تصنيف أحاديث الغدير في آثار النسائي والطبراني

الملخص

إن دراسة الأنواع المختلفة لأحاديث الغدير لتقديم صورة واضحة وكشف الحقائق والمعارف المغفولة عن واقعة الغدير الربانية، لهي ضرورة قصوى ولها القدرة على تلبية الاحتياجات البحثية والتعليمية للعصر الراهن. يعتمد هذا المقال على منهج تحليل المحتوى والوثائق المكتبية لتصنيف وتحديد تواتر ومقارنة أحاديث الغدير في مصنفات عالمين من علماء أهل السنة من القرنين الثالث والرابع، وهما أحمد بن شعيب النسائي وسليمان بن أحمد الطبراني، مع الاهتمام بالمعارف التي يمكن استخلاصها من مختلف أنواع حديث الغدير. تم تصنيف عشرين رواية للغدير مستخرجة من آثار النسائي في ستة أنواع، وأربعين رواية في آثار الطبراني في تسعة أنواع. وتُعد مناشدات الإمام علي (ع)، واستشهاد النبي (ص) للناس، والجمل الخبرية، وكذلك رواية ابن عباس، من الأنواع المشتركة (والمختلفة في الوقت نفسه من حيث التواتر والبنية) في آثار النسائي والطبراني. ومن بين وجوه الاشتراك والاختلاف، يمكن الإشارة إلى نوع استشهاد النبي (ص). ففي آثار النسائي، توجد حالة واحدة من أحاديث الاستشهاد دون طرح سؤال (ذات جانب خبري)، أما في آثار الطبراني فجميعها ترد مع جمل استفهامية من النبي (ص) مثل: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ؟». كما أن رواية ابن عباس، التي تتسم بتوافق عالٍ من حيث السند والمتن، هي من الأنواع المشتركة في آثار النسائي والطبراني. ويمكن استخلاص معارف مثل؛ مقام الإمامة وولاية المعصومين (ع)، لا سيما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وفضائل أهل البيت (ع)، ونسبة القرآن والعترة (الثقلين)، والرد على شبهات الإمامة، وغيرها من أنواع أحاديث الغدير.

1. بيان المسألة

من الشواهد القطعية على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، والتي تم التأكيد عليها في الروايات، حادثة غدير خم (المعارف، د.ت، 1). ومن جهة أخرى، ورد حديث الغدير في المصادر الروائية لأهل السنة والشيعة على حد سواء، وبشكل متواتر وبصيغ مختلفة. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى صيغة «المناشدة» التي أوردها العلامة الأميني نقلاً عن مصادر العامة (راجع: الأميني، 1416هـ، 1: 346).

بالنظر إلى المصادر الروائية لأهل السنة، نشهد تنوعًا في صيغ روايات الغدير. ففي هذا السياق، أورد أحمد بن شعيب النسائي (المتوفى 303 هـ) روايات الغدير في مصنفاته، ومنها السنن الكبرى وخصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). كما أن سليمان بن أحمد الطبراني (المتوفى 360 هـ)، وهو عالم آخر من أهل السنة عاش في القرنين الثالث والرابع، قد أورد روايات الغدير في مصنفاته، ومنها المعاجم الثلاثة (الصغير والأوسط والكبير). والنقطة الجديرة بالتأمل هي وجود أنواع مختلفة لرواية الغدير في مصنفات هذين العالمين من أهل السنة. لا شك أن دراسة الأنواع المختلفة لروايات الغدير في تقديم صورة واضحة عن حدث الغدير العظيم، والمسائل المرتبطة به، ومنها؛ معرفة الحاضرين في الواقعة، والرواة، وطرق الحديث، وإنتاج محتوى لإقناع المخالفين وتقوية عقيدة الموافقين، واستخلاص العصمة والولاية ومكانة أهل البيت (ع)، وفضائل الأئمة (ع)، وغيرها، هي أمور ضرورية وذات قدرة على الاستجابة للاحتياجات البحثية والتعليمية في العصر الحاضر. وقد كُتب هذا البحث بهدف الإجابة على الأسئلة التالية:

أ. بكم نوع وبأي تواتر وردت رواية الغدير في آثار النسائي والطبراني؟

ب. ما هي وجوه الامتياز والاشتراك بين أنواع حديث الغدير في آثار النسائي والطبراني؟

ج. بالإضافة إلى مسألة الغدير، ما هي المعارف الأخرى التي يمكن استخلاصها من الأنواع المختلفة لأحاديث الغدير؟

فيما يتعلق بحديث الغدير، أُجريت أبحاث كثيرة؛ ولكن فيما يخص تصنيف رواية الغدير، فإن الأبحاث التي أُجريت محدودة. باقرزاده وحسيني (1396ش) في مقال «يوم الرحبة وتحليل مواجهة شاهدان غدير خم بـا آن» تناولا «مناشدة» حضرة علي (ع) في «الرحبة» بمنهج كلامي بهدف الرد على شبهات مثل؛ شبهة محمد بن عبد الوهاب القائمة على عدم ادعاء الإمام علي (ع) الخلافة. دياري بيدگلي، تجري ودهقان منشادي (1400ش) في مقال «تحليل رویکردهای حدیثی علامه امینی پیرامون احادیث مناشده در کتاب الغدیر» قاموا بتحليل المنهجيات الحديثية للعلامة الأميني مع التركيز على المجلد الأول من كتاب «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» في قسم «المناشدة والاحتجاج بحديث الغدير الشريف». وتشير بعض نتائج مقال دياري بيدگلي وزملائه إلى أن العلامة الأميني في قسم «المناشدة…» نقل عن مصادر أهل السنة تسع مناشدات واثني عشر احتجاجًا، مع التأكيد على ثقة رواتهم.

موسوي (1400ش) في مقال «گونه شناسی روایات غدیر در بشاره المصطفى» تناول تصنيف أحاديث الغدير في كتاب بشارة المصطفى لمحمد بن أبي القاسم الطبري (القرن السادس)، حيث عرض ثلاثة عشر نوعًا مثل؛ احتجاج الإمام علي (ع)، والحوار حول الغدير، وغيرها. ويمكن بيان وجه امتياز هذا المقال مقارنة بالدراسات السابقة على النحو التالي:

1. تصنيف روايات الغدير في آثار محمد بن شعيب النسائي وسليمان بن أحمد الطبراني، وهو ما يتم تناوله لأول مرة. 2. عرض تواتر الأنواع. 3. دراسة وجوه الامتياز والاشتراك في روايات الغدير في آثار النسائي والطبراني. 4. دراسة قدرة الأنواع على استخلاص معارف مثل؛ الإمامة، والولاية، وفضائل المعصومين (ع)، والرد على شبهات الإمامة وغيرها.

منهج البحث الحالي يقوم على تحليل محتوى أحاديث الغدير مع التركيز على آثار النسائي والطبراني بهدف تصنيف حديث الغدير. يعد التصنيف وتحليل المحتوى للأحاديث من المناهج الاستراتيجية لكشف المعارف المغفولة، وأحيانًا بهدف تقييم التحديات التاريخية والرد عليها. على سبيل المثال، في بحث يهدف إلى دراسة تحديات فهم أحاديث خلق آدم، استُخدم التصنيف السندي-المتني في القرنين الثاني والثالث (راجع: باكتجي، 1393ش، 10).

في بحث آخر، وبناءً على تحليل المحتوى، تم تناول الطبقات الموضوعية لمحتوى خطب الغدير الثلاث (راجع: جاني بور وزملاؤه، 1397ش، 77). فيما يلي، يمكن مشاهدة عرض لجدول تحليل المحتوى. بناءً على البيانات المستخلصة من جدول تحليل المحتوى، والذي صُمم لكل من آثار النسائي والطبراني، يتم رسم مخططات بيانية لتواتر الأنواع في كلا المصنفين. وفي النهاية، مع بيان وجوه الاشتراك والاختلاف، يتم استعراض ومقارنة الأنواع المشتركة والمعارف القابلة للاستخلاص من هذه الأنواع بشكل موجز.

2. أنواع حديث الغدير وتواترها في آثار النسائي

من خلال دراسة عشرين رواية للغدير موجودة في آثار النسائي، تم استخلاص ستة أنواع بتواتر متفاوت من حديث الغدير، والتي سيتم عرضها لاحقًا. الجدير بالذكر أن؛ بريدة بن الحصيب الأسلمي، زيد بن أرقم الأنصاري، زيد بن يثيع، سعد بن أبي وقاص، سعيد بن وهب، عامر بن واثلة أبو الطفيل، عبد الله بن عباس، عمرو بن ذي مر وعميرة بن سعد، هم رواة حديث الغدير في آثار النسائي (ابن عقدة، 1427هـ، 159).

1-2. تواتر الأنواع في آثار النسائي

وفقًا للمخطط البياني أعلاه، في آثار النسائي، يعود أكبر عدد من أنواع أحاديث الغدير إلى مناشدات الإمام علي (ع) (7 حالات). وتحتل المرتبة الثانية الجمل الخبرية بأشكالها المختلفة (6 حالات). أما الجمل الاستفهامية للنبي (ص) بهدف أخذ الشهادة من الحاضرين في مناسبات مختلفة، وفي النهاية تأييد قول النبي (ص) في حق الإمام علي (ع)، فتأتي في المراتب التالية من حيث التواتر.

2-2. دراسة أنواع حديث الغدير في آثار النسائي

فيما يلي، سنتناول بإيجاز الأنواع الستة المحددة لأحاديث الغدير في آثار أحمد بن شعيب النسائي.

النوع الأول: مناشدات الإمام علي (ع)
يختص أكبر تواتر لحديث الغدير من حيث النوع في آثار النسائي بمناشدات الإمام علي (ع). في المناشدة والاحتجاج، الغرض هو أن يقدم الشخص دليلاً وبرهاناً لإثبات دعواه؛ مع فارق أنه في المناشدة، يخاطب الشخص الآخر بهذه الصيغة: «أَنْشُدُكَ/أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ… أو أَنْشَدْتُكَ/أَنْشَدْتُكُمْ بِاللَّهِ…»، أي أقسم عليك (عليكم) بالله أن تشهد (تشهدوا) (دياري وزملاؤه، 1400ش، 137).
في المناشدات التي شوهدت في آثار النسائي، يمكن ملاحظة فارق دقيق، وهو أن الإمام في بعض المناشدات، بعد ذكر صيغة المناشدة «أَنْشُدُ اللَّهَ وَ…» وبدون الإشارة إلى قول النبي (ص)، يطلب من المخاطبين أن يذكروا قول النبي (ص) ويشهدوا. ولكن في معظم المناشدات، يتكرر قول النبي الكريم (ص) في حق الإمام علي (ع) حيث قال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ». أول مناشدة، نقلاً عن زيد بن يثيع الهمداني، تذكر أن الإمام علي (ع) على منبر مسجد الكوفة ناشد صحابة النبي الأكرم (ص) قائلاً: «إِنِّي مُنْشِدٌ اللَّهَ رَجُلاً وَلا أَنْشَدُ إِلا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ …» (النسائي، 1419هـ، 120-121).
في هذه المناشدة، يسأل الإمام فقط صحابة النبي الأعظم (ص)، وفيها العبارة المفتاحية «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».1
فيجيبون. وفي جواب هذه المناشدة، قام ستة رجال من جانب وستة رجال آخرون من الجانب الآخر من المنبر وشهدوا أنهم سمعوا قول النبي (ص). وفي مناشدة أخرى، نقلاً عن سعيد بن وهب الهمداني، ورد تقرير عن مناشدة الإمام علي (ع) لخمسة أو ستة من صحابة النبي (ص) (المصدر نفسه، 122-126). كما روى سعيد بن وهب بالتفصيل مناشدة الإمام علي (ع) في «الرحبة»: «أَنْشُدُ بِاللَّهِ اللَّهَ مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ أَنَّ اللَّهَ وَلِيِّي وَأَنَا وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فهذا وليه…» (المصدر نفسه، 141-142).
لقد بيّن الإمام في المناشدة المذكورة قول النبي (ص) بطريقة تبدأ من ولاية الله وتنتهي بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) والجملة الدعائية «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ». وفي جواب هذه المناشدة، يقول سعيد بن وهب إن ستة رجال كانوا يجلسون بجانبي قاموا وشهدوا. كما أقر زيد بن يثيع بأن ستة رجال قاموا من جانبه وشهدوا. وأورد عمرو ذو مر جملة: «أَحِبَّ مَنْ أَحَبَّهُ وَأَبْغِضْ مَنْ أَبْغَضَهُ…» (المصدر نفسه).
في مناشدة أخرى ترد بطريقين عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي، يكون جواب المخاطبين كالتالي: «فَقَالَ إِنَاسٌ فَشَهِدُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (المصدر نفسه، 135-137). يقول أبو الطفيل إنه خرج وهو متردد في هذه المسألة حتى التقى زيد بن أرقم وأخبره بالقصة، فأجابه زيد قائلاً: «وَمَا تُنْكِرُ؟ أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص)» (المصدر نفسه)، ويصرح بأنه سمع قول رسول الله (ص). وقد نقل كل من عمرو بن ذي مر وعميرة بن سعد الهمداني تقريراً عن مناشدة الإمام علي (ع). ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما الفرق بين نوع مثل المناشدة وبقية أنواع حديث الغدير؟ في الإجابة، يجب القول إن كل صيغة وبيان في طرح حديث الغدير تحمل رسالة وتوجيهاً يمكن الاستفادة منه في أزمنة وأمكنة مختلفة. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى إشكال محمد بن عبد الوهاب الذي يعتقد أن جملة «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ…» لا تدل على الخلافة المباشرة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، لأنه لو كان الأمر كذلك لادعاها. ونظراً لأنه [الإمام علي (ع)] كان أعلم بمفاد الحديث ولم يطرح مثل هذا الادعاء، فإن ادعاء الخلافة المباشرة باطل (راجع: ابن عبد الوهاب، 1422هـ، 7). وفي مقام الرد، يجب القول إن الإمام، رغم وجود روايات مختلفة للحديث، قد استعان باستراتيجية «المناشدة» في حالات متعددة، والتي احتلت في آثار النسائي المرتبة الأولى من حيث التواتر.

النوع الثاني: الجمل الخبرية
ينتمي النوع الآخر من حديث الغدير في آثار النسائي إلى الجمل الخبرية التي لها أشكال وبنى مختلفة. على سبيل المثال، في رواية عن سعد بن أبي وقاص الزهري، لم يُنقل من قول النبي (ص) سوى الجملة المشهورة: «مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (النسائي، 1419هـ، 120). وفي رواية أخرى، يقول بريدة بن الحصيب الأسلمي؛ إن النبي (ص) أرسلني مع علي (ع) إلى اليمن. يروي بريدة أنه رأى حدة من الإمام علي (ع) في هذه السفرة، وعند عودته اشتكى منه إلى النبي (ص)، فرفع النبي رأسه وقال لي: «يَا بُرَيْدَةُ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (المصدر نفسه، 118-119).
في حديث آخر عن زيد بن أرقم، تم تناول مسألة الغدير بالتفصيل. أشار النبي (ص) إلى قرب وفاته وطرح فوراً مسألة «الثقلين»، وحذر من كيفية التعامل معهما بعد رحيله. ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ مَوْلايَ وَأَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (النسائي، 1419هـ، 112؛ وهو نفسه، 1411هـ، 5: 45). ذكر النبي ولاية الله المطلقة وكذلك ولاية رسوله على المؤمنين، وفي النهاية أمسك بيد الإمام علي (ع) وصرح بخلافته وولايته بجملة دعائية (تبشير وإنذار). بحيث أقر زيد بن أرقم بسماع جميع الحاضرين لقول النبي (ص) (المصدر نفسه).
في حديث آخر، نقلاً عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص الزهرية، ورد أنها سمعت من أبيها (سعد) أن النبي (ص) قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَلِيُّكُمْ قَالُوا صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَرَفَعَهَا فَقَالَ هَذَا وَلِيِّي وَالْمُؤَدِّي عَنِّي وَأَنَّ اللَّهَ مُوَالٍ لِمَنْ وَالاهُ وَمُعَادٍ لِمَنْ عَادَاهُ» (النسائي، 1419هـ، 31). في هذا الحديث، مع تصديق الناس للنبي (ص) في مسألة الولاية، رفع النبي يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وبالإضافة إلى ذكر كلمة «وَلِيِّي»، أضاف عبارة «وَالْمُؤَدِّي عَنِّي». أي أن مقام الإمام هو مقام المؤدي لدين رسول الله (ص) والمسدد لديونه من جانبه. كما ورد عن سعد بن أبي وقاص أنه كان جالسًا في مجلس فتم التجريح بعلي (ع)، فقال سمعت رسول الله (ص) يقول في حق علي (ع): «لَهُ ثَلاثَةٌ لأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ… وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (المصدر نفسه، 35)، حيث أشار ضمن بيان الفضائل الثلاث إلى مسألة ولاية الإمام. الأمر الجدير بالتأمل هو أن الأنواع الخبرية تحمل في طياتها القدرة على استخلاص معارف في مجال الإمامة. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى مقام الإمام كمؤدٍ لدين الله (المصدر نفسه، 31)، وفضائل الإمام (المصدر نفسه، 35)، والتبعية المطلقة للإمام (المصدر نفسه، 120).

النوع الثالث: الجمل الاستفهامية للنبي (ص) لأخذ الشهادة
تحتل المرتبة الثالثة بتواتر أربع حالات، الجمل الاستفهامية للنبي (ص) بهدف الحصول على شهادة الحاضرين. في رواية، يسأل النبي الأكرم (ص) بريدة بن الحصيب الأسلمي: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ؟ قُلْتُ [بريدة]: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ» (النسائي، 1411هـ، 5: 45). وفي رواية أخرى، يقول زيد بن أرقم إن النبي (ص) بعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ قَالُوا: بَلَى نَشْهَدُ لأَنْتَ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ…» (النسائي، 1419هـ، 120-121).
لقد بيّن الإمام في قالب طرح سؤال عن مكانته في مسألة ولايته على الناس وأخذ الإقرار منهم، جملة «فَأَنِّي مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا مَوْلاَهُ» وأمسك بيد علي (ع) (المصدر نفسه). وفي حديث مشابه للأسئلة والإقرارات السابقة، نقلاً عن عائشة بنت سعد، ورد أن الإمام في النهاية قال: «وَإِنَّ اللَّهَ يُوَالِي مَنْ وَالاهُ وَيُعَادِي مَنْ عَادَاهُ» (المصدر نفسه، 137-138)، وبالتأكيد يحب الله من يواليه ويعادي من يعاديه. في آخر حديث استفهامي للنبي (ص) في آثار النسائي، نقلاً عن عائشة بنت سعد عن أبيها، يروي أنه كان برفقة النبي (ص) في الطريق من مكة إلى المدينة، وعندما وصلوا إلى غدير خم، أمر النبي بالتوقف ودعا كل من تقدم وتأخر عن ذلك المكان. وعندما اجتمع الجميع، قال: «أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» – يَقُولُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ – ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ وَلِيُّكُمْ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ – ثَلاثاً -…» (المصدر نفسه، 138-139). في البداية، سأل الإمام: هل بلغت رسالتي النبوية (ص)؟ فأجاب الحاضرون بالإيجاب. فأشهد الإمام الله ثلاث مرات بعبارة «اللَّهُمَّ اشْهَدْ». وفي الخطوة التالية، سأل عن «الولي»، فأجاب الحاضرون بأن الله ورسوله هما وليهم، وذلك ثلاث مرات. ثم رفع الإمام يد الإمام علي (ع) وقال: «مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلِيَّهُ فَهَذَا وَلِيُّهُ…». طرح الإمام ولاية الإمام علي (ع) لمن كان الله ورسوله وليه، وأنهى كلامه بالدعاء: «اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».

النوع الرابع: أخذ الشهادة بصيغة غير استفهامية
تختص حالة واحدة من أنواع حديث الغدير في آثار النسائي بأخذ الشهادة والإقرار من قبل النبي (ص) في صيغة غير استفهامية. الجدير بالذكر أنه في الجمل الاستفهامية أيضًا كان أخذ الإقرار والشهادة من النبي (ص) للمخاطبين واضحًا، ولكن الفارق في هذا القسم يكمن في نوع صياغة الجملة، حيث لا تحمل طابعًا استفهاميًا، بل هي جملة خبرية ينتظر فيها المتكلم سماع شهادة وإقرار المخاطبين. في حديث، تروي كل من عائشة (بنت سعد) وعامر (بن سعد) عن سعد أن النبي (ص) خاطب الناس وقال: «أَمَّا بَعْدُ – أَيُّهَا النَّاسُ – إِنِّي وَلِيُّكُمْ. قَالُوا: صَدَقْتَ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَرَفَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وَلِيِّي وَالْمُؤَدِّي عَنِّي، وَالَ اللَّهُ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (النسائي، 1419هـ، 137). في هذه العبارة، يطرح النبي (ص) مسألة ولايته القطعية على الناس ويحصل على الشهادة بكلمة «صَدَقْتَ»، ثم يرفع يد الإمام علي (ع) ويبيّن مسألة ولايته وجانبًا من دعائه «وَالَ اللَّهُ مَنْ وَالاهُ…». إن اقتران كلمتي «ولي» و«مؤدي» يساعد على فهم أعمق لمسألة مقام الولاية وخلافة أمير المؤمنين (ع).

النوع الخامس: شهادة 12 رجلاً بصدور حديث الغدير
أورد النسائي في كتاب خصائص أمير المؤمنين (ع)، الحديث الخامس والثمانين، رواية عن سعيد بن وهب، يخبر فيها عن شهادة 12 رجلاً بصحة صدور حديث الغدير عن النبي (ص). في ذلك الحديث، يقول أبو إسحاق إن سعيد بن وهب [الهمداني] قال لي: قام ستة رجال كانوا عندي، وكذلك ستة رجال كانوا عند زيد بن يثيع، وشهدوا: «فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَإِنَّ عَلِيّاً مَوْلاَهُ» (النسائي، 1419هـ، 126-127).

النوع السادس: رواية ابن عباس
يروي عمرو بن ميمون أنه كان عند ابن عباس عندما جاءه تسعة رجال. فقالوا لابن عباس: إما أن تأتي معنا أو أن تتركنا وحدنا. فقال لهم ابن عباس: أنا آتي معكم. فذهب ابن عباس معهم، ولا ندري ما دار بينهم. فعاد ابن عباس وهو ينفض ثيابه ويقول: «أُفٍّ وَتُفٍّ، يَقَعُونَ فِي رَجُلٍ لَهُ عَشْرٌ، وَقَعُوا فِي رَجُلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ…» (النسائي، 1419هـ، 50-54). وانتقد ابن عباس تلك الجماعة بشدة، قائلاً إنهم يتحدثون عن رجل قال النبي الأكرم (ص) في حقه: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (المصدر نفسه). ما يمكن استخلاصه من رواية ابن عباس، بالإضافة إلى أصل الولاية ومسألة الغدير، هو فضائل ومناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

3. أنواع حديث الغدير وتواترها في آثار الطبراني

من خلال دراسة أربعين رواية للغدير في آثار الطبراني، تم استخلاص 9 أنواع من الروايات بتواتر متفاوت. بريدة بن الحصيب الأسلمي، جابر بن عبد الله، جرير بن عبد الله، حبشي بن جنادة، حذيفة بن أسيد، خالد بن زيد أبو أيوب الأنصاري، زيد بن أرقم، زيد بن ثابت، سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، عبد الرحمن بن صخر أبو هريرة، عبد الله بن عباس، عمار ياسر، عمرو ذو مر، عميرة بن سعد، مالك بن الحويرث، زيد بن أرقم، أبو حذيفة بن أسيد، عمرو ذو مر وزيد أرقم، سعيد بن وهب وحبة بن جوين وزيد بن أرقم، هم رواة حديث الغدير في آثار الطبراني (ابن عقدة، 1427هـ، 177). وفيما يلي، يُعرض مخطط بياني لتواتر أنواع حديث الغدير المستخرجة من آثار أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني.

1-3. تواتر الأنواع في آثار الطبراني

وفقًا للمخطط المذكور، في آثار الطبراني، يرتبط أكبر عدد من أنواع حديث الغدير بالجمل الخبرية (13 حالة). وفي المرتبة الثانية، يأتي استشهاد النبي الأكرم (ص) من أفراد مختلفين وفي مناسبات متفاوتة (9 حالات). وتحتل المرتبة الثالثة مناشدات الإمام علي (ع) (8 حالات). أما الجمل الخبرية-الدعائية، وأخذ الشهادة والإقرار من قبل الإمام علي (ع)، ومناشدة فردية من زيد بن أرقم، والجملة الدعائية، وبيان شأن نزول الآية 55 من سورة المائدة وربطها بجملة «مَنْ كُنْتُ…» في حق الإمام علي (ع)، فتأتي في المراتب التالية من حيث التواتر.

2-3. دراسة أنواع حديث الغدير في آثار الطبراني

فيما يلي، نتناول بإيجاز الأنواع التسعة المحددة لحديث الغدير في آثار سليمان بن أحمد الطبراني.

النوع الأول: الجمل الخبرية
ورد ثلاثة عشر نوعًا من حديث الغدير في آثار الطبراني في صيغة جمل خبرية. بعضها، مثل رواية بريدة بن الحصيب عن النبي الأكرم (ص)، يقتصر على ذكر عبارة «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (الطبراني، 1403هـ، 1: 71). بينما تروي روايات أخرى مسألة الغدير بالتفصيل، ومنها رواية جابر بن عبد الله الأنصاري. في هذه الرواية، بيّن النبي الأكرم (ص) حقانية إمامة وخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بين الحاضرين، ودعا له بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (الطبراني، 1417هـ، 3: 222-223).
بعض الجمل، مثل رواية زيد بن أرقم، رغم كونها خبرية، إلا أنها تتضمن نوعًا من الإقرار من الراوي: «لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ص مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَزَلَ غَدِيرَ خُمٍّ وَأَمَرَ بِدَوْحَاتٍ فَقُمَّتْ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: كَأَنِّي قَدْ دُعِيتُ فَأَجَبْتُ، إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مَوْلايَ وَأَنَا وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ فَقُلْتُ لِزَيْدٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) فَقَالَ: مَا كَانَ فِي الدَّوْحَاتِ أَحَدٌ إِلا قَدْ رَآهُ بِعَيْنِهِ وَسَمِعَهُ بِأُذْنَيْهِ» (الطبراني، د.ت.، 5: 166). في هذه الرواية، بعد بيان واقعة الغدير، يروي زيد بن أرقم تلقي الخبر (بالعين والأذن) من قبل جميع الحاضرين في غدير خم. إن نسبة وارتباط القرآن والعترة (الثقلين)، والإخبار بمستقبل الأمة (الاختلاف في أمر الخلافة المباشرة لرسول الله)، واتخاذ مسار مخالف للنبي (ص)، وهي مسألة تضع عدالة جميع الصحابة موضع تساؤل، هي معارف يمكن استخلاصها من الصيغة الخبرية لأحاديث الغدير في آثار الطبراني.

النوع الثاني: أخذ الشهادة من الناس بواسطة النبي (ص)
يختص التواتر الثاني في آثار الطبراني بأخذ الشهادة من النبي (ص). في هذا النوع، كان النبي (ص) غالبًا ما يأخذ الشهادة من الحاضرين بطرح سؤال. في حديث عن جرير بن عبد الله البجلي نقرأ: «أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا تَشْهَدُونَ؟ قَالُوا نَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. قَالَ: «ثُمَّ مَهْ؟» وَقَالُوا أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: «فَمَنْ وَلِيُّكُمْ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلانَا. قَالَ: «مَنْ وَلِيُّكُمْ؟» ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَضُدِ عَلِيٍّ ع فَأَقَامَهُ، فَنَزَعَ عَضُدَهُ فَأَخَذَ بِذِرَاعَيْهِ فَقَالَ: مَنْ يَكُنِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مَوْلِيَاهُ فَإِنَّ هَذَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّهُ مِنَ النَّاسِ فَكُنْ لَهُ حَبِيباً وَمَنِ ابْغَضَهُ فَكُنْ لَهُ مُبْغِضاً، اللَّهُمَّ إِنِّي لا أَجِدُ أَحَداً أَسْتَوْدِعُهُ فِي الأَرْضِ بَعْدَ الْعَبْدَيْنِ الصَّالِحَيْنِ غَيْرَكَ فَاقْضِ فِيهِ بِالْحُسْنَى قَالَ: بِشْرٍ: قُلْتُ مَنْ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ الصَّالِحَيْنِ؟ قَالَ لا أَدْرِي» (الطبراني، د.ت.، 2: 357).
بدأ النبي (ص) بشهادة كلمة «التهليل»، وبعدها أخذ الإقرار من الحاضرين بنبوته. ثم طرح مسألة ولاية الله ورسوله لسماع الإقرار والشهادة، وفي النهاية طرح مسألة ولاية وخلافة الإمام علي (ع). في رواية أخرى، عن حذيفة بن أسيد الغفاري، طرح مسألة قرب رحيله، وفي الخطوة التالية، نوه بمسؤوليته الجسيمة في مصير الأمة ومسؤولية الأمة المتقابلة. ثم قال: «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ جَنَّتَهُ حَقٌّ وَنَارَهُ حَقٌّ، وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ؟ قَالُوا بَلَى، نَشْهَدُ بِذَلِكَ. قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ مَوْلايَ وَأَنَا مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ…» (المصدر نفسه، 3: 180).

النوع الثالث: مناشدات الإمام علي (ع)
يختص التواتر الثالث في آثار الطبراني بمناشدات الإمام علي (ع). في المناشدة، تُستخدم صيغة القسم (راجع: دياري وزملاؤه، 1400ش، 137). على سبيل المثال، نقلاً عن زيد بن أرقم، نقرأ: «نَشَدَ عَلِيٌّ (ع) النَّاسَ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلاً سَمِعَ النَّبِيَّ (ص) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ. فَقَامَ اثْنَا عَشَرَ بَدْرِيّاً فَشَهِدُوا بِذَلِكَ؛ قَالَ زَيْدٌ: كُنْتُ أَنَا فِيمَنْ كَتَمَ فَذَهَبَ بَصَرِي» (الطبراني، د.ت.، 5: 175). في هذه المناشدة، شهد اثنا عشر رجلاً بأنهم سمعوا قول النبي الأكرم (ص): «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ…». وفي هذا السياق، يعترف زيد بن أرقم بكتمانه لهذه الحقيقة وفقدانه لبصره (المصدر نفسه، 171).
في نوع آخر من الرواية، نقلاً عن عميرة بن سعد الهمداني، ضمن بيان مناشدة الإمام علي (ع)، يذكر أسماء عدد من الحاضرين الذين أجابوا على مناشدة الإمام. كما ورد: «مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ يَقُولُ مَا قَالَ فَيَشْهَدُ. فَقَامَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلاً مِنْهُمْ: أَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (الطبراني، 1405هـ، 3: 133؛ وهو نفسه، 1403هـ، 1: 64). أبو سعيد وأبو هريرة وأنس بن مالك كانوا من بين الذين شهدوا لمناشدة الإمام. من المعارف الأخرى المستخلصة من نوع المناشدة (على الرغم من مركزية مسألة الغدير والولاية) يمكن الإشارة إلى؛ الإعجاز وعواقب مخالفة حقانية ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، ومثال ذلك كتمان زيد بن أرقم وفقدانه بصره بسبب هذا الكتمان.

النوع الرابع: الجمل الخبرية-الدعائية
احتلت الجمل الخبرية-الدعائية المرتبة الرابعة بثلاث حالات. تمييز هذه الجمل عن الجمل الخبرية يرجع إلى أن هذا النوع من رواية حديث الغدير ورد بشكل موجز ومتشابه، ويتكون من قسمين: خبري وجملة دعائية. كما أن معيار الفصل بين النوع الخبري-الدعائي والنوع الدعائي هو أن الجمل الدعائية تبدأ بكلمات مثل «اللَّهُمَّ»، وهو ما لا ينطبق على الجمل الخبرية-الدعائية. وردت روايتان بهذا الشكل: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (الطبراني، د.ت.، 5: 170). والرواية الأخرى الخبرية-الدعائية، بالإضافة إلى العبارة السابقة، تشمل جملة «وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَأَعِنْ مَنْ أَعَانَهُ» (المصدر نفسه، 192).

النوع الخامس: الجمل الدعائية
وردت رواية واحدة من نوعي الجمل الدعائية في آثار الطبراني كالتالي: «اللَّهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (الطبراني، د.ت.، 5: 204). والجملة الدعائية الأخرى، بالإضافة إلى النص السابق، تتضمن أيضًا جملة «وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَأَعِنْ مَنْ أَعَانَهُ» (المصدر نفسه، 16: 4). إن بيان حقيقة ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) من قبل النبي الأكرم (ص) في قالب الدعاء هو أمر جدير بالتأمل.

النوع السادس: أخذ الشهادة من الناس بواسطة الإمام علي (ع)
تختص حالتان من أنواع حديث الغدير في آثار الطبراني بأخذ الشهادة من الناس بواسطة الإمام علي (ع). وفي كلا الحديثين، أُسندت الرواية إلى راوٍ واحد بطريقين مختلفين. في النوع الأول، ورد: «حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ح وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ قَالا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ حَنَشِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: بَيْنَا عَلِيٌّ ع عَنْهُ جَالِسٌ فِي الرَّحْبَةِ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلايَ. فَقِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ الإمام علي (ع) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (الطبراني، د.ت.، 4: 173).
في الحديث أعلاه، أخذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) شهادة من أبي أيوب الأنصاري بخصوص قول النبي (ص). وفي الحديث الثاني، ينتهي الطريقان إلى رياح بن الحارث: «كُنَّا قُعُوداً مَعَ عَلِيٍّ (ع)، فَجَاءَ رَكْبٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَيْهِمُ الْعَمَائِمُ، فَقَالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلانَا. فَقَالَ عَلِيٌّ (ع): أَنَا مَوْلاكُمْ وَأَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. سَمِعْنَا النَّبِيَّ ص يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ وَهَذَا أَبُو أَيُّوبَ فِينَا، فَحَسَرَ أَبُو أَيُّوبَ الْعِمَامَةَ عَنْ وَجْهِهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (المصدر نفسه، 173). في هذا الحديث، تصل مجموعة من الركاب إلى الإمام علي (ع) وعند السلام يخاطبونه بعبارة «يَا مَوْلانَا». فيستغل الإمام هذه الكلمة الاستراتيجية ويأخذ منهم إقرارًا بولايته. ومن بينهم، يقر أبو أيوب الأنصاري بقول النبي الأكرم (ص). ما يمكن استخلاصه من هذا النوع من الحديث هو أن أمير المؤمنين (ع) اغتنم كل فرصة ومكان وزمان لتبيين مسألة الغدير والولاية، ومثال ذلك تركيزه على الكلمات المفتاحية مثل «مولانا» ودلالاتها ومتطلباتها.2

النوع السابع: رواية ابن عباس
يروي عمرو بن ميمون: كنا عند ابن عباس عندما جاءه سبعة رجال وهو لم يكن قد فقد بصره بعد. قالوا لابن عباس: تعال معنا أو اتركنا وحدنا. فقال لهم ابن عباس: أنا آتي معكم. فذهب معهم، ولا ندري ما دار بينهم. فعاد ابن عباس وهو ينفض ثيابه ويقول: «أُفٍّ أُفٍّ، وَقَعُوا فِي رَجُلٍ قِيلَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمُ الآنَ، وَقَعُوا فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ قَالَ نَبِيُّ (ص)… إِلَيَّ أَنْ قَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ…» (الطبراني، د.ت.، 12: 77-78). وفي معرض انتقاده لتلك المجموعة، يشير ابن عباس إلى أنهم يتحدثون عن رجل قال النبي (ص) في حقه ما قال. فبهذه الطريقة، يشهد ابن عباس بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع). وقد سبق بيان إمكانية استخلاص بعض فضائل أمير المؤمنين (ع) من هذا النوع من حديث الغدير.

النوع الثامن: حديث الغدير وشأن نزول الآية 55 من سورة المائدة
نوع واحد من أنواع حديث الغدير في المعجم الأوسط للطبراني، وهو رواية عن عمار بن ياسر، يختص بشأن نزول الآية 55 من سورة المائدة.3 بعد نزول الآية على قلب النبي الأكرم (ص)، قال: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (الطبراني، 1405هـ، 7: 129). في هذا النوع، يلاحظ وجود رابط بين شأن نزول الآية 55 من سورة المائدة – التي نزلت في حق الإمام علي (ع) حسب العديد من التفاسير (راجع: ابن أبي حاتم، 1419هـ، 4: 1162؛ الزمخشري، 1407هـ، 1: 649؛ فخر الرازي، 1420هـ، 12: 383؛ القرطبي، 1384هـ، 6: 221) – وولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في واقعة الغدير. ما يمكن الاستفادة منه في هذا النوع هو استخدامه كرواية تفسيرية، والارتباط الوثيق بين الآيات والروايات، وكذلك فضائل أمير المؤمنين (ع).

النوع التاسع: مناشدة رجل لزيد بن أرقم
يقول أبو عبد الله الشيباني: بينما كنت جالسًا في مجلس عند زيد بن أرقم، اقترب منا رجل راكب من «مراد» وسلّم. قال الراكب: هل زيد في هذا المجلس؟ قال الحاضرون: نعم، هذا هو زيد. فقال: «أَنْشُدُكَ اللَّهَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ يَا زَيْداً، سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ لِعَلِيٍّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ (وَلَاهُ) وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ؟» (الطبراني، د.ت.، 5: 193). في تلك اللحظة، أجاب زيد بن أرقم: «نعم»، وبعد تأييد زيد، غادر ذلك الشخص المجلس.

4. دراسة مقارنة لأنواع حديث الغدير في آثار النسائي والطبراني

من خلال استخلاص وتصنيف أحاديث الغدير في آثار النسائي والطبراني، تم التوصل إلى وجوه اختلاف واشتراك جديرة بالتأمل، والتي سنتناول بعضها بإيجاز فيما يلي. مناشدات الإمام علي (ع)، وأخذ الشهادة بواسطة النبي (ص)، والأنواع الخبرية، ورواية حديث الغدير بواسطة ابن عباس في مواجهته لمجموعة السبعة أو التسعة رجال، هي من وجوه الاشتراك بين أنواع الروايات في آثار النسائي والطبراني. في آثار النسائي، تم تحديد نوع واحد لم يُعثر عليه في آثار الطبراني رغم تنوع أنواعه، وهو شهادة جماعية بصحة صدور حديث الغدير من النبي الأكرم (ص) في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) (راجع: النسائي، 1419هـ، 126-127). والأنواع المميزة في آثار الطبراني هي: الخبري-الدعائي، الدعائي، أخذ الشهادة من الناس بواسطة الإمام علي (ع)، بيان شأن نزول الآية 55 من سورة المائدة وربطها بحديث الغدير، ومناشدة رجل لزيد بن أرقم.

1-4. مناشدات الإمام علي (ع)

مناشدات الإمام علي (ع) في آثار النسائي، التي بلغت سبع حالات، ترتبط في الغالب برواية سعيد بن وهب الهمداني (3 حالات)، بينما في آثار الطبراني، استحوذت مناشدات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) على ثماني حالات من حيث التواتر، وكانت معظمها من رواية زيد بن أرقم (4 حالات) وعميرة بن سعد الهمداني (3 حالات). سعيد بن وهب، وعمرو بن ذي مر، وعميرة بن سعد الهمداني، هم رواة مشتركين للمناشدات في آثار النسائي والطبراني. في المعجم الكبير للطبراني، تقع رواية سعيد بن وهب الهمداني ضمن فئة من الروايات التي ذكر ابن عقدة أنها تختلف أو تشترك في نقل شخصين أو أكثر.4 سلسلة الرواة هي كالتالي: «حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ هُبَيْرَةَ بْنِ يَرِيمَ، عَنْ سَعِيدٍ بِهِ وَهْبٍ [الْهَمْدَانِيِّ] وَحَبَّةَ [بْنِ جُوَيْنٍ] الْعُرَنِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ» (ابن عقدة، 1427هـ، 211).
بناءً على السلسلة أعلاه، يشترك سعيد بن وهب مع حبة بن جوين وزيد بن أرقم في اختلاف واشتراك الرواية. الرواية الوحيدة لسعيد بن وهب في المعجم الكبير للطبراني لا تتطابق مع الروايات الثلاث الموجودة في آثار النسائي، لا من حيث سلسلة الرواة ولا من حيث متن الحديث. عمرو بن ذي مر أيضًا، الذي له رواية واحدة في آثار النسائي والطبراني، لم ترد بنفس الشكل. عميرة بن سعد الهمداني في الطبراني روى ثلاث روايات، وفي النسائي رواية واحدة من نوع المناشدات. يطرح النسائي في كتاب الخصائص، نقلاً عن عميرة بن سعد، المناشدة بهذا الشكل: «…عُمَيْرَةَ بْنِ سَعْدٍ (الْهَمْدَانِيِّ): أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيّاً وَهُوَ يُنْشِدُ فِي الرَّحْبَةِ: مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ (ص) يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ. فَقَامَ بِضْعَةَ عَشَرَ فَشَهِدُوا» (النسائي، 1419هـ، 121-122). في هذه المناشدة، لا تظهر صيغة «أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَ…». ومع ذلك، وضعها المؤلفون ضمن مجموعة مناشدات الإمام علي (ع) بناءً على رواية عميرة. في الروايات الثلاث لعميرة بن سعد، شوهدت صيغة «أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلاً» في مناشدة واحدة فقط (راجع: الطبراني، 1405هـ، 7: 448). أما في الروايتين الأخريين، فقد استخدم عميرة عبارتي «شَهِدْتُ عَلِيّاً عَلَى الْمِنْبَرِ نَاشَدَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ (ص)» (راجع: الطبراني، 1405هـ، 3: 133؛ وهو نفسه، 1403هـ، 1: 64) و«سَمِعْتُ عَلِيّاً يَنْشُدُ النَّاسَ» (راجع: الطبراني، 1405هـ، 3: 69).

2-4. أخذ الشهادة من الناس بواسطة النبي (ص)

شوهدت خمس روايات من نوع أخذ الشهادة والإقرار من الناس بواسطة النبي الأكرم (ص) في مسألة ولاية أمير المؤمنين (ع) في آثار النسائي. أربع روايات جاءت في قالب جمل استفهامية مثل: «أَلَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ»، «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟»، «أَيُّهَا النَّاسُ هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ» – يَقُولُهَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ – ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ وَلِيُّكُمْ؟» وحالة واحدة فقط، نقلاً عن سعد بن أبي وقاص الزهري، جاءت بهذا الشكل: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ – أَيُّهَا النَّاسُ – إِنِّي وَلِيُّكُمْ، صَدَقْتَ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَرَفَعَهَا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وَلِيِّي وَالْمُؤَدِّي عَنِّي، وَالِ اللَّهَ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (النسائي، 1419هـ، 137)، حيث بعد أن أخبرهم النبي (ص) بمسألة ولايته، صدقه المخاطبون بكلمة «صَدَقْتَ».
في آثار الطبراني، تم استخلاص 9 أحاديث أخذ فيها النبي (ص) الشهادة والإقرار من الناس في مناسبات مختلفة بخصوص ولاية الله ورسوله، وفي النهاية ولاية أمير المؤمنين (ع). في جميع روايات الطبراني، كان النبي (ص) يأخذ الشهادة من الحاضرين والمخاطبين بطرح أسئلة، مع مقدمة أو بدونها، مثل: «أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا تَشْهَدُونَ؟ قَالُوا نَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ…» (الطبراني، د.ت.، 2: 357)، «أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ…» (المصدر نفسه، 3: 180) و«يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ؟» (المصدر نفسه، 5: 171).

3-4. الجمل الخبرية

في تصنيف حديث الغدير في آثار النسائي، وُضعت خمسة أحاديث ضمن مجموعة الجمل الخبرية. حديثان منها، نقلاً عن بريدة بن الحصيب، يشيران إلى قصة حيث يتم إرسال مجموعة بقيادة الإمام علي (ع) إلى مكان ما بأمر من النبي (ص). وفي هذا السياق، كان بريدة حاضرًا. في الرواية الأولى، يشتكي بريدة من خشونة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في السفر إلى النبي (ص)، فيجيبه: «يَا بُرَيْدَةُ! مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (النسائي، 1419هـ، 118-119)، مما يدل على وجوب قبول ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بلا منازع كما هو الحال مع النبي (ص). وفي الرواية الثانية، يستفسر النبي (ص) عن رفقة الإمام علي (ع) لهم، وفي النهاية يقول: «مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ» (المصدر نفسه، 116-118). وفي رواية عن سعد بن أبي وقاص الزهري، ورد فقط قول النبي (ص) المشهور: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (المصدر نفسه، 120).
في رواية أخرى عن سعد بن أبي وقاص الزهري، ورد أنه كان جالسًا في مجلس تعرض فيه الإمام علي (ع) للتجريح، فقال لهم: «فَقُلْتُ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ص) لَهُ ثَلاثَةٌ لأَنْ تَكُونَ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ… وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (المصدر نفسه، 35): لعلي (ع) ثلاث خصال لو كانت لي واحدة منها لكانت أحب إليّ من حمر النعم. آخر حديث للنسائي في صيغة جملة خبرية يتميز بشمولية لافتة، حيث يروي عن زيد بن أرقم قصة الغدير بتفاصيل مثل: «خبر رحيل النبي (ص)»، «الثقلين؛ تعريف بأهميتهما ونسبتهما ببعضهما البعض»، «ولاية الله، ولاية رسول الله، إعلان ولاية خليفة رسول الله – الإمام علي (ع)» و«دعاء؛ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ» (راجع: النسائي، 1419هـ، 112؛ وهو نفسه، 1411هـ، 5: 45).
في آثار الطبراني، تم استخلاص 13 حديثًا في صيغة جمل خبرية، والتي استحوذت على أعلى تواتر من حيث التصنيف. ولكن في المقارنة، يُشار أولاً إلى رواية بريدة بن الحصيب. خلافًا للروايتين اللتين ترويان قصة في آثار النسائي، فإن رواية بريدة في الطبراني تقتصر على نقل عبارة النبي الأكرم (ص): «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (راجع: الطبراني، 1403هـ، 1: 71؛ وهو نفسه، 1405هـ، 1: 229).
في آثار النسائي، وردت حالة واحدة من الجمل الخبرية عن زيد بن أرقم (بصيغة جملة خبرية شاملة)، بينما في آثار الطبراني، شوهدت خمس حالات، إحداها تشترك أو تختلف في النقل بين زيد بن أرقم وحذيفة بن أسيد (راجع: الطبراني، د.ت.، 3: 179). أربع حالات من رواية زيد بن أرقم في آثار الطبراني تشير فقط إلى عبارة «مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ» وما شابهها، وفي رواية واحدة فقط تم تفصيل حديث الغدير من نقطة غدير خم. لذلك، يمكن ملاحظة نوع من التشابه في الرواية الواحدة لزيد بن أرقم في آثار النسائي مع رواية زيد بن أرقم في المعجم الكبير للطبراني. لمقارنة أفضل، يُقدم الجدول التالي.

4-4. رواية ابن عباس

أحد الحالات المنفردة والمشتركة لحديث الغدير في آثار النسائي والطبراني هي قصة مجموعة السبعة أو التسعة رجال وابن عباس. في كلا الحديثين، الراوي عن ابن عباس هو عمرو بن ميمون، على الرغم من وجود اختلافات في سلسلة الرواة. للمقارنة، يمكن استخدام الجدول التالي. الراوي الأول في آثار النسائي هو محمد بن المثنى، بينما إبراهيم بن هاشم البغوي هو الراوي الأول في سلسلة الحديث في المعجم الكبير للطبراني. الشخص الثاني، يحيى بن حماد، مشترك في كلا المصنفين. الراوي الثالث، أبو عوانة، الذي ورد باسم الوضاح في النسائي. الراوي الرابع، أبو بلج، الذي ورد باسم يحيى في آثار النسائي. وفي النهاية، يروي عمرو بن ميمون بشكل مشترك عن ابن عباس. في آثار النسائي، يُذكر عدد أفراد المجموعة بتسعة، بينما في المعجم الكبير للطبراني عددهم سبعة. في آثار النسائي، تُنسب عشر فضائل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) من قبل النبي (ص). كما أن عبارة «مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ» (النسائي، 1419هـ، 50-54؛ وهو نفسه، 1411هـ، 5: 179) تختلف قليلاً عن عبارة الطبراني «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» (الطبراني، د.ت.، 12: 77-78). إن مقارنة الأنواع المشتركة للأحاديث تتيح فرصة لكشف حقائق الغدير من حيث سلسلة السند والمحتوى وغير ذلك.

5. الاستنتاج

1- تم استخلاص وتصنيف أحاديث الغدير في آثار النسائي والطبراني وتحديد تواترها ووجوه الاختلاف والاشتراك بينها بناءً على جدول تحليل المحتوى.
2- تم تصنيف عشرين رواية لحديث الغدير في آثار النسائي في 6 فئات، بترتيب التواتر التالي: مناشدات الإمام علي (ع) بـ 7 حالات، جمل خبرية بـ 6 حالات، جمل استفهامية للنبي (ص) لأخذ الشهادة بـ 4 حالات، أخذ الشهادة من الناس بواسطة النبي (ص) في صيغة غير استفهامية، شهادة مجموعة من الناس، ورواية ابن عباس، لكل منها حالة واحدة.
3- تم تصنيف رواية حديث الغدير في آثار الطبراني في 9 فئات. الجمل الخبرية بـ 13 حالة تواتر، أخذ الشهادة بواسطة النبي (ص) بـ 9 حالات، مناشدات الإمام علي (ع) بـ 8 حالات، جمل خبرية-دعائية بـ 3 حالات، جمل دعائية بـ 2 حالة، أخذ الشهادة بواسطة الإمام علي (ع) بـ 2 حالة، ورواية ابن عباس، شأن نزول الآية 55 من سورة المائدة، ومناشدة من زيد بن أرقم، لكل منها حالة واحدة، تشكل أنواع حديث الغدير في آثار الطبراني.
4- النوع المميز في آثار النسائي هو شهادة مجموعة من الناس بصحة صدور قول النبي (ص) في حق الإمام علي (ع). وفي آثار الطبراني، الأنواع الخبرية-الدعائية، الدعائية، أخذ الشهادة من الناس بواسطة الإمام علي (ع)، مناشدة رجل لزيد بن أرقم، وتقرير شأن نزول الآية 55 من سورة المائدة، هي أنواع مميزة مقارنة بأنواع حديث الغدير في آثار النسائي.
5- مناشدات الإمام علي (ع) من الأنواع المشتركة في آثار النسائي (بتواتر 7 حالات) والطبراني (بتواتر 8 حالات). توجد اختلافات في مناشدات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في كلا المصنفين. على سبيل المثال، معظم الروايات في النسائي تعود إلى سعيد بن وهب الهمداني (3 حالات)، أما في آثار الطبراني، فتعود إلى روايات زيد بن أرقم (4 حالات) وعميرة بن سعد الهمداني (3 حالات).
6- في الأنواع المشتركة الأخرى مثل أخذ الشهادة من النبي (ص) من الناس، والجمل الخبرية وغيرها، وُجدت اختلافات إلى جانب المشتركات. أخذ الشهادة في آثار النسائي في حالة واحدة بدون طرح سؤال، أما في آثار الطبراني، فجميعها تمت بجمل استفهامية (في مقدمة الحديث أو وسطه أو نهايته). ومن الأنواع المشتركة بين آثار النسائي والطبراني، رواية ابن عباس التي تتمتع بتوافق عالٍ من حيث السند والمتن.
7- فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، مقام الإمامة والولاية، ارتباط القرآن والعترة ونسبتهما (الثقلين)، الرد على شبهات الإمامة والولاية وغيرها من المعارف القابلة للاستخلاص من أنواع أحاديث الغدير التي لم تحظ بالاهتمام الكافي.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن أبي حاتم، عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم، المملكة العربية السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة الثالثة، 1419هـ.

ابن عبد الوهاب، محمد، الرد على الرافضة، تحقيق: محمد مال الله، بدون مكان، بدون ناشر، 1422هـ.

ابن عقدة، أحمد بن محمد، حديث الولاية ومن روى غدير خم من الصحابة وتليه ثلاث رسائل مفردة لجمع طرق حديث الغدير، تحقيق: أمير تقدمي معصومي، قم، دليل ما، 1427هـ.

الأميني النجفي، عبد الحسين، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، قم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، 1416هـ.

باقرزاده، عبد الرحمن وزينب السادات حسيني. “يوم الرحبة وتحليل مواجهة شاهدان غدير خم با آن”. پژوهشنامه اماميه 3، 6 (1396): 53-78.

باكتجي، أحمد. “أحاديث خلق آدم على صورته: تحديات الفهم في القرنين الثاني والثالث الهجريين”. دراسات في فهم الحديث 1، 1 (1393): 9-27. doi: 10.30479/mfh.2015.1103.

توحيدي، أمير، بررسي أحاديث مناشده، رسالة ماجستير، قسم علوم القرآن والحديث، كلية الإلهيات، جامعة طهران، 1377ش.

جاني بور، محمد، فتحية فتاحي زاده، وسيدة زينب حسيني زاده. “تحليل محتواى سه خطبه غدير با رويكرد لايه شناسى مضمونى”. دراسات في فهم الحديث 4، 8 (1397): 75-103. doi: 10.30479/mfh.2018.1327.

دياري بيدگلي، محمد تقي، محمد علي تجري، مهدي دهقان منشادي. “تحليل رويكردهاى حديثى علامه امينى پيرامون احاديث مناشده در كتاب الغدير”. سفينه 18، 70 (1400): 133-165. dor: 20.1001.1.17350689.1400.18.70.6.8.

الزمخشري، محمود بن عمرو بن أحمد، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دار الكتاب العربي، الطبعة الثالثة، 1407هـ.

الطبراني، سليمان بن أحمد، المعجم الصغير، تحقيق: محمود طحان، بيروت، دار الكتب العلمية، 1403هـ.

____________، المعجم الأوسط، تحقيق: محمود طحان، الرياض، مكتبة المعارف، 1405هـ.

_________، مسند الشاميين، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، 1417هـ.

_________، المعجم الكبير، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، د.ت.

فخر الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1420هـ.

القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، القاهرة، دار الكتب المصرية، الطبعة الثانية، 1384هـ.

معارف، مجيد، غدير در آينه آيات و روايات (مقالات)، أصفهان، مؤسسة تحقيقات رايانه اى قائميه اصفهان، د.ت.

موسوي، سيد محسن. “گونه شناسى روايات غدير در بشارة المصطفى”. پژوهش نامه علوى 12، 23 (1400): 293-309. doi: 10.30465/ALAVI.2021.6859.

النسائي، أحمد بن شعيب، السنن الكبرى، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ.

_________، خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، تحقيق: محمد كاظم محمودي، قم، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، 1419هـ.

الهوامش

1. كانت المناشدة غالبًا ما تتم مع أشخاص مسلمين في الظاهر، وبعضهم يُعد من أصحاب رسول الله (ص)، بينما كانت الاحتجاجات ذات شمولية أوسع؛ لأن الاحتجاج لم يكن يتم مع المسلمين فقط، بل مع أهل الكتاب ومنكري الدين أيضًا (توحيدي، 1377ش، 14).

2. اليوم، تحظى مسألة علم المفردات وعلم المصطلحات باهتمام أكبر. على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى علم المصطلحات (Terminology). ويمكن اعتبار «الولي» و«المولى» من المصطلحات الفنية في علم مصطلحات الإمامة، ويمكن استخلاص مثل هذه المصطلحات الفنية من أنواع أحاديث الغدير.

3. «إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» (المائدة: 55).

4. «ما اختلف أو اشترك في نقله اثنان أو أكثر» (راجع: ابن عقدة، 1427هـ، 207).

Scroll to Top