الملخص
مقاصد الشريعة هي الأهداف والغايات الكلية للشارع التي لوحظت في تشريع الأحكام، والوصول إليها هو المطلوب ومورد عناية المولى الحكيم. للوصول إلى مقاصد الشريعة من مصادر الآيات والروايات، لا بد من وجود ضوابط وحدود تصحح المقاصد المكتشفة، وتسد طريق الذوق والمزاج والاستنباط الشخصي. لتحقيق هذا الهدف، في هذا البحث الذي أُجري بالمنهج التأسيسي وعلى أساس الدراسات المكتبية، تم تقديم أربعة ضوابط ومعايير لصحة المقاصد المكتشفة لتكون ميزانًا للتقييم. هذه الضوابط هي: 1. التوافق مع الهدف الأسمى للشريعة وهو العبودية. لهذا الغرض، يجب أن تكون جميع أهداف وبرامج حياة الإنسان متوافقة مع العبودية وفي سبيل الوصول إليها. 2. عدم تعارض المقصد المكتشف مع الآيات والروايات المعتبرة؛ لأن هذا التعارض سيبعده عن مقصود الشريعة. 3. عدم التنافر الداخلي بين المقاصد. 4. مراعاة المصالح العامة.
الكلمات المفتاحية: المقاصد، الشريعة، مقاصد الشريعة، الضوابط، الكشف، ضوابط الكشف.
مقدمة
علم أصول الفقه هو علم بقواعد الاستنباط. ومنذ القدم، طُرح هذا السؤال: هل يمكن لمقاصد الشريعة أن تكون جزءًا من هذه القواعد أم لا؟ ليس لعلماء الأصول رأي موحد في هذا الشأن. يعتقد البعض أنه يمكن استنباط الحكم الشرعي بواسطة مقاصد الشريعة. في المقابل، يرى فريق آخر أن هذا العمل غير عملي وغير منطقي؛ بحجة أن هذا العمل يؤدي إلى الخروج عن النصية، ونتيجته الوقوع في فخ الذوق والمزاج الشخصي وهيمنة الظن. وعليه، فإن أهم سبب لعدم استخدام هذا الفريق لمقاصد الشريعة في كشف الحكم الشرعي هو عدم انضباطها. إن دراسة ضوابط صحة الكشف تمنح المقاصد اعتبارًا شرعيًا وتدخلها في ساحة استنباط الأحكام الشرعية. بناءً على الدراسات التي أُجريت، فإن أول من سعى لبيان ضوابط لمقاصد الشريعة هو ابن عاشور (المتوفى 1393هـ). وقد ذكر أربعة صفات هي: الظهور، والثبوت، والانضباط، والاطراد كضوابط وشروط لمقاصد الشريعة. مراده من الظهور هو وضوح المقصد؛ بحيث لا يقع الفقهاء في خطأ أو خلاف في تشخيص معناه؛ مثل حفظ النسب الذي هو مقصد وهدف مشروعية النكاح. والمقصود بالثبوت هو أن يكون معنى المقصد يقينيًا أو ظنًا قريبًا من اليقين. كما يجب أن يكون للمقصد حد ومرز واضح لا يمكن تجاوزه.
1. دراسة مفهوم مقاصد الشريعة
المقاصد، جمع مقصد من أصل “قصد”. في اللغة، تعني إتيان الشيء، والعدل، والطريق المستقيم، والاعتماد، والإقبال، والطريق الوسط، والتبيين (الطريحي، 1416هـ، 3: 128؛ ابن فارس، 1404هـ، 5: 95؛ الجوهري، 1410هـ، 2: 524-525؛ الراغب الأصفهاني، 1412هـ: 672؛ ابن منظور المصري، 1414هـ، 3: 353). وفي الاصطلاح، تعني الأهداف التي يكون الوصول إليها مطلوبًا ومرغوبًا فيه. الشريعة من أصل “شَرَعَ”، بمعنى وضع السنة والدين (لويس معلوف، بلا تاريخ: 382)، والطريق الواضح والظاهر (الراغب الأصفهاني، 1412هـ: 451)، والعلو (الزبيدي، 1404هـ، 11: 240). وفي الاصطلاح، تطلق على مجموعة الأحكام الإلهية العامة التي يؤدي العمل بتعاليمها إلى الرشد المعنوي للإنسان. المراد بمقاصد الشريعة هو الأهداف التي كان الوصول إليها مرادًا ومطلوبًا للشارع، وتحقيقها يؤمن سعادة الإنسان في الحياة الدنيا والآخرة. تتكون مقاصد الشريعة من ثلاث مراتب: الضروري، والحاجي، والتحسيني. الضروري يعني أنه يجب الالتزام به بالضرورة لحفظ مصالح الدين والدنيا؛ بحيث يؤدي ضياع هذه المصالح إلى خسارة كبيرة في الدنيا والآخرة. يتحقق حفظ هذه المصالح بصورتين: وجودية وعدمية. الوجودية تشمل أصول العبادات؛ مثل: الإيمان، والنطق بالشهادتين، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. أصول العادات؛ مثل: أكل أنواع الأطعمة، والمشروبات، واللباس، والمسكن، والمعاملات في حدود الضرورة التي تعود إلى حفظ النسل والمال والنفس والعقل. وكذلك الجانب العدمي الذي يحفظ المصالح؛ مثل: الحدود، والقصاص، والديات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. معنى الحاجيات هو أنها مطلوبة من حيث التوسعة ورفع الضيق، وتركها يؤدي غالبًا إلى الحرج والمشقة. التحسينات تعني العمل بالعادات الحسنة والابتعاد عن الملوثات التي ينفر منها الناس، والتي يمكن التعبير عنها إجمالاً بمكارم الأخلاق (الشاطبي، 1417هـ، 2: 17-22). يقول الفاضل المقداد الحلي (المتوفى 826هـ): «المقاصد الخمسة عبارة عن: النفس، والدين، والعقل، والنسب، والمال، التي جاءت جميع الشرائع لحفظها» (الحلي، 1361: 62). وكما أن المقاصد كانت موضع ثناء الله، فإن وسائل الوصول إليها لها نفس المكانة من الأهمية والاهتمام. لذا، فإن الجهاد الذي هو وسيلة لإعلاء شأن الدين، هو موضع رضا الله تعالى، وقد وعد المجاهدين في سبيل الله بالجزاء الحسن (نفس المصدر: 57).
2. أنواع مقاصد الشريعة
قدم العلماء المقاصديون تقسيمات مختلفة لمقاصد الشريعة، نشير إليها باختصار.
أ) التقسيم على أساس قوة المقاصد الداخلية
قسم العلماء مقاصد الشريعة بناءً على الأولوية ومقدار التأثير إلى ثلاثة أقسام: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. هذا التقسيم هو الأول والأشهر لتقسيم مقاصد الشريعة.
أولاً – الضروريات
الضروريات هي أقوى مراتب المقاصد وتشمل خمسة أصول: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وتسمى هذه الأصول الخمسة بالمقاصد الكلية للشريعة. كل واحد من هذه المقاصد الخمسة هو هدف ومقصد لجزء من أحكام الشريعة. الهدف من حكم الشرع بقتل الكافر المضل[3] ومعاقبة المبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته هو حفظ الدين. والهدف من وجوب القصاص هو حفظ النفس. وحد شرب الخمر والمسكرات الأخرى واجب بهدف حفظ العقل الذي هو مناط تكليف الإنسان. وهدف وغرض المولى من وجوب حد الزنا هو حفظ النسل والأنساب، وأمور مثل منع غصب وسرقة أموال الآخرين هي لضمان تحقيق هدف المولى الحكيم في حفظ المال. جميع الشرائع متفقة على هذه الأصول الخمسة، وإن كان هناك اختلاف، فهو في التفاصيل فقط (الغزالي، 1413هـ: 174).
ثانياً – الحاجيات
الحاجيات هي مقاصد ليست في حد الضروريات؛ ولكنها محل حاجة وضرورة عامة للناس. بقول الشاطبي، الشعور بالحاجة إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق الذي يؤدي غالبًا إلى الحرج والعسر (الشاطبي، 1417هـ، 2: 21)؛ مثل ولاية الأب في زواج ابنته البكر. هذه الولاية ليست ضرورية؛ ولكن وجودها لازم. ضرورة إذن الأب في نكاح ابنته البكر يرجع إلى أنها في هذا الموقف تحتاج إلى حامٍ عطوف وخير، وأكثر الناس شفقة وخيرًا لابنته هو أبوها الذي يمكنه رعاية ابنته، وسلطته الرجولية تحمي ابنته من أعين الطامعين الشهوانية.
ثالثاً – التحسينيات
مع الأخذ بتعريف الشاطبي، فإن الفرق بين الضروريات والحاجيات هو أنه إذا حدث خلل في الضروريات، فإن الشريعة بأكملها تنهار؛ ولكن في الحاجيات ليس الأمر كذلك. وبهذا المعيار المهم، يمكن تمييز الضروري عن الحاجي. أولئك الذين أخذوا الحاجيات مكان الضروريات لم ينتبهوا إلى هذه النقطة والمعيار أو أخطأوا في تشخيص الموضوع؛ مثل أولئك الذين اعتبروا العرض من المقاصد الضرورية، فإذا لم تراع هذه المسألة في المجتمع البشري بين الأفراد، فإن الناس سيواجهون صعوبة وحرجًا؛ لأن الأفراد يجب أن يوظفوا جزءًا من همهم وغمهم باستمرار للحفاظ على عرضهم وشرفهم؛ ولكن هذا الأمر ليس إلى درجة يسبب انهيار نظام حياة الناس؛ لذلك يعتبر من الحاجيات.
ب) التقسيم على أساس نطاق التأثير
بعض المقاصد ليست في مرتبة الضروريات ولا الحاجيات؛ بل هي أمر يؤدي إلى تحسين حياة الخلق ويجلب سهولة الأمور ورفاهية الحياة؛ مثل إزالة النجاسة، ومراعاة آداب الأكل والشرب (انظر: الشاطبي، 1417هـ، 2: 22-23)، ومراعاة الآداب الاجتماعية، والارتقاء بمستوى الثقافة وتحسين العلاقات الاجتماعية بين الناس، وغير ذلك. تنقسم مقاصد الشريعة حسب نطاق تأثيرها إلى قسمين: المقاصد العامة والمقاصد الخاصة. وقد طرح هذا التقسيم لأول مرة من قبل ابن عاشور. وفيما يلي نوضح ذلك:
أولاً – المقاصد العامة
مقاصد التشريع العام هي المعاني والحكم التي لوحظت في جميع أحوال التشريع أو معظمها؛ بحيث لا تختص بنوع خاص من أحكام الشريعة (ابن عاشور، 1425هـ، 3: 165). بالاستقراء في المصادر الدينية، نجد أن المقصد العام للتشريع هو حفظ نظام الأمة ومراعاة المصلحة لنوع الإنسان. وتؤكد آيات القرآن الكريم على مقصد الإصلاح وإزالة الفساد في المجتمع، وهذا الأمر يتحقق بإصلاح أحوال الناس وأمورهم في حياتهم الاجتماعية؛ مثل الآية الكريمة ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾؛ «وإذا تولى (أي انصرف عنك)، سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل» (البقرة، آية 205)، والمقصود بالفساد الذي حُذر منه هو إفساد الكائنات في هذا العالم (ابن عاشور، 1425هـ، 3: 194-196).
ثانياً – المقاصد الخاصة
المقصود بالمقاصد الخاصة هي المقاصد التي تختص بأنواع المعاملات بين الناس؛ وبالتالي لا تشمل كل التشريع أو معظمه (نفس المصدر: 398).
ج) التقسيم على أساس الأولوية ودرجة التأثير
بناءً على ذلك، تنقسم المقاصد إلى قسمين: أصلي وتابعي.
أولاً – المقاصد الأصلية
هي المقاصد التي لا يستفيد منها المكلفون، وهي عبارة عن ضروريات معتبرة في كل أمة. ومراعاة هذه المقاصد لازمة بناءً على المصالح العامة للأمة ودون اعتبار أي قيد، ولم يُنظر فيها إلى حال الأفراد؛ لذلك تشمل جميع الحالات والأوضاع والأوقات المختلفة. تنقسم المقاصد الأصلية إلى قسمين: ضروري عيني وضروري كفائي (الشاطبي، 1417هـ، 2: 300).
1. الضروري العيني:
مراعاة المقصد المطلوب لازمة على كل مكلف شخصيًا. لذا، كل إنسان مكلف بحفظ دينه اعتقاديًا وعمليًا. كما أنه مأمور بحفظ حياته وعقله ونسله وماله.
2. الضروري الكفائي:
كل إنسان مكلف بمراعاة مصالح العباد الآخرين. عندما تُحفظ مصالح الجماعة جيدًا، فإن المصالح الخاصة أيضًا تتحقق بواسطتها. هذا القسم من المقاصد هو مكمل للقسم الأول، أي الضروري العيني.
ثانياً – المقاصد التابعية
هي المقاصد التي روعي فيها حظ المكلف. للإنسان بحكم خلقته احتياجات مادية وجسدية. هذه الاحتياجات تجبر الإنسان على اتخاذ خطوات لرفعها. من ناحية أخرى، فإن خلق الجنة والنار وإرسال الرسل يعني أن الإنسان ليس حرًا في التمتع بالمباحات واللذات الدنيوية؛ بل هو مقيد بالطرق التي حددها الشرع، والإنسان بالعمل وفق الأطر التي عينها الشارع يمكنه الوصول إلى السعادة الأبدية. إذن، التمتعات المباحة عندما تكون في نطاق الشريعة، فإنها توفر الأرضية للوصول إلى الأهداف الأصلية، ومن هذا المنطلق تسمى بالمقاصد التابعية التي تكون في خدمة المقاصد الأصلية ومكملة لها.
د) التقسيم على أساس قوة الدليل
من يسعى لكشف مقاصد الشرع، مكلف بعد استقراء تصرفات الشريعة في النوع الذي يرغب في استخلاص مقصد شرعي منه، وكذلك دراسة آثار كبار الفقهاء والاستفادة من فهمهم، أن يبدأ بكشف المقصد (ابن عاشور، 1425هـ، 3: 138). بناءً على ذلك، المقصد المكتشف له ثلاثة أقسام:
أولاً – المقصد القطعي أو القريب من القطع
يطلق على المقاصد التي تدل على إثباتها طائفة عظيمة من الأدلة والنصوص؛ مثل حفظ كرامة الإنسان (الخادمي، 1421هـ: 73).
ثانياً – المقصد الظني
المقاصد التي تقع في مرتبة أدنى من القطع وتختلف فيها الآراء والأنظار؛ مثل مقصد سد ذريعة إفساد العقل، فبناءً على هذا المقصد، فإن الشراب الذي لا يؤدي غالبًا إلى السكر يُحكم بحرمته أيضًا (نفس المصدر)؛ لأنه بناءً على هذا المقصد، كل ما يُحتمل أن يسبب فساد العقل يصبح حرامًا.
ثالثاً – المقصد الوهمي
المقاصد التي يُتصور أن فيها صلاحًا وخيرًا؛ بينما في الواقع ليست كذلك (نفس المصدر)؛ لذا، هذه المقاصد ليس لها أي اعتبار.
هـ) التقسيم على أساس كمية التأثير
نظرًا لأن مقاصد الشريعة تشمل أي فئات من المكلفين، فإنها تنقسم إلى قسمين: كلي وبعضي. المقاصد الكلية تعود إلى عموم أفراد الأمة أو أغلبهم؛ مثل حفظ النظام وتنظيم المعاملات (نفس المصدر: 74). المقاصد البعضية هي مقاصد يعود نفعها وخيرها إلى بعض الناس؛ مثل الربح من المعاملة (نفس المصدر). لا يقوم ملاك هذا التقسيم على ماهية المقاصد؛ بل على أساس مدى شمولها وشموليتها لأفراد المكلفين.
3. مفهوم ضوابط الكشف
الضوابط، جمع ضابطة، من أصل “ضبط”، بمعنى حفظ الشيء باحتياط وملازمة الشيء بشكل لا ينفصل. والضابطة استُخدمت أيضًا بمعنى القاعدة (الزبيدي، 1404هـ، 10: 322؛ الجوهري، 1410هـ، 3: 1139؛ الصاحب بن عباد، 1414هـ، 7: 457)؛ مع هذا الفارق أن القاعدة لها فروع من أبواب مختلفة؛ ولكن الضابطة تشمل فروعًا من باب واحد (السيوطي، بلا تاريخ، 1: 13). الضابطة من الناحية الاصطلاحية هي حكم كلي يندرج تحته أفراد ويُعرفون به (محمود عبد الرحمن، بلا تاريخ، 1: 313). الضابطة الفقهية هي قضية تبين ملاك وشروط الموضوع؛ كما قال الفقهاء في صحة الشرط ضمن العقد: ضابطة ومعيار صحة الشرط هو عدم مخالفته للكتاب والسنة (الفاضل اللنكراني، 1383: 12)؛ فكل شرط ضمن عقد يحمل ملاك عدم المخالفة للكتاب والسنة فهو صحيح. الكشف في اللغة يعني رفع الستار والغطاء عن شيء وإظهاره (الفراهيدي، 1410هـ، 5: 297؛ القرشي، 1412هـ، 6: 112). الآية 22 من سورة “ق” تدل على هذا المعنى. يقول الله تعالى في هذه الآية: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾، أي أزلنا الغطاء عن عينك وأزلنا ما كان يمنع من رؤية الحقائق. ضوابط الكشف هي مجموعة المعايير والخصائص التي بواسطتها تظهر مقاصد الشريعة وتُعرف. المقصود بضوابط صحة الكشف هو تقديم معايير كلية يمكن من خلالها التأكد من صحة المقاصد المكتشفة. لذلك، نحن بصدد دراسة ضوابط مقاصد الشريعة ونريد أن نتأكد من صحة المقاصد المكتشفة بمعايير مأخوذة من الشريعة نفسها. الهدف من بيان ضوابط صحة كشف مقاصد الشريعة واحد مع هدف ضوابط كشف مقاصد الشريعة؛ لأن كلاهما يسعى للوصول إلى المقاصد الصحيحة؛ مع الفارق أن أحدهما قبل الكشف، والآخر بعد الكشف؛ أي أن لهما تأخرًا وتقدمًا رتبيًا بالنسبة لمرحلة كشف المقاصد.
4. أهمية وضرورة تحديد الضوابط
تنبع أهمية تحديد الضوابط لمقاصد الشريعة من أهمية المقاصد نفسها. يقول ابن عاشور (المتوفى 1393هـ)، مؤكدًا على أهمية الانتباه والدقة في مقاصد الشريعة: «يجب على الباحث في مقاصد الشريعة أن يتأمل كثيرًا ويدقق جيدًا في إثبات المقصد الشرعي ويتجنب كل أنواع التساهل والعجلة في كشف مقاصد الشريعة؛ لأنه يتفرع من كل مقصد مكتشف أدلة وأحكام كثيرة في أمر الاستنباط؛ وبالتالي، يوجد خطر كبير فيه» (ابن عاشور، 1425هـ، 3: 138)، وأي انحراف فيه يسبب خسارة لا يمكن تعويضها، وربما يكون من أسباب عدم دخول فقهاء الإمامية بشكل جاد في بحث مقاصد الشريعة هو ملاحظة هذه المخاطر والعزم على الأخذ بجانب الاحتياط؛ لأن الأضرار الناشئة عن الاستخدام غير المناسب وغير الصحيح لمقاصد الشريعة في مجال كشف الحكم الشرعي أكبر بكثير من الفوائد التي تأتي من استخدامها في استنباط الأحكام، وآثارها المدمرة قد تبقى على كاهل الفقه لسنوات طويلة ولا يتيسر الخلاص منها بسهولة. مع إدراك أهمية وحساسية قضية مقاصد الشريعة، فإن تحديد ضوابط لها يصبح أمرًا ضروريًا حتى تكون كل حركة فقهية دقيقة في إطار تلك الضوابط، وفي النهاية، تبقى في مأمن من الأضرار الناشئة عن عدم الانضباط. علماء أهل السنة، على الرغم من أنهم أطلقوا أيديهم في الاستفادة من مقاصد الشريعة أكثر من الإمامية، إلا أنهم كانوا قائلين بمراعاة الحدود والضوابط. يقول نور الدين الخادمي في هذا الصدد: الاجتهاد المقاصدي بدون تحديد ضوابط واضحة هو مزلق خطير يتيح إمكانية تجزئة أحكام الشريعة، وتعطيلها، وحصر النصوص باسم المصالح، واختلاط مفهوم المصالح بمفهوم الضرورات، وبمسميات مختلفة مثل الضرورة، أو المصلحة، أو التوافق مع روح الشريعة، يؤدي إلى تغيير وتعطيل أحكام الشريعة (الخادمي، بلا تاريخ، 1: 33). نقطة أخرى تجعل تحديد الضوابط لكشف مقاصد الشريعة ضروريًا هي أنه مع ظهور حوادث ومسائل جديدة، تدخل مقاصد الشريعة بالضرورة إلى ساحة استنباط الأحكام. هذه المسألة تدفع فقهائنا إلى النظر إلى مقاصد الشريعة كإلزام فقهي. بالطبع، التوجه نحو مقاصد الشريعة لا يعني عجز الفقه عن الإجابة على المسائل الجديدة؛ بل إن استخدام مقاصد الشريعة هو نوع من الاستفادة الجديدة من الفقه ودليل على حيويته، وفي الواقع، هو استخدام لإحدى طاقات الفقه التي أصبحت ظروف استخدامها في العصر الحاضر أكثر توفرًا من الأزمنة الماضية، نظرًا لمقتضيات الزمان. لذا، نحن مضطرون، إلى جانب تناول مختلف مباحث مقاصد الشريعة، بما في ذلك وظائفها المختلفة ودورها ومكانتها في استنباط الأحكام الشرعية، إلى إيلاء اهتمام خاص لبحث تحديد الضوابط؛ لأن تحديد الضوابط يحمي من الانحراف والضلال، وهو عامل رادع للكثير من الانفلاتات في مجال كشف مقاصد الشريعة.
5. ضوابط صحة كشف مقاصد الشريعة
الهدف من تحديد ضوابط لمقاصد الشريعة هو تحديد المقدار والحدود لها لكي يتم العمل بها بدقة، ولا يتم تجاوز الحدود المحددة في تحديد المقاصد. هذا التحديد يساعد على منع التأويلات والتفاسير الشخصية والذوقية في استخدام مصادر الآيات والروايات، ويمنع الاستخدام الآلي لها حتى لا يؤدي ذلك إلى استغلال غير صحيح، فيُحلل حرام الله ويُحرم حلاله. لهذا الغرض، يجب تحديد المعايير التي يتم بها تقييم المقاصد المكتشفة لضمان صحتها. بعد الدراسة التي أُجريت، تم التوصل إلى أربعة ضوابط سنوضحها فيما يلي.
أ) التوافق مع الهدف الأسمى للشريعة
بناءً على استقراء آيات القرآن الكريم والروايات المعتبرة، فإن الهدف الأسمى للشريعة هو العبودية.[4] وقد تكرر جذر «عبد» في القرآن 275 مرة. عندما نطق عيسى عليه السلام لأول مرة، عرّف نفسه بأنه عبد الله (مريم، آية 30). ويذكر الله تعالى النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بصفته عبد الله (الجن، آية 19).[5] ويشهد المصلون في أذان وإقامة صلواتهم بمقام عبودية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. وكثير من أوامر القرآن الكريم تدعو مباشرة إلى العبادة والتوحيد؛ مثل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء، آية 25)،[6] ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء، آية 92)،[7] ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت، آية 56)[8] أو هي أعمال تنتهي إلى العبودية؛ مثل بعض آيات القرآن التي تدل على الأحكام التكليفية. للوصول إلى مقام العبودية، رُسمت خطوط سُميت بمقاصد الشريعة. هذه الخطوط هي بمثابة تفرعات توصل الإنسان من أحكام الشرع إلى مقام العبودية والقرب الإلهي، وهو الهدف النهائي للخلق. الخطوط العامة للشريعة هي حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. أهمية حفظ كل من هذه الأمور تكمن في أنها توصل الإنسان إلى مقصد العبودية وخط وصل الإنسان بمقام القرب الإلهي. وقيمة الأحكام الشرعية الوجودية تكمن في أنها تهدي الإنسان إلى المقاصد الخمسة، وكلما اقترب من المقاصد، كان له قيمة وأهمية أكبر، بمعنى أن تقييمها يتم بالنظر إلى المقصد وقياسها به. بطبيعة الحال، كل عمل يؤمن مقصد الشريعة الأسمى بقدر أكبر سيكون له مكانة أكثر قيمة. بعبارة أخرى، كل من المقاصد الخمسة للشريعة هي أدوات للوصول إلى المقصد الأسمى للشريعة، وكل من هذه المقاصد يمكن أن يكون وسيلة للوصول إلى مقصد آخر؛ فمثلاً، العقل الذي هو الحجة الباطنية، بمساعدة الحجة الظاهرية أي الأنبياء الإلهيين، يوضع في خدمة النفس ليكون وسيلة لحكم دين الله في الأرض ويوصل الناس إلى أسمى المراتب. إذن، العبودية هي أسمى مقام يمكن تصوره للإنسان. ومقتضى هذا الأمر هو أن تكون جميع المقاصد الأخرى التي تُنظر للشريعة في سبيل الوصول إلى هذا الهدف الأسمى. ووفقًا لهذا الشرط، سيكون للمقصد حجية إذا كان مؤمِّنًا لهدف ومقصد الشريعة الأسمى، أي العبودية.
ب) عدم معارضة المقاصد لنصوص الآيات والروايات
من معايير تقييم المقاصد أن نعرضها على الأدلة النقلية، أي الآيات والروايات، بحيث لا يكون بينها أي تنافٍ. وسبب هذا الأمر هو أن المقاصد يجب أن تكون شرعية، ونتيجة كونها شرعية هي ألا تتنافر مع النصوص المعتبرة. في التقابل بين المقاصد والأدلة النقلية، يمكن تصور عدة حالات: 1. أن تكون المقاصد والأدلة النقلية كلاهما قطعيًا ومتنافرين: في هذه الحالة، إذا كانت الأدلة النقلية من حيث الدلالة على المطلب المراد صريحة وواضحة ولا يحتمل فيها معنى آخر، فإن مثل هذا التنافر غير صحيح، ومثل هذا التعارض لا يقع؛ لأن قول المعصوم عليه السلام لن يكون أبدًا مخالفًا للمصالح التي هي حكم قطعي للعقل (الصدر، 1418هـ، 1: 148). بناءً على ذلك، تصور هذه الحالة باطل من الأساس. على سبيل المثال، من المقاصد الضرورية للشريعة حفظ النسل. ولازم حفظ النسل هو عدم جواز أعمال مثل التعقيم الدائم. فهل يصح أن تدل نصوص قطعية على جواز قطع القناة الدافقة (إغلاق عامل الخصوبة عند الرجال) وربط قناة فالوب (ربط أنابيب الرحم عند النساء)، أي التعقيم الدائم؟ عندما نتحدث عن الجواز وعدم الجواز، فإن المراد هو التعقيم بشكل كلي يؤدي إلى قطع النسل، وليس بشكل فردي وللتحكم في زيادة السكان. بناءً على ذلك، من المستحيل أن تدل نصوص قطعية على جواز التعقيم؛ بينما تدل مقاصد الشريعة على عدم جواز التعقيم. 2. يقع التنافي بين المقاصد والأدلة النقلية في حالة يكون أحدهما قطعيًا والآخر غير قطعي؛ مثل الحالة التي يقع فيها التنافي بين المقاصد القطعية وظاهر الأدلة: في هذه الحالة، تكون المقاصد مقدمة على ظاهر الأدلة النقلية، ونضطر إلى تفسير ظاهر الأدلة (الأنصاري، 1416هـ، 1: 18). بناءً على ذلك، في هذه الحالة يتحقق تعارض ولا يتحقق. في كل حالة يوضع فيها دليل قطعي مقابل دليل غير قطعي، يُقدم الدليل القطعي؛ لأن الدليل القطعي هو علم ويجلب العلم لصاحبه، وفي هذه الحالة لا معنى لأن يظن بشيء آخر. وعليه، يُرفع التنافي الأولي بتقديم الدليل القطعي؛ مثل الآية الشريفة ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الإسراء، الآية 33)[9] التي هي نص قطعي، تدل بشكل قطعي على حرمة إزهاق أرواح الناس. فلو شككنا في أن قطع شريان حياة إنسان على وشك الموت لإنقاذ حياة عدة مرضى يصارعون الموت، وباستخدام أعضائه الحيوية يجري دم جديد في عروقهم، هل هو صحيح أم لا؟ مع العلم بأن حفظ حياة الإنسان واجب بناءً على مقاصد الشريعة، ومن ناحية أخرى، نعلم أن ذلك الشخص سيموت قريبًا، في بداية الأمر وبالنظرة الأولى، قد يقول قائل إن إنقاذ حياة عدة أشخاص واجب. خاصة مع ملاحظة أن ذلك الشخص سيموت قطعًا وقريبًا؛ ولكن مبادرتنا في الوقت المناسب يمكن أن تسبب حفظ حياة عدة أشخاص. هنا، الدليل الثاني الذي تدل عليه مقاصد الشريعة وتوجب حفظ حياة الناس هو دليل ظني. إذن، يُقدم الدليل القطعي، أي النص القرآني، عليه، وبالتالي لا يجوز لنا تقديم حفظ حياة عدة أشخاص على حفظ حياة شخص واحد – على الرغم من أنه على وشك الموت. 3. المقاصد والأدلة النقلية التي كلاهما ظني وتتنافر: في هذه الحالة، إذا اجتمعت شروط التعارض في دليلين، ومن ناحية أخرى لم يكن الجمع العرفي ممكنًا، ولم تكن مرجحات باب التعارض قابلة للتطبيق فيها، فإن التعارض سيكون مستقرًا ونتيجته تساقط كلا الدليلين. شروط استقرار التعارض بين المقاصد والأدلة النقلية هي: الظن الفعلي في حجية المقاصد والأدلة النقلية يكون معتبرًا في نفس الوقت، بحيث في هذه الحالة، سيحدث تعارض بين دليلين ظنيين. أحد شروط التعارض المستقر هو أن يكون كلا الدليلين مستوفيًا لشروط الحجية؛ بمعنى أن يكون كل منهما حجة بمفرده، مما يوجب العمل به؛ لأنه إذا لم يكن في نفسه مستوفيًا لشروط الحجية، فلن يكون له صلاحية تكذيب الدليل الآخر الذي هو حجة. على الرغم من أنه يتنافى معه في مدلوله، إلا أنه لن يكون معارضًا له. يجب أن نعلم الآن هل للمقاصد حجية أم لا؟ في المباحث السابقة، أثبتنا أن المقاصد في نفسها حجة، والإشكال المطروح يقتصر على مقام تطبيق مقاصد الشريعة على الموضوعات، وهو ما يمكن التحكم فيه إلى حد ما بتحديد الضوابط. ألا يكون تنافي الدليلين من باب التزاحم؛ أي ألا يكونا بحيث لا يمكن الجمع بينهما في مقام الامتثال والعمل. ألا يكون أحد الدليلين حاكمًا على الآخر؛ بمعنى ألا يكون أحد المقاصد أو الأدلة النقلية ناظرًا ومفسرًا للدليل الآخر من حيث مقدار الدلالة، ولا يوسع دائرة دلالة الدليل أو يضيقها. ألا يكون أحد الدليلين واردًا على الدليل الآخر؛ بحيث يزيل موضوع الدليل الآخر ولا يترك مجالًا لتحقق موضوع ذلك الدليل (انظر: المظفر، 1430هـ، 211-214).
ج) عدم التعارض الداخلي للمقاصد
بالإضافة إلى عدم وجود تعارض بين المقاصد والنصوص الشرعية المعتبرة، يجب ألا تتعارض المقاصد مع بعضها البعض، وألا ينفي مقصدٌ مقصدًا آخر. وإلا، فلن يكون لأي من المقاصد المذكورة حجية واعتبار؛ لأن المقاصد إما شرعية أو غير شرعية. إذا كانت غير شرعية، فهي خارجة عن محل بحثنا تخصصًا، وإذا كانت شرعية، فإن قواعد باب التعارض مثل الحالات المذكورة في الضابطة الثانية ستجري هنا أيضًا. وبهذا الترتيب، تكون معظم الحالات تعارضًا بدويًا يُرفع بالتدبر، والتعارض المستقر يُعالج أيضًا.
د) مراعاة المصالح العامة
من ضوابط صحة كشف مقاصد الشريعة مراعاة المصالح العامة. قبل بيان هذه الضابطة، من الضروري تقديم توضيح حول معنى ومفهوم وأنواع المصالح. المصالح، جمع مصلحة، من أصل صلح. كل عمل خير وصواب يسمى صلاحًا، وضده الفساد. عندما يقال في أمر ما مصلحة؛ يعني فيه خير (الفيومي، بلا تاريخ، 2: 345). في تعريف المصلحة، توجد تعابير مختلفة. يقول عز الدين بن عبد السلام (المتوفى 660هـ) في تعريف المصلحة: «اللذة والبهجة وسببهما مصلحة، والألم والغم وسببهما مفسدة» (عز الدين بن عبد السلام، 1416هـ: 32). بالنظر إلى هذا المفهوم، فإن سبب اللذة والبهجة هو المنفعة، وسبب الألم والغم هو الضرر والخسارة، وهو ما يواجه الإنسان. لكن الغزالي (المتوفى 505هـ) مع إشارته إلى هذا المعنى للمصلحة يقول: «المصلحة في الأصل جلب منفعة ودفع ضرر وخسارة؛ ولكن هذا المعنى ليس هو المقصود لدينا؛ بل المقصود لدينا من المصلحة هو المحافظة على مقصود الشرع من الخلق، ومقصود الشرع من الخلق خمسة أشياء: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. كل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يزيل هذه الأصول فهو مفسدة» (الغزالي، 1413هـ: 174). على الرغم من أن الغزالي يرى معنى المصلحة شيئًا غير جلب المنفعة ودفع الضرر، إلا أنه بقليل من التأمل يتضح أن حفظ مقصود الشرع مطلوب من حيث إنه يتضمن منفعة ودفع مضرة للعباد. لذا، لا يمكن اعتبار المصلحة منفصلة عن المنفعة؛ كما يرى المحقق الحلي أن المصلحة هي تحصيل منفعة أو دفع مضرة (المحقق الحلي، 1403هـ: 221). بتصريح الفقهاء، فإن المصالح بالإضافة إلى المنفعة والمضرة الدنيوية، تشمل المنافع والمضار الأخروية أيضًا (العاملي (الشهيد الأول)، بلا تاريخ، 1: 33؛ النجفي، 1404هـ، 22: 344؛ المحقق الحلي، 1403هـ: 221). بناءً على رأي الفقهاء، تتبع الأحكام المصالح والمفاسد في متعلقاتها، والأفعال بقطع النظر عن أمر ونهي الشارع، تحمل في داخلها مصالح ومفاسد هي علل ومناطات الأحكام (النائيني، 1376، 3: 59). ومن هنا يقول صاحب الجواهر: «من الروايات وكلام الفقهاء، بل من ظاهر الكتاب، يُفهم أن جميع المعاملات وغيرها شُرعت لمصالح وفوائد دنيوية وأخروية» (النجفي، 1404هـ، 22: 344). لذا، الشريعة كلها مصالح؛ إما تدفع المفاسد أو تجلب المصالح (عز الدين بن عبد السلام، 1414هـ، 1: 11). تُقسم المصالح بناءً على الأولوية إلى ثلاثة أنواع: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. الضروريات هي أقوى مراتب المصالح وتشمل خمسة أصول: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. كل من هذه المقاصد الخمسة هو هدف ومقصد لجزء من أحكام الشريعة. الحاجيات هي مصالح ليست في حد الضروريات؛ ولكنها محل حاجة وضرورة عامة للناس؛ مثل ولاية الأب في زواج ابنته البكر. التحسينيات هي مصالح لا تقع في مرتبة الضروريات ولا الحاجيات؛ بل هي أمر يحسن حياة الخلق (الغزالي، 1413هـ: 174). بالنظر إلى أن الأمور الشرعية مبنية على المصالح، فإن الاهتمام بالمصالح ومراعاتها أمر إلزامي (المحقق الحلي، 1403هـ: 221). بناءً على ذلك، فإن كل فرد في المجتمع مسؤول عن المصالح المتعلقة به وبمصالح الآخرين، ولا ينبغي المساس بها. الضمان التنفيذي للمصالح الضرورية مثل القصاص والحبس يدل على أن مراعاة المصالح يجب أن تكون على أساس الأهمية والأولوية المذكورة. المسألة الأخرى ذات الأهمية في مراعاة المصالح هي الاهتمام بمصالح الجماعة. بالطبع، هذا لا يعني تجاهل مصلحة الفرد. أهمية مصلحة وحقوق كل فرد في المجتمع لا يمكن إنكارها؛ بل هي أمر ديني مسلم به؛ ولكن في حال تزاحم مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة وتعذر الجمع بينهما، بناءً على قاعدة الأهم والمهم، تُقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد. وفقًا لهذه القاعدة الأصولية (الآخوند الخراساني، 1409هـ: 163)، عندما يتنافى أمران ولا يمكن الجمع بينهما، يجب أن نرى أيهما أهم من الآخر؛ فيُقدم ذلك. بالطبع، تقديم الأمر الأهم لا يعني سقوط الأمر المهم؛ بل إن الاشتغال بالأمر الأهم يُسقط الأمر المهم عن الفعلية والمحركية (الصدر، 1408هـ، 2: 53). بالإضافة إلى ذلك، وفقًا لحكم العقل، فإن مراعاة مصلحة الجماعة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، تضمن مصلحة الفرد أيضًا؛ ولكن في تأمين مصالح الفرد وحده، لا يوجد أي ضمان لتدارك مصالح الجماعة. إذن، بتقديم المصلحة العامة، يمكن تأمين مصلحة الأفراد أيضًا. سيرة العقلاء تدل أيضًا على أنه في تزاحم المصالح العامة مع المصالح الفردية، تُقدم المصالح العامة دائمًا. من الأمثلة البارزة لتقديم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد مسألة جهاد المسلمين. في الجهاد والقتال، يوجد أذى ومشقة وجرح وقتل للأفراد. ولكن من ناحية أخرى، يجلب العزة والشرف والعظمة والنصر للمسلمين. كل عقل سليم يحكم بأن المصالح الموجودة في الحالة الثانية أكبر وأهم من الأولى. ولهذا السبب، فُرض الجهاد على المسلمين، ووُعد المجاهدون في سبيل الله بثواب عظيم (التوبة، الآية 20-21).[10] النقطة الأخرى الجديرة بالذكر حول المصالح والمقاصد هي ارتباطهما. المقاصد تتعلق بالشرع؛ ولكن المصالح تتعلق بالخلق، والمصالح هي متعلق المقاصد؛ أي أن مقاصد الشريعة تتضمن مصالح العباد، والمصالح أيضًا تشمل منافعهم الدنيوية والأخروية. إذن، المصلحة، وإن كانت بمعنى المحافظة على مقصود الشارع، إلا أن مردها إلى منفعة العباد. وهذه المصلحة والمنفعة جارية في جميع الأمور الشرعية، ومراعاتها لازمة وضرورية في كشف المقاصد. في تقابل وتفاعل المصالح مع المقاصد، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام: 1. المصلحة العامة التي تعود على جميع الأمة الإسلامية؛ مثل حفظ كيان الإسلام، وحفظ الأمة الإسلامية من التفرقة والاختلاف، وحفظ أراضي وأموال بلاد المسلمين، وحفظ الاقتدار وتقوية القوات والموارد العسكرية والأمنية، والارتقاء بالمكانة العلمية والتفوق التكنولوجي والاتصالي للأمة الإسلامية في العالم، وكل الأمور التي تسبب عظمة بلاد الإسلام وعدم خضوعها لجبهة الكفر. 2. المصالح التي لا تشمل جميع الأمة الإسلامية؛ ولكنها تشمل جماعات عظيمة منها. تظهر هذه المصالح وتبرز في المعاملات التي تتم بين فئة من المسلمين الذين يعيشون في بلد معين مع غير المسلمين، أو المعاهدات التي تُعقد بين بلد إسلامي وغير إسلامي، أو المصالح التي توجد بسبب موقع إقليمي وجغرافي أو ثقافي لمنطقة معينة. على هذا الأساس، فإن قادة الدول الإسلامية مكلفون في المعاهدات والتبادلات العلمية والثقافية والتحركات السياسية والاتفاقيات الدولية، أولاً بمراعاة مصالح الفئة الأولى، وثانيًا بشكل خاص، بمراعاة مصالح بلدهم ودولتهم الإسلامية. 3. المصالح الجزئية الخاصة التي لا عمومية لها ومخاطبها هم أفراد المجتمع بشكل فردي. على سبيل المثال، في المعاملات بين الأفراد، يسعى كل شخص وراء ربحه ومنفعته الخاصة، والأفراد بطبيعة الحال يفضلون مصالحهم على مصالح الآخرين.[11] قيل سابقًا إن من الشروط اللازمة لمقاصد الشريعة أن تكون كلية وشاملة، وأن تستطيع أن تضع جميع المتشرعين تحت مظلتها. بالنظر إلى هذه الخاصية للمقاصد، فإن المصلحة التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند كشف مقاصد الشريعة هي أولاً المصلحة من النوع الأول، وفي المرحلة التالية، المصلحة من النوع الثاني. بناءً على ذلك، ليس للمصالح الجزئية مكان في عمليات كشف المقاصد.
الخاتمة
1. باستقراء آيات القرآن الكريم، يتضح أن الله تعالى في تشريع الأحكام لعباده قد أولى اهتمامًا لأصول مهمة مثل: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والتي تسمى اصطلاحًا مقاصد الشريعة. بناءً على ذلك، يجب على الفقيه أيضًا في استنباط الحكم الشرعي أن يلتزم بهذه الأصول ويجعلها نصب عينيه. 2. لمنع الانفلات في استخراج الحكم الشرعي من مقاصد الشريعة، يجب وضع ضوابط لها. 3. ضوابط صحة كشف المقاصد هي: 1. التوافق مع الهدف الأسمى للشريعة؛ 2. عدم التعارض مع نصوص الآيات والروايات؛ 3. عدم التعارض الداخلي للمقاصد؛ 4. مراعاة المصالح العامة. 4. الضابطة الأولى مستحصلة من خاصية كون المقاصد شرعية. بناءً على هذه الخاصية، ووفقًا للقاعدة، فإن للشريعة هدفًا ومقصدًا يقع في رأس المقاصد وتنتهي إليه جميع المقاصد. وبهذا الترتيب، يجب أن تكون مقاصد الشريعة متوافقة مع الهدف الأسمى للشريعة. 5. الضابطة الثانية مأخوذة من خاصية كون المقاصد شرعية ويقينية. بناءً على هذه الضابطة، لا يوجد تعارض بين مقاصد الشريعة والنصوص الدينية المعتبرة؛ لأن كلاهما له مصدر شرعي وكلاهما يقيني. 6. الضابطة الثالثة أيضًا، مثل الضابطة الثانية، مستخرجة من خاصية كون المقاصد شرعية ويقينية. بناءً على هذه الضابطة، لا يوجد تعارض داخل المقاصد؛ لأن جميع المقاصد شرعية ويقينية، وتنافيها يعود إلى تنافي عدة أمور شرعية يقينية. 7. الضابطة الرابعة، أي مراعاة المصالح العامة، تعود إلى خاصية الكلية والشمولية للمقاصد. 8. كل من خصائص مقاصد الشريعة يمكن أن يكون مصدرًا ودليلاً لكشف ضوابط أخرى لمقاصد الشريعة، ومن المتوقع أن يولي الباحثون في هذا المجال اهتمامًا خاصًا لكشفها.
المصادر
1. القرآن المجيد، ترجمة ناصر مكارم الشيرازي.
2. ابن عاشور التونسي، محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر (1425هـ)، مقاصد الشريعة الإسلامية، قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
3. ابن منظور المصري، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (1414هـ)، لسان العرب، الطبعة الثالثة، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر.
4. أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا (1404هـ)، معجم مقاييس اللغة، عبد السلام محمد هارون، قم: منشورات مكتب تبليغات الحوزة العلمية.
5. الآخوند الخراساني، محمد كاظم (1409هـ)، كفاية الأصول، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
6. الأنصاري، مرتضى (1416هـ)، فرائد الأصول، الطبعة الخامسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
7. ابن حرز الله، عبد القادر (1428هـ)، ضوابط اعتبار المقاصد في مجال الاجتهاد وأثرها الفقهي، الرياض: مكتبة الرشد.
8. الجوهري، إسماعيل بن حماد (1410هـ)، الصحاح – تاج اللغة وصحاح العربية، أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين.
9. الحلي، جمال الدين مقداد بن عبد الله السيوري (1361)، نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية، قم: مكتبة آية الله مرعشي نجفي رحمه الله.
10. الخادمي، نور الدين بن مختار (1421هـ)، علم المقاصد الشرعية، الرياض: مكتبة العبيكان.
11. الخادمي، نور الدين (بلا تاريخ)، الاجتهاد المقاصدي، بلا مكان، بلا ناشر.
12. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، صفوان عدنان داودي، بيروت: دار العلم – الدار الشامية.
13. الزبيدي، محب الدين (1404هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، علي شيري، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
14. الزحيلي، وهبة (1406هـ)، أصول الفقه الإسلامي، دمشق: دار الفكر.
15. السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر (بلا تاريخ)، الأشباه والنظائر في النحو، الطبعة الثانية، بيروت: دار الكتب العلمية.
16. الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي (1417هـ)، الموافقات، بلا مكان: دار ابن عفان.
17. الصاحب بن عباد، إسماعيل بن عباد (1414هـ)، المحيط في اللغة، محمد حسن آل ياسين، بيروت: عالم الكتاب.
18. الصدر، محمد باقر (1408هـ)، مباحث الأصول، حسيني حائري، كاظم، قم: مكتب الإعلام الإسلامي.
19. الطريحي، فخر الدين (1416هـ)، مجمع البحرين، سيد أحمد حسيني، الطبعة الثالثة، طهران: مكتبة مرتضوي.
20. العاملي، محمد بن مكي (الشهيد الأول) (بلا تاريخ)، القواعد والفوائد، قم: مكتبة مفيد.
21. عز الدين بن عبد السلام الملقب بسلطان العلماء (1414هـ)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية.
22. _____ (1416هـ)، الفوائد في اختصار المقاصد، دمشق، دار الفكر المعاصر.
23. عمر بن صالح بن عمر (1430هـ)، «ضوابط تفعيل مقاصد الشريعة الإسلامية»، مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد 27، ص 261-310.
24. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (1413هـ)، المستصفى، بيروت: دار الكتب العلمية.
25. الفاضل اللنكراني، محمد (1383)، القواعد الفقهية، قم: مركز فقهي أئمة أطهار عليهم السلام.
26. الفراهيدي، خليل بن أحمد (1410هـ)، كتاب العين، مهدي مخزومي، الطبعة الثانية، قم: نشر هجرت.
27. الفيومي، أحمد بن محمد المقري (بلا تاريخ)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي، قم: منشورات دار الرضي.
28. القرشي، سيد علي أكبر (1412هـ)، قاموس قرآن، الطبعة السادسة، طهران: دار الكتب الإسلامية.
29. المحقق الحلي، جعفر بن حسن (1403هـ)، معارج الأصول (طبعة قديمة)، قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام.
30. محمود عبد الرحمن (بلا تاريخ)، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، بلا مكان: بلا ناشر.
31. المظفر، محمد رضا (1430هـ)، أصول الفقه، الطبعة الخامسة، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
32. معلوف، لويس (بلا تاريخ)، المنجد في اللغة والأعلام، بلا مكان: بلا ناشر.
33. النائيني، محمد حسين (1376)، فوائد الأصول، قم: جامعة مدرسي الحوزة العلمية بقم.
34. النجفي، محمد حسن (1404هـ)، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، الطبعة السابعة، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
الهوامش
1. أستاذ مساعد بجامعة المصطفى العالمية؛ alisaeli1963@gmail.com.
2. باحثة في المستوى الرابع بجامعة الزهراء (عليها السلام) (الكاتبة المسؤولة)؛ fatimeh_na_110@yahoo.com.
3. يذكر الغزالي مثال قتل الكافر المضلّ لمقصد حفظ الدين؛ ولكن الفاضل المقداد يتحدث عن قتل الكافر المرتد.
4. ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾؛ «فجأة نطق عيسى وقال: أنا عبد الله؛ أعطاني الكتاب (السماوي) وجعلني نبيًا!».
5. ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾؛ «وأنه لما قام عبد الله [محمد (ص)] للعبادة ودعاه، كادت جماعة تتزاحم حوله بشدة!».
6. «وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون».
7. «إن هؤلاء الأنبياء العظام وأتباعهم كانوا جميعًا أمة واحدة (واتبعوا هدفًا واحدًا)؛ وأنا ربكم فاعبدوني».
8. «يا عبادي الذين آمنوا! إن أرضي واسعة، فإياي فاعبدون (ولا تستسلموا لضغوط الأعداء)»!
9. «ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق».
10. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (التوبة، الآية 20)؛ «الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، مقامهم عند الله أعظم، وأولئك هم الفائزون والناجون». ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (التوبة، الآية 21)؛ «يبشرهم ربهم برحمة منه، ورضوان (منه)، وجنات من الجنة لهم فيها نعيم دائم».
11. عمومية هذا التقسيم مأخوذة من كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية، ج3، ص253 و254.