الملخص
البداء من العقائد التي حظيت باهتمام خاص لدى الشيعة. وقد ورد تعريفه في الروايات بأن يد الله مبسوطة للمحو والإثبات، والتقديم والتأخير، ولكل تغيير وتحول في عالم التكوين في أي زمان وبأية كيفية، مع علمه بجميع الكائنات قبل خلقها، وعلم الأنبياء والملائكة مستفاد من علمه دون أدنى شك. ولكن، هناك إشكال يواجه مبحث البداء ظاهراً، وهو أن كل تغيير وتحول ينشأ عن جهل سابق وعلم لاحق، فكيف يصح ذلك في حق الله الذي له العلم الأزلي المطلق؟ وللإجابة على هذا الإشكال والتحديات الأخرى، بُذلت جهود علمية كثيرة وقُدمت حلول متنوعة. يهدف هذا البحث إلى دراسة الحلول المطروحة في الروايات لإثبات أن البداء الإلهي لا ينشأ عن جهل أو نقص في العلم؛ ذلك أن المنظومة العقائدية الشيعية، القائمة على القرآن والسنة، قد أولت اهتماماً بجميع جوانب المسائل الكلامية، ومنها مسألة البداء والتحديات المفترضة حولها، وقدمت حلاً علمياً ومقنعاً لتجاوز أي احتمال مثير للتحدي، وأهمها تحدي تعارض البداء مع العلم الإلهي.
١. طرح المسألة
البداء من العقائد الخاصة بالشيعة، والذي كان منذ القدم وحتى الآن محط اهتمام علماء الإمامية بمناهج مختلفة، وقد كثرت حوله الآراء. إلا أن ما دفع بالبداء إلى ساحة الجدالات الكلامية، وجعل المخالفين والموافقين في حالة فعل ورد فعل، هو طرح إشكالية أُطلق عليها تحدي البداء. ومن أجل رفع هذا التحدي، بُذلت جهود علمية كثيرة، وتوسل كلٌّ بحل وتبيين مختلف للخروج من هذا الإشكال، وكان قسم كبير من تلك الحلول مستقى من روايات المعصومين (ع). وبصرف النظر عن المناهج العلمية الأخرى التي لكل منها دورها اللائق في تبيين وفهم وتوجيه والدفاع عن العقائد، وتستخدم في محلها المناسب، فإن هذا البحث سيكتفي بالحلول والتبيينات المستفادة من الروايات، ليُظهر أنه في كثير من الحالات لا توجد ضرورة كبيرة للرجوع إلى الرؤى التجريدية والتحليلات الخالية من الاستناد الشرعي والتفلسف والتحليلات الشهودية. بالطبع، لا بد من التذكير بأن عقيدة البداء لها منشأ روائي في الغالب، ورواياتها تمتلك القدرة على الإجابة عن التحديات التي تواجهها، ولهذا السبب اكتفى هذا البحث بالحلول والتبيينات المقدمة في الروايات. لا بد من الإشارة إلى أن عقيدة البداء قد وردت في المصادر الشرعية على نحو يستلزم، من أجل تكوين تصور صحيح عنها، استعراض المفاهيم الأساسية والمهمة المتعلقة بذات الله وعلمه، وبطلان عقائد المشركين من اليهود، وعلم النبي والإمام أيضاً، للوصول إلى النتيجة المرجوة. ولكن، بما أن هذا البحث يسعى لتلقي الإجابة عن التحديات من منظور الروايات، فإنه يبتعد عن أي مباحث تؤدي دوراً في فهم البداء، ويفترض ثبوت البداء وقبوله، وباستخدام منهج التحليل الداخلي للنص، يكتفي بدلالة ودراية الروايات ليعرض الحلول المستقاة من نصها. وتجدر الإشارة إلى أنه في كثير من البحوث الروائية، يتم إجراء الدراسة السندية والدلالية معاً، ولكن في هذا البحث، نظراً للمحدودية، تم صرف النظر عن الدراسة السندية للروايات. البداء من العقائد الكلامية التي أُجريت حولها في القرون الأخيرة تحقيقات كثيرة بعناوين مختلفة ومقاربات متنوعة، وتُظهر التحقيقات المنجزة أنه تم التطرق إلى جميع جوانب وأبعاد البداء بشكل أو بآخر (راجع: أخوان ونبوي، ١٣٩٥ش، ١٥٢-١٧٧). في معظم التحقيقات المنجزة، استُخدمت الروايات المتعلقة بالبداء، ولكن ما كان محط اهتمام في كثير من تلك التحقيقات المتنوعة هو إثبات البداء وتطبيقه على آراء المذاهب الإسلامية الأخرى ونظرة المفكرين بمقاربات مختلفة. وما يقل ظهوره في التحقيقات الموجودة هو تحقيق يتناول الروايات من هذا المنظور. لذا، شعرنا بضرورة إجراء بحث يتناول بشكل مستقل الحلول المقدمة لحل التحديات التي تواجه البداء من منظور الروايات. وعليه، لم يعثر كاتب هذه السطور على سابقة بحثية خاصة في حدود اطلاعه، وكما أُشير، فإن الموضوعات المتعلقة بهذا البحث وردت متفرقة وفي إشارات ضمن أعمال أخرى، بحيث يمكن تحصيل رؤية جامعة منها، ولكن بالنظر إلى أهمية وضرورة إكمال الملف العلمي لبحث البداء، فإن إجراء تحقيق كهذا مع التركيز الخاص على الروايات يعد ضرورياً ولازماً.
٢. البداء في الروايات
جمع العلامة المجلسي في كتاب «بحار الأنوار» سبعين رواية، وهو أكبر عدد ورد في موضوع البداء (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٤: ٩٤-١٢٢). واكتفى الشيخ الكليني في كتاب «الكافي» بست عشرة رواية (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٨-١٤٦)، والشيخ الصدوق في كتاب «التوحيد» بإحدى عشرة رواية في باب البداء (الصدوق، د.ت، ٣٣٣-٣٣٥). من بين الروايات الست عشرة في أصول الكافي، لم ترد ثماني منها في توحيد الصدوق، ولكن الصدوق أضاف روايتين على روايات كتاب الكافي، فيهما خدش في السند (نفسه). وبناءً على ذلك، إذا كان معيار دراسة الروايات هو كتاب الكافي، فسيتم التطرق إلى روايات كتاب الصدوق أيضاً. من بين الروايات الست عشرة الواردة في كتاب الكافي، ورد لفظ ‘البداء’ في تسع منها (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٦-١٤٨، ح٨، ١، ٢، ٩، ١٠، ١٢، ١٣، ١٥ و ١٦)، وفي سبع روايات أخرى تم التطرق إلى البداء بصورة غير مباشرة. من الروايات التي ذُكر فيها لفظ البداء، خمس روايات تتعلق بمكانة وأهمية وإقرار الأنبياء بعقيدة البداء (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٦-١٤٨، ح١، ٢، ١٢، ١٣ و ١٥)؛ وثلاث روايات تشير إلى علاقة علم الله بالبداء (نفسه، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٦-١٤٨)، ورواية واحدة تختص بارتباط البداء بالعلم والإرادة والمشيئة والقضاء والقدر الإلهي (نفسه، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٨، ح١٦). بالإضافة إلى ما ذكرناه على وجه الخصوص في باب البداء في كتابي الكافي والتوحيد، أُشير في أبواب أخرى من كتاب الكافي إلى روايات أخرى ذات صلة، مثل باب الإشارة والنص على الإمام العسكري (ع) (نفسه، ١٤٠٧ق، ١: ٣٢٧، ح ٥، ٨، ٩ و ١٠)، والباب المتعلق بولادة النبي الأعظم (ص) (نفسه: ٤٤٧، ح ٢٣، ٢٤). وبناءً على ذلك، يتضح من مجموع الروايات المذكورة في كتابي الكافي والتوحيد، والتي حظيت بقبول علماء الإمامية بمقاربات مختلفة (ميرداماد، ١٣٤٧ش، ٨؛ ملا صدرا، د.ت، ٣٧٨؛ المجلسي، ١٤٠٣ق، ٤: ١٢٣)، مسألتان مهمتان؛ الأولى إثبات أصل البداء، والثانية إثبات وقوع البداء من الله. ومن الروايات التي تثبت أصل مسألة البداء، نشير إلى نموذجين: في رواية قال الإمام الصادق (ع): «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً قَطُّ إِلَّا بِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَ أَنْ يُقِرَّ لِلَّهِ بِالْبَدَاءِ»، أي ما بُعث نبي إلا وقد أقر لله بالبداء (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٨). وفي رواية أخرى قال: «مَا تَنَبَّأَ نَبِيٌّ قَطَّ حَتَّى يُقِرَّ لِلَّهِ بِخَمْسِ خِصَالٍ: بِالْبَدَاءِ، وَ …»، أي ما بلغ نبي مقام النبوة إلا بعد إقراره لله بخمس خصال، منها البداء (الصدوق، د.ت، ٣٣٣). في الروايات الأخيرة، صرح الإمام الصادق (ع) بتاريخ الاعتقاد بالبداء، وأنه بدأ منذ زمن آدم (ع) واستمر حتى النبي الخاتم (ص)، وأن جميع الأنبياء أقروا به. ومن الروايات التي تثبت نسبة البداء إلى الله، نشير إلى نموذجين: الرواية الأولى نقلها الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: «مَا بَدَا لِلَّهِ بَدَاءً كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ أَبِي إِذَا أَمَرَ أَبَاهُ إِبْرَاهِيمَ بِذِبْحِهِ ثُمَّ فَدَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ»، أي لم يبدُ لله بداء كما بدا له في إسماعيل أبي (يقصد الإمام إسماعيل الذي هو من نسله، لئلا يختلط بإسماعيل ابن الإمام الصادق (ع)) حين أمر أباه إبراهيم بذبحه، ثم فداه بذبح عظيم (كبش أُرسل من الله فداءً لإسماعيل) (الصدوق، د.ت، ٣٣٦). وكذلك في رواية أخرى، قال الإمام الصادق (ع) بعد وفاة ابنه إسماعيل: «مَا بَدَا لِلَّهِ بَدَاءً كَمَا بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي»، أي لم يبدُ لله بداء كما بدا له في ابني إسماعيل (نفسه). بناءً على ذلك، ووفقاً للمعنى اللغوي الذي ذكره أهل اللغة للبداء (ظهور وبداية أمر كان خفياً) (الطريحي، ١٩٨٥م، ١: ٤٤-٤٥؛ ابن منظور، ١٤٣٦ق، ١: ٢٤٨-٢٤٧)، والمعنى الاصطلاحي الذي قدمه المتكلمون استناداً إلى المعنى اللغوي نفسه، مع إضافة شروط للأمر المستجد (علم الهدى، ١٤١١ق، ٥٨٤-٥٨٥؛ الحلي، ١٤١٤ق، ٤٠٢؛ أبو الفتوح الرازي، ١٣٧١ش، ٢: ١٠٠)، وبالنظر إلى الروايات المذكورة، يجب أن يواجه المؤمنون بالبداء تحدياً جدياً، لأنه إذا كان البداء من جانب الله ثابتاً بموجب الروايات، فلا بد من وجود تناقض بين هذه الفئة من الروايات والروايات الأخرى التي تعتبر علم الله أزلياً ومطلقاً، ولعل سبب المواجهة والتقابل بين المخالفين والموافقين للبداء هو هذه الروايات المتناقضة ظاهراً. ولهذا السبب، سعى علماء الإمامية منذ القدم إلى تقديم حلول بمقاربات متنوعة للخروج من هذا الإشكال. وفي هذا البحث، كما أُشير سابقاً، وبصرف النظر عن الحلول العملية والمختلفة الأخرى التي قُدمت، سيتم الاقتصار على الحلول المستفادة من الروايات، لأنه قبل كل شيء، يجب أن تكون سبل الخروج من تحديات البداء موضع اهتمام في الروايات نفسها.
٣. حلول رفع تحدي البداء من منظور الروايات
١-٣. الدقة في دراسة روايات البداء
في بعض الحالات، يُلاحظ أن الرواية نفسها التي نُسب فيها البداء إلى الله تعالى، قد دفعت الإشكال أو رفعت الشبهة عن علم الله، مثل رواية: «مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ»، أي لم يقع لله بداء في شيء إلا وكان في علمه قبل أن يبدو له (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٨). هذه الرواية توضح أن ما يقع فيه البداء، كان الله على علم به مسبقاً. وبناءً على ذلك، يجب أن يكون البداء منسوباً إلى علم الله على سبيل المجاز لا الحقيقة، وألا تُعتبر ‘اللام’ في ‘لله’ حقيقية، لأنه لو اعتُبرت حقيقية لتعارضت الجملة الأولى مع الجملة الثانية من الرواية. كما في رواية أخرى يقول الإمام: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْدُ لَهُ مِنْ جَهْلٍ»؛ أي أن الله قطعاً لا يفعل البداء عن جهل (نفسه). إذن، تصريح الروايات المتعلقة بالبداء نفسها يفيد بأن البداء الذي يفعله الله ليس عن جهل، لأنه كما صرحت الرواية السابقة، فإن الله يعلم مسبقاً ما سيتحقق بالبداء.
٢-٣. البداء ونسبته إلى الآجال الحتمية وغير الحتمية
سُئل الإمام الباقر (ع) عن آية «قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّىٰ عِندَهُ»، فقال: «هُمَا أَجَلَانِ أَجَلٌ مَحْتُومٌ وَ أَجَلٌ مَوْقُوفٌ». أي أن الأجل الإلهي نوعان: أجل حتمي قطعي، وآخر موقوف غير قطعي (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٧). هذان الأجلان، وإن كانا مفروضين لغير الله، فإنهما في الواقع لا يُفرضان لله، لأن كلا الأجلين بالنسبة له أجل محتوم واحد، وفي الظاهر هو الذي يتحقق بالبداء، فيتغير الأجل غير المحتوم إلى محتوم. وقد وردت روايات كثيرة عن الآجال غير المحتومة في المصادر الحديثية. على سبيل المثال، قال الإمام الصادق (ع): «مَنْ يَمُوتُ بِالذُّنُوبِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَمُوتُ بِالْآجَالِ وَ مَنْ يَعِيشُ بِالْإِحْسَانِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعِيشُ بِالْأَعْمَارِ». أي أن الذين يموتون بسبب الذنوب أكثر من الذين يموتون بآجالهم، والذين يعيشون بالإحسان أكثر من الذين يعيشون بأعمارهم المقدرة (الطوسي، ١٤١٤ق، ١: ٣٠٥؛ المجلسي، ١٤٠٣ق، ٥: ١٤٠). فالإحسان والذنب يسببان تغييراً في الأجل، وهو ما يسمى بالبداء. إذن، التغيرات التي تؤدي إلى أن يصبح الأجل غير الحتمي حتمياً، كانت عند الله حتمية منذ البداية، والبداء يكشف عن حتميتها للآخرين.
٣-٣. عرض الروايات المتشابهة على الروايات المحكمة في البداء
في روايات وأحاديث أهل البيت (ع) يوجد محكم ومتشابه، كما في آيات القرآن الكريم. قال الإمام الرضا (ع): «… مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ النَّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ وَ الْمُحْكَمَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ فَقَدْ هَلَكَ وَ أَهْلَكَ». أي من أفتى الناس بغير علم، وهو لا يعلم الناسخ من المنسوخ والمحكم من المتشابه، فقد هلك وأهلك. فالإفتاء والحكم بغير علم بالمحكم والمتشابه له نهاية مؤلمة. وكما يجب على المفسر أن يكون عالماً بمحكم ومتشابه آيات القرآن، كذلك من يريد أن يحكم في الروايات يجب أن يلتفت إلى محكمها ومتشابهها، وإلا فإنه يؤدي إلى الهلاك والإهلاك. وعليه، يجب أن تتم دراسة روايات البداء على هذا الأساس، مع الأخذ بعين الاعتبار المحكم والمتشابه من الروايات. ففي روايات البداء، نُسب إلى الله شيء يتعارض ظاهراً مع علمه، أو فيما يتعلق بما إذا كان النبي أو الإمام قد وعد بشيء ولم يتحقق، فهل كانا على علم بهذا التغيير أم لا؟ هذه مسائل تُلاحظ عند مراجعة بعض الروايات. لذلك، لرفع هذه الإبهامات، يجب الرجوع إلى روايات أخرى توضح بشكل صريح تكليف علم الله وعلم النبي والإمام، وترفع الإبهام عن الروايات المبهمة.
٤-٣. علم الله من منظور الروايات
علم الله بمخلوقاته قبل الخلق وبعده سواء لا يتغير، وهو أزلي وأبدي ومطلق. لوضوح البحث وكثرة النصوص في هذا الموضوع، نكتفي بذكر نماذج قليلة من الروايات. سُئل الإمام الصادق (ع): هل يعلم الله اليوم شيئاً لم يكن يعلمه بالأمس؟ فقال: «لا، من قال هذا أخزاه الله!». قلت: أتقصد أن كل ما كان وكل ما سيكون إلى يوم القيامة هو في علم الله؟ فقال: «مَا بَدَا لِلَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا كَانَ فِي عِلْمِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ لَهُ». أي لم يبدُ لله في شيء إلا وكان في علمه قبل أن يظهر (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٨). وفي رواية أخرى يقول أيوب بن نوح: كتبت إلى الإمام الهادي (ع) أسأله عن علم الله بالأشياء قبل خلقها، هل يعلم الله حتى يريد غيره خلق شيء فيعلم بالمخلوقات عند خلقها وتكونها؟ فكتب بخطه: «لَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَالِماً بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كَعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ بَعْدَ مَا خَلَقَ الْأَشْيَاءَ». أي لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل خلقها كعلمه بها بعد أن خلقها (نفسه، ١٠٧). ونقل محمد بن مسلم رواية شبيهة، حيث يقول: سمعت الإمام الباقر (ع) يقول: «كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِمَا يَكُونُ فَعِلْمُهُ بِهِ قَبْلَ كَوْنِهِ كَعِلْمِهِ بِهِ بَعْدَ كَوْنِهِ». أي كان الله ولا شيء معه، ولم يزل عالماً بما سيكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعد كونه (نفسه). إذن، بتصريح هذه الروايات عن علم الله، لا معنى لعلم سابق وعلم لاحق، لأن علمه السابق كعلمه اللاحق. وعليه، إذا قيل بالبداء من الله، فيجب الانتباه إلى أن هذا البداء لا يحدث أي تغيير أو تحول في علمه.
٥-٣. علم النبي والإمام من منظور الروايات
توجد روايات كثيرة بمضمون الروايات التالية حول علم النبي والإمام، وتُظهر سعة نطاق علمهما، ونشير إلى بعض النماذج. قال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ سُلَيْمَانَ وَرِثَ دَاوُدَ وَ إِنَّ مُحَمَّداً وَرِثَ سُلَيْمَانَ وَ إِنَّا وَرِثْنَا مُحَمَّداً وَ إِنَّ عِنْدَنَا عِلْمَ التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الزَّبُورِ وَ تِبْيَانَ مَا فِي الْأَلْوَاحِ». قال الراوي: قلت: إن هذا لهو العلم. قال: «لَيْسَ هَذَا هُوَ الْعِلْمَ إِنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَحْدُثُ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ وَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ». أي أن سليمان ورث داود، ومحمد (ص) ورث سليمان، ونحن ورثنا محمداً (ص)، وعندنا علم التوراة والإنجيل والزبور وبيان ما في الألواح السماوية. قال الراوي للإمام الصادق (ع): هذا هو العلم؟ فقال الإمام: لا، ليس هذا هو العلم، العلم هو الذي يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٢٤-٢٢٥). هذه الرواية تعتبر علم جميع الأنبياء السابقين وكتبهم السماوية، إضافة إلى العلوم التي تُلهم الإمام كل يوم وساعة وتضاف إلى علومه، من علوم الأئمة. وفي رواية أخرى قال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَخْبَرَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله بِمَا كَانَ مُنْذُ كَانَتِ الدُّنْيَا، وَ بِمَا يَكُونُ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا، وَأَخْبَرَهُ بِالْمَحْتُومِ مِنْ ذلِكَ، وَ اسْتَثْنى عَلَيْهِ فِيمَا سِوَاهُ». أي أن الله العظيم أخبر محمداً (ص) بما كان منذ بدء الدنيا وما سيكون إلى انقضائها، وأخبره بالمحتوم من ذلك، واستثنى عليه ما سواه (نفسه، ١: ١٤٨). في هذه الرواية أيضاً، يرى الإمام الصادق (ع) أن علم النبي (ص) يشمل جميع العلوم المتعلقة بالدنيا من بدايتها إلى نهايتها، وقد وضعها الله تحت تصرفه، ولكن فقط من نوع العلوم الحتمية لا غير الحتمية، التي استُثنيت من دائرة علم النبي (ص). سُئل الإمام الباقر (ع): من أنتم؟ فقال: «نَحْنُ خُزَّانُ عِلْمِ اللَّهِ وَ نَحْنُ تَرَاجِمَةُ وَحْيِ اللَّهِ وَ نَحْنُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى مَنْ دُونَ السَّمَاءِ وَ مَنْ فَوْقَ الْأَرْضِ». أي نحن خزنة علم الله، وتراجمة وحيه، وحجته البالغة على من تحت السماء وفوق الأرض (نفسه، ١: ١٩٢). في هذه الرواية، اعتبر الإمام نفسه خازن علم الله، وشارح ومبين وحيه، وحجته على ما تحت السماء وفوق الأرض، وهو ما تحار العقول البشرية العادية في تحديد كميته وكيفيته، ووفقاً للروايات التي سيُشار إليها لاحقاً، يُعد من أسرار العالم. بناءً على هذه السعة في نطاق علم النبي والإمام، لا ينبغي إغفال نقطتين مهمتين جداً: أولاً، وفقاً لمخرجات الروايات، على الرغم من أن نطاق علم النبي والإمام واسع جداً، لدرجة أن الإنسان يعجز في بعض الحالات عن إدراكه وفهمه، ولكنه قطعاً لا يصل إلى سعة علم الله، ولذلك قال الإمام الصادق (ع): «إِنَّ لِلَّهِ عِلْمَيْنِ: عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْزُونٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ». لله علمان: علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو، وتابع قائلاً: «مِنْ ذلِكَ يَكُونُ الْبَدَاءُ؛ وَ عِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَ أَنْبِيَاءَهُ، فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ». أي من هذا العلم الخاص بالله يكون البداء، ونوع آخر من العلم هو ما علمه لملائكته ورسله وأنبيائه، ونحن نعلمه. أي أن لله نوعين من العلم، أحدهما خاص بذات الله تعالى، وإذا حدث بداء فهو متعلق بذلك العلم الخاص، والنوع الآخر هو العلم الذي يعلمه الله للملائكة والرسل والأنبياء، ونحن نعلمه. لذا، لا يوجد أي وجه شبه أو أصغر نقطة تشابه بين الخالق والمخلوق في العلم، لأن كل ما يمكن وصفه، فالله أسمى وأنزه منه. ولذلك، دلت روايات كثيرة على أن الخالق لا يقارن بالمخلوق، والمخلوق لا يقارن بالخالق في الصفات. قال الإمام الرضا (ع): «فَكُلُّ مَا فِي الْخَلْقِ لَا يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ صَانِعِهِ…». أي كل ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكل ما يمكن فيه يمتنع من صانعه (الصدوق، د.ت، ١: ٤٠؛ المجلسي، ١٤٠٣ق، ٥٤-٤٤). وكذلك، قال رجل للإمام الصادق (ع): الله أكبر. فقال الإمام: «اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ؟» فقال: من كل شيء. فقال أبو عبد الله (ع): «حَدَّدْتَهُ». فقال الرجل: كيف أقول؟ قال: «قُلْ اللَّهُ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَفَ». أي حددته. فقال الرجل: فماذا أقول؟ قال: قل الله أكبر من أن يوصف (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١١٧). إذن، أي وصف من جانبنا لله ممنوع لأنه يؤدي إلى التحديد، حتى لو كان في علم الله. في النهاية، من مجموع الروايات المتعلقة بعلم الأنبياء والأئمة، والتي أُشير إلى نماذج منها، يمكن استخلاص عدة مسائل مهمة وملفتة للنظر: أولاً، أن رسول الله (ص) والأئمة الأطهار (ع) هم خزنة علم الله ومعدن وحيه. ثانياً، أنهم ورثة علوم وإلهامات جميع الأنبياء والأئمة قبلهم. ثالثاً، أن الله تعالى قد أعطاهم الخبر القطعي والعلم الحتمي بما كان وسيكون في الدنيا. رابعاً، صحيح أن الله يطلعهم على كل شيء، ولكن ليس بأن يضع كل علومه تحت تصرفهم بشكل مطلق.
٤. البداء وارتباطه بأم الكتاب
أم الكتاب من الحقائق التي، نظراً لتكرارها في القرآن، قدمت الروايات أيضاً تأويلات لها، واختلف المفسرون فيها. العلامة الطباطبائي، بعد أن بحث في جوانب مختلفة من أم الكتاب، يقول: ما يستفاد من الآيات هو أولاً: أن أم الكتاب عند الله. ثانياً: أنها مصونة من كل تغيير وتحول وزوال. ثالثاً: أن فكر وعقل البشر لا سبيل له إليها (الطباطبائي، ١٤١١ق، ١٨: ٨٤). ورد في الروايات أن كل ما تحقق وسيتحقق في هذا العالم مكتوب في كتاب. يقول الإمام الباقر (ع) عن كون الأشياء مكتوبة في كتاب: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَدَعْ شَيْئاً كَانَ أَوْ يَكُونُ إِلَّا كَتَبَهُ فِي كِتَابٍ فَهُوَ مَوْضُوعٌ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَمَا شَاءَ مِنْهُ قَدَّمَ وَ مَا شَاءَ مِنْهُ أَخَّرَ، وَ مَا شَاءَ مِنْهُ مَحَا، وَ مَا شَاءَ مِنْهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ». أي أن الله لم يترك شيئاً كان أو يكون إلا كتبه في كتاب موضوع بين يديه ينظر إليه، فيقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، وما لم يشأ لم يكن (الصدوق، د.ت، ١: ١٤٤؛ المجلسي، ١٤٩٣ق، ٤: ١١٨). أي أن الله قد أوجد كتاباً مدوناً كُتب فيه كل شيء، وعلى أساسه يقدم ما يجب تقديمه ويؤخر ما يجب تأخيره؛ بعبارة أخرى، الوجود والعدم والتقديم والتأخير لكل شيء يكون على أساس ما هو مكتوب في ذلك الكتاب. إذن، كل بداء يحدث بناءً على ما هو محدد في ذلك الكتاب، وبالطبع لا أحد على علم بما هو مكتوب في ذلك الكتاب ولا يمكنه إبداء رأي حول كيفيته. فالنتيجة ستكون أن كل ما يتم تشريعاً وتكويناً في هذا العالم، ويُشار إليه بالبداء، يكون بناءً على تقدير مسبق من الله في ذلك الكتاب المكتوب.
٥. البداء وارتباطه باللوح المحفوظ
بناءً على الروايات التي أُشير إليها سابقاً، والتي سنستعرض بعضها الآن، فإن العلم الذي يعطيه الله للأنبياء وأهل البيت (ع) والملائكة هو قطعي ولا يتغير، ولن يُكذبوا بإظهار علمهم. قال الإمام الباقر (ع): «الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ عِنْدَ اللَّهِ مَخْزُونٌ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ؛ وَ عِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ، فَمَا عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ فَإِنَّهُ سَيَكُونُ؛ لَا يُكَذِّبُ نَفْسَهُ وَ لَا مَلَائِكَتَهُ وَ لَا رُسُلَهُ؛ وَعِلْمٌ عِنْدَهُ مَخْزُونٌ، يُقَدِّمُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ، وَيُؤَخِّرُ مِنْهُ مَا يَشَاءُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ». أي أن العلم نوعان: علم عند الله مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه، وعلم علمه ملائكته ورسله. فما علمه ملائكته ورسله فإنه سيكون، لا يكذب نفسه ولا ملائكته ولا رسله. وعلم عنده مخزون يقدم منه ما يشاء ويؤخر منه ما يشاء ويثبت ما يشاء. (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٤٧). وفقاً لهذه الرواية، فإن كل ما يتغير ويتحول من قبل الله يتعلق بالعلم المخزون الإلهي. لذا، لا علاقة للبداء بالعلم الذي هو في حوزة الملائكة والأنبياء. فالعلم الذي في حوزة الملائكة والأنبياء وأهل البيت (ع) – وفقاً للروايات السابقة – هو من نوع العلوم التي لا تتغير، لأنه إذا كان من المقرر أن يحصل تغيير في شيء ما، مثل التحولات في لوح المحو والإثبات المرتبطة بأعمال الأفراد، فإن الله قد أطلع الأنبياء والملائكة وأهل البيت (ع) على تلك التحولات والتغيرات مسبقاً. الحاصل هو أنه بناءً على الروايات المحكمة حول علم الأنبياء وأهل البيت (ع)، والتي أُشير إلى نماذج منها، وعددها كبير جداً (المجلسي، ١٤٠٣ق، ٢٣: ١٨٥)، يتضح أنه حيثما تحدث النبي والإمام عن البداء، لم يكن ذلك نابعاً من عدم علمهما، ولا ينبغي حمله على عدم علمهما بالبداء، فربما تحدثوا عن البداء من باب التقية أو لغرض تربوي وتعليمي أو لأمور أخرى لا نعلمها. إذن، الخطأ من جانبنا حيث نتخيل أنهم تحدثوا عن البداء دون علم، بينما علمتنا الروايات السابقة أن الله قد أطلع النبي والإمام.
٦. ارتباط البداء بالإرادة الإلهية
تحدٍ آخر يستحق الاهتمام في هذا المجال هو: هل عندما يريد البداء أن يتحقق، تتحرك إرادة الله أيضاً وتُحدث أمراً مثل استبدال الذبح العظيم بذبح إسماعيل؟ أم أن كيفية الإرادة الإلهية مختلفة؟ لا شك أن هناك خلافات كثيرة حول علم الله وإرادته منذ القدم، وقد أبدى المتكلمون من المذاهب الكلامية المختلفة آراء وأحكاماً حولها بمقاربات متنوعة (القاضي عبد الجبار، د.ت، ٦: ١٧٧-١٧٩؛ الحلي، ١٤٣٣ق، ٤٠٢). لكن رسالة القرآن في هذا الشأن هي بحيث تزيل هذا التحدي، فقد ورد في القرآن: «إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (النحل: ٤٠). فلا يوجد فاصل زمني ظاهر بين إرادة الله وتحقق أمره، كما هو الحال عندنا نحن البشر. الإرادة في الإنسان تتم في سياق الزمن، وهناك فاصل بين الإرادة وتحقق الفعل. ولكن بالنسبة لله، إذا قيل إن التغيير في الإرادة هو دليل على التغيير في التحقق، فهذا قياس غير علمي، لأنه في حالة البشر، لا تتلازم الإرادة والتحقق، ولكن في حالة الله، الإرادة متلازمة مع العلم المطلق والأزلي. الله لا يتغير ومكنون. وعلى هذا الأساس، في المناظرة التي جرت بين الإمام الرضا (ع) وسليمان المروزي حول البداء، في الجزء الذي سأل فيه سليمان عن الإرادة الإلهية وكان يعتقد أن الإرادة مثل سائر صفات الله كالسميع والبصير والقدير… من صفات الذات، قال الإمام الرضا (ع): «الأوصاف الأخرى كانت في الله قبل وجود وتغير الأشياء، ولكن عندما يريد أن يوجد شيئاً أو يغيره، في تلك الحالة يريد» (الصدوق، ١٣٧٨ش، ١: ١٨٣). إذن، الإرادة تصبح صفة فعل لله، فكلما أراد أن يفعل فعلاً أو تغييراً، أراد، وبالطبع كان يعلم بالإرادة التي سيفعلها منذ الأزل. وعليه، إذا أرجعنا البداء إلى إرادة الله أيضاً، فكما في الإجابات التي قُدمت لتحدي العلم، يرتفع هذا التحدي أيضاً.
٧. ارتباط البداء بقول اليهود
من المسائل المهمة الأخرى التي حظيت بالاهتمام في روايات البداء، وجميع المصادر الإسلامية، شيعية وسنية، خاصة في بحث النسخ، هو ارتباط البداء بقول اليهود الذين اعتبروا يد الله مغلولة وخالية من النشاط، وبالتالي استحالوا النسخ والبداء على الله (ثامر هاشم، ١٤١٥ق، ٢: ٢١-٢٥). وعلى هذا الأساس، اعتبرت بعض الروايات طرح مسألة البداء رداً على اليهود. من الروايات المتعلقة بهذا البحث، نكتفي بالإشارة إلى نموذجين: عن الإمام الصادق (ع) في قوله تعالى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ»، جاء أنه «لَمْ يَعْنُوا أَنَّهُ هَكَذَا وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا قَدْ فَرَغَ مِنَ الْأَمْرِ فَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ تَكْذِيباً لِقَوْلِهِمْ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ أَلَمْ تَسْمَعِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ…». معنى كلام اليهود ليس أن يدي الله مغلولتان، بل قالوا إن الله قد فرغ من الأمر فلا يزيد ولا ينقص. فكذب الله قولهم قائلاً: غُلت أيديهم ولُعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، ألم تسمع قول الله: يمحو الله ما يشاء ويثبت (الصدوق، د.ت، ١: ١٦٨). استند الإمام الصادق (ع) في هذه الرواية إلى آية المحو والإثبات في رده على كلام اليهود الذين اعتبروا يد الله مقيدة عن فعل الأعمال، وهي الآية نفسها التي تُستخدم في بحث البداء، وقد سبق الحديث عنها. بعبارة أخرى، أثبت الإمام من خلال طرح مسألة البداء أن يد الله مبسوطة مقابل قول اليهود الذين يعتبرون الله مقيد اليدين. في رواية سبق ذكرها عن الإمام الصادق (ع) (الصدوق، د.ت، ١: ١٤٦؛ الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ١٩٠)، يقدم الإمام الله كفاعل نشط يقدم ويؤخر ويمحو ويثبت الأمور، وهو ما نسميه بالبداء. وكذلك الإمام الرضا (ع) في مناظرته مع سليمان المروزي في مسجد مرو، تطرق إلى هذه المسألة صراحة واعتبر البداء كالنسخ في مقابل اليهود (راجع: الصدوق، ١٣٧٨ش، ١: ١٨٣؛ همو، د.ت، ٢: ٣٣٥-٣٣٦؛ همو، ١٤١٣ق، ٤١-٤٢).
٨. ارتباط البداء بالأسرار الإلهية
حل آخر يمكن استخدامه من الروايات لحل مشكلة البداء، هو القول بإمكانية استخدام كلمة ‘البداء’ بمعناها الحقيقي لله، ولكن المخلوقات لا تدرك كنهه. وعليه، يبقى جزء من بحث البداء سراً، لأنه من المباحث المتعلقة بالذات الإلهية، وإثبات كونه استعارة يحتاج إلى دليل شرعي. نقل ابن رئاب عن سدير الصيرفي أنه قال: إن حمران بن أعين سأل الإمام الصادق (ع) عن آية «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا»، فقال (ع): «إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا، وَكَانَ وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ مِمَّنِ ارْتَضَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ عَالِمُ الْغَيْبِ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَالِمٌ بِمَا غَابَ عَنْ خَلْقِهِ بِمَا يُقَدِّرُ مِنْ شَيْءٍ وَيَقْضِيهِ فِي عِلْمِهِ، فَذَلِكَ يَا حُمْرَانُ عِلْمٌ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ إِلَيْهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ فَيَقْضِيهِ إِذَا أَرَادَ وَيَبْدُو لَهُ فِيهِ فَلَا يُمْضِيهِ. فَأَمَّا الْعِلْمُ الَّذِي يُقَدِّرُهُ اللَّهُ وَيَقْضِيهِ وَيُمْضِيهِ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي انْتَهَىٰ إِلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ (ص) ثُمَّ إِلَيْنَا». فالعلم الذي يقدره الله ويقضيه ويمضيه هو العلم الذي وصل إلى رسول الله (ص) ثم إلينا، أما العلم الموقوف عنده ففيه المشيئة، يقضيه إذا أراد، ويبدو له فيه فلا يمضيه (الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٥٦). بناءً على هذه الرواية وروايات مشابهة سبقت، يتعلق البداء بالعلم الذي عند الله وفي مشيئته، فإذا أراد شاء ووقع فيه البداء. إذن، حتى الأنبياء ليسوا على علم بتلك المشيئة الإلهية، فما بالك بالبشر العاديين. بعبارة أخرى، من المستحيل عقلاً أن يحيط المخلوق بالخالق ويدركه علماً، إلا إذا أراد الخالق أن يفيض على أحد من مخلوقاته، وإذا لم تكن هناك إفاضة وعناية، فوفقاً للروايات الكثيرة التي نهت عن التفكر في ذات الله، لا يحق لأحد الخوض في مثل هذه المباحث (الصدوق، د.ت، ٢: ٤٥٩؛ الكليني، ١٤٠٧ق، ١: ٢٣١). لأن البداء يتعلق بعلم الله الذاتي. إذن، نحن فقط بناءً على البراهين العقلية والشرعية نعلم أن الله منزه عن كل عيب ونقص، وليس لنا حق التنظير في شأن الله أكثر مما وصلنا. وعلى هذا الأساس، وبفرض أن لفظ ‘البداء’ قد استُخدم لله بمعناه الحقيقي، وتجاهلنا الروايات والبحوث السابقة، يمكن القول إن البداء يقع من الله، ولأنه مرتبط بعلمه الذاتي، فنحن عاجزون عن فهمه، ونعترف فقط بأنه منزه ومبراً من كل نقص.
٩. الاستنتاج
بناءً على الدراسات التي أُجريت في الروايات، فإن حلول رفع تحدي البداء هي كالتالي: ١- في علم الله المكنون، وبناءً على تصريح الروايات، لا مجال للتقديم والتأخير، إذن البداء من جانب الله لا يتوقف على جهل أو تغير في علمه. ٢- نظراً لأن علم الله قسمان، قسم خاص به، وقسم آخر يطلع عليه الملائكة والأنبياء وأولياء الله، فبناءً على ذلك، لا يحدث أي تغيير أو تحول يُشار إليه بالبداء فيما أُعطي للآخرين. ٣- بناءً على تصريح الروايات، فإن اللوح المناسب لأعمال البشر هو لوح المحو والإثبات، إذن، كما يُفهم من اسم هذا اللوح، فإن البداء مرتبط بهذا اللوح. ٤- بناءً على تصريح الروايات في الحالات التي تحدث فيها النبي والإمام عن البداء، لم يكن ذلك دون علم مسبق منهما، لأن الله قد أطلعهما على العلوم الحتمية في الدنيا. ٥- من الإنجازات الأخرى للروايات أنها، في مقابل نظرية اليهود المشركة، يمكن أن تعني البداء قدرة الله تعالى، أي أن الله قادر على فعل أي عمل في أي زمان ومكان يشاء، فوق أي آلية، ويكون ذلك أحياناً مباشراً ومستقلاً، وأحياناً بإشراك الآخرين في إنجازه. ٦- حاصل جمع الحالات المذكورة سيكون أن البداء بمعناه الحقيقي لا يمكن تصوره لله تعالى، وإذا نُسب البداء إلى الله، فذلك من جهة أن الله يكشف أمراً خفياً للبشر، وهذا الإنسان هو الذي يشعر بالتغير والتحول. وكذلك، إذا لوحظ في الروايات أن البداء يُسند إلى الله، فلأجل ألا يُفهم منها فهم خاطئ، قدمت الروايات نفسها حلولاً لا تترك أي تحدٍ في بحث البداء.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤٣٦ هـ.
أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي، روض الجنان وروح الجنان، مشهد، مؤسسة البحوث الإسلامية التابعة للروضة الرضوية المقدسة، ١٣٧١ ش.
أخوان مقدم، زهراء، ونبوي، سيد مجيد، «منبع شناسي بداء و موضوع هاي مرتبط با آن» (بيبليوغرافيا البداء والموضوعات المرتبطة به)، سفينة، ١٣٩٥ ش، العدد ٥٣، صص ١٥٢-١٧٧.
ثامر هاشم، دفاع عن الكافي، قم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، ١٤١٥ هـ.
الحلي، حسن بن يوسف، كشف المراد في شرح التجريد، قم، النشر الإسلامي، ١٤٣٣ هـ.
_________، نهج الحق وكشف الصدق، قم، دار الهجرة، ١٤١٤ هـ.
الصدوق، محمد بن علي، الاعتقادات، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ١٤١٣ هـ – ١٣٧٦ ش.
_________، التوحيد، بيروت، دار المعرفة، د.ت.
_________، عيون أخبار الرضا (ع)، قم، الشريف الرضي، ١٣٧٨ ش.
الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ١٤١١ هـ.
الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، بيروت، دار ومكتبة الهلال، ١٩٨٥ م.
الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، ١٤١٤ هـ.
علم الهدى، السيد المرتضى، الذخيرة في علم الكلام، قم، النشر الإسلامي، ١٤١١ هـ.
القاضي عبد الجبار الأسدآبادي، أبو الحسن أحمد بن عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، د.م، الدار المصرية للتأليف والترجمة، د.ت.
الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٧ هـ.
المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث، ١٤٠٣ هـ.
ملا صدرا، محمد بن إبراهيم، إكسير العارفين، ضمن مجموعة الرسائل، قم، مكتبة مصطفوي، د.ت.
ميرداماد، محمد باقر، نبراس الضياء وتسواء السواء في شرح باب البداء، طهران، هجرت، ١٣٤٧ ش.
الهوامش
1. أستاذ مشارك، جامعة الأديان والمذاهب، كلية الدراسات الشيعية، قسم الكلام الشيعي. البريد الإلكتروني: nadem185@yahoo.com