دراسة سنديّة ودلاليّة لروايات التحزين في القراءة

ملخص

إن السعي للتقرّب من قراءة المعصومين (عليهم السلام) أمرٌ يبدو مهمًا لقراء المسلمين، ولا سيما الشيعة. وقد عُدّ الحزن في بعض الروايات إحدى خصائص قراءة القرآن الكريم. ويُطلق على الحزن، الذي يؤثر في كل من القارئ والمستمع عند قراءة القرآن الكريم، أصل التحزين. إن دراسة مفهوم التحزين في القراءة وتبيينه بالاستناد إلى الروايات من شأنه أن يقرّب قراءة القراء من قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). فالحزن في القراءة هو نتيجة التدبّر في آيات العذاب وأحوال القيامة وأهوالها، والتأسّف على الفراق والشوق إلى الوصال الإلهي.

مقدمة

إن قراءة بعض الكتابات تبعث على الحزن بسبب الحمولة المعنائية للمفردات المستخدمة فيها. وفي بعض الأحيان، يجب أن تُقرأ الكتابات بحزن لمصالح معينة، حتى تثير حالة الحزن لدى المخاطبين. القرآن الكريم ليس كغيره من الكتابات والخطابات البشرية، لدرجة أن حتى أعداءه أذعنوا لتأثيره المذهل. فعلى سبيل المثال، قال الوليد: «[إن للقرآن] حلاوة خاصة وجمالاً وبهاءً مخصوصًا، أغصانه مثمرة وجذوره مباركة، وهذا ليس بكلام بشر». (الطبرسي، مجمع البيان، ١٣٧٢: ٦/ ٥٨٧؛ مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ١١/ ٣٧٢). وبالطبع، في زمن النبي (ص)، كانت أذهان الناس وضمائرهم وألسنتهم معتادة أكثر من أي شيء آخر على الكلام والنشيد والشعر والخطابة والبلاغة، وقد أدهش الخطباء والبلغاء الماهرون من الرجال والنساء الجميع من كل حدب وصوب. ولمواكبة هذا الفضاء الثقافي، واجه النبي (ص) هؤلاء بمعجزة من جنس الكلام، فأصابهم بالدهشة، وأفقد أناشيد وخطب و قصائد فطاحل اللغة العربية بريقها (راجع: بيومي، محمد ومحمد راستگو، ١٣٨٣: ١٨٦؛ القرضاوي، القرآن منشور الحياة، ١٣٨٢: ٢٧٣). القرآن الكريم هو كلام الله، ليس كتاب أناشيد مبهجة ولا ديوان شعر حزين. ومع ذلك، بأسلوبه الخاص، يُعتبر نشيدًا دينيًا ودعاءً إلهيًا، وهو شريعة وقوانين سياسية وحقوقية، وهو مبشر ونذير، وهو موعظة ومرشد وهادٍ إلى الصراط المستقيم، وهو أيضًا بيان للقصص والحكايات والأحكام والأمثال (بي‌آزار الشيرازي، قرآن ناطق، ١٣٧٧: ٢٨٢).

بالنظر إلى الخصائص الذاتية للقرآن – كما ورد في التعاليم الدينية – فإن لقراءة القرآن الكريم آدابًا بينها القرآن والمعصومون (ع)، والحزن من جملتها. ووفقًا لرأي صاحب تفسير «أطيب البيان»، فإن آداب القراءة قسمان: أ) ظاهري وابتدائي، مثل النظافة والتزين الظاهري، والطهارة الشرعية، والحزن، ومراعاة التجويد. ب) باطني، مثل إدراك عظمة الكلام والمتكلم، والالتفات من الطهارة الظاهرة إلى الباطنة، والخضوع والخشوع ورقة القلب (راجع: طيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، ١٣٧٨: ١/ ٣٣-٣٥).

كما نرى، اعتبر المرحوم الطيب الحزن في القراءة من الآداب الظاهرية، بينما الحزن في القراءة هو نتيجة لمراعاة الآداب الباطنية كالتفكر في عظمة الخالق ووعيده والخوف من البعد عن رحمته؛ فمن جهة، تُعد القراءة مع التدبر من آداب قراءة القرآن (نجمي وهريسي، بيان در علوم ومسائل كلى قرآن، ١٣٧٨: ٤٩)، ومن جهة أخرى، يرى الإمام الصادق (ع) أن الحزن أمر قلبي في مسار تلاوة القرآن ويقول: «من قرأ القرآن ولم يخضع له، ولم يرقّ قلبه، ولم ينشئ في باطنه حزنًا وخوفًا، فقد استهان بأمر الله العظيم استهانة كبيرة وأصابته خسارة بينة» (راجع: طيب، أطيب البيان في تفسير القرآن، ١٣٧٨: ١/ ٣٥؛ مصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ١٣٦٠: ٥٧). إذا كان الحزن، بالإضافة إلى الذات، يهدف إلى التأثير في الآخرين أيضًا، فإنه يسمى «تحزين القراءة»؛ أي إثارة الحزن في قراءة القرآن الكريم. كما تدل على ذلك رواية من العامة؛ عن النبي (ص): «إن القرآن أنزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا» (الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ١٤٠٧: ٣/ ٢٥). بناءً على ظاهر لفظ «فتحازنوا»، يكون الحزن في القراءة بحيث يحزن القارئ نفسه ويحزن الآخرين بواسطته. يمكن لأصل التحزين أن يقرّب قراءة القراء من قراءة رسول الله (ص) والأئمة (ع). فالحزن ليس فقط من خصائص نزول القرآن، بل هو أيضًا، وفقًا لنقل ابن مسعود، من صفات حاملي القرآن (ورام، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، ١٤١٠: ٢/ ٢٣٦؛ الديلمي، إرشاد القلوب، ١٤١٢: ١/ ٧٨؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ١٤٠٤ ق: ٢٣/١٠). إن للحزن في القراءة أهمية بالغة لدرجة أنه في روايات الخشوع والحزن في القراءة، عُدّ من خصائص القراءة الحقيقية. وقد نقل الشيخ الكليني عن الإمام الباقر (ع) وابن أبي الحديد عن الحسن – الذي يبدو أنه الحسن البصري – كلامًا متشابهًا يعددون فيه خصائص ثلاث فئات من القراء، ويمجدون الفئة الثالثة، معتبرين الخشوع والحزن في القراءة من صفاتهم ووجودهم سببًا لنزول المطر من السماء (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦٢٧؛ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ١٤٠٤: ١٠/ ٢٠). كما تبين من خلال البحث في روايات المعصومين (ع)، أن ما يقرب من ست روايات تشير إلى مكانة الحزن في قراءة القرآن. وفيما يلي، سيتم نقل روايات المعصومين (ع) ثم دراستها من حيث السند والدلالة.

الرواية الأولى

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ فَاقْرَءُوهُ بِالْحُزْنِ (الكليني، ١٤٠٧ ق، ٢/ ٦١٤).
الترجمة: روى ابن أبي عمير عمن ذكره عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال: «إن القرآن نزل بالحزن والأسى، فاقرؤوه بحزن».

دراسة السند

في البداية، يتم دراسة رجال السند بشكل منفصل:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: هو ثقة وصحيح المذهب، معتمد وثبت (النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٢٦٠؛ الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١٢/ ٢١٢).
إِبْرَاهِيمُ عَنْ أَبِيهِ (إبراهيم بن هاشم): لم يرد نص صريح بوثاقته، ولكن مع ذلك، الترجيح هو قبول رواياته (الحلي، خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال، ١٤١١: ٤). يذكره النجاشي من تلاميذ يونس بن عبد الرحمن (النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ١٦)؛ يعتقد آية الله الخوئي: «لا ينبغي الشك في وثاقته؛ لأن ابنه أكثر من النقل عنه في تفسيره، وكما ذكر في مقدمة كتابه، فإنه لم يروِ إلا عن الثقات. وادعى السيد بن طاووس الإجماع على وثاقته. وهو أول من نشر الحديث في قم، واعتمد القميون على روايته، مع وجود أشخاص متشددين بينهم في أمر الحديث» (الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١/ ٢٩١). لذا، فإن كونه ثقة هو الأقوى.
ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ: المقصود هو محمد بن أبي عمير؛ لأن كل رواية في سندها «ابن أبي عمير» أو «محمد بن أبي عمير»، إذا كانت الرواية عن الإمام الصادق (ع)، فالراوي هو محمد بن أبي عمير البزاز، بياع السابري (الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١٥/ ٢٩١). وهو جليل القدر ومن أوثق الناس عند الشيعة والسنة (نفسه) الذي يروي عنه إبراهيم بن هاشم (نفسه، ١/ ٢٩١). هو من مشايخ الثقات – الذين تُقبل رواياتهم المسندة والمرسلة عن الثقات – ويُحكم بصحة رواياته (الحسيني القزويني، المدخل إلى علم الرجال والدراية، ١٤٣٢: ٩٧)؛ لذا فهو ثقة.

على الرغم من أن العلامة المجلسي يعتبر سند الحديث حسنًا (راجع: المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ١٤٠٤: ١٢/ ٥٠٠)، إلا أن المجلسي الأول يعتبر السند «حسن كالصحيح» (المجلسي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ١٤٠٦: ١٠/ ١٧٠). هذا المصطلح يعني أنه إذا كان بعض رواة الحديث الحسن يتمتعون بمدح يعادل الوثاقة، وإن لم يصل مدح الباقين إلى درجة الوثاقة، يمكن تسميته «حسن كالصحيح». بالطبع، يستخدم العلامة المامقاني هذا المصطلح في حالة يكون فيها أوائل رجال السند إماميين وثقات، ولكن أواخر السند إماميون ممدوحون. بالطبع، المدح الذي لا يحل محل الوثاقة، ويكونون في سلسلة سندية يوجد فيها أحد أصحاب الإجماع (راجع: مؤدب، علم الدراية تطبيقي، ١٣٨٢: ٥٨). بناءً على ذلك، فإن سند الرواية معتبر.

دراسة الدلالة

يفسر العلامة المجلسي النزول بالحزن على أنه نزول لأجل الحزن وتأثر النفوس (راجع: المجلسي، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، ١٤٠٤: ١٢/ ٥٠٠). من هنا يتشكل أصل التحزين؛ أي لزوم سريان حزن القارئ إلى مخاطبيه؛ لأنه عندما يتأثر القارئ نفسه بآيات القرآن، فإن هذا التأثر يترك أثره على صوته أيضًا وينتقل إلى الآخرين. يرى الملا صالح المازندراني أن نزول القرآن بالحزن يعني اشتمال القرآن على مواضيع محزنة مثل أحوال الحشر والنشر، والثواب والعقاب، وأمم السابقين وهلاكهم ومسخهم، مما يجعل قلوب الحكماء تطير عند سماعها. برأيه، للحزن معنيان: إما ضد السرور أو هو رقة القلب. ويضيف في تتمة كلامه أن القراءة بحزن تعني أن يُقرأ بصوت يبعث على الحزن؛ لأن مثل هذا الصوت يولد في النفس خشية وخضوعًا وميلاً إلى الآخرة وتأثرًا في قلوب المستمعين (راجع: المازندراني، شرح الكافي، ١٣٨٢: ١١/ ٣٨). وفي موضع آخر يكتب أنه حتى لو اشتمل الصوت الحزين على نغمة، فلا إشكال فيه ما لم يسبب الغناء (راجع: المازندراني، شرح الكافي، ١٣٨٢: ١٢/ ١١٠).

لتأييد كلامه، يمكن التمسك بكلام الشهيد الثاني الذي عدّ التلاوة المتفكرة المتأثرة بوعد الله ووعيده من الآداب الشرعية (راجع: الشهيد الثاني، منية المريد، ١٤٠٩: ١٦٦). وقد أفتى الفقهاء أيضًا باستحباب القراءة المحزونة التي يخاطب فيها الإنسان الآخرين بآيات الله (راجع: الحر العاملي، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ١٤٠٩: ٦/ ٢٠٨). وقد استحب البعض أيضًا التباكي – أي تصنع حالة البكاء والدموع عند قراءة القرآن – لمن لا يقدر على البكاء (راجع: كبير مدني، رياض السالكين، ١٤٠٩: ٥/ ٤٠١). البكاء والتباكي من آثار الحزن وتحزين القراءة. وباستخدام البرهان اللمي، أي بالتوجه إلى رجحان الأثر (البكاء والتباكي)، يمكن الاستدلال على رجحان المؤثر (الحزن والتحزين)، بالإضافة إلى الحزن، يُعتبر التحزين أيضًا أمرًا حسنًا ومستحبًا للقارئ. يجب الانتباه إلى أن حالة الحزن والبكاء لا ينبغي أن تكون حالة مصطنعة ومفتعلة، بل يجب أن تنبع هذه الحالة من غليان باطن الإنسان الذي لم يصل بعد إلى مرحلة جريان الدمع. وتأييدًا لذلك، نُقلت رواية عن الإمام الباقر (ع)؛ يقول جابر: قلت للباقر (ع): «إن أناسًا إذا ذكروا شيئًا من القرآن أو حُدّثوا به صعقوا، حتى لو قُطعت أيديهم وأرجلهم لم يشعروا بذلك؟ فقال: سبحان الله، هذا من الشيطان، ما بهذا نُعتوا، إنما هو لين القلب ورقة الدمعة والوجل» (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦١٧). ووفقًا لرأي المجلسي الأول، إذا كانت الحالة المذكورة غير إرادية وناشئة عن تأثير داخلي، مثل إغماء همام في خطبة الإمام علي (ع) المشهورة، فلا إشكال فيها. ولكن إذا كانت مصطنعة وبهدف إظهار النفس للعامة كأحد أولياء الله، فهي حرام (راجع: المجلسي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، ١٤٠٦: ١٣/ ١٣٣). الحالة المذكورة في الرواية عن الإمام الباقر (ع) هي نفس الحالة التي يُظهرها الصوفية عند الوجد والجذبة (الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ١٤٠٠: ١٤/ ٧). تُظهر آيات القرآن وجود علاقة مباشرة بين الخشية والتفكر؛ فإذا تفكر القارئ جيدًا، أدرك عظمة الكلام والمتكلم، فتنشأ لديه الخشية ويصبح خاضعًا. يقول القرآن الكريم: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر / ٢١). كما نرى في الآية المذكورة، فإن صدرها يطرح موضوع الخشية، وذيلها مسألة التفكر؛ أي لو كان من المقرر أن ينزل القرآن على جبل ويُعطى شعور التكليف، لكان خاشعًا متصدعًا من نزوله. فالإنسان أولى بأن يكون خاشعًا أمام القرآن (راجع: الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠: ٢٩/ ٥١٣؛ القرشي، تفسير أحسن الحديث، ١٣٧٧: ١١/ ١٠٨). هذا المبحث مرتبط بالمبحث السابق الذي ذكرنا فيه أن الحزن في القراءة ينشأ من التفكر في آيات الله والخوف والخشية منها، مما يظهر في حالة بكاء أو تباكٍ.

الرواية الثانية

قَالَ الصَّادِقُ (ع): «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَ لَمْ يَخْضَعْ لِلَّهِ وَ لَمْ يَرِقَّ قَلْبُهُ وَ لا يَنْشَأْ حُزْنًا وَ وَجَلًا فِي سِرِّهِ، فَقَدِ اسْتَهَانَ بِعِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، فَقَارِئُ الْقُرْآنِ مُحْتَاجٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: قَلْبٍ خَاشِعٍ وَ بَدَنٍ فَارِغٍ وَ مَوْضِعٍ خَالٍ، فَإِذَا خَشَعَ لِلَّهِ قَلْبُهُ فَرَّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وَ إِذَا تَفَرَّغَ نَفْسُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ تَجَرَّدَ قَلْبُهُ لِلْقِرَاءَةِ، وَ لَا يَعْتَرِضُهُ عَارِضٌ فَيَحْرِمُهُ بَرَكَةَ نُورِ الْقُرْآنِ وَ فَوَائِدِهِ. فَإِذَا اتَّخَذَ مَجْلِسًا خَالِيًا وَ اعْتَزَلَ عَنِ الْخَلْقِ بَعْدَ أَنْ أَتَى بِالْخَصْلَتَيْنِ خُضُوعِ الْقَلْبِ وَ فَرَاغِ الْبَدَنِ، اسْتَأْنَسَ رُوحُهُ وَ سِرُّهُ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ وَجَدَ حَلَاوَةَ مُخَاطَبَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ، وَ عَلِمَ لُطْفَهُ بِهِمْ وَ مَقَامَ اخْتِصَاصِهِ لَهُمْ بِفُنُونِ كَرَامَاتِهِ وَ بَدَائِعِ إِشَارَاتِهِ» (مصطفوي، مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، ١٣٦٠: ٥٧).
الترجمة: كل من يتلو القرآن ولم يخضع قلبه لله ولم يرقّ، ولم ينشأ في باطنه حزن ووجل، فقد استهان بعظمة شأن الله تعالى وخسر خسرانًا مبينًا. فقارئ القرآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء: قلب خاشع، وبدن فارغ، ومكان خالٍ. فإذا خشع قلب الإنسان لله عند القراءة، فرّ منه الشيطان الرجيم وهرب – كما قال الله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجريم – وإذا فرغ بدنه من الأسباب والعلائق الدنيوية والمشاغل الظاهرية، تجرد قلبه لقراءة القرآن، ولم يعترضه أي عارض (مثل العلائق) فيحرمه من بركة نور القرآن وفوائده. فإذا اختار مكانًا خاليًا ومجلسًا هادئًا لا إزعاج فيه لتلاوة القرآن المجيد، واعتزل الناس – بالطبع بعد مراعاة الشرطين السابقين – سيأنس باطنه وروحه بالله تعالى، وسيجد حلاوة مخاطبات الله مع عباده الصالحين، وسيفهم لطف الله تعالى ورحمته بهم، وسيدرك اختصاصهم بأنواع الكرامات والإشارات الخاصة.

دراسة السند

الحديث المذكور منقول من كتاب «مصباح الشريعة» المنسوب إلى الإمام الصادق (ع)، والذي يرى بعض المحققين أنه يشتمل في الغالب على مضامين أخلاقية ونقاط اعتقادية، والقرائن تشير إلى أن هذا الكتاب لم يكتبه الإمام على الأقل، حيث نُقلت أحاديث الكتاب المذكور بشكل مرسل عن الإمام (ع) (راجع: إيازي، سير تطور تفاسير الشيعة، ١٤٢١: ٣٩-٤٠). لذا، فإنه من الناحية السندية غير مقبول.

دراسة الدلالة

يكتب المرحوم المصطفوي في شرح الحديث المذكور أنه لا يوجد أي شرط أو قيد في تلاوة ألفاظ القرآن المجيد، والجميع من مؤمن وكافر وصغير وكبير وعالم وجاهل مشتركون في هذا الأمر. بالطبع، الاستفادة من الحقائق واللطائف والإشارات والمعارف والمتشابهات وبطون القرآن المجيد خاصة بأشخاص يمتلكون الشروط الثلاثة المذكورة في الرواية ويزكون قلوبهم لإشراق أنوار كلمات الحق تعالى (المصطفوي، نفسه). في الرواية محل البحث، الحزن في القراءة من أسباب تعظيم كلام الله، وعدم الاستهانة به. لذا، القراءة الوقورة لكلام الله هي التي تكون مصحوبة بالخشوع والحزن الناتج عن الالتفات إلى عظمة مكانة القرآن وآياته. وقد أشار القرآن أيضًا إلى مكانة الخضوع والخشوع في القراءة، فقال: ﴿…تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ…﴾ (الزمر / ٢٣). يعتقد العلامة الطباطبائي أن اقشعرار الجلد عند سماع القرآن لا يكون إلا بسبب مشاهدة النفس أمام عظمة الله (الطباطبائي، الميزان، ١٤٢٧: ١٧/ ٢٥٦). لكن بعض المفسرين يرون أن الحالة المذكورة ناتجة عن الخوف من الوعيد والعذاب الإلهي (الطبرسي، مجمع البيان، ١٣٧٢: ٨/ ٧٧٢؛ مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ١٩/ ٤٣٤). لذا، فإن حصر عوامل التغيير في ظاهر البدن والجلد في الأسباب المهولة مثل عذابات الوعيد الإلهي، بالنظر إلى سياق الآية ومقابلة «تقشعر» و «تلين» – التي تحمل معنى السكون والطمأنينة (الطباطبائي، الميزان، ١٤٢٧: ١٧/ ٢٥٦) – ليس صحيحًا. وكما يرى الفخر الرازي أن تغير الجلد ناتج عن الخوف (الفخر الرازي، مفاتيح الغيب، ١٤٢٠: ٢٦/ ٤٤٦)، أي أنه يعتقد أن عظمة الله بمعناها العام ليست هي سبب الاقشعرار والارتعاش، بل الخوف من وعيده هو المسبب لذلك. كما أن المعنى اللغوي لـ «اقشعرار» هو هذا؛ ففي نظر العلامة المصطفوي، كلمة «تقشعر» من مصدر «اقشعرار» تعني الانقباض الشديد لجلد البدن بسبب الخوف من سماع خبر مروع (المصطفوي، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ١٤٣٠: ٩/ ٢٩٦). بالاستفادة من الآية المذكورة ورأي المفسرين، يمكن القول إن من علامات خشوع وخضوع القارئ الحقيقي للقرآن هو خوفه الشديد عند مواجهة وعيد الله، ووصوله إلى الطمأنينة عند تلاوة آيات الرحمة. ومن الدرجات العالية للحزن في القراءة، الالتفات إلى آيات القرآن بالأسلوب والطريقة المذكورة؛ أي الخوف والرجاء – وهما من صفات المؤمنين (راجع: الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦٧) – يتجلى أيضًا في القراءة.

الرواية الثالثة

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَائِبٍ قَالَ: مَرَّ عَلَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَأَتَيْتُهُ مُسَلِّماً عَلَيْهِ فَقَالَ لِي: مَرْحَباً يَا ابْنَ أَخِي، بَلَغَنِي أَنَّكَ حَسَنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ. قُلْتُ: نَعَمْ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِالْحُزْنِ، فَإِذَا قَرَأْتُمُوهُ فَابْكُوا، فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، وَ تَغَنَّوْا بِهِ، فَمَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ فَلَيْسَ مِنَّا (الشعيري، جامع الأخبار، ١٤١٨: ٤٩).
الترجمة: قال عبد الرحمن بن سائب: مر بنا سعد بن وقاص، فقلت: يا أخي، بلغني أنك تقرأ القرآن بصوت حزين. فقال: نعم. فقلت: أحسنت! سمعت رسول الله (ص) يقول: إن القرآن نزل لحزن العباد ليحزن غافلي أهل البادية فيصل بهم إلى حد الهداية. فإذا قرأتموه فابكوا، واقرؤوا القرآن بحسن الصوت والحزن.

دراسة السند

أولًا، بناءً على صحة نسبة كتاب «جامع الأخبار» إلى «الشعيري»، فإن سند الحديث مرسل؛ لوجود واسطة بين «الشعيري» و«عبد الرحمن بن سائب». ثانيًا، اسم «عبد الرحمن بن سائب» غير موجود في كتب الرجال الشيعية وهو مجهول؛ لذا، يجب اعتبار سند الرواية ضعيفًا.

دراسة الدلالة

يرى السيد المرتضى أن جملة «فابكوا أو تباكوا» تدل على أن المقصود هو التحنين وترجيع الصوت (راجع: علم الهدى، أمالي المرتضى، ١٩٩٨: ١/ ٣٢). وقد قال البعض عن «تغنوا به» أي استغنوا بالقرآن عن غيره؛ ولكن معظم العلماء فسروا الغناء بأنه تزيين الصوت وتحزينه (المجلسي، روضة المتقين، ١٤٠٦: ١٠/ ١٧١). ويجب القول إن اقتران «الحزن» و«الغناء» و«البكاء» يدل على أن الغناء في القرآن – كما نقل عن السيد المرتضى – هو قراءته بصوت حزين يمكن أن يؤدي إلى البكاء أو التباكي. وهنا قال البعض إنه إذا كان الغناء في قراءة القرآن بسبب الحزن، فلا إشكال فيه (المجلسي، روضة المتقين، ١٤٠٦: ١٠/ ١٧١). يعد السيد الرضي قراءة القرآن بصوت حزين أحد الأقوال المطروحة بخصوص الغناء القرآني؛ لأن التحزين في القراءة يثير السامع ويأسر قلب العارف، وقد سميت هذه الطريقة بالغناء من باب التوسع في المفهوم؛ لأنها تقود زمام القلوب وتجذب النفوس الغريبة إليها (الرضي، المجازات النبوية، ١٤٢٢: ٢٢٠). المهم هو أنه، كما قيل في ذيل البحث الدلالي للرواية الثانية، قال القرآن الكريم: ﴿…تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ…﴾ (الزمر / ٢٣). لكن الغناء لا يمتلك هاتين الخاصيتين فحسب، بل يمكن القول إنه يمتلك نقيضهما؛ أي عند سماع الغناء، لا يرتعش جسد المستمع، ولا يذكره بعذاب الله ليطلب بعد ذلك التسكين بذكر رحمته، بل يغفل الإنسان عن الأمور المذكورة (راجع: الكشميري، رسالة مسألة الغناء، ١٤١٨: ٢). على الرغم من أنه، وفقًا للروايات السابقة، يُوصى بمراعاة الحزن في قراءة القرآن، إلا أن القرآن نفسه، وفقًا لحديث نقله الشيخ الكليني عن الإمام الصادق (ع)، يزيل الحزن: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): يَدْخُلُنِي الْغَمُّ. فَقَالَ: أَكْثِرْ مِنْ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. فَإِذَا خِفْتَ وَسْوَسَةً أَوْ حَدِيثَ نَفْسٍ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، عَدْلٌ فِيَّ حُكْمُكَ، مَاضٍ فِيَّ قَضَاؤُكَ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ نُورَ بَصَرِي وَ رَبِيعَ قَلْبِي وَ جَلَاءَ حُزْنِي وَ ذَهَابَ هَمِّي، اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أَشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٥٦١). ومع ذلك، يمكن القول إن القرآن يجب أن يُقرأ بحزن ينشأ من التفكر في أمور الآخرة وما وراءها، مما يحرر القارئ من أحزان الدنيا. أي أن التحزين في القراءة هو نفس الخشوع والخضوع عند التلاوة، أما إزالة القرآن للحزن فتتعلق بالأمور المادية. وفي بعض الآيات، أُشير إلى أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، مثل: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يونس / ٦٢). ربما يكون ذلك بسبب ذكرهم الدائم لله والدار الآخرة، حيث إن مصائب الدنيا الشديدة لا شيء أمام هيبة الله وعظمته وعذابه، وكذلك نعيمه الأبدي؛ لذا لا يدخلون الخوف إلى أنفسهم ولا يحزنون من هذا الجانب؛ حزنهم وألمهم الوحيد هو فراق المعبود والمحبوب «الله». يعتقد العلامة الطباطبائي أن الخوف والحزن منفيان عن أولياء الله بشكل مطلق، والقيد الوحيد هو الآيات التي تقول إن أولياء الله يخافون من الله (الطباطبائي، الميزان، ١٤١٧: ١٠/ ٩٢). لذا، فإن الحزن في القراءة يفصل الإنسان عن الأحزان الباطلة الناتجة عن مشاكل الدنيا الزائلة، ويوجهه إلى التفكير في الآخرة الأبدية وعمارة الدار الأخرى. وفيما يلي، ونظراً لنص الرواية المذكورة، من المناسب أن ننتقل إلى بحث التغني في القرآن بشكل مستقل ومختصر.

التغني بالقرآن

«التغني» من جذر «غ-ن-ي» يعني الغناء بصوت ممدود وجميل ورقيق ومطرب (ابن الأثير، النهاية، ١٣٦٧: ٣/ ٣٩١؛ الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ١٤١٧: ٢/ ١٧٢٩). وقد عرفه البعض بأنه القراءة بصوت عالٍ وحسن مصحوب بالخشوع والرقة والأسى (طويل، فن الترتيل، ١٤٢٠: ١/ ١٥٧). لذا، قد تكون هناك علاقة بين التغني والحزن. منشأ مصطلح «التغني بالقرآن» هو نص الرواية النبوية التي توصي بالتغني عند تلاوة القرآن: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (البخاري، الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله، ١٤٢٢: ١٨/ ٥٧٩؛ الصدوق، معاني الأخبار، ١٤٠٣: ٢٧٩). في بعض موارد نقل الرواية النبوية المذكورة، لا يوجد صدر أو ذيل، ولكن في موارد أخرى، ورد بعد الأمر بتزيين القرآن بالصوت الحسن، أو بعد الأمر بالبكاء والتباكي والتغني بالقرآن. وقد نُقلت روايات نبوية أخرى إما تحتوي على لفظ «التغني» أو لفظ مشابه له مثل «الترنم». إجمالاً، قُدمت ستة أحاديث في هذا المجال (مثل: البخاري، نفسه؛ الصدوق، نفسه؛ علم الهدى، أمالي المرتضى، ١٩٩٨: ١/ ٢٤؛ ابن حنبل، مسند أحمد، ١٤٢١: ٣/ ١٢٥). إن الانتباه إلى الكلمات المفتاحية المستخدمة في بعض الروايات حول مقام تلاوة القرآن – مثل تحسين الصوت، وتزيين الصوت، والتحبير، والترنيم (القراءة اللحنية) – يعزز احتمال أن التغني بالقرآن هو مقولة ترتبط بتلاوة القرآن وصوت القارئ، وليس كما قال البعض بمعنى طلب الغنى (راجع: ابن عباد، المحيط في اللغة، ١٤١٢: ٥/ ١٣٥؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ١٤١٢: ٦١٦). من الناحية السندية، احتمال انتقال روايات التغني من مصادر أهل السنة إلى الشيعة كبير؛ أولًا، لأن كتب معاني الأخبار للشيخ الصدوق، والمجازات النبوية للسيد الرضي، وأمالي السيد المرتضى، وجامع الأخبار للشعيري هي فقط من الكتب المتقدمة التي نقلتها (الصدوق، معاني الأخبار، ١٤٠٣: ٢٧٩؛ الرضي، المجازات النبوية، ١٤٢٢: ٢٢١؛ علم الهدى، أمالي المرتضى، ١٩٩٨: ١/ ٢٤؛ الشعيري، جامع الأخبار، ١٤١٨: ٤٩)، وهي كتب كان لمؤلفيها أساتذة من المذهب العام، وكذلك مكانتهم العلمية والاجتماعية وظروف المجتمع والحكم في ذلك العصر تقتضي مثل هذا الانتقال. ثانيًا، التشابه بين ألفاظ الحديث في مصادر الشيعة وأهل السنة يمكن أن يكون قرينة على الانتقال. ثالثًا، ضعف السند – خاصة من حيث الإرسال – وفقدانه في المجامع الحديثية الشيعية المهمة، يقوي احتمال الانتقال. فقد نقل الشيخ الصدوق الرواية عن أبي عبيد القاسم بن سلام، والسيد المرتضى بشكل مرسل عنه أيضًا. ولكن الواسطة في نقل القاسم بن سلام (١٥٧-٢٢٤ هـ) إلى النبي (ص) غير واضحة. ورغم أن القاسم بن سلام كان من كبار عصره، إلا أنه كان غير شيعي ومالكي المذهب، ولم يُذكر اسمه في كتبنا الرجالية (السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ١٤١٥: ٣/ ٤٣٩). وكذلك الشعيري – كما قيل في دراسة سند الرواية الثالثة – نقل السند مع انقطاع وسقط وإرسال، و«عبد الرحمن بن سائب» في السند شخص مجهول. في دلالة رواية التغني، تُطرح ثلاث شبهات: أ) الاشتراك اللفظي لـ «التغني» بين طلب الغنى والغناء في الصوت؛ قال علماء اللغة: «تغنى» بمعنى «استغنى» أي طلب الغنى، وأيضًا بمعنى الغناء في الصوت (ابن عباد، المحيط في اللغة، ١٤١٤: ٥/ ١٣٥؛ الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ١٤١٢: ٦١٦). ب) بعض العلماء يحرمون الغناء مطلقًا، بمعنى أنه إذا كان الغناء بكلام باطل يوجب عقابًا إلهيًا، فإن التغني بالقرآن له عقوبة مضاعفة (السبزواري الميرلوحي، إعلام الأحباء في حرمة الغناء في القرآن والدعاء، ١٤١٨: ٥٤-٥٥). ج) لازم مفهوم الرواية، على فرض جواز التغني بالقرآن، هو أن كل من يقرأ القرآن بدون تغنٍ يكون بعيدًا عن النبي (ص) ودينه وخارجًا عنه. في هذه الحالة، ما هو تكليف من لا قدرة له على التغني؟ لقد قدم الموافقون والمخالفون للتغني بالقرآن أدلة، من بينها نفس الحديث النبوي المذكور، حيث حمله الموافقون على جواز التغني، بينما فسره المخالفون بمعنى الاستغناء والاكتفاء (السايس، تفسير آيات الأحكام، ١٤٠٧: ٨١٢؛ الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ١٤٠٠: ١٣/ ٢٨١). بالنظر إلى قرائن الرواية نفسها، أي تلك الكلمات المفتاحية المتعلقة بالتزيين والحالات الصوتية، فإن التغني يعني قراءة القرآن بصوت جميل مصحوب بالألحان والأنغام، ولكنه متوافق مع قدسية القرآن. بالإضافة إلى ذلك، فسر العديد من علماء الشيعة والسنة الغناء والتغني على أنهما مقولة تتعلق بالصوت (راجع: حقي البرسوي، تفسير روح البيان، ١٤١٠: ٧/ ٦٦؛ السايس، نفسه؛ الهاشمي الخوئي، ١٤٠٠: ١٣/ ٢٨١). لذا، لا يمكن أن يكون التغني بمعنى الاستغناء، بل بمعنى الغناء في الصوت. يبدو أن كلام البعض الذين قسموا التغني إلى نوعين، ممدوح ومذموم، هو الأصح؛ القسم المذموم هو المدود الصوتية غير المنضبطة التي تخرج عن قواعد وأصول التجويد والترتيل وتخرج القارئ عن حالة التدبر في الآيات، واستخدام الألحان والنغمات الخاصة بمجالس اللهو واللعب التي يستخدمها أهل الفسق في قراءة القرآن. القسم الممدوح هو حسن الصوت والتجويد والأداء (السايس، نفسه، ٨١٧؛ الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ١٤١٥: ١/ ٧٢؛ البروجردي، تفسير الصراط المستقيم، ١٤١٦: ٢/ ٣٦٤؛ الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ١٤٠٠: ١٣/ ٢٨١). نتيجة لذلك، فإن أخبار التغني بالقرآن تخصص أدلة حرمة الغناء بشكل مطلق (السبزواري، إعلام الأحباء في حرمة الغناء في القرآن والدعاء، ١٤٢٣: ١/ ٤٣٢). إذا فُسر التغني بالغناء، فالمقصود بالرواية هو أن كل من يكون قادرًا على التلاوة اللحنية للقرآن ويمتنع عنها فليس منا (المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٨٩/ ١٩٢). في الواقع، ما سبب تحريم الغناء هو تلازمه مع اللهو؛ أي أن العلاقة بين الغناء واللهو هي عموم وخصوص من وجه، واقترانهما معًا يُعد من موارد الغناء المحرم. فإذا استُخدم غناء غير لهوي في القرآن، فلا مانع (راجع: الصادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن، ١٣٦٥: ٢٣/ ٢١٥؛ المختارى، غناء، موسيقى، ١٤١٩: ٣/ ١٨٤٨). في هذه الحالة، يكون التحزين في القراءة أحد أنواع التغني الممدوح؛ لأن القرآن يُقرأ بالطبيعة التي نزل بها، وهذه القراءة الحزينة تستدعي تدبر القارئ والمستمع. بعبارة أخرى، إذا لم يمكن وضع الترعيد والترقيص والتطريب في دائرة التغني الممدوح، فيمكن اعتبار القدر المتيقن من التغني الممدوح هو التحزين في القراءة. وليس من المستبعد أن يكون البعض قد اعتبر التغني مرادفًا للتحزين في القراءة لهذا السبب (الحفني، موسوعة القرآن العظيم، ٢٠٠٤: ١/ ١٣٨). حتى أن البعض اعتبر تأويل التغني بالتحزين في القراءة تأويلاً صحيحًا للحديث موضوع البحث (القرضاوي، قرآن منشور زندگي، ١٣٨٢: ٢٧٢).

الرواية الرابعة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (ع): إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيَّ فَقِفْ مَوْقِفَ الذَّلِيلِ الْفَقِيرِ وَ إِذَا قَرَأْتَ التَّوْرَاةَ فَأَسْمِعْنِيهَا بِصَوْتٍ حَزِينٍ (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦١٥).
الترجمة: قال الإمام الصادق (ع): «أوحى الله عز وجل إلى موسى بن عمران (ع): إذا وقفت بين يدي فقف وقوف الذليل الفقير، وإذا قرأت التوراة فأسمعنيها بصوت حزين».

دراسة السند

في البداية، يتم دراسة رجال السند:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وأَبُوهُ: حُكم بوثاقتهما في ذيل الرواية الثانية.
عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ: له كتاب، وروى عنه إبراهيم بن هاشم وموسى بن جعفر (النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٢٧٣؛ الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١٣/ ١٩٥-١٩٦). لم يرد فيه مدح أو ذم، فهو مجهول.
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْقَاسِمِ: بالنظر إلى روايته عن «عبد الله بن سنان»، فهو «عبد الله بن القاسم البطل» (الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١١/ ٣٠٢). يعتقد آية الله الخوئي، بناءً على كلام ابن الغضائري، أنه «عبد الله بن قاسم الحارثي» الملقب بـ «بطل»، وبناءً على كلام النجاشي، أنه «عبد الله بن قاسم الحضرمي» الملقب بـ «بطل». ثم يرجح آية الله الخوئي، وفقًا لمبناه الذي يشكك في نسبة كتاب ابن الغضائري، كلام النجاشي (نفسه). على أي حال، هو كذاب، غالٍ، ومرتفع القول (ابن الغضائري، رجال ابن الغضائري، ١٤٠٦: ٧٨؛ النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٢٢٦).
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ: كوفي، ثقة، من الأصحاب، جليل القدر، لم يرد فيه طعن (الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١١/ ٢٢٤؛ السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ١٤١٥: ٢/ ٣٣٧). هو ثقة.
يعتبر العلامة المجلسي السند ضعيفًا (راجع: المجلسي، مرآة العقول، ١٤٠٤: ١٢/ ٥٠١). وبالنظر إلى ضعف عبد الله بن القاسم وجهالة علي بن معبد، فإن ضعف السند محرز.

دراسة الدلالة

بالنظر إلى الرواية محل البحث والروايات السابقة، فإن إحدى الخصائص المشتركة بين التوراة والقرآن هي الحزن في القراءة. ومع الأخذ في الاعتبار السياق والتوصية بمقام الخشية والذلة أمام الباري تعالى، فإن الحزن في القراءة سيكون هو رقة القلب الناتجة عن استحضار عظمة الله وهيبته، سواء بشكل إجمالي من ذات المقام الإلهي، أو بشكل تفصيلي من محتوى الآيات التي تتضمن بيان قدرة الله وهيبته في قالب أحوال القيامة والموت والعذاب وأمثال ذلك. بالطبع، هذا لا يعني أن الحزن في القراءة يراعى فقط في مثل هذه الآيات، بل في الآيات التي تتضمن الجنة أيضًا يوجد حزن منشؤه عدم العلم بالجنة. كما قيل: المؤمن بين الخوف والرجاء (راجع: الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦٧). على الرغم من أن الرواية المذكورة ركزت على «الصوت الحزين»، إلا أن الصوت الحزين هو نتاج تفكير يتبعه خشية وخضوع، وهذا الخضوع محسوس في الصوت أيضًا. ولهذا السبب سُئل النبي (ص): «أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتاً بِالْقُرْآنِ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأَيْتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ» (ورام، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، ١٤١٠: ١/ ٣؛ المجلسي، بحار الأنوار، ١٤٠٣: ٨٩/ ١٩٥). أي أن من خلال صوت القارئ وهيئته الجسدية وملامح وجهه يمكن إدراك خشوعه الداخلي. التعبير المذكور يظهر أن الصوت الحزين هو نتاج تأثير الخشوع الداخلي الذي ينشأ من آيات العذاب الإلهي أو الأسف على البعد عن رحمة الله. بالطبع، بالنظر إلى عبارة «موقف الذليل الفقير»، يجب على القارئ أن يشعر بفقره الذاتي أمام ربه. هذا الفقر والاحتياج يحيط بكل وجود الممكن، وهو دليل بحد ذاته على حزن القارئ عند قراءة القرآن وإدراكه لنسبته إلى فقره الوجودي.

الرواية الخامسة

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ (ع) يَقُولُ لِرَجُلٍ: أَ تُحِبُّ الْبَقَاءَ فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَ لِمَ؟ قَالَ: لِقِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فَسَكَتَ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ بَعْدَ سَاعَةٍ: يَا حَفْصُ، مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلِيَائِنَا وَ شِيعَتِنَا وَ لَمْ يُحْسِنِ الْقُرْآنَ عُلِّمَ فِي قَبْرِهِ لِيَرْفَعَ اللَّهُ بِهِ مِنْ دَرَجَتِهِ، فَإِنَّ دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ آيَاتِ الْقُرْآنِ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَ ارْقَ. فَيَقْرَأُ ثُمَّ يَرْقَى. قَالَ حَفْصُ: فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً أَشَدَّ خَوْفاً عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ (ع) وَ لَا أَرْجَى النَّاسِ مِنْهُ، وَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ حُزْناً، فَإِذَا قَرَأَ فَكَأَنَّهُ يُخَاطِبُ إِنْسَاناً (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦٠٦).
الترجمة: يقول حفص: سمعت الإمام موسى بن جعفر (ع) يقول لرجل: أتحب البقاء في الدنيا؟ قال: نعم. قال: ولماذا؟ قال: لقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فسكت الإمام ثم قال لي بعد ساعة: يا حفص، من مات من أوليائنا وشيعتنا ولم يحسن القرآن، عُلِّم في قبره ليرفع الله به درجته، فإن درجات الجنة على قدر آيات القرآن. يقال له: اقرأ وارقَ. فيقرأ ثم يرقى. قال حفص: فما رأيت أحدًا أشد خوفًا على نفسه من موسى بن جعفر (ع)، ولا أرجى منه، وكانت قراءته حزينة، فإذا قرأ فكأنه يخاطب إنسانًا.

دراسة السند

في البداية، يتم دراسة رجال السند:
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وأَبُوهُ: حُكم بوثاقتهما في ذيل الرواية الثانية.
الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: نظرًا لأنه اسم مشترك، يحتاج إلى قرينة للتمييز. من خلال بعض الأسانيد يمكن اكتشاف من هو. في بعض الأسانيد ورد: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْفَهَانِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيِّ عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ» (البرقي، المحاسن، ١٣٧١: ٢/ ٤٣٩؛ الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ١/ ٤٦). ومن جهة أخرى، وردت أسانيد مشابهة بهذا الشكل: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ عَنِ الْمِنْقَرِيِّ…» (الكليني، نفسه، ٢/ ٤٦١). ربما لهذا السبب، لا يستبعد آية الله ميرزا جواد التبريزي في حاشية «صراط النجاة» اتحاد الأصفهاني والجوهرى (الخوئي، صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات، ١٤١٦: ٢/ ٤٥٨). نتيجة لذلك، يتقوى اتحاد «الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْفَهَانِيِّ» و«الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ». ومن ناحية أخرى، يعتقد آية الله الشبيري الزنجاني أن القاسم بن محمد متردد بين الجوهري والأصفهاني، والأقوى تعددها؛ أي أن هذين الاسمين يعودان لشخصين مختلفين (الشبيري الزنجاني، كتاب النكاح، ١٤١٩: ١١/ ٣٧١٩). قيل عن «الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَصْفَهَانِيِّ» أنه معروف بـ«كاسولا» (الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١٥/ ٤٧-٤٨)، وله كتاب روى عنه جماعة، وهو غير مرضي (راجع: النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٣١٥؛ الطوسي، الفهرست، ١٣٩٩: ٢٠٢؛ الأردبيلي، جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق، ١٤٠٣: ٢/ ١٩ و ٢١)؛ ويرى ابن الغضائري أن حديثه تارة يُعرف وتارة يُنكر (ابن الغضائري، رجال ابن الغضائري، ١٤٠٦: ٤٧-٤٨). قال آية الله الخوئي في مواجهة السند المذكور: «هذه رواية موثقة؛ لأن «القاسم بن محمد» هو نفسه «الجوهري» الذي الأظهر توثيقه. «سليمان المنقري» أيضًا ثقة حتى لو قيل إنه عامي. «حفص بن غياث» وإن كان عامي المذهب إلا أن الشيخ الطوسي اعتبر كتابه معتبرًا، وفي كتاب «عدة الأصول» عده من الأفراد الذين عمل أصحابنا برواياتهم» (الخوئي، في شرح العروة الحديث، ١٤١٨: ٢١/ ٣٣٢). بالطبع، لم يكن آية الله الخوئي في أواخر حياته يعتبر القاسم بن محمد الجوهري ثقة أيضًا (الخوئي، صراط النجاة في أجوبة الاستفتاءات، ١٤١٦: ٢/ ٤٥٧). يعتبر المجلسي الأول سند الرواية محل البحث قويًا (المجلسي، روضة المتقين، ١٤٠٦: ١٣/ ١٢٤)، بمعنى أن جميع أفراد سلسلة السند إماميون، وإن لم يرد مدح أو ذم بحق بعضهم (راجع: مدير شانه چي، دراية الحديث، ١٣٨٢: ٦٨). «القاسم بن محمد» مشترك بين «القاسم بن محمد الأصفهاني» المعروف بـ«كاسولا» أو «كاسام» – الذي ليس بمرضي عند الأصحاب – و«القاسم بن محمد الجوهري الكوفي البغدادي» – الذي هو موثوق عند الأصحاب – من حيث اسمه واسم أبيه، وكذلك الرواية عن سليمان بن داود المنقري ورواية إبراهيم بن هاشم عنه (راجع: النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٣١٥؛ الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ١٤/ ٥٣). ربما لهذا السبب، يضعف العلامة المجلسي السند (راجع: المجلسي، مرآة العقول، ١٤٠٤: ١٢/ ٤٨٩).
سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمِنْقَرِيُّ: كنيته «أبو أيوب الشاذ الكوفي البصري»، وهو ثقة ومن أصحاب الإمام الصادق (ع) وروى عنه (الأردبيلي، جامع الرواة وإزاحة الاشتباهات عن الطرق والإسناد، ١٤٠٣: ١/ ٣٧٩؛ تجليل التبريزي، معجم الثقات وترتيب الطبقات، ١٤١٠: ٦١). على الرغم من قول النجاشي «ليس بالمتحقق بنا»، أي أنه ليس شيعيًا، إلا أنه ثقة (راجع: النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٣١٥؛ الشبيري الزنجاني، كتاب النكاح، ١٤١٩: ١١/ ٣٧١٥). ورغم أن الغضائري ضعفه (ابن الغضائري، رجال ابن الغضائري، ١٤٠٦: ٦٥)، إلا أن توثيق النجاشي – نظرًا لكونه أضبط وأدق – يتقدم على تجريح الغضائري (الحائري المازندراني، منتهى المقال في أحوال الرجال، ١٤١٦: ٣/ ٣٩١؛ النوري، خاتمة المستدرك، ١٤١٧: ٤/ ٢٦١؛ مؤمن القمي، الولاية الإلهية الإسلامية أو الحكومة الإسلامية، ١٤٢٥: ١/ ٤٨٥).
حَفْصٌ: بالنظر إلى طبقته والراوي عنه ومن يروي هو عنه، فهو «حفص بن غياث» (راجع: الخوئي، معجم رجال الحديث، ١٤٢٠: ٧/ ١٣٦). هو عامي المذهب وله كتاب معتمد (الطوسي، رجال، ١٤١٥: ١٣٣؛ الحلي، خلاصة الأقوال في معرفة أحوال الرجال، ١٤١١: ٢١٨)، وقد شهد الشيخ الطوسي بعمل الأصحاب بروايته (الطوسي، العدة في أصول الفقه، ١٤١٧: ١/ ١٤٩). ويمكن لبعض الروايات أن تكون شاهدًا على تشيعه (راجع: الحائري المازندراني، منتهى المقال في أحوال الرجال، ١٤١٦: ٣/ ٩٥؛ النوري، خاتمة المستدرك، ١٤١٧: ٤/ ٢٦٣).
في النهاية، يجب القول عن السند إنه بالنظر إلى كون كتاب حفص بن غياث معتمدًا، وكذلك رواية المحدثين الأجلاء مثل إبراهيم بن هاشم ومحمد بن علي بن محبوب وغيرهم عن «كاسولا» المشترك، لا يلحق ضرر باعتبار السند؛ لأن أخذ الرواية من الكتب كان دأب وطريقة مصنفي كتب الحديث، وذكر السند كان لمجرد اتصال السند بينهم وبين صاحب الكتاب. لهذا السبب، في كثير من الحالات، اكتفى المحدثون بذكر سند غير صحيح مع وجود أسانيد كثيرة صحيحة (راجع: النوري، خاتمة المستدرك، ١٤١٧: ٤/ ٢٦٢؛ رحمان ستايش، رسائل في ولاية الفقيه، ١٤٢٥: ٢٢٩). بعبارة أخرى، السند معتبر.

دراسة الدلالة

بما أن الراوي يصف قراءة الإمام بأنها حزينة، فإن المقصود هو التأثير المحزن الذي تتركه قراءة الإمام على المستمعين. يكتب الملا صالح المازندراني في هذا الصدد: «أي أنها كانت تسبب حزن القلب ورقته، وأحيانًا يكون الحزن كناية عن البكاء» (الحائري المازندراني، منتهى المقال في أحوال الرجال، ١٣٨٢: ١١/ ٢٧). ويعتقد أن مخاطبة الإنسان حول كيفية قراءة موسى بن جعفر (ع) تعني أنه كان يبين الحروف ولا يقرأها متصلة وبفاصل، وهذا هو معنى الترتيل، وإشارة إلى أن الإمام لم يكن يقرأ بصوت يشتمل على نغمة؛ وإن كان ذلك جائزًا (راجع: نفسه). لا يمكن استنتاج مثل هذه الإشارة من الحديث؛ لأن المقصود ليس أن الإمام كان يرتل ويقرأ بوضوح وفي نفس الوقت متتابعًا، بل المراد أنه كان يقرأ بحزن لدرجة أنه كأنه يخاطب إنسانًا بآيات، وكأن آيات العذاب والقيامة تنزل على الشخص المستمع في المجلس. في الواقع، الحديث كناية عن وضع المخاطب والسامع في أجواء نزول الآيات، والحزن كان من صفات صوت الإمام (ع). يشير كلام المحدث الأربلي عن كيفية قراءة الإمام الكاظم (ع) إلى هذه النقطة نفسها. يكتب: «كان يقرأ القرآن بصوت حسن مع حزن فيبكي ويبكي السامعون» (الأربلي، كشف الغمة، ١٣٨٢: ٣/ ٢٩). المعصومون (ع) هم المصداق الأتم لبعض آيات القرآن، مثل: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء / ١٠٧-١٠٩). «يخرون» أي يسقطون على الأرض لا إراديًا. استخدام هذا التعبير بدلًا من «يسجدون» يشير إلى لطيفة وهي أن الواعين المستيقظين عند سماع آيات القرآن، يصبحون مجذوبين ومفتونين بكلام الله لدرجة أنهم يسجدون لا إراديًا ويفقدون قلوبهم وأرواحهم في سبيله. «أذقان» جمع «ذقن» بمعنى الذقن. عند السجود، لا يضع أحد ذقنه على الأرض، لكن تعبير الآية يشير إلى أنهم يسقطون بوجههم كله أمام الله، وحتى ذقونهم التي هي آخر عضو قد يصل إلى الأرض عند السجود، توضع على الأرض في محضره العظيم. وقد احتمل بعض المفسرين أيضًا أنه في السجود العادي، يضع الإنسان جبهته أولاً على الأرض – ولكن من يسقط على الأرض كالمغمى عليه – فإن ذقنه يلامس الأرض أولًا (مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، ١٣٧٤: ١٢/ ٣٢٠). يخصص العلامة الطباطبائي الآية لعلماء المسيحية الذين لم يُنسخ دينهم قبل الإسلام؛ فهم كانوا مجهزين لفهم كلمة الحق وقبولها، ولأنهم فهموا حقيقة معنى الحق، فإن حقيقة كون القرآن حقًا أوجدت في قلوبهم خشوعًا أكبر (الطباطبائي، الميزان، ١٤٢٧: ١٣/ ٢٢٢). لكن أولًا، كون المسيحية هي الدين الوحيد غير المنسوخ قبل الإسلام أمر قابل للنقاش، بالنظر إلى دين أجداد النبي (ص) الإبراهيمي. ثانيًا، من باب توسيع المعنى ووحدة الملاك، يمكن اعتبار كل أهل الحق موضوعًا للآية وتحميل الحكم عليهم؛ والمعصومون (ع) هم أكمل مصاديق الآية. سيحدث السجود غير الإرادي للقارئ والمخاطب عندما يصل إلى أعلى مراتب الخشية من عظمة القرآن ومرسله. هذه هي الحالة التي تسبب للإنسان حزنًا وأسى كبيرًا يظهر حتمًا في صوته، ويسجدون ورؤوسهم على الأرض بينما يبكون من خوف التقصير في العبادة وشوق الثواب وخوف العقاب. المواعظ التربوية والمؤثرة في القرآن تزيد من تواضعهم أمام الله، ويسلمون أنفسهم لأمر الله وطاعته أكثر من ذي قبل (الطبرسي، مجمع البيان، ١٣٧٢: ٦/ ٦٨٨).

الرواية السادسة

قَالَ [عَلِيٌّ] (ع): «… تَالُونَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ… فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ، رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً، وَ تَطَلَّعَتْ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً، وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ. وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ، أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ، وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ. فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ جِبَاهَهُمْ وَ أَكُفَّهُمْ وَ أَطْرَافَ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ…» (راجع: ابن شعبة الحراني، تحف العقول، ١٤٠٤: ١٥٩).

دراسة السند

على الرغم من أن الرواية المذكورة في «تحف العقول» نُقلت مرسلة، إلا أنها نفس خطبة «همام» أو «المتقين» المشهورة، والتي وردت أيضًا في مصادر حديثية أخرى مثل «نهج البلاغة» (راجع: نهج البلاغة، خطبة همام). نقل أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي الخطبة المذكورة (راجع: الهلالي، كتاب سليم بن قيس الهلالي، ١٤٠٥: ٢/ ٨٤٩). وقد نقلها الشيخ الصدوق أيضًا مسندة عن الإمام الصادق (ع) عن أبيه: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْوَلِيدِ… عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ (الصدوق، ١٣٧٦: ٥٧٠). إذا قيل إن السند المذكور ضعيف بسبب «علي بن حسان» الذي هو في نظر النجاشي فاسد العقيدة وغالٍ (راجع: النجاشي، رجال النجاشي، ١٤٠٧: ٢٥١)، فالجواب هو أن تضعيف النجاشي، أولاً، مبني على الحدس والاجتهاد والتفاسير الباطنية التي وصلت إليه عن «علي بن حسان»، وكم من الأمور التي تعتبر اليوم من عقائد الإمامية الصحيحة كانت تعد في نظر القدماء فسادًا في العقيدة وغلوًا، مثل عدم سهو النبي (ص) عند مشهور المتأخرين والقول بسهو النبي (ص) عند الشيخ الصدوق (راجع: الصدوق، ١٤١٣: ١/ ٣٥٩). ثانيًا، رواية كثير من الأجلاء عن «علي بن حسان» وتوثيق ابن الغضائري له مرتين، ووجود رواية في توثيق «علي بن حسان» يظهر مكانته عند كبار المحدثين (راجع: النوري، خاتمة المستدرك، ١٤١٧: ٤/ ٣٩٨). وفيما يتعلق بـ«عبد الرحمن بن كثير»، بالإضافة إلى ما ذكر بخصوص «علي بن حسان» – الذي يشترك في بعض الجوانب مع عمه «ابن كثير» وله نفس الأجوبة – هناك قرائن أخرى على وثاقته نقلها المحدث النوري (راجع: النوري، نفسه، ٤٠١). بالنظر إلى ما قيل، فإن سند الحديث معتبر.

دراسة الدلالة

كتب الميرزا الخوئي في توضيح الحزن المذكور في الخطبة أن المقصود بـ«يحزنون به أنفسهم» هو قراءة القرآن بصوت حزين (راجع: الهاشمي الخوئي، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ١٤٠٠: ١٢/ ١٢٥). يعتقد ابن أبي الحديد أن العبارات المذكورة تشير إلى «البكاء» الذي هو دواء ألم الحزن (راجع: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ١٤٠٤: ١٠/ ١٤٣). وفي الجمع بين هذه الأقوال، يمكن القول إن السياق يوحي بأن المراد هو التفكر والتدبر في الآيات، ونتيجة لهذا التدبر، حزن القلب، أي رقة القلب، وامتداد الحزن من الداخل والقلب إلى الخارج والحنجرة والصوت والصورة، في صورة صوت حزين ووجه حزين وعينين دامعتين، وفي النهاية، قراءة مصحوبة بالبكاء. المعنى الذي يظهر من هيئة «التحزين» هو إيقاع الحزن، والذي يمكن استخلاص التباكي منه أيضًا. على الرغم من أن البعض قال: القارئ جدير بأن يتأثر قلبه حسب اختلاف الآيات بالحزن والخوف والرجاء (الثعالبي، جواهر الحسان في تفسير القرآن، ١٤١٨: ٥/ ٨٩)؛ ولكن بالنظر إلى الروايات السابقة، فإن الحزن هو صفة منسوبة لنزول القرآن ولا ينبغي تجزئتها؛ لأن مجمل القرآن نزل حزينًا، وكون بعض الآيات تتضمن معاني حزينة أيضًا، يكون سببًا لتأكيد القارئ على حزن قراءته. لذا، لا ينبغي قياس الحزن الكلي بالنسبة للقرآن كله بالحزن الجزئي لبعض الآيات؛ فإذا قرأ القارئ أنغامًا ذات طابع فرح، فلا ينبغي أن ينسى أصل التحزين. بعبارة أخرى، نغمة مثل «النهاوند»، التي تعد عادةً مقامًا أكثر بهجة من المقامات القرآنية الأخرى، لا تفقد حالتها الحزينة. إن أداء نغمة «النهاوند» في قراءات الأستاذ محمد صديق المنشاوي من النماذج الجيدة لتحزين القراءة في المقامات الفرحة نسبيًا، خاصة في تلاوة مجلسية لسورة «ق» و«الرحمن» في الآيتين ٢٧ و٢٨ من سورة «ق» – التي تتضمن مضامين الوعيد والعذاب – حيث أُدي مقام «النهاوند» ببراعة. بسبب وجود مثل هذه الخصائص، أجاب الدكتور مجيد معارف، من باحثي القرآن المعاصرين، على سؤال حول أقرب أسلوب قراءة لقراء العالم الإسلامي إلى قراءة النبي (ص)، فعرّف الأستاذ محمد صديق المنشاوي. ربما يمكن القول إن أحد أساليب تحزين القراءة هو مراعاة كون الأنغام عربية، وهو ما أشير إليه في الأحاديث: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص): اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِأَلْحَانِ الْعَرَبِ وَ أَصْوَاتِهَا وَ إِيَّاكُمْ وَ لُحُونَ أَهْلِ الْفِسْقِ وَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ» (الكليني، الكافي، ١٤٠٧: ٢/ ٦١٤). لأن ظاهر الحديث يوصي بتجنب الألحان غير العربية ونغمات مجالس اللهو واللعب أو المطربين في قراءة القرآن. يجب ألا تخرج القراءة الحزينة عن إطار الألحان العربية. في هذه الحالة، يمكن أن نأمل ألا تصاب قراءة القرآن بالآفة، كما هو الحال في بعض المدائح، خاصة الأسلوب الحماسي. من نماذج أساليب القراءة الحزينة التي يمكن الاطمئنان إلى خلوها من الألحان غير العربية واللهوية تقريبًا، تلاوات الأستاذ كامل يوسف البهتيمي. وقد استخدم مقولة تحزين القراءة بطريقة مطلوبة. من بين قراءاته الخالدة في هذا المجال، يجب الإشارة إلى تلاوة سورة الفرقان من الآية ٥٨ حتى آخرها، والقيامة، والعلق من الآية ١ إلى ٥. حالة البكاء والنشيج في أواخر فواصل الآيات التي تنتهي بالألف ملموسة. الشهقات التي تظهر مع بحة في الصوت في تحريرات الحلق من قبل الأستاذ كامل يوسف البهتيمي، تزيد من حزن القراءة.

النتيجة

من الناحية السندية، تعاني معظم الروايات المذكورة من ضعف السند، ولكن بالنظر إلى تواترها الإجمالي حول المكانة الخاصة للحزن في النزول وكذلك في التلاوة، يُجبر ضعف السند. وتجدر الإشارة إلى أنه في حالة عدم قبول التواتر الإجمالي، فلا شك في الشهرة الروائية والاستفاضة. بالنظر إلى المطالب المذكورة ودراسة الروايات المذكورة، فإن الحزن في قراءة القرآن توصية للخروج من حصار اللفظ والصوت والدخول إلى ساحة المعنى والمفهوم. بعبارة أخرى، الحزن في القراءة، على الرغم من أنه يمكن أن يكون على شكل تباكٍ في المرحلة الأولى، ويؤثر على ظاهر القارئ من حيث الوجه والصوت وجريان الدمع، إلا أنه مع استمراره وترسيخ عنصر الحزن في القراءة، يمكن أن يتحول التباكي إلى بكاء. لكن الحزن الحقيقي والمقصود في الروايات ليس هذا، بل هو حزن ناتج عن التفكر في آيات العذاب والقيامة أو التدبر في البعد عن جوار الله والشوق إلى الوصال، وكذلك الشعور بالفقر الوجودي تجاه الله. نتيجة لهذا التفكر، ينشأ حزن يؤثر أولاً في القارئ ثم ينتقل إلى الآخرين بواسطته. في هذه الحالة، يُعتبر القارئ مبلغًا حقيقيًا ومتحدثًا باسم القرآن، لا يوصل الألفاظ بصوت حسن إلى المستمع فحسب، بل يلقي المعنى أيضًا بتحزين القراءة إلى المستمع. في هذه الحالة، يكون التحزين من موارد التغني الممدوح في القرآن الذي أُوصي به ويخرج من تحت إطلاق أدلة حرمة الغناء. أخيرًا، التحزين لا يعني خلق حزن مصطنع ليمثل القارئ دور إنسان حزين أثناء التلاوة، بل التحزين هو الغم والأسى الذي ينشأ نتيجة عملية التدبر في آيات العذاب بسبب الخوف من الله، أو التفكر في آيات الرحمة الإلهية وطلب المغفرة والرحمة والرضوان الإلهي وأمثال ذلك. النقطة الأخرى هي أن القرآن كله يجب أن يُقرأ في قالب الحزن، ولا ينبغي حصر حزن القرآن كله، الذي هو جزء من عملية النزول، في بعض آيات العذاب، بل في آيات العذاب والوعيد، يُقوى ويُؤكد الحزن الأولي الذي رافق نزول القرآن. كذلك، يجب ألا يُكتسب الحزن في القراءة أو بعبارة أخرى «تحزين القراءة» بأي طريقة؛ بل يجب أن يكون ضمن الإطار الشرعي والآداب الإسلامية؛ يجب عدم استخدام النغمات غير العربية، ويجب الابتعاد بشدة عن ألحان المطربين. يجب الانتباه إلى أن الحزن جزء لا يتجزأ من المقامات القرآنية ولا ينبغي حصره في بعض المقامات مثل نغمة الصبا. ومن المستحسن أن يتخذ القراء، لمزيد من الاهتمام بمقولة تحزين القراءة، قراءات بعض الأساتذة الذين رسخوا عنصر الحزن في قراءتهم نموذجًا يحتذى به.

Scroll to Top