الملخص
يُعدّ الإجماع، بوصفه أحد مصادر استنباط الأحكام الشرعية، من الموضوعات التي واجهت تحديات كثيرة منذ نشأته. ولهذا، بُذلت جهود حثيثة لتصحيحه وتقنينه. وبناءً على ذلك، فإن ما يُعتبر مسألة جوهرية لدى الإمامية في تقييم حجية الإجماع هو كاشفيته عن رأي المعصوم (ع)، وهذا الأمر لا يتحقق إلا باتفاق فقهاء العصر مع أصحاب الأئمة (ع)؛ لأن مثل هذا الاتفاق يكشف عن كون الحكم المبيّن مسلّمًا به وارتكازيًا. وما يستحق البحث هو كيفية الكشف عن رأي المعصوم (ع) من خلال اتفاق الفقهاء. وبدراسة النصوص الدينية، يمكن التوصل إلى آراء متباينة، حيث يعتمد البعض فقط على الإجماعات التعبدية، ويُسقطون من الاعتبار الموارد التي يكون فيها مدرك الإجماع معلومًا أو يُحتمل الاستناد فيها إلى مدرك. وفي المقابل، يرى آخرون، مع التفاتهم إلى مسألة كون الإجماع مدركيًا، أنهم ما زالوا يستفيدون منه كعامل في استنباط الأحكام. وفي هذا السياق، يرى بعض الفقهاء، مثل الأستاذ الآملي اللاريجاني، أنه لا يمكن الاعتماد على كون الإجماع مدركيًا كعامل حصري في تقييم حجيته، بل لا بد من دراسة أبعاد مختلفة من الإجماع. وعليه، فإن خصوصيات من قبيل اتصاله بزمن المعصوم (ع)، وكونه مورد ابتلاء، وعقلانية الاحتمال، وفي النهاية، كيفية بيان الحكم في لسان الفقهاء، تُعتبر عوامل مؤثرة في تقييم حجية الإجماع المدروس وتحليله.
المقدمة
من الموضوعات المهمة في عملية استنباط الأحكام الشرعية دليلُ الإجماع. وبإلقاء نظرة على متون الفقه الأولية، يمكن الوقوف على الخلفية الطويلة للإجماع ومدى تأثيره في إثبات الأحكام الشرعية. من هذا المنطلق، بذل المفكرون الإسلاميون جهودًا كبيرة لإضفاء الحجية عليه، ومن نماذج ذلك تقسيم الإجماع من حيث وجود المستند أو عدمه. وتجدر الإشارة إلى أن الالتفات إلى كون الإجماع مدركيًا ليس بمسألة مستجدة، بل بالتأمل في كلمات الفقهاء المتقدمين يمكن العثور على جذور لها (راجع: الشيخ الطوسي، 1417، ج2، ص639؛ العلامة الحلي، 1425، ج3، ص255)، ولكن ما يمكن اعتباره أمرًا حديثًا هو النتيجة السلبية لمعلومية أو احتمالية مستند المجمعين في لسان المتأخرين (الميرزا القمي، 1430، ج2، ص432؛ النائيني، 1376، ج3، ص151). فالمتأخرون في حال معلومية مستند المجمعين يطلقون عليه اسم الإجماع المدركي، وفي المقابل، إذا لم يوجد مستند للإجماع، يُستخدم تعبير الإجماع التعبدي. السؤال المحوري هو: ما هو تأثير هذا التقسيم على عملية حجية الإجماع؟ وهل في حال معلومية مدرك ومستند المجمعين، تواجه كاشفية الإجماع عن نظر المعصوم (ع) مشكلة؟
بالنظر إلى المتون الفقهية والأصولية، يمكن القول إنه على الرغم من أن استناد الإجماع إلى مستند لا يضر به في رأي البعض، فإن المشهور بين المتأخرين يعتبرون الإجماعات التي يُحتمل فيها وجود مدرك، فاقدة للاعتبار ولا يقرون لها بالكاشفية. وفي هذا السياق، يمكن إيجاد رؤية أخرى تنظر بعمق أكبر إلى مؤسسة الإجماع وتعتبر تجاوز إجماعات المتقدمين وعدم الاكتراث بها خطأً جوهريًا في منهج الاستنباط. هذه الرؤية التي تبلورت في درس «الوقف» للأستاذ الآملي اللاريجاني، تطرح خصائص لدراسة أي إجماع، والتي بمراعاتها لا يمكن بسهولة التغاضي عن حجية دليل الإجماع، والاكتفاء بمجرد الاستناد إلى كونه مدركيًا.
ومع أن فقهاء الإمامية قد صوروا حجية الإجماع في وجوه ومبانٍ مختلفة (راجع: الشيخ الأنصاري، 1428، ج1، ص192) يتجلى على أساس كل منها أثر لكون الإجماع مدركيًا، ولكن نظرًا لأن الكثير من هذه المباني لم يعد لها قائل اليوم بسبب المناقشات التي أثيرت حولها، وبقي مبنى الإجماع الحدسي هو الوحيد الذي لا يزال في دائرة البحث، فسيتمحور البحث اللاحق حول كون الإجماع مدركيًا وتأثيره على مساره، حول محور الإجماع الحدسي. ومن هذا المنطلق، سيتم في البحث الحالي، بعد تعريف المفاهيم الأساسية، تبيين الخصائص التي يجب مراعاتها في تقييم حجية الإجماع.
وفيما يتعلق بخلفية هذا البحث، على الرغم من وجود مقالات مرتبطة بهذا الموضوع مثل «إعادة قراءة حجية الإجماع المدركي» (شاكري، 1395، ص28-39) للباحث المحترم بلال شاكري، إلا أن المنهج التحليلي مع التركيز على آراء الأستاذ الآملي اللاريجاني يُعد من مميزات البحث الحالي، الذي يتناول تحليل وتقييم حجية الإجماع المدركي بأسلوب وصفي وتحليلي.
1- تحديد المفاهيم
1-1- الإجماع
تأتي كلمة الإجماع في اللغة بمعنى «إحكام النية، الإرادة والقصد» (ابن الأثير، 1367، ج1، ص296؛ ابن منظور، 1417، ج8، ص57). ويرى الراغب أن معنى الإجماع هو «توحيد الآراء والأفكار» (الراغب الأصفهاني، 1412، ص201). كما يذكر الطريحي معانٍ مثل «الاتفاق، الإرادة والعزم على فعل شيء» (الطريحي، 1375، ج4، ص317). والاتحاد في الرأي هو معنى آخر لهذه الكلمة (البستاني، 1375، ص18). وفي المعنى الاصطلاحي، الإجماع هو اتفاق جماعة من العلماء الكاشف عن رأي المعصوم (ع) (الميرزا القمي، 1430، ج2، ص233؛ البروجردي، 1412، ج2، ص80). والنقطة التي تتجلى بوضوح في تعريف الإمامية هي دور «كاشفية الاتفاق» عن رأي المعصوم (ع)، بحيث إن كل اعتبار الإجماع لديهم يدور حول هذا «القيد» (الشيخ الأنصاري، 1428، ج1، ص185؛ الآخوند الخراساني، 1409، ص288؛ المظفر، 1375، ج2، ص97).
1-2- الإجماع الحدسي
أحد مباني تقرير الإجماع الذي لقي قبولًا لدى المتأخرين هو تبيين تقييم حجية الإجماع في إطار نظرية «الإجماع الحدسي». في هذا المبنى، يتم حدس رأي الإمام (ع) من خلال اتفاق العلماء على مسألة ما؛ بحيث توجد دائمًا ملازمة عادية بين اتفاق المرؤوسين على أمر ورضا رئيسهم به (العراقي، 1417، ج3، ص97). وبعبارة أخرى، يمكن لانتشار حكم ورأي على نطاق واسع بين الناس أن يمهد الطريق لتكوين حدس قطعي بـ«قانونية» هذا الحكم، مما يدل بدوره على رضا المشرّع (الإمام الخميني، 1415، ج1، ص257).
1-3- الإجماع المدركي
من تقسيمات الإجماع، تقسيمه إلى تعبدي أو مدركي. يقوم هذا التقسيم على أساس وجود أو عدم وجود مدرك ومستند في تكوين الإجماع، بحيث إذا تحقق اتفاق المجمعين على محور مستندي، يُعرف ذلك بالإجماع المدركي (النائيني، 1376، ج3، ص151). وبالتالي، فإن الإجماع المدركي هو الإجماع الذي يكون مدركه ومستنده متاحًا أو من الممكن أن يكون المجمعون قد اعتمدوا على ذلك المستند.
2- إعادة قراءة حجية الإجماع المدركي
واجه طرح الإجماع كأحد مصادر استنباط الأحكام الشرعية تحديات جوهرية تتعلق بحجيته، وهو ما تعكسه وجهات النظر المختلفة للفقهاء وطرح المباني المتنوعة. ولكن ما يمكن اعتباره قاسمًا مشتركًا بين جميع المباني هو عدم النظر إلى دليل الإجماع نظرة استقلالية. بعبارة أخرى، الإجماع في حد ذاته ليس له اعتبار لدى الإمامية، وكاشفيته عن قول المعصوم (ع) هي التي تمنحه القيمة والحجية.
وعليه، فإن مجرد اتفاق وآراء الفقهاء لا يدل على حقيقتها. من هنا، تكمن النقطة الأساسية في منظور الإمامية في كيفية الكشف عن قول المعصوم (ع) من خلال هذا الاتفاق، والتي يرى الكثيرون أنها تقتصر على اتفاق الفقهاء دون تدخل أي عامل آخر، وهو ما يُعرف بالإجماع التعبدي. وبناءً على ذلك، فإن الإجماع الذي يكون مستند تكوينه معلومًا أو يُحتمل أن الفقهاء قد اعتمدوا فيه على مستند، يكون محل نقاش لدى بعض الفقهاء والأصوليين (الشيخ الأنصاري، 1416، ج1، ص92؛ الحائري الأصفهاني، 1404، ص44؛ الآخوند الخراساني، 1409، ص342 و426؛ الآخوند الخراساني، 1410، ص123)، لدرجة أن البعض ينكر حجية مثل هذا الإجماع مطلقًا ولا يعتبره حجة (الخوئي، 1422، ج1، ص163). وسبب هذه المعارضة هو أنه في بنية الإجماع الحدسي، لا يمكن الكشف عن رأي أصحاب الأئمة (ع) من خلال اتفاق فقهاء عصر الشيخ الطوسي أو ابن إدريس أو ابن زهرة، وبالتالي استنباط رأي الإمام (ع)، إلا إذا لم يكن هناك دليل أو مدرك في الوسط؛ لأنه في هذه الحالة فقط يمكن طرح فرضية أن الحكم المتفق عليه كان «متسالمًا عليه» بين أصحاب أهل البيت (ع) والفقهاء بعدهم. بعبارة أخرى، يبدو أن الحكم موضع الإجماع قد ظهر وبرز كحكم ارتكازي وغير قابل للتشكيك بين أصحاب الأئمة (ع) والفقهاء، ولهذا السبب لم تكن هناك حاجة لذكر مستند عند نقله. وعلى الرغم من أنه بنظرة أدق، يجب القول إن هذا الارتكاز القطعي الشامل هو نفسه مستند الإجماع الذي ينتقل إلى فقهاء الأجيال اللاحقة. والآن، مع قبول هذا المبدأ، من البديهي أنه إذا ذكر المجمعون مدركًا كمستند، فإن ذلك يزعزع أساس مبنى الإجماع الحدسي القائم على الكشف، لأن المدرك المحدد يواجه الحكم الارتكازي بين الأصحاب والفقهاء السابقين بالغموض ويضفي عليه طابعًا حكميًا نابعًا من الاستنباط والاجتهاد (راجع: النائيني، 1376، ج3، ص151). في المقابل، يرى بعض الفقهاء، مثل الأستاذ الآملي اللاريجاني، أن مجرد وجود مستند متوافق مع الحكم الثابت من خلال الإجماع لا يمكن اعتباره عاملاً حصريًا لتقييم حجية الإجماع؛ لأنه في بعض الأحيان يمكن العثور على قرائن وظروف لا يكون لوجود المدرك معها تأثير سلبي على كاشفية الإجماع عن رأي الإمام (ع). بعبارة أخرى، عند مواجهة الإجماعات التي يُحتمل أن تكون مدركية، لا ينبغي الاكتفاء بهذا الاحتمال وإخراج الإجماع من دائرة مستندات الحكم الشرعي، بل إن النظر إلى أبعاد الإجماع والنظرة الشاملة لموقف الحكم محل البحث، من الضروريات في عملية استنباط الحكم من خلال الإجماع. وعليه، سنتناول فيما يلي الخصائص والميزات التي يجب مراعاتها عند التعامل مع الإجماع.
2-1- لزوم اتصال الحكم بزمن الأئمة (عليهم السلام)
أحد الشروط الأساسية في حجية الإجماع المدركي هو اتصال الإجماع بزمن المعصوم (ع). لذلك، يُعتبر الإجماع ذا قيمة إذا كان متلقى من كلام المعصوم (ع) أو كان محل تقريره. وبعبارة أخرى، فإن امتداد الإجماع واستمراره حتى زمن حضور الإمام (ع) يبين أهمية أن وحدة وتوافق آراء الفقهاء المتأخرين ليست ظاهرة جديدة، بل لها جذور في العصور التي سبقتهم، بحيث كانت هذه الوحدة في الرأي والاتفاق موجودة أيضًا بين أصحاب الإمام المعصوم (ع) في زمنه. وبما أنه توجد دائمًا ملازمة عادية بين اتفاق المرؤوسين على أمر ورضا رئيسهم به، يمكن الادعاء بأن الحكم «المتسالم عليه» متلقى من الإمام المعصوم (ع) (الآملي اللاريجاني، الجلسة 57، 1399).
2-2- كون المسألة مورد ابتلاء
من القرائن المهمة التي لا يمكن بموجبها اعتبار مجرد كون الإجماع مدركيًا عاملاً مضعفًا له، هو «كون المسألة مورد ابتلاء». في الأحكام التي تُطرح بشكل جزئي وفرعي، يواجه الكشف عن رأي المعصوم (ع) صعوبة؛ لأنه في الأحكام غير الشائعة، تكون إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الفقهاء المتقدمين أمرًا صعبًا، وعلى هذا الأساس، يُعتبر احتمال وجود مستند ومدرك عاملاً ضارًا بحجية الإجماع. أما في المسائل الكلية والعامة البلوى مثل «الوقف»، التي تشير كثرة الأسئلة والأحكام المطروحة في الروايات إلى شيوعها وابتلاء الناس بها، فلا يمكن بسهولة التغاضي عن الإجماعات الواردة فيها لمجرد كونها مدركية؛ لأنه من خلال هذا القيد يمكن استخلاص نقطتين أساسيتين:
أ/ في ضوء شيوع الابتلاء بمسألة ما، يمكن القول إن تقرير الإجماع واتفاق الفقهاء بشأنها يدل على عدم وجود حكم مخالف في المسألة.
ب/ تأثير كون المسألة مورد ابتلاء في زمن أهل البيت (ع) وأصحابهم يصل إلى حد يمنع تكوّن رأي مخالف في العصور اللاحقة. وبعبارة أخرى، لا يمكن قبول أن إجماعًا قد تشكل في عصر الشيخ الطوسي وهو مخالف لحكم كان شائعًا في زمن أصحاب الأئمة (ع) والفقهاء قبل الشيخ الطوسي وكان متلقى من الإمام المعصوم (ع). بناءً على ذلك، فإن عدم تجلي رأي أصحاب الأئمة (ع) المتلقى من الإمام المعصوم (ع) في نظر فقهاء الأجيال اللاحقة، وبالتالي اتفاقهم على رأي مخالف، لا يمكن تبريره. وتجدر الإشارة إلى أن ذكر الفقهاء المتأخرين لمستندات ليس له تأثير على العملية المذكورة.
بناءً على ما سبق، في أبواب مثل «الوقف» التي تدل فيها كثرة الأسئلة والأحكام المطروحة في الروايات على شيوعها وابتلاء الناس بها، إذا نُقل إجماع يستند إلى «بطلان الوقف المؤقت» من قبل فقهاء مثل الشيخ الطوسي، فلا يمكن التغاضي عن فاعلية هذا الإجماع وكاشفيته لمجرد احتمال كونه مدركيًا أو تكونه في أزمنة متأخرة عن زمن حضور المعصوم (ع) (الآملي اللاريجاني، الجلسة 58، 1399).
2-3- عقلانية الاحتمال
في رأي العديد من ناقدي الإجماع، مجرد «احتمال» وجود مدرك ومستند لإجماع ما يخرجه من دائرة الاستدلال. وعليه، لا يمكن الاستناد إلى إجماع «محتمل المدركية» كدليل مستقل. النقطة التي يجب الانتباه إليها في هذه العملية هي «مدى حجية» هذا الاحتمال. وبعبارة أخرى، يجب أن يكون الاحتمال المذكور عقلائيًا وله منشأ واقعي. من هنا، بالنظر إلى استخدام هذا المصطلح في لسان الفقهاء والأصوليين (الشيخ الأنصاري، 1428هـ، ج1، ص366؛ المشكيني، 1413، ج4، ص97؛ الخوئي، 1419، ج3، ص143؛ الشهيد الصدر، 1417، ج4، ص347) يمكن استنتاج أن أي احتمال لا يكون منشأ أثر، ولا يمكن الاستفادة منه في تضعيف الإجماع، بل يجب أن يكون «الاحتمال» الذي يوصف الإجماع بسببه بأنه مدركي، عقلائيًا ومعتبرًا، بحيث يؤدي وجوده إلى زوال الاطمئنان، وفي النهاية يسبب الحيرة والتردد في النواة الأساسية لتكوين الإجماع (كون الحكم ارتكازيًا). بناءً على ذلك، فإن وجود احتمالات ذهنية بحتة وغير مصحوبة بقرائن خارجية لا يُعتد به ولا يُعد عاملاً مؤثرًا في تضعيف الإجماع. ولتوضيح هذه المسألة، نشير إلى نموذج من الإجماعات القديمة التي طُرحت في باب الوقف، ولكنها أُبطلت بسبب احتمال كونها مدركية، وسنبيّن عدم أساس الاحتمال المذكور بالرجوع إلى المتون الفقهية. تحقيقًا لهذه الغاية، ذكر الفقهاء شروطًا لصحة الوقف، منها «الدوام والاستمرار». ثم استدلوا على هذا الشرط الأساسي بأدلة مثل الإجماع. وفي هذا السياق، قام بعض الفقهاء بطرح احتمال كون الإجماع مدركيًا، للمناقشة (الآخوند الخراساني، 1413، ص31 و32؛ الطباطبائي القمي، 1426، ج9، ص451). هذا في حين أنه بالرجوع إلى كلمات القائلين بالإجماع لا يمكن إيجاد منشأ عقلائي لاحتمال كونه مدركيًا. وفيما يلي، سيتضح هذا الأمر أكثر بذكر بعض العبارات. يقول الشيخ الطوسي في بطلان الوقف المؤقت: «على المسألة إجماع الفرقة وأخبارهم» (الشيخ الطوسي، 1407، ج3، ص548). وفي كلام ابن زهرة أيضًا ورد: «ويدل على صحة ما اعتبرنا من الشروط بعد إجماع الطائفة، أنه لا خلاف في صحة الوقف ولزومه إذا تكاملت» (ابن زهرة، 1417، ص298). كما صرح ابن إدريس بهذا المطلب: «ويدل على صحة ما اعتبرناه من الشروط – بعد إجماع أصحابنا – أنه لا خلاف في صحة الوقف ولزومه إذا تكاملت» (ابن إدريس، 1410، ج2، ص157).
بالتأمل في عبارات وهياكل جمل الفقهاء في بيان مستندات الحكم الصادر عنهم، يمكن بوضوح استنتاج أن التمسك بالإجماع يُعتبر دليلاً مستقلاً (خاصة بالنظر الدقيق إلى استخدام كلمة «بعد»)، وذكر المستند الآخر بعد تمامية دليل الإجماع هو دليل إضافي. وبالتالي، فإن احتمال كون الإجماع المذكور مدركيًا هو احتمال بعيد عن الواقع وليس له منشأ عقلائي. نتيجة لذلك، فإن الإجماع المدعى عليه يستند إلى نفس الارتكاز المسلّم به الذي كان قائمًا بين الفقهاء (الآملي اللاريجاني، الجلسة 59، 1399).
2-4- اعتماد الفقهاء المتقدمين على الإجماع في إصدار الحكم
من النقاط الأخرى التي تعزز حجية الإجماع المدركي، فتوى بعض الفقهاء المتقدمين الذين، على الرغم من عدم ذكرهم للإجماع، يمكن الاطمئنان بأن فتواهم صدرت بناءً على التسالم الذي كان قائمًا بين الفقهاء السابقين؛ وإلا، كيف يمكن الاعتقاد بأن فقهاء في عهد ابن إدريس وابن زهرة أو فقهاء من جيل المحقق الحلي كانت لديهم مستندات غير الإجماع، لكنهم لم يذكروها؟ وبالتالي، فإن كون الفتوى شاملة وارتكازية، وفي النهاية مسلمة، هو نفسه منشأ صدور الفتوى من قبل الفقهاء في مختلف العصور (الآملي اللاريجاني، الجلسة 60، 1399).
الخاتمة
يُعد الإجماع المدركي أحد أقسام الإجماع الذي أدى فيه احتمال وجود مدرك إلى مناقشات في تقييم حجيته، لدرجة أن الكثيرين يرون أن مثل هذا الإجماع يفتقر إلى القدرة على الكشف عن رأي المعصوم (ع). لكن في المقابل، يرى بعض الفقهاء المعاصرين مثل آية الله اللاريجاني أنه لا يمكن الإصرار على هذه الكلية القائلة بأن الإجماع يسقط عن الحجية بوجود مثل هذا الاحتمال، ولا يمكن الاستفادة منه في مدار استنباط الحكم الشرعي. بل بضم قرائن مثل الاتصال بزمن المعصوم (ع)، وكون المسألة مورد ابتلاء، وكيفية استخدام الإجماع في كلام الفقهاء، ودراسة منشأ الاحتمال، يمكن الاعتقاد بصحة الإجماع وقيمته، حتى لو أُشير في هذا السياق إلى مستندات أخرى.
الهوامش
1. باحث في مركز فقه الأئمة الأطهار (ع) وخريج دروس البحث الخارج في الحوزة العلمية بقم، ekhlasi.m97@gmail.com.
2. طالب ماجستير، فرع الفقه ومبادئ الحقوق الإسلامية، قم، a.majdara@gmail.com.
قائمة المصادر
1. ابن الأثير الجزري، مبارك بن محمد (1367ش). النهاية في غريب الحديث والأثر. الطبعة الرابعة. قم: بلا ناشر.
2. ابن إدريس، محمد بن منصور بن أحمد (1410ق). السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى. الطبعة الثانية. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بقم.
3. الإمام الخميني، روح الله (1415ق). أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية. الطبعة الثانية. طهران: بلا ناشر.
4. الأنصاري، الشيخ مرتضى (1416ق). فرائد الأصول. الطبعة الخامسة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي (جماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم).
5. البستاني، فؤاد أفرام (1375ش). فرهنگ ابجدی (معجم أبجدي). الطبعة الثانية. طهران: بلا ناشر.
6. الحائري الأصفهاني، محمد حسين (1404ق). الفصول الغروية في الأصول الفقهية. الطبعة الأولى. بلا مكان: دار إحياء العلوم الإسلامية.
7. الحلبي، ابن زهرة حمزة بن علي الحسيني (1417ق). غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
8. الخراساني، محمد كاظم (1413ق). كتاب في الوقف (للآخوند). الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم.
9. الخراساني، محمد كاظم (1409ق). كفاية الأصول. الطبعة الأولى. قم: مؤسسة آل البيت (ع).
10. الخراساني، محمد كاظم (1410ق). درر الفوائد في الحاشية على الفرائد. الطبعة الأولى. بلا مكان: مؤسسة الطبع والنشر (وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي).
11. الخوئي، أبو القاسم (1422ق). مصباح الأصول (طبعة مؤسسة إحياء آثار السيد الخوئي). الطبعة الأولى. قم: بلا ناشر.
12. الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (1412ق). مفردات ألفاظ القرآن. الطبعة الأولى. بيروت – دمشق: بلا ناشر.
13. الشاكري، بلال (1395ش). «بازخوانی حجیت اجماع مدرکی». مجلة فقه و اصول، العدد 106.
14. الطريحي، فخر الدين بن محمد (1375ش). مجمع البحرين. الطبعة الثالثة. طهران: بلا ناشر.
15. الطوسي، محمد بن حسن (1407ق). الخلاف. الطبعة الأولى. قم: مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين بالحوزة العلمية بقم.
16. الطوسي، محمد بن حسن (1417ق). العُدة في أصول الفقه. الطبعة الأولى. قم: بلا ناشر.
17. العراقي، ضياء الدين (1417ق). نهاية الأفكار. الطبعة الثالثة. قم: بلا ناشر.
18. العلامة الحلي، حسن بن يوسف (1425ق). نهاية الوصول إلى علم الأصول. الطبعة الأولى. قم: بلا ناشر.
19. القمي، سيد تقي الطباطبائي (1426ق). مباني منهاج الصالحين. الطبعة الأولى. قم: منشورات قلم الشرق.
20. المظفر، محمد رضا (1375ش). أصول الفقه (طبعة إسماعيليان). الطبعة الخامسة. بلا مكان: بلا ناشر.
21. الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن (1430ق). القوانين المحكمة في الأصول (طبعة جديدة). الطبعة الأولى. قم: بلا ناشر.
22. الميرزا القمي، أبو القاسم بن محمد حسن (1430ق). القوانين المحكمة في الأصول (طبعة جديدة). الطبعة الأولى. قم: بلا ناشر.
23. تقرير جلسات 57-60 درس خارج آيت الله آملي لاريجاني، تاريخ 1399/1/23 – 1399/1/30.