بملوك الماضي، ويقول لمالك بوعي: “فكما أنك تعتبر بسيرة الملوك الماضين، فاعلم أنهم سيحكمون عليك في المستقبل بنفس المقياس”. ويحذره من أنه كما أن بعض الحكام السابقين لم يتركوا ذكرًا حسنًا بسبب سلوكهم السيئ، فعليه أن يراقب سلوكه لئلا يلقى مصيرهم. ويذكر طاهر ابنه بمثل هذا المعنى قائلاً: “اعتبر بما ترى من أحوال الدنيا وأهلها من ذوي السلطان والرؤساء والأمم التي بادت في القرون الخالية ومضت قبلك”.
2. ضرورة الاهتمام بالرعية وخدمتها
يُستفاد من مجموع الرسالتين أن خدمة الناس تندرج في إطار طاعة الله. يكتب طاهر: “قد أحسن الله إليك بأن ولاك أمور عباده، من إقامة الحق والحدود والدفاع عنهم وتأمين معاشهم”. ويؤكد أن الله سيحاسبك في الآخرة على هذه الأمور ويثيبك على أعمالك الماضية والمستقبلية. لذلك، لا ينبغي أن يغفلك عن ذلك شيء أو يشغلك عنه، فإنه رأس الأمر وملاك الاعتبار وأول ما يرشدك الله به إلى هداه. أما الإمام علي (ع)، فيؤكد بكلام أبلغ وأكثر استدلالًا أن على الوالي أن يجعل الرحمة بالرعية والرفق بهم شعار قلبه، وأن يكون محبًا وودودًا للجميع. ويبين الإمام ببراعة أن الله قد جعل الناس وسيلة لاختبارك. لذلك، لا تحارب الله بظلم الناس، فإنه لا نجاة لك من عقابه، ولن تستغني عن رحمته وعفوه.
ميزة وصية الإمام علي (ع) في خدمة الناس مقارنة بوصية طاهر هي أنه يعتبر هذه الخدمة اختبارًا إلهيًا في هذه الدنيا؛ بينما يرى طاهر أن خدمة الناس لها أجر أخروي لابنه فحسب. كما يمنح الإمام علي (ع) واليه حرية تصرف أكبر تجاه الحكومة المركزية. يقول الإمام علي (ع) لمالك في خدمة الناس: “ولا تقولن إني مؤمَّر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرب من الغير”. بينما لا يظهر هذا المعنى أبدًا في رسالة طاهر إلى عبد الله، حيث يلتزم والي مصر بالطاعة المطلقة للخليفة دون نقاش. وفي هذا السياق، يوصي الإمام علي (ع) بأن تكون الصداقة مع الناس صداقة مع الله، والعداوة معهم عداوة مع الله. “أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده”. فليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها لرضا الرعية. يكمن الاختلاف في الرؤية بين الإمام علي (ع) وعلي بن الحسين (طاهر) في أن حاكم خراسان يرى ثوابًا فرديًا لخدمة الناس، بينما يعطي الإمام علي (ع) الأصالة للناس في أمور الدين والدنيا والحكم؛ فهم أعمدة الدين الراسخة، وجماع المسلمين، وعدة الدفاع عنهم. ولهذه الأهمية، يعتبر الإمام علي (ع) أن إحدى أهم واجبات الحاكم هي ستر عيوب الناس.
3. التأكيد على أهمية المشورة في القرارات الحكومية
تعد المشورة من مؤشرات الإدارة في حكم المجتمع. في رسالتي الإمام علي (ع) وطاهر، تم التأكيد بشكل خاص على مكانة المشورة، حيث يجب على الحاكم أن يجالس العلماء ويستشيرهم في الأمور. يرى طاهر أن أبرز صفات المستشارين هي أن يتمتع طرف المشورة بشجاعة تمنعه من كتمان عيب الحاكم هيبة منه. بينما يؤكد الإمام علي (ع) على عدة أمور إضافية في صفات المستشارين لم يلتفت إليها الحاكم العباسي. فمن وجهة نظر الإمام (ع)، لا ينبغي للمستشار أن يكون بخيلاً أو جبانًا أو حريصًا؛ لأن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله العظيم. كما يؤكد الإمام على عدم استشارة من تعاونوا مع الحكام الظلمة السابقين. وفي المقابل، يوصي بمشاورة من لم يعاونوا على إثم؛ لأن مؤونتهم على الحاكم أخف، ومعونتهم أحسن، ومودتهم لغيره أقل. ورغم اتفاقه مع ذي اليمينين في نقطة واحدة، حيث يوصي باختيار أصدق الناس في قول الحق ومن لا يرضون لك ما لا يرضاه الله لأوليائه، فإنه يضيف قائلاً: “ثم رضهم على ألا يطروك ولا يبجحوك بباطل لم تفعله”. ويشدد الإمام علي (ع) على رسوله قائلاً: “أكثر من مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك”. الإمام علي (ع)، كعالم اجتماع، يعرّف طبقات المجتمع ويقسمها إلى فئات مختلفة، وهو أمر لا يلاحظ في رسالة عبد الله، مما يدل على معرفة الإمام بالمجتمع ودقة نظره في فهم الناس. فهو يسعى، عبر تشخيص طبقات المجتمع، كالأطباء، إلى تحديد الداء أولاً ثم علاجه؛ لأنه يرى أن حل مشكلات الحكم وانتصاره على الصعاب يعتمد على الثقة بالناس والترابط معهم. حيث يقول: “واعلم يا مالك أن أفضل ما يوجب ثقة الوالي برعيته هو إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عنهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإن حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً”.
4. العسكريون
يقسم الإمام علي (ع) المجتمع إلى تسع طبقات: 1. الجنود. 2. الكتّاب من العامة والخاصة. 3. قضاة العدل. 4. عمال الإنصاف والرفق. 5. أهل الجزية. 6. أهل الخراج. 7. التجار والصناع. 8. أصحاب الحرف والمهن. 9. الطبقة السفلى. ويرى أن جميع هذه الطبقات مترابطة، ولا يمكن إصلاح إحداها دون الأخرى. أما أمير خراسان، فيشير فقط إلى بضع فئات صغيرة من المجتمع تشمل الجند والقضاة ودافعي الضرائب والطبقات الدنيا، متغافلاً عن بقية الطبقات التي تشكل حلقات متصلة ببعضها البعض.
يتناول الإمام علي (ع) طبقة العسكريين بشكل مفصل، ويتحدث عن كيفية اختيار القادة، ونوع علاقة الحاكم بالأفراد الأكفاء، وشروط القيادة وغيرها؛ بينما لم يشر طاهر في رسالته إلى ذلك قط، والسبب في هذا الاختلاف يعود إلى الفكر والمكانة الفكرية والسياسية للكاتبين. يرى أمير خراسان أن الاهتمام بالجنود والعسكريين يهدف إلى تحقيق الاستقرار وطاعتهم المطلقة للحاكم. بينما يعتبر علي (ع) الجند “حصون الرعية، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعية إلا بهم” (السيد الرضي، 1382، الرسالة 53). أما طاهر، فينظر إلى الجند والعسكريين نظرة مادية بحتة، ويطلب من ابنه أن يدفع رواتبهم في وقتها المحدد وأن يكون سخيًا معهم، لكسب رضاهم من أجل تنفيذ أهداف الحكومة. في حين أن أمير المؤمنين علي (ع)، بالإضافة إلى دفع رواتبهم بانتظام، يركز أكثر على الجوانب النفسية والعاطفية والأخلاقية للجنود، ويطلب من مالك أن يحقق أمانيهم، وأن يثني عليهم دائمًا، ويذكر الأعمال الهامة التي أنجزوها؛ لأن تذكيرهم بأعمالهم القيمة يشجع الشجعان ويحث الجبناء على المحاولة.
5. القضاء
لدى طاهر مفاهيم جميلة حول القضاء. من وجهة نظره، للقضاء عند الله أهمية لا يضاهيها شيء. القضاء هو ميزان الله الذي به تستقيم أمور الأرض. بالعدل في القضاء والعمل، تستقيم الرعية، وتأمن السبل، ويُنصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم، ويتحسن المعاش، وتُؤدى حقوق الطاعة، ويمنح الله العافية والسلامة، ويستقيم الدين، وتجري السنن والشرائع، ويتم العدل في القضاء. أما الإمام علي (ع)، فيتحدث أكثر عن صفات الشخص المختار للقضاء، حيث يوصي بأن يكون القاضي من أفضل الناس، شخصًا لا تضجره كثرة مراجعات الناس، ولا يغضبه اختلاف الخصوم، ولا يتمادى في زلته، ولا يكتفي بأدنى فهم دون الأقصى، ولا يخدعه إطراء المادحين، ولا يستميله تملق المتملقين. ويكتب الإمام علي (ع) عن الاهتمام بمعاشه: “ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس. وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك”.
6. منهج اختيار المدراء والتعامل معهم
بما أن المدراء التنفيذيين هم الركن الأساسي للدولة، يضع الإمام علي (ع) مؤشرات لهذه الفئة. يرى أن عمال الدولة يجب أن يتم اختيارهم من بين: أ. أهل التجربة. ب. أهل البيوتات الصالحة والتقوى. ويضيف الإمام علي (ع) لمنع الخيانة: يجب أن يُعطى لهذه الفئة من أركان الحكم رواتب كافية؛ لأن العمال عندما يكونون في غنى لا يمدون أيديهم إلى أموال بيت المال. كما أن ذلك حجة عليهم إن خالفوا أمر الحاكم أو خانوا أمانته، وحينئذ يمكن للحكومة المركزية محاسبتهم دون أن يكون لهم عذر. أما طاهر، فلا يهتم أبدًا بالظروف الفردية والعائلية، ويكتفي بالقول: “عندما تأمر عمالك، فكر في نتيجة ما تقصده، فإن رأيته مقرونًا بالسلامة والعافية ورجوت منه الخير، فأمضه، وإلا فامتنع عنه، واستشر ذوي الرأي والعلم من الناس، ثم هيئ له لوازمه”. ورغم أن كليهما يتفقان على تفتيش عمل العمال ويقولان بضرورة تعيين عيون عليهم ليكونوا رقيبًا سريًا على سلوكهم وأفعالهم، فإن الإمام علي (ع) يكتب عن طريقة التعامل مع العمال الخائنين: “فإن أحدٌ منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدًا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة، ووسمته بالخيانة، وقلدته عار التهمة”. وهذا ما لم يشر إليه الأمير العباسي أصلًا.
7. الضريبة وأثرها في البلاد
يُلاحظ في كلتا الرسالتين أن الكاتبين يعتبران الضريبة مصدر غيرة الإسلام ورفاهيته وإصلاح شؤون فئات المجتمع، ويطالبان بألا يتم تحصيل الخراج والضريبة من الناس فوق طاقتهم. ولكن ما تم الاهتمام به بدقة أكبر في بيان الإمام علي (ع) هو السعي نحو عمارة الأراضي الزراعية. حيث يخاطب مالكًا قائلاً: “وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلاً”. والتأكيد النفسي الذي يوليه الإمام للعمارة هو أن العمران يزيد من قدرة الناس على التحمل، وعكسه الخراب. إن خراب الأرض يؤدي إلى عسر المزارعين، وفقرهم بسبب نهب أموالهم من قبل حكام لا يثقون بمستقبل حكمهم ولا يعتبرون بتاريخ الماضين. ولهذا السبب، يوصي الإمام علي (ع) بأنه إذا اشتكى الناس من ثقل الضرائب ومشكلات زراعتهم، فيجب تخفيف ضرائبهم، وألا يقلقه أبدًا التخفيف من الخراج؛ لأن ذلك ذخر يعودون به في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك. وهذا هو ما يخاطب به ذو اليمينين ابنه: “إذا زادت الأموال وخُزنت في الخزائن، لم تثمر، ولكن إذا أنفقت في صلاح الرعية وإعطاء الحقوق ورفع حوائجهم، نمت، وعز بها العامة، وازدهرت بها الولاية، وصار ذلك سببًا للعزة والمنعة”. ويستنتج أن كنز خزائنك هو بذل المال في عمران الإسلام والمسلمين. ورغم أنه بسبب موقع عبد الله، يوصي طاهر، لكي يبقى في مأمن من خطر أصدقاء الخليفة، بأن تُعطى حقوق أصدقاء الخليفة بكفاية. يرى طاهر أن نتيجة هذا العمل ستكون أن جماعة الناس سيطيعونك بسبب شمول الإحسان والعدل، وكل ما تأمرهم به سيقبلونه بقلب راضٍ.
8. دراسة شؤون الكتّاب والمنشئين
يخاطب الإمام علي (ع) مالكًا معتقدًا أن الكتّاب يجب أن يتم اختيارهم من بين أناس لا تبطرهم الكرامة، ولا يتجاوزون حدودهم، ويعرفون قدرهم ومنزلتهم، ولا يعارضونك في حضرة الآخرين، ولا يتوانون في تنفيذ العقود، ولا يقصرون في فسخ عقد يضر بك. ويوصي سماحته بالدقة في اختيارهم وألا يُعتمد فقط على الفطنة وحسن الظن بهم، لأن الأفراد يتملقون الحكام بالمظاهر والخدمة الحسنة، بل يجب اختبارهم بالخدمات التي قدموها للحكام السابقين. لأنه بقول الإمام علي (ع)، كلما كان في عمل الكتّاب والمنشئين نقص وأنت عنه غافل، لحقتك أخطاره.
لا يذكر الإمام علي (ع) شيئًا عن كيفية العمل مع الكتّاب. ولكن طاهر، رغم أنه لا يذكر شيئًا عن معايير الاختيار، فإنه يوجه ملاحظة دقيقة لحاكم مصر حول العمل معهم، قائلاً: “انظر في أمور عمالك وكتّابك الذين تستطيع عن قرب، وعيّن لكل واحد منهم وقتًا في كل يوم يأتونك فيه برسائلهم ومحاوراتهم وحوائج العمال وأمور الولايات والرعية؛ ثم انظر في ذلك بسمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وتدبره مرارًا وتأمل فيه، وأمضِ ما وافق الرأي والحكمة، واستخر الله فيه، وما خالف ذلك فأخره للتحقيق والسؤال عنه”. يتضح من رسالة الإمام علي (ع) أنه يركز أكثر على الجوانب الشخصية وقدرات الكتّاب، بينما يؤكد طاهر على قدرة الحاكم في إدارة شؤونهم. لقد تم إغفال موضوع التجار في رسالة طاهر بشدة، بينما خصص الإمام علي (ع) جزءًا مهمًا من رسالته للتجار وأوصى عامله بهم.
9. رعاية المحرومين وسيلة للتقرب إلى الله
من الموارد التي يؤكد عليها كاتبا الرسالتين تأكيدًا شديدًا رعاية المحرومين والمحتاجين. في هذا القسم، تظهر أوجه تشابه، منها أن الله قد خصص حقًا من بيت المال للمساكين، وأنه يجب تعيين أفراد أمناء، خائفين من الله، متواضعين عليهم لمتابعة شؤونهم ورفع تقاريرهم إلى الوالي. لدى طاهر اقتراحات لرعاية المحتاجين، منها بناء بيوت لهم يعيشون فيها، ومستشفيات وأطباء يعالجونهم مجانًا. أما الإمام علي (ع)، فيتناول موضوع المحتاجين بدقة أكبر ويعتقد أن على الوالي تخصيص جزء من وقته لهم. حتى إنه يقترح أن يشارك الحاكم في مجالسهم العامة ويبعد جنوده وأعوانه وحراسه الذين عادة ما يكونون حاجزًا يمنع وصول كلامهم وشكواهم إلى الحاكم، ليتمكنوا من الوصول إليه بسهولة والتعبير عن مشكلاتهم دون خوف. يطلب من مالك أن يخصص جزءًا من بيت المال ومقدارًا من غلات الأراضي المفتوحة عنوة في كل مدينة للطبقات الدنيا، خاصة رعاية أمور من لا يقعون تحت الأعين لصغرهم. النقطة الجديرة بالاهتمام التي تلاحظ في كلتا الرسالتين هي أن هذا الأمر قد يؤدي إلى عدم شكرهم للحاكم، بل وقد يتفوهون بكلام قاسٍ، ويجب على الوالي أن يعاملهم في كل حال بمداراة، لأن هذا الأمر يسبب القرب والتقرب إلى الله.
في كلتا الرسالتين، بالإضافة إلى أسلوب التعامل مع الناس، هناك تأكيدات على أسلوب الإدارة في المجتمع، حيث تظهر أوجه تشابه كثيرة. منها أنه في كلتيهما يوصى بأن يقوم الحاكم ببعض الأعمال بنفسه، لأن الكتّاب قد لا يتمكنون من الرد على بعض الرسائل. ثانيًا، أن كل عمل يجب أن يُنجز في يومه بدقة، ولا يؤجل عمل اليوم إلى الغد؛ لأن الغد يتطلب إنجاز عمل يومين، وهذا الأمر يشغل الفرد لدرجة أنه يعجز عن إنجازه. ثالثًا، في كلتا الرسالتين تأكيد على ألا يحتجب الحكام عن الناس. خاصة أن طاهر يؤكد أن على عبد الله أن يستقبل الناس كثيرًا ويظهر لهم وجهه ويبعد حراسه عن الناس ويتواضع معهم ويلين في سؤاله وكلامه معهم. يرى الإمام علي (ع) أن من آفات الاحتجاب عن الرعية أن الناس عندما يكونون بعيدين عن الحاكم، يرون العمل الكبير صغيرًا والصغير كبيرًا. ورغم أن كليهما يوصيان بأن يخصص الحاكم جزءًا من ليله لعبادة الله وأن يصلي الجماعة مع الناس.
10. كيفية التعامل مع الأقارب الانتهازيين
من الأمور التي تضر بصورة القيادة وجود الأقارب الانتهازيين والناهبين الذين يستغلون الفرص لتحقيق مصالحهم. الإمام علي (ع)، ضمن بيانه لسلوك المقربين، يذكر أن للحكام خاصة وبطانة يستأثرون ويستطيلون، وفي المعاملات لا ينصفون. ويطلب من مالك أن يقطع أسباب ظلمهم، وألا يقطع لأحد منهم أرضًا، وأن يعاملهم بطريقة لا يُعقد بها عقد لصالحهم يضر بالناس؛ لأن نفعه في تلك الحالة لهم، وعيبه وعاره في الدنيا والآخرة على الحاكم. وهذا بينما يؤكد طاهر في رسالته، خلافًا للإمام، تأكيدًا خاصًا على رعاية حال أقاربه وبني العباس. وهذا بالطبع يدل على مدى سيطرة الأسرة الطاهرية على الأراضي الإسلامية في عصر المأمون.
11. التأكيد على إنجاز الأعمال ابتغاء مرضاة الله فقط
يؤكد الإمام علي (ع) على أن الأعمال يجب أن تكون خالصة لرضا الله. يجب على الحاكم أن يبتعد عن كل أشكال العجب بالنفس، لأن العجب بالنفس هو أفضل فرصة للشيطان ليتسلل إلى القلب ويدمر أعمال المحسنين. كما يؤكد على أن الحاكم لا ينبغي أن يمن على الناس بأفعاله، لأن المن يبطل أجر الإحسان. وهذا هو ما يؤكد عليه طاهر مخاطبًا ابنه: “إذا أعطيت، فكن طيب النفس، سهل العطاء، لا تطلب عوضًا ولا جزاءً، ولا تكن متسخطًا ولا منانًا، فإن العطاء بهذه الطريقة تجارة مربحة”.
12. دراسة أحوال السابقين
في نص رسالتي هذين العظيمين، تأكيد خاص على دراسة أحوال الحكومات السابقة. يطلب الإمام علي (ع) من مالك أن يتعلم، خاصة من الحكومات العادلة، والسنن القيمة للماضين، وآثار النبي (ص)، والواجبات المذكورة في كتاب الله. وطاهر، ضمن دراسته لآثار الماضين في بحث المشكلات، يوصي ابنه بالقرآن وأحاديث النبي (ص). ورغم أنه يؤكد بشكل خاص على تعلم علم الفقه لابنه، لأنه يرى أن الفقه زينة الرجل، وطلبه ونشره ومعرفته يقرب إلى الله، وهو دليل على كل خير، وينهى عن كل سوء ومعصية، ويزيد من معرفة الله، ويؤدي إلى نيل المراتب العالية يوم المعاد. ويُذكر أن الفقه في صدر الإسلام لم يكن قد ظهر كعلم مستقل، ولعل هذا هو السبب في عدم إشارة الإمام علي (ع) إليه. في نهاية كلتا الرسالتين، تم الدعاء لكلا الشخصين بالتوفيق والنجاح من الله العظيم.
الخاتمة
- في هاتين الرسالتين، يتضح اختلاف وجهات النظر بين نمطين وأسلوبين في حكم الدولتين العلوية والعباسية بشكل جلي.
- يتمتع عهد الإمام علي (ع) بقدر أكبر من الإحكام والحكمة والشمولية.
- يمنح الإمام علي (ع) عامله صلاحيات أوسع، لدرجة أنه يقول: “لا تقل للناس إني أُمرت وأنا آمر فيجب أن أُطاع، فإن هذا يفسد القلب ويهلك الدين ويؤدي إلى زوال النعمة”. ولكن في رسالة طاهر إلى عبد الله، لم يُذكر هذا الأمر قط. يرى والي مصر نفسه مجبرًا على الطاعة المحضة لأوامر الخليفة، ومجبرًا على تنفيذ ما يأمر به الخليفة دون نقاش.
- تُظهر رسالة الإمام علي (ع) معرفته العميقة بالمجتمع، خاصة بالطبقات الاجتماعية، حيث يطلب من مالك أن يولي اهتمامًا خاصًا لكل فئة. وهذا بينما لم يتم الاهتمام بأي من الطبقات الاجتماعية في رسالة حاكم خراسان.
- في رسالة ممثل العباسيين، لم يرد شيء عن معايير اختيار المدراء والقادة العسكريين والقضاة، وأحيانًا تظهر اختلافات كبيرة في وجهة نظر الفكرين تجاه أركان الحكم. فمثلاً، يرى هو أن الاهتمام بأحوال الجنود يقتصر على طاعتهم المطلقة للخليفة. أما الإمام علي (ع)، فيمنح القوات العسكرية هوية مستقلة ومعنوية، ولهذا السبب يطلب من الحاكم أن يهتم بهم لأنهم جند الله، وحصن الرعية، وزينة الحكام.
- يطلب مولى المؤمنين (ع) من مالك الأشتر أن يحذر من أقاربه الانتهازيين ومن الخليفة، وأن يمنع نهبهم لبيت المال. ولكن طاهر يؤكد تأكيدًا مضاعفًا على رعاية الشؤون المالية لأقاربه وخاصة المقربين من الخليفة. وليس من المستغرب أن المأمون عندما اطلع على نص رسالة طاهر قال: “لم يترك أبو الطيب (طاهر) شيئًا من أمور الدين والدنيا… وحفظ السلطان وطاعة الخلفاء وتثبيت الخلافة”.
الهوامش
1. نسبه هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن مسلمة بن ربيعة بن خزيمة بن سعد بن مالك بن النخع بن عمرو بن خالد بن مالك بن أدد. (ابن أبي الحديد، د.ت، 6/312).
2. نسبه هو طاهر بن الحسين بن مصعب بن زريق. (مؤلف مجهول، 1373ش، 86).
3. أُرسل مالك الأشتر إلى مصر بعد فترة من الاضطرابات في أثناء حكم محمد بن أبي بكر سنة 38 هـ، وكذلك كُلّف عبد الله بن طاهر بالتوجه إلى تلك المنطقة سنة 206 هـ لقمع ثورة نصر بن شبث. (للاطلاع على إرسال مالك إلى مصر، انظر: لسان الملك، 1396ق، 3/294؛ ولحركة عبد الله إلى الرقة ومصر، انظر: مؤلف مجهول، 1415هـ، 2839).