الملخص
بدأ ضبط نص القرآن الكريم بتنقيط حروفه وكلماته، وقد أثار الالتزام بعلامات الضبط في المصاحف أو عدم الالتزام بها تحديًا جادًا بين العلماء في مختلف العصور. وفي هذا السياق، كان ضبط علامة السكون من أهم التحديات المتعلقة بهذا المبحث. على الرغم من أن أبا الأسود الدؤلي لم يحدد علامة خاصة للحرف الساكن، إلا أن الحاجة إلى وجود هذه العلامة لتسهيل قراءة نص القرآن الكريم دفعت العلماء في العصور اللاحقة إلى ابتكارها. ولهذا، اتخذت علامة السكون أشكالًا مختلفة عبر العصور. في البداية، كان ضبط علامة السكون يتم ببساطة وبدون قاعدة محددة؛ ولكن مع مرور الزمن وظهور طرق متنوعة لضبط العلامات في المراكز المختلفة بقطبي العالم الإسلامي، أي المشارقة والمغاربة، تم تدوين قواعد لضبط هذه العلامة أيضًا. يتناول هذا المقال، بالمنهج التحليلي-المكتباتي، مسار تشكّل أنواع شكل السكون في مختلف العصور، ثم يدرس كيفية ضبط علامة السكون في القرآن الكريم في العالم الإسلامي. وفي النهاية، ومن خلال دراسة أربعة أنواع من ضبط السكون في عصور وأماكن مختلفة، اتضح أن علامة السكون لم يكن لها شكل ثابت على مر التاريخ؛ ثانيًا، لم تكن لهذه العلامة قاعدة خاصة في بداية ابتكارها، ولكنها أصبحت مقننة مع مرور الزمن؛ وقد تشكل هذا التقنين بناءً على القراءة وعلم التجويد، والذي تم وفقًا لرؤية تيار التساهل في ضبط السكون.
مقدمة
يُعدّ تسهيل قراءة نص القرآن الكريم من المسائل التي حظيت باهتمام العلماء والقراء المسلمين على الدوام. وقد حظي اهتمام المسلمين بهذا الأمر باهتمام كبير منذ صدر الإسلام، وشهد في العصور اللاحقة تطورات جوهرية وغير جوهرية. إن وجود علامات رمزية للحركات الأربع (الفتحة، الكسرة، الضمة، والسكون)، وعلامات تمييز الحروف (مثل نقاط الإعجام التي تميز الحروف عن بعضها)، ومجموعة من العلامات الأخرى (مثل الشدة، الحروف التي لا تُقرأ، وعلامات التجويد كالسكت والإبدال)، يُعتبر من أهم التحديات المطروحة في مجال تسهيل قراءة نص القرآن الكريم. وقد أدى وجود الأذواق والمعتقدات المختلفة في هذا المجال دائمًا إلى إحداث تغييرات جزئية وكلية.
في غضون ذلك، لم تكن علامة السكون بمنأى عن التغييرات المذكورة، حيث شهدت تحولات على مر التاريخ. وبلغت الخلافات في مجال ضبط علامة السكون حدًا جعل البعض يعارض كتابتها في المصاحف، بينما اعتبرها البعض الآخر أمرًا ضروريًا لتمييز الحروف الساكنة.
إن البحث في ماهية وطبيعة وتطبيق علامة السكون في سياقها التاريخي من المسائل التي لم يتم تناولها بشكل مستقل حتى الآن. وقد تم التطرق إلى هذا البحث بشكل جزئي ومتناثر في بعض الكتابات اللغوية وكذلك في كتب علوم القرآن، ولكن لم يتناوله أي منها بشكل شامل وجامع وبمنهج نقدي. على سبيل المثال، كتابا «المحكم في نقط المصاحف» للعالم أبي عمرو الداني من القرن الخامس، و«أصول الضبط وكيفيته على جهة الاختصار» لأبي داود سليمان بن نجاح من علماء القرن الخامس، لم يتناولا شكل علامة السكون إلا بشكل موجز – وليس حتى في فصل مستقل – كما تطرقا إلى موقف العلماء والفقهاء حتى عصرهما حول الالتزام أو عدم الالتزام بكتابة هذه العلامة.
كتاب آخر قدم معلومات إضافية في هذا المجال هو «الطراز في شرح ضبط الخراز»، لمحمد بن عبد الله التنسي من علماء القرن التاسع، والذي تطرق أيضًا في سياق شرح أبيات الخراز إلى مسألة ضبط علامة السكون؛ ولكنه في هذا الكتاب أيضًا تناول بشكل موجز المعنى اللغوي للسكون وكيفية ضبطه. وتجدر الإشارة إلى أن أهمية هذا الكتاب بين الكتب الأخرى المدونة في فن نقط القرآن تكمن في أنه أصبح مصدرًا مهمًا للباحثين في دار الطباعة الملك فهد لضبط القرآن الكريم.
ومن بين المؤلفات المعاصرة، كتاب «السبيل إلى ضبط كلمات التنزيل» لأحمد محمد أبو زيتحار من المفكرين المعاصرين؛ وكتاب «دراسات في علم اللغة» للغوي المعاصر كمال بشر، يتمتعان بأهمية كبيرة فيما يتعلق بموقفهما من علامة السكون؛ حيث تناول الكتاب الأول بشكل أكثر شمولاً مصدر شكل علامة السكون، وتناول الكتاب الثاني هذا الفن من منظور لغوي. ومع ذلك، لم يتم إجراء بحث شامل وكامل في مجال علامة السكون حتى الآن. يهدف هذا المقال إلى الإجابة عن الأسئلة التالية بمنهج نقدي: ما هو موقع علامة السكون عبر الزمن؟ كيف كانت آراء وأفكار العلماء حول الالتزام أو عدم الالتزام بضبط علامة السكون في المصاحف؟ كيف كانت أشكال ضبط علامة السكون في قطبي المشرق والمغرب وعبر الزمن؟ وكيف كان تقنين تدوين علامة السكون في المصاحف المختلفة على مر التاريخ؟
دراسة المفهوم
بشكل عام، يُطرح البحث في أسلوب وقواعد كتابة القرآن في مجالين من علوم القرآن، هما «رسم المصحف» و«علم الضبط» (ضبط المصحف)؛ وما يرتبط بموضوع هذا المقال هو المجال الثاني، أي علم الضبط.
أولًا: الضبط (الشَّكْل)
«الضبط» في اللغة يعني حفظ الشيء مع الدقة والاحتياط (ابن منظور، لسان العرب، 1414هـ: 7/340)؛ وفي اصطلاح علوم القرآن، هو علم تُعرف به العلامات العارضة على الحروف مثل الفتحة والضمة والكسرة والسكون والتشديد والمد وغيرها، ويطلق عليه أيضًا «الشَّكْل» (المرغني، دليل الحيران، 1426هـ: 345).
و«الشَّكْل» يعني أيضًا وضع العلامات والإعراب (الجوهري، الصحاح، 1407هـ: 5/1737)؛ وعندما يُقال: «شَكَلْتُ الكتاب»، يعني أعربتُ الكتاب (ابن منظور، لسان العرب، 1414هـ: 7/340)؛ و«الشَّكْلَة» هي اسم مرة من الفعل «شَكَلَ»، بمعنى القيام بـ«الشَّكْل» مرة واحدة (إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، 1989م: 1/491). وبناءً على ذلك، فإن «الضبط» أو «الشَّكْل» في اصطلاح علوم القرآن هو علم تُعرف به العلامات التي تُستخدم للدلالة على الحالات الصوتية المختلفة للحرف، سواء كانت سكونًا أو فتحة أو ضمة أو كسرة وغيرها (الدولتي وآخرون، دراسة علمية-تطبيقية لرسم المصحف وضبطه، 1387ش: 103).
ثانيًا: علامة السكون
«السكون» من مادة «سكن» بمعنى الراحة والتوقف (الطريحي، مجمع البحرين، 1375ش: 6/266)؛ أما علامة السكون في الاصطلاح فتطلق على حالة خالية من الحركات الثلاث: الفتحة والضمة والكسرة. في الواقع، السكون ليس حركة، بل هو سلب الحركة (ابن الصائغ، شرح المفصل، د.ت: 9/67)؛ لأن السكون ليس له صوت ولا يُسمع عند النطق به كبقية الحركات. فالسكون في الحقيقة خالٍ من العنصر الأساسي للصوت (بشر، دراسات في علم اللغة، 1998م: 145). لذا، وُضعت له علامة للدلالة على عدم وجود حركة بعد الحرف وعدم وجود حرف مشدد (قدوري الحمد، رسم المصحف، 1425هـ: 496). ومع ذلك، في بعض كتب العلماء واللغويين، ذُكرت علامة السكون كواحدة من الحركات الأربع (انظر: الأزهري، شرح التصريح، 1421هـ: 1/24؛ ناصف، حياة اللغة، 1423هـ: 15).
فيما يلي، وبعد استعراض تاريخ ضبط المصحف، سيتم بيان مسار تطورات علامة السكون في المصاحف المختلفة عبر الزمن، مع تقسيم العالم الإسلامي إلى مشارقة ومغاربة، وبمنهج نقدي.
تاريخ ضبط المصحف والدراسة التاريخية لضبط السكون
أولًا: تاريخ ضبط المصحف
حول أول من قام بضبط المصحف، توجد أربع وجهات نظر: الرأي الأول والمشهور ينسبه إلى أبي الأسود الدؤلي (ت 69هـ) (الأندلسي، المحرر الوجيز، 1422هـ: 1/50؛ الداني، كتاب النقط (المقنع)، د.ت: 129؛ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421هـ: 2/418)؛ الرأي الثاني ينسبه إلى نصر بن عاصم (ت 89هـ) (الداني، كتاب النقط (المقنع)، د.ت: 129)؛ الرأي الثالث ينسبه إلى الحسن البصري (ت 110هـ) (السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1421هـ: 2/418)؛ والافتراض الأخير ينسبه إلى يحيى بن يعمر (ت 129هـ) (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423هـ: 324) كأول من ضبط مصحف القرآن الكريم.
كما ذُكر سابقًا، الرأي المشهور هو أن أبا الأسود الدؤلي هو أول من ضبط مصحف القرآن الكريم؛ ولكن توجد روايات مختلفة حول سبب وكيفية قيامه بذلك. تشير بعض الروايات إلى أنه أُكره على ضبط المصحف بعد سماعه خطأ في قراءة القرآن من قبل شخص ما، مما دفعه لتغيير رأيه (ابن النديم، الفهرست، 1417هـ: 1/61)؛ بينما تذكر روايات أخرى أنه قام بذلك طوعًا ومن ابتكاراته (أبو الفرج الأصفهاني، الأغاني، 1975م: 12/299). من جهة أخرى، لا تتوفر معلومات حول كيفية قيام الشخصيات المذكورة الأخرى بضبط المصحف وبأي منهجية.
على كل حال، وبغض النظر عن مبتكر هذا الفن، فإن ما يتضح من الشواهد والروايات التاريخية هو أن الإعراب الأولي للقرآن تم بلون مختلف عن لون نص المصحف، وكانت طريقة الإعراب كالتالي: الحروف المفتوحة بنقطة فوق الحرف، والحروف المضمومة بنقطة أمام الحرف، والحروف المكسورة بنقطة تحت الحرف، والحروف المنونة بوضع نقطتين فوق الحرف أو أمامه أو تحته (ابن النديم، الفهرست، 1417هـ: 1/61؛ الصدر، تأسيس الشيعة، 1375ش: 52). النقطة المهمة في هذا السياق هي أنه على الرغم من تخصيص نقطة من قبل المبتكر للإعرابات الستة (الفتحة، الضمة، الكسرة، والتنوين)، إلا أنه لم توضع علامة للسكون (أكرت، الضبط المصحفي نشأته وتطوره، 1429هـ: 118). وقد أطلق باحثو القرآن لاحقًا على هذا الفن اسم «النَّقْط» أو «النَّقْط المُدَوَّر» (المرغني، دليل الحيران، 1426هـ: 361).
في الخطوة الثانية، ومع مجيء الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (100-170هـ)، اللغوي من القرن الثاني، حدث تحول في ضبط علامات الإعراب، حيث ابتكر العلامات الحالية للفتحة والكسرة والضمة بدلاً من نقاط الإعراب، معتمدًا على شكل الحروف (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 7)، وهو ما يُعرف بالإعراب المستطيل. كما أن علامات التشديد، السكون، الهمزة، الاختلاس، والإشمام هي من ابتكاراته أيضًا (محيسن، إرشاد الطالبين، 1409هـ: 5). وقد أطلق الخليل بن أحمد على هذا العمل اسم «شكل الشعر» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 22).
بعد الخليل بن أحمد، استمرت حركة إصلاح وتحسين وإتمام علامات الضبط، وخاصة علامة السكون، حتى يومنا هذا في قطبي المشرق والمغرب من العالم الإسلامي، ويمكن استعراض كل منهما بشكل تاريخي.
ثانيًا: دراسة تاريخية لكيفية ضبط علامة الساكن في مصاحف المشارقة
كان الاهتمام بضبط آيات القرآن شائعًا بين المشارقة، ولهذا السبب، فإن معظم ابتكارات ضبط العلامات في مختلف العصور قد حدثت بين المشارقة، وخاصة بين أهل المدينة (قدوري الحمد، رسم المصحف، 1425هـ: 439). من المؤكد أن أبا الأسود أو مبتكر العلامات لم يضع علامة لحالة السكون (أكرت، الضبط المصحفي نشأته وتطوره، 1429هـ: 118).
مع مرور الزمن، رسم تلاميذ أبي الأسود علامة الجر (-) لحالة السكون. وقد شاع استخدام هذا النوع من العلامة حتى زمن بني أمية وأوائل الدولة العباسية (سعود، حياة الخليل، د.ت: 190). بعد ذلك، ابتكر أهل المدينة شكل الدائرة لضبط علامة السكون (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 51). وقد شاع هذا الضبط منذ الماضي، وعلى الأقل من القرن الثالث إلى الخامس بين المشارقة.
وقد قدم أبو عمرو الداني في تلك الفترة تقريرًا عن ضبط السكون بين المشارقة مقتبسًا من حرف «الحاء» أو «الخاء» أو «الجيم» وكذلك حرف «الهاء»، مما يشير إلى تشتت الابتكارات المتعلقة بشكل علامة السكون. من ناحية أخرى، يوجد في تقريره عبارة مفادها أن «في مدينتنا (الأندلس) يستخدم بعض الكتبة علامة الجر لعلامة السكون»، مما يدل على أن هذا الأسلوب قد نُسخ بين المشارقة (انظر: الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 51). على أي حال، ما وصل إلى العصر الحديث من تراث ابتكارات الأقدمين وما زال مستخدمًا هو علامتان: الدائرة والهلال المأخوذ من حرف «ح» أو «خ» أو «ج».
ثالثًا: دراسة تاريخية لكيفية ضبط علامة الساكن في مصاحف المغاربة
يقول الداني عن شكل علامة السكون في مصاحف المغاربة: «في بلادنا (أي بين المغاربة)، منذ القدم وحتى الآن، تُستخدم علامة الجر لعلامة السكون، حيث توضع هذه العلامة فوق الحروف الساكنة» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 51).
ويعتبر التنسي (ت 889هـ)، من علماء القرن التاسع الهجري، وضع علامة الجر فوق الحروف الساكنة من أصول ضبط مصاحف الأندلس (التنسي، الطراز، 1420هـ: 96). وعلى الرغم من أن هذا النقل يدل على استمرارية ضبط علامة السكون على شكل جرة في مختلف العصور بين المغاربة، إلا أن ضبط هذه العلامة بأشكال أخرى، والتي سيتم تناولها لاحقًا، كان شائعًا أيضًا بين المغاربة.
على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى قول هند شلبي التي، إلى جانب وجود ضبط علامة السكون على شكل جرة، تشير أيضًا إلى وجود هذه العلامة على شكل دائرة في مصاحف المغرب في القرن الخامس (شلبي، القراءات بإفريقية، 1983م: 92). كما تم الاستشهاد، في سياق المباحث المطروحة، بمصحف مغربي من القرن السادس والقرون اللاحقة، حيث استُخدمت فيه أشكال ضبط متنوعة لضبط الحروف الساكنة.
بناءً على ذلك، يمكن القول في مقام التلخيص: إن مصاحف المغاربة كانت في البداية تابعة لأسلوب أبي الأسود، ثم مع الموافقة على ضرورة وضع علامة للحروف الساكنة، اختيرت علامة الجر، التي تشبه علامة الفتحة، لهذه العلامة. وبعد ذلك، مع مرور الزمن وتدوين علامات جديدة لضبط السكون بين أهل المدينة، قام كتبة المغاربة أيضًا باتباعهم وضبطوا المصاحف بأشكال متنوعة من علامة السكون. وقد استمر هذا النهج حتى الآن، حيث إن معظم المصاحف بين المغاربة اليوم تُضبط بالدائرة (قدوري الحمد، الميسر في علم رسم، 1433هـ: 303).
إن الدراسة الموجزة لمسار تغيرات شكل السكون في قطبي شرق وغرب العالم الإسلامي تُظهر أن عاملين مهمين دفعا النقّاط وعلماء القرآن إلى التفكير دائمًا في تغيير شكل هذه العلامة. العامل الأول: الالتزام بأصول شكل الأقدمين، وهذا الأمر من جهة أدى إلى تحديد هوية الكتبة والمناطق التي كُتب فيها القرآن. وتقارير أبي داود حول كيفية ضبط هذه العلامة في أماكن مختلفة تدل على ذلك (انظر: أبو داود، أصول الضبط، 1427هـ: 46)؛ ولكن هذا العامل اتجه تدريجيًا نحو توحيد شكل السكون، حتى أصبح اليوم في معظم المصاحف، بغض النظر عن المكان، يُعمل بأسلوب أهل المدينة في كتابة هذه العلامة. العامل الثاني: التساهل في قراءة نص القرآن الكريم. ولهذا السبب، شهدت علامة السكون تغيرًا في شكلها عبر مسارها التاريخي، بل إن بعض النقّاط لجأوا إلى حذف هذه العلامة أو ضبطها بشكل انتقائي ومنهجي (انظر: أبو زيتحار، السبيل إلى ضبط كلمات، 1430هـ: 47).
هذا التوجه، الذي يتساءل عما إذا كان وجود علامة السكون يسهل قراءة نص القرآن أم أن عدم وجودها أفضل، تحول مع مرور الزمن إلى تحدٍ مهم، لدرجة أن هذا التحدي لا يزال قائمًا بين العلماء وعلماء القرآن.
مسألة الالتزام أو عدم الالتزام بضبط علامة السكون
عدم كون ضبط المصحف توقيفيًا هو أمر متفق عليه بين جميع علماء علوم القرآن. وقد أدى هذا الأمر إلى اتخاذ مواقف من قبل بعض العلماء على مر التاريخ، بينما دافع عنه بعض العلماء الآخرين. وبما أن علامة السكون هي إحدى علامات الكتابة في ضبط المصحف، فإن الالتزام أو عدم الالتزام بضبط المصحف يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالالتزام أو عدم الالتزام بعلامة السكون. لذلك، من المناسب قبل مناقشة الالتزام أو عدم الالتزام بضبط علامة السكون، أن نتناول مسألة الالتزام أو عدم الالتزام بضبط القرآن الكريم.
أولًا: التساهل والالتزام وعدم الالتزام بضبط القرآن الكريم
على مر التاريخ، كانت هناك دائمًا خلافات حول الالتزام أو عدم الالتزام بشكل المصحف. كان بعض العلماء يعتقدون أنه يجب تحديد حركات وعلامات جميع حروف القرآن الكريم، سواء كانت مقروءة أو غير مقروءة. وكان علماء المغرب، ومن بينهم أبو عمرو الداني، من أنصار هذا الرأي. وكان يعتقد أنه بما أن الهدف من نقط المصاحف هو تصحيح القراءة وأداء الحروف بشكل صحيح لكي يُتلقى القرآن كما نزل من عند الله ونُقل عن النبي ﷺ والصحابة وأهل الفن، فيجب في الضبط إعطاء كل حرف حقه، وكتابة الحركات والسكون والتشديد والمد والهمزة والعلامات الأخرى، وعدم الاكتفاء ببعض هذه العلامات (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 56).
وكان بعض العلماء الآخرين يعتقدون أن أساس الضبط هو الاختصار، وأنه يجب الاكتفاء بالعلامات والحركات التي يؤدي غيابها إلى خطأ في القراءة، أو حركات الحرف الأخير من الكلمة التي تدل على وظيفتها في الجملة. بالإضافة إلى ذلك، كانت معارضة بعض علماء السلف لضبط المصحف ترجع إلى أن القرآن كان قد كُتب في المصحف الرسمي خاليًا من النقط والإعراب والعلامات الأخرى، وأن الضبط قد يُعتبر إضافة إلى النص الرسمي ويؤدي إلى إفساده. ومن بين هذه الآراء، آراء أبي حاتم السجستاني (ت 255هـ)، وابن مجاهد (ت 324هـ)، وابن المنادي (ت 336هـ)، وابن درستويه (ت 347هـ) في هذا الخصوص. على سبيل المثال، يقول أبو حاتم السجستاني في هذا الصدد: «أساس النقط هو الاختصار؛ لأنه لو كان على الكتبة أن يضبطوا القرآن كما ينبغي، لفسد خط القرآن وأصبح غير مقروء» (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423هـ: 162).
وقد نقل أبو داود السجستاني في كتاب «المصاحف» أسماء عدد من علماء القرن الثاني حتى عصره، مع بيان مواقفهم من ضبط المصحف. على سبيل المثال، من بين معارضي ضبط المصحف، أسماء علماء مثل: محمد بن سيرين (ت 110هـ) وحسن البصري (ت 110هـ)، وقتادة (ت 118هـ)، وعباد بن عباد (ت 181هـ) (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423هـ: 324-327)؛ ومن بين المؤيدين، ورد اسم ربيعة بن أبي عبد الرحمن (ت 136هـ) (نفس المصدر: 330). وتصبح نقولاته مثيرة للتحدي عندما يذكر، بعد إدراج ابن سيرين وحسن البصري ضمن معارضي نقط المصحف، اسميهما ضمن المؤيدين أيضًا (نفس المصدر: 328-330).
بالنظر إلى نقولات السجستاني، يمكن تصور ثلاث حالات: أولاً، أن يكون هناك خطأ في النقول، وأن يكون هناك نقلان متعارضان حول هذين العالمين؛ ثانيًا، أن يكون كل نقل متعلقًا بنوع معين من نقط المصحف. وتوضيح ذلك أن نقط المصحف يطلق على نوعين من التنقيط؛ أحدهما نقط لتمييز الحروف ويسمى نقط الإعجام، والآخر نقط لإعراب الحروف ويسمى نقط الإعراب (الجرمي، معجم علوم القرآن، 1422هـ: 294-295). الحالة الثالثة التي يمكن تصورها لتعارض نقولات السجستاني هي أن رأي ابن سيرين وحسن البصري كان في البداية معارضًا لضبط المصحف، ثم تغير رأيهما مع مرور الزمن.
على الرغم من أن السجستاني لم يوضح سبب اختلاف النقول والنقل الأصح، إلا أنه من بين الاحتمالات المذكورة أعلاه، يبدو احتمال صحة الحالة الثالثة هو الأرجح؛ أولاً، لأن نقل موافقة ابن سيرين وحسن البصري ذُكر في سند واحد، وهذا يدل على أن الناقل كان على علم بمعارضة كلا العالمين لمسألة الضبط وقد أشار إلى تغير رأيهما (السجستاني، كتاب المصاحف، 1423هـ: 328-330). ثانيًا، لا يمكن أن تكون أسانيد الروايات دليلاً على خطأ النقول؛ لأن أسماء الرواة موجودة في كلا النقلين، المعارض والموافق، وكما ذُكر في حاشية الكتاب، فإن أسماء الرواة الضعفاء والثقات موجودة في كلا السندين (نفس المصدر: 324-330).
من بين العلماء المتقدمين المعارضين الآخرين الذين ذُكرت أسماؤهم في كتاب أبي عمرو الداني «المحكم في نقط المصاحف»، يمكن الإشارة إلى عبد الله بن مسعود، وقتادة، والإمام مالك – الذي كان في الواقع يعارض ضبط العلامات في المصاحف الأمهات، وليس في المصاحف الأخرى (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 10-11)؛ ومن بين مؤيدي ضبط المصحف، يمكن ذكر ثابت بن معبد، وابن أبي ليلى، والكسائي الكوفي (نفس المصدر: 12-13).
كما توجد أسماء أخرى لمعارضين ومؤيدين لضبط المصحف في عصور لاحقة. على سبيل المثال، يصرح النووي (ت 676هـ) من علماء القرن السابع الهجري بأن العلماء في عصره كانوا يعتبرون نقط المصحف أمرًا مستحبًا؛ لأن هذا العمل يحفظ القرآن من اللحن، بينما كان علماء مثل الشعبي والنخعي يكرهون هذا العمل. وكانوا في ذلك الوقت يعتبرونه مكروهًا خوفًا من احتمال أن يتعرض القرآن للتغيير (النووي، التبيان في آداب حملة القرآن، 1421هـ: 173). ثم يضيف النووي: اليوم، حيث إن القرآن آمن من التغيير، لا مانع من استخدام النقط وإن كان أمرًا جديدًا؛ لأن هذا الأمر من الأمور المستحدثة الحسنة (النووي، التبيان في آداب حملة القرآن، 1421هـ: 173).
إذًا، كان الخوف من تحريف القرآن من أهم أسباب معارضة علماء السلف لنقط المصحف؛ ولكن اليوم، بين العلماء وعلماء القرآن – سواء من الشيعة أو أهل السنة – يعتبر ضبط المصحف أمرًا ضروريًا يسهل قراءة القرآن. وقد أجاز العلامة الشعراني، من بين علماء القرآن الشيعة، إدخال الإعراب والعلامات الأخرى في خط القرآن؛ ولكنه لم يشر إلى التساهل وجواز الحذف أو التغيير في أشكال الإعراب (الكاشاني، منهج الصادقين، 1382ش: 31)؛ ولكن بين العلماء والباحثين المعاصرين من أهل السنة، طُرحت آراء حول التساهل وجواز استخدام علامات ضبط المصحف. وفي هذا الصدد، يمكن الاستشهاد بتقارير مركز طبع ونشر القرآن في جمهورية إيران الإسلامية من أسئلة وجهت إلى باحثين معاصرين من أهل السنة في العالم الإسلامي في مجلة «صحيفة».
من وجهة نظر محمود أمين طنطاوي – رئيس لجنة الإشراف على طباعة المصاحف ونائب شيخ المقارئ في مصر – نظرًا لأن زمن ظهور علم الضبط كان في العصر العباسي وقبله بقليل، فإن علم الضبط في كتابة المصحف ليس توقيفيًا ويمكن أن يكون له أنواع مختلفة (سرابي، تساهل الأساليب المختلفة للضبط في البلدان المختلفة، 1394ش: 36).
محمد إحسان السيد حسن – عضو لجنة الإشراف على طباعة المصاحف في وزارة الأوقاف السورية – يرى أن ضبط المصحف أمر اجتهادي، وأن علماء هذا الفن متفقون على كونه اجتهاديًا. وقد دونوا مؤلفات لتوحيد الضبط لكي لا يكون هناك خلاف بين الدول في هذا الشأن؛ ولكن إذا رأى علماء بلد ما أن تغيير هذه العلامات أفضل، فإن هذا العمل جائز، وهم مأجورون على هذا الاجتهاد، بشرط أن يوضحوا عملهم ويشرحوه للآخرين. بناءً على ذلك، لا مانع من القيام بالعمل المذكور (حذف بعض علامات ضبط المصحف لتسهيل القراءة)، بشرط أن يتم توضيحه وشرحه، وفي رأيي، يُعتبر هذا العمل من التسهيل والتيسير الممدوح والمستحسن (نفس المصدر: 36).
من وجهة نظر محمد أمين ماشالي – عضو لجنة الإشراف على طباعة المصاحف في تركيا، وأستاذ كلية الإلهيات بجامعة مرمرة في إسطنبول – الضبط ليس توقيفيًا، بل هو أمر اصطلاحي، وهذا أمر واضح ومعروف. الأصل في الضبط هو حماية القرآن من القراءة الخاطئة والتغيير والتبديل من جهة، وتسهيل القراءة للقارئين من جهة أخرى. بناءً على ذلك، ليس من الواجب الالتزام والتقيد بما التزم به المتقدمون؛ بل يجب الاعتماد على الطريقة التي تحفظ القارئ من الخطأ في القراءة، بشرط أن يُشار في نهاية المصحف إلى الطريقة المستخدمة في الضبط والعلامات (نفس المصدر: 37).
أحمد خالد يوسف شكري وأحمد محمد مفلح القضاة – أساتذة كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، ونائب رئيس وعضو جمعية المحافظة على القرآن الكريم – يرون أيضًا أن الضبط أمر اجتهادي وُضع أساسًا لتسهيل القراءة. ولهذا السبب، فإن حذف أو إثبات العلامات بأي شكل يسهل القراءة جائز. وبناءً على رأي كثير من العلماء القدامى، فإن وضع علامات على جميع الحروف ليس ضروريًا (نفس المصدر: 38).
وأخيرًا، من وجهة نظر عمر بن أحمد بن إبراهيم بوسعدة – عضو لجنة الإشراف على طباعة المصاحف في وزارة الأوقاف الجزائرية – الضبط ليس توقيفيًا، والهدف منه فقط تجنب الخطأ في حركات الإعراب وتسهيل تلاوة القرآن؛ مثل توالي حركتي تنوين مع تشديد مدغم فيه…، لذلك يمكن حذف أو تغيير العلامات في إعراب القرآن الكريم (نفس المصدر: 38). من هذا المنطلق، يمكن القول إن مواجهة العلماء والمفكرين لضبط المصحف، من القرن الثاني حتى اليوم، اتسمت بنهج متسامح، من المعارضة إلى الموافقة وحتى جواز تغيير وتحسين العلامات لتسهيل قراءة نص القرآن. بالطبع، لم يكن هذا النهج ثابتًا لضبط علامة السكون، وكان له مؤيدون ومعارضون على مر التاريخ.
ثانيًا: موقف العلماء من الالتزام وعدم الالتزام بضبط علامة الساكن
مع ابتكار علامة السكون من قبل الخليل بن أحمد، نشأ خلاف بين علماء الضبط حول الحاجة أو عدم الحاجة إلى علامة السكون. وقد استمر هذا الخلاف حتى العصر الحاضر. يقول أبو عمرو الداني في هذا الصدد: «يعتقد نقّاط العراق أنه لا حاجة في كتابة القرآن إلى علامة السكون والتشديد والمد» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 56)؛ بينما كان نقّاط وكتبة المدينة وأهل المغرب في نفس الفترة ملزمين بضبط علامة السكون (انظر: نفس المصدر: 51-56). لذلك، كان هناك خلاف بين الكتبة والعلماء القدامى حول ضبط وعدم ضبط السكون.
وفي العصر المعاصر، توجد خلافات مماثلة. فيما يتعلق بموقف علماء العصر الحاضر، تجدر الإضافة أنه على الرغم من أن جمهور العلماء يرون أن ضبط علامة السكون لا يسبب أي خلل في نص القرآن وضبطه لا إشكال فيه، إلا أنه من ناحية أخرى لا توجد ضرورة لضبطه. في الواقع، يوجد تسامح بين العلماء المعاصرين في ضبط وعدم ضبط علامة السكون. ومن بين هؤلاء العلماء محمود أمين طنطاوي، الذي يقول في هذا الصدد: «في الماضي، اختلف علماء الضبط في وضع علامة السكون على الحرف الساكن، حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى علامة لتمييزه أم يمكن الاكتفاء بالتذكير اللفظي أو بيان الحرف كساكن (ولا حاجة لعلامة)، وهو ما سماه علماء الضبط السبب المعنوي. على مر تاريخ القراءة، اعتبر البعض ضبط علامة السكون ضروريًا والبعض الآخر غير ضروري. وفي هذا الخصوص، كلا الأمرين جائز ولا يوجد أي مانع من عدم وضع علامة السكون، كما كتب العلماء الكبار، ومن المعروف أن المصحف – في البداية – كان خاليًا من الشكل والنقط، وبعد ذلك قام أبو الأسود الدؤلي وغيره بهذا الأمر» (سرابي، تساهل الأساليب المختلفة للضبط في البلدان المختلفة، 1394ش: 36).
أحمد خالد يوسف شكري وأحمد محمد مفلح القضاة أيضًا اعتبروا الضبط أمرًا اجتهاديًا وُضع أساسًا لتسهيل القراءة. لذلك، فإن حذف أو إثبات العلامات بأي شكل يسهل القراءة جائز. ثم يعتبر شكري ومفلح أن حذف علامات الحركات الممدودة وحذف السكون ما دام يسهل القراءة، لا إشكال فيه (نفس المصدر: 36).
في هذا السياق، يميل البعض، على الرغم من اتخاذهم نهجًا تفاعليًا مع جمهور العلماء في موضوع ضبط وعدم ضبط علامة السكون، إلى عدم ضبط هذه العلامة أكثر. يقول يوسف خليفة، استنادًا إلى دراسة إحصائية أجراها خليل محمود عساكر – أستاذ جامعة القاهرة والمتخصص في علوم الكتابة -: «إذا كتبنا كل الحركات – والسكون جزء منها – على الحروف، تصبح القراءة صعبة على الإنسان. إذا حذفنا الحركات القصيرة قبل حروف المد، وكذلك سكون الحروف الصامتة، يمكننا تقليل عدد الحركات بنسبة 35٪. يمكن اختيار مئة كلمة من أي نص وتطبيق هذه القاعدة عليها. وفي هذه الحالة، سيُلاحظ أن أكثر من 30٪ من هذه الحركات – التي لا فائدة منها – قابلة للحذف، خاصة السكون. يقول النحاة عن السكون إنه علامة عدمية؛ فلماذا نضع علامة للعدم؟ لذلك، فإن أي نوع من التبسيط – في حال عدم حدوث خطأ – مطلوب. لهذا السبب، أؤيد فكرة حذف علامة السكون – خاصة للمبتدئين» (نفس المصدر: 37).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النهج الأخير ليس مجرد رأي، بل يُطبق حاليًا في المصحف الذي تم تحقيقه وطبعه في مركز طبع ونشر القرآن بجمهورية إيران الإسلامية، حيث يُكتب بدون علامة سكون.
ثالثًا: موضع علامة السكون والحرف الذي يليه
على الرغم من أن موضع هذه العلامة كان باتفاق آراء العلماء على الحرف الساكن منذ ابتكار علامة السكون حتى الآن، إلا أنه اليوم، مع افتراض منهجين، الالتزام والتساهل، يوجد رأيان حول موضع ضبط علامة السكون في المصاحف: الرأي الأول: توضع علامة السكون على كل حرف ساكن، سواء كان الحرف مظهرًا أو مدغمًا أو مخفى (علامي وخراساني، آشنایی با ضبط المصحف، 1389ش: 49). من البديهي أنه في هذا النهج لا توجد قاعدة خاصة في ضبط الحرف الذي يلي السكون. هذا الأسلوب والنظرية، على الرغم من أنه كان أكثر شيوعًا في كتابة المصاحف في العصور الماضية، إلا أنه لم يحظ باهتمام كبير في العصر المعاصر.
الرأي الثاني: توضع علامة السكون على الحروف المظهرة فقط، مثل: (فَاصْبِرْ)، (أَفْرِغْ)، (نَشْرَحْ)؛ وذلك لأنها علامة على ظهور صوت الحرف عند نطقه. أما إذا كان الحرف الساكن مدغمًا، مثل: (قَد تَّبَيَّنَ)، أو من حروف الإخفاء، مثل: (وَ مَن يَعْتَصِم بالله)، فيكون خاليًا من السكون (أبو زيتحار، السبيل إلى ضبط كلمات، 1430هـ: 47).
وفقًا لهذا الرأي، إذا كان الحرف الساكن مظهرًا أو من حروف الإخفاء، فإن الحرف الذي يليه يُكتب بدون تشديد وبحركته فقط، للإشارة إلى عدم إدغامهما، مثل: (أَفْرِغْ عَلَيْنَا)، (يَعْتَصِم بالله)؛ أما إذا كان الحرف الساكن يُدغم إدغامًا كاملاً أو إدغام متقاربين في الحرف الذي يليه، فإن الحرف الذي يليه يُكتب بحركته مع التشديد، مثل: (وَاذْكُر رَّبَّكَ)، (أَحَطتُ)، (بَسْطَةً)، (فَرَّطتُمْ) (علامي وخراساني، آشنایی با ضبط المصحف، 1389ش: 49). عمومًا، في مصاحف العصر الحاضر وكذلك في بعض المصاحف القديمة، تم العمل بهذه النظرية عند كتابة السكون.
من بين الرأيين المذكورين، يتميز الرأي الثاني، مقارنة بالرأي الأول، بقاعدة وأسلوب خاص يميزه عن الرأي الأول، كما أنه باتباع هذا الأسلوب، تبتعد الكلمات عن الازدحام والكثافة التي تسبب صعوبة في القراءة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يساعد استخدام الأسلوب المذكور القراء بشكل كبير في تحديد مواضع الإخفاء والإظهار للحروف، مما يؤدي إلى قراءة أكثر صحة وفصاحة للقرآن.
أسلوب كتابة علامة السكون
توجد خلافات حول مصدر اشتقاق علامة السكون. يمكن تقسيم نطاق الخلاف في وضع علامة السكون إلى فئتين: في الفئة الأولى، يعود الخلاف إلى المصدر الذي أُخذ منه شكل علامة السكون، وفي الفئة الثانية، ترتبط هذه الخلافات بالظروف المكانية، حيث ابتكر علماء منطقة ما علامة مختلفة عن المناطق الأخرى. فيما يلي، سيتم تناول كلا الخلافين بشكل مجمع.
من خلال دراسة ومراجعة المصادر، يمكن تقسيم شكل علامة السكون ومصدرها إلى أربعة أقسام:
الشكل الأول
هذا النوع من الشكل مقتبس ومرسوم من حرف «ح» أو «ج» أو «خ». في مقام التوضيح، يجب إضافة أنه توجد خلافات حول المعنى الذي أُخذت منه هذه العلامة الشبيهة بالهلال من أول أي كلمة وبأي معنى. يرى أبو داود في شرح أخذ علامة السكون من رأس حرف «ج» أنها مأخوذة من كلمة «جزم» (أبو داود، أصول الضبط، 1427هـ: 45) التي تعني القطع والفصل؛ لأن في حالة السكون، ينفصل الحرف عن الحركة (علامي وخراساني، آشنایی با ضبط المصحف، 1389ش: 48). وقد نسب البعض رأي الخليل بن أحمد وفقًا للتوضيح المذكور (انظر: محيسن، إرشاد الطالبين، 1409هـ: 16).
ويعتقد البعض أن هذا الشكل مقتبس من حرف «ح» وأنه مأخوذ من كلمة «استرح» بمعنى الاستراحة؛ لأن نطق الحرف الساكن أسهل من ثقل نطق الحرف المتحرك (أبو زيتحار، السبيل إلى ضبط كلمات، 1430هـ: 24).
كما أن هناك من أخذها من أول كلمة «خفيف» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 52)؛ لأن الحرف الساكن في النطق أخف وأسهل من الحرف المتحرك (أبو زيتحار، السبيل إلى ضبط كلمات، 1430هـ: 24). على أي حال، بغض النظر عن أصل اقتباس هذا الشكل، يجب الإشارة إلى أنه في عصور مختلفة، تغير شكل هذه العلامة عند الضبط، وأحيانًا تحول إلى شكل نصف دائرة، هلال، وأحيانًا إلى شكل العدد 8 المائل (انظر: شكري، علامات الضبط في المصاحف، 1436هـ: 1536).
وقد طرح كمال بشر، اللغوي العربي، احتمالاً آخر وهو أخذ علامة السكون من حرف «د». ويقول في شرح هذا الاحتمال: «دليل ذلك هو أن أي شخص يرى هذه العلامة – دون أن يعرف أصلها – يظن أنها تشبه حرف الدال» (بشر، دراسات في علم اللغة، 1998م: 142). ويضيف أنه لا يستبعد صحة هذه النظرية، ويشير مجددًا إلى أن رأس حرف «خ» بدون نقطة يشبه إلى حد كبير حرف «د»، ومن ناحية أخرى، فإن تشابه علامة السكون مع حرف الدال يمكن ملاحظته في العديد من المصاحف (نفس المصدر). على الرغم من أن رأي كمال بشر له قرائن في المصاحف القديمة، إلا أنه لا يوجد نص قديم يؤيد هذا الرأي. ولكن يمكن طرح رأي آخر يستند إلى رأي كمال بشر والعلماء المتقدمين، وهو أن شكل علامة السكون أُخذ في البداية من أحد الحروف «ح»، «خ»، أو «ج»، ثم تحول مع مرور الزمن بسبب تشابه هذه العلامة مع حرف «د» إلى شكل «د» عند الكتابة. ولهذا السبب، سُجلت علامة السكون في بعض المصاحف على شكل حرف «د» أو شيء يشبه العدد 8. لازم بذکر است، در نگارش مصاحف، معمولاً سکون به همین شکل آمده است.
الشكل الثاني
في هذا النوع، يُرسم الشكل على هيئة دائرة. يقول أبو داود في هذا الصدد: «أهل المدينة يضعون علامة السكون على شكل دائرة فوق الحرف، مثل علامة الصفر في علم الحساب والرياضيات، التي توضع على شكل دائرة صغيرة ومفرغة» (أبو داود، أصول الضبط، 1427هـ: 46). وجه التشابه بين عدد الصفر وهذا النوع من شكل السكون هو الخلو. فكما أن الصفر في علم الرياضيات هو علامة على الخلو من العدد، فإن شكل السكون هو أيضًا علامة على خلو الحرف من الحركة. بناءً على نقل أبي داود، كان مبتكر هذا النوع من ضبط السكون شخصًا يدعى «لمعان جَمَّة»، وهو أول من استخدم هذه العلامة بدلاً من علامتي السكون والتشديد (نفس المصدر). وقد شاع الشكل المذكور بين أهل المدينة وكذلك بين المغاربة تقليدًا لأهل المدينة (انظر: التنسي، الطراز، 1420هـ: 45). لا توجد معلومات دقيقة حول تاريخ بداية استخدام الشكل المذكور بين أهل المدينة؛ ولكن ما يمكن الاستناد إليه من المصادر التاريخية هو أن هذا النوع من الشكل كان شائعًا في القرن الثاني بين أهل المدينة، ويبدو أنه استمر حتى زمن أبي عمرو الداني في القرن الخامس. والاستناد التاريخي في هذا الصدد يعود إلى نقل الداني. فقد تناول أولاً الأسلوب الشائع لضبط علامة السكون في عصره وبين أهل المدينة، ثم ذكر قولاً عن قالون، الذي عاش من القرن الثاني إلى بداية القرن الثالث، في هذا الشأن.
يقول: «أهل المدينة يستخدمون دائرة صغيرة كعلامة للسكون فوق الحرف. كما يضعون هذه الدائرة على الحرف المخفف الذي يكون فيه خلاف في تشديده أو تخفيفه، وكذلك على الحرف المخفف الذي يخشون أن يشدده من لا علم له، ليبينوا أنه غير مشدد. روى أحمد بن محفوظ عن محمد بن أحمد عن عبد الله بن عيسى وعن قالون أن في مصاحف أهل المدينة، يوضع دائرة حمراء على كل حرف غير مشدد، وإذا كان الحرف ساكنًا، يضعون عليه أيضًا دائرة حمراء» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 51). ومما يؤيد قول الداني حول استمرارية أسلوب ضبط علامة السكون حتى القرن الخامس، النتائج التي توصلت إليها هند شلبي من دراسة نسخ مدنية تعود إلى القرن الخامس، حيث ترى أن السكون في بعض المصاحف (حتى منتصف القرن الخامس) يُرى على شكل دائرة، بينما في بعضها الآخر يُرى على شكل جرة (خط ممدود) رفيعة. وبناءً على رأي شلبي، فإن الأول هو أسلوب أهل المدينة، والثاني هو أسلوب أهل الأندلس (شلبي، القراءات بإفريقية، 1983م: 92). هذا النوع من ضبط السكون مشهور جدًا، وبسبب التمايز الواضح الذي يتمتع به عن سائر علامات الضبط، فقد كان فعالاً وشائعًا جدًا في مختلف القرون، ولا يزال يُستخدم حتى الآن في بعض المصاحف المتأخرة والمعاصرة.
الشكل الثالث
الشكل الثالث هو على هيئة فتحة ممدودة (-). علامة أخرى كانت تستخدم للسكون، وكانت شائعة في المغرب في زمن الداني (القرن الخامس الهجري)، هي أن توضع فتحة فوق الحرف الساكن كعلامة للسكون. يقول في هذا الصدد: «جميع أهل الحضر والبادية عندنا، قديمًا وحديثًا، يضعون علامة الجر فوق الحرف الساكن كعلامة للسكون» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 51). ثم يشير إلى أن أدباء مثل سيبويه وعامة أتباعه كانوا يضعون «خاء» كعلامة للسكون، ويضيف حول أصل ومنشأ هذه العلامة أن ضابطي بلاده (الأندلس) كانوا يأخذون رأس الخاء في الاعتبار، مع فارق أنهم اختصروها بحذف رأسها وأبقوا على امتدادها، فأصبحت على شكل امتداد كالألف المائلة، وهذا بسبب كثرة الاستعمال والتكرار لهذه العلامة (نفس المصدر). يتضح من كلام الداني أنه سعى للجمع بين عمل ضابطي الماضي وزمنه. ومن جهة أخرى، فإن كلامه هو تقرير عن كيفية ضبط القرآن في القرن الخامس وبين المغاربة. والنقطة الأخرى التي يمكن استنباطها من كلام الداني هي أنه يبدو أن هذه العلامة كانت شائعة في البداية للسكون في زمن كان يُستخدم فيه نقط أبي الأسود للضبط، وليس شكل الخليل؛ لأنه في شكل الخليل، كانت هذه العلامة تختلط بالفتحة (الدولتي وآخرون، دراسة علمية-تطبيقية لرسم المصحف وضبطه، 1387ش: 119). الجملة المشهورة «الفتح أقرب الحركات إلى السكون» توضح سبب استخدام علامة الفتحة لعلامة السكون (ابن هشام، أوضح المسالك، د.ت: 1/63). في هذه الحالة، تؤدى علامة السكون كعلامة ليست من الحركات الأصلية بجانب الفتحة والضمة والكسرة، بل عند النطق تشبه حالة الفتحة. على أي حال، كان هذا الشكل يُستخدم في المصاحف معاصرًا لعصر الداني إلى جانب الأشكال المدونة للخليل؛ ولكن لا توجد اليوم مصاحف استُخدم فيها هذا الشكل. مع الأخذ في الاعتبار قول الداني، يمكن رؤية ودراسة الشكل المذكور كما هو موضح في الجدول التالي.
هذه العلامة نُسخت تدريجيًا ومع شيوع شكل الخليل، واليوم تُستخدم فقط كاستثناء في كلمة «بِأَييْدٍ» (الذاريات/47) في بعض المصاحف على قراءة نافع التي تُضبط بطريقة المغاربة. في هذه الكلمة، تُستخدم علامة الفتحة على حرف الياء الثاني كعلامة على عدم قراءة الياء الثانية، حيث تُستخدم استثناءً بدلاً من علامة السكون. بعبارة أخرى، يُستخدم (جرة) على الياء الأولى.
الشكل الرابع
الشكل الأخير المرسوم مقتبس من حرف «هـ». هذا النوع من علامة السكون يوضع على نوع خاص من المواضع الساكنة. وتوضيح ذلك أن بعض نقّاط المدينة والنحويين كانوا يعتبرون هذا الشكل من السكون مأخوذًا من الهاء المشقوقة (علامي وخراساني، آشنایی با ضبط المصحف، 1389ش: 51). وفي المصاحف، استُخدمت هذه العلامة على شكل (هـ) أو (ه). يقول الداني في هذا الصدد: «بعض أدباء العرب وضعوا علامة «هـ» لها (علامة السكون)؛ لأن حرف «هـ» يُستخدم في مواضع الوقف التي يجب فيها تسكين حرف الهاء المتحرك، مثل كلمات: «كتابيه»، «حسابيه»، «ماليه» وما شابهها» (الداني، المحكم في نقط المصاحف، 1407هـ: 52). وبناءً على كلام الداني، يجب القول: عند الوقف، تُوقف معظم الكلمات بالسكون. ومن ناحية أخرى، عند الوقف على بعض الكلمات، يُضاف إليها حرف «هاء»، وهي هاء السكت، وهي إحدى هذه الحالات. لذلك، يمكن إضافة أمثلة الداني كلمات «بِمَ»، «لِمَ»، و«عَمَّ» في سائر القراءات، التي تُقرأ عند الوقف «بِمَهْ»، «لِمَهْ»، «عَمَّهْ». وقد قرأها ابن كثير، يعقوب، البزي، ورويس (الراوي الأول لقراءة يعقوب) هكذا عند الوقف (انظر: عمر ومكرم، معجم القراءات القرآنية، 1412هـ: 8/137)؛ على الرغم من أنه ليس من المستبعد أن تكون «هـ» هي نفسها الدائرة – التي تم توضيحها في الشكل الثاني – (الدولتي وآخرون، دراسة علمية-تطبيقية لرسم المصحف وضبطه، 1387ش: 120)؛ ولكن هذا الشكل استُخدم بشكل منفصل في بعض المصاحف القديمة.
وتجدر الإضافة أنه اليوم، بدلاً من استخدام هذا الشكل، يُستخدم حرف «س» كعلامة لـ«هاء السكت» (إسماعيل، رسم المصحف وضبطه، 1433هـ: 99). في الختام، يجب التنويه بأن الأشكال المذكورة تعرضت أحيانًا لتغييرات طفيفة في عصور مختلفة، وحتى في بعض المصاحف استُخدمت بشكل مركب (انظر: شكري، علامات الضبط في المصاحف، 1436هـ: 1533)؛ ولكن يجب الانتباه إلى أن التراكيب التي حدثت في بعض المصاحف كانت جميعها ذات قاعدة. ويمكن رؤية نهج التقنين في الضبط المركب لعلامات السكون في الجدول رقم (2) – حيث لم توضع علامة لحرف «ن» الساكن الذي يُخفى أو يُدغم أو يُقلب، ووُضعت علامة لحرف «ن» الساكن الذي يُظهر.
الخاتمة
كان الخليل بن أحمد الفراهيدي أول من ابتدع علامة السكون، ولم تكن هذه العلامة معروفة قبله. أدى كون ضبط العلامات اجتهاديًا إلى ظهور تيارين من المفكرين، مدافع ومعارض، على مر التاريخ، حول الالتزام أو عدم الالتزام بضبط القرآن الكريم، وخاصة ضبط علامة السكون. اليوم، تحول تيار المعارضة إلى تيار التساهل.
كان إفساد الخط وعدم قراءته من أهم أدلة تيار المعارضين لعدم الالتزام بضبط القرآن الكريم. من ناحية أخرى، يرى البعض أن وجود علامة السكون يسبب ازدحام النص وبالتالي صعوبة في قراءته، وفي هذه الحالة، فإن حذف هذه العلامة يسهل القراءة.
إن رؤية تيار المعارضين لضبط العلامات تُعتبر رؤية متطرفة؛ لأن ضبط المصحف في كل الأحوال أمر ضروري لقراءة القرآن بشكل صحيح؛ ولكن هذا الرأي، مقارنة بضبط علامة السكون، ليس متطرفًا فحسب، بل يمنع بطريقة ما ازدحام نص القرآن الكريم ويسهل قراءة النص.
من خلال دراسة أربعة أنواع من ضبط السكون في عصور وأماكن مختلفة، اتضح أن علامة السكون لم يكن لها شكل ثابت على مر التاريخ؛ كما أن هذه العلامة لم تكن لها قاعدة في بداية ابتكارها، ولكنها أصبحت مقننة مع مرور الزمن؛ وقد تشكل هذا التقنين بناءً على القراءة وعلم التجويد، والذي تم وفقًا لرؤية تيار التساهل في ضبط السكون.
إن الأسبقية والترتيب الزمني لابتكار واستعمال علامة السكون في قطبي المشارقة والمغاربة يدل على أنه بين المشارقة، استُخدمت في كتابة علامة السكون أولاً علامة الجرة، ثم الدائرة، وفي النهاية الشكل الهلالي. وبين المغاربة، استُخدمت علامة الجرة حتى القرن الخامس، وبعد ذلك وحتى اليوم، استُخدمت الدائرة لضبط هذه العلامة. وفي بعض الأحيان، استُخدمت علامتان أو أكثر في نفس الوقت وفي منطقة واحدة، مما يدل على تلاقح الأفكار في تحقيق التساهل في قراءة نص القرآن الكريم.
الهوامش
1. تاريخ الاستلام: 19 مارس 2021، تاريخ القبول: 29 مايو 2021.
2. علي رضا سبحاني، طالب دكتوراه في فرع الإلهيات، تخصص علوم القرآن والحديث، قسم المعارف الإسلامية، فرع كاشان، جامعة آزاد الإسلامية، كاشان، إيران. البريد الإلكتروني: arsobhani97@gmail.com.
3. محمد ناصحي، أستاذ مساعد في قسم المعارف الإسلامية، فرع كاشان، جامعة آزاد الإسلامية، كاشان، إيران (المؤلف المسؤول). البريد الإلكتروني: Dr.mnasehi@gmail.com.
4. حسين خوشدل مفرد، أستاذ مساعد في قسم المعارف الإسلامية، فرع كاشان، جامعة آزاد الإسلامية، كاشان، إيران. البريد الإلكتروني: Khoshdel75@gmail.com.