تحليل كمّيّة تلاوة القرآن في الروايات الإسلامية مع التركيز على آراء قائد الثورة المعظم

الملخص

القرآن الكريم هو آخر نسخة من هداية البشر والكتاب السماوي الوحيد المحفوظ من التحريف، وهو يهدي الإنسان إلى أقوم السبل. ومن البديهي أن الاهتداء بهذه الهدية الإلهية لا يتيسر إلا في ظل الأنس المستمر والدائم بها. والخطوة الأولى للأنس بالقرآن هي تلاوته. ومن هذا المنطلق، قدّم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت الأطهار (عليهم السلام) توصيات كثيرة في هذا المجال. وفيما يتعلق بقراءة القرآن، هناك مسائل متنوعة قابلة للبحث، منها مسألة مقدار القراءة أو بعبارة أخرى كمّيّة تلاوة القرآن. ونظراً إلى أن قراءة القرآن من الواجبات الأساسية لكل مؤمن بهذا الكتاب الباعث على الحياة، فإن مسألة مقدار قراءة القرآن تحظى بأهمية بالغة وتشكل هاجساً لدى جميع الأفراد لمعرفة المقدار الذي ينبغي قراءته يومياً. وقد أُعدّ هذا المقال بالمنهج الوصفي-التحليلي وبالبحث في المصادر الحديثية للفريقين، كما تم استخراج وتوثيق رؤية قائد الثورة المعظم في هذا المجال بالرجوع إلى موقعه الإعلامي. وتشير نتائج البحث الحالي إلى أنه بناءً على رؤية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الكرام (عليهم السلام)، فإن القراءة اليومية والمستمرة للقرآن بقدر الاستطاعة والفرصة من واجبات كل مسلم. وبالطبع، فإن كيفية قراءة القرآن أهم من كميتها. والمقصود بالكيفية هو الأداء الصحيح لكلمات القرآن ومراعاة المواضع المناسبة للوقف والابتداء، والأهم من ذلك هو التدبر في معاني القرآن. كما أن هناك مسائل أخرى تؤثر في كمية تلاوة القرآن، منها زمان ومكان التلاوة. ويوضح هذا المقال أيضاً أن بيانات قائد الثورة المعظم في هذه الموضوعات لها سند روائي.

المقدمة

يهدي القرآن الكريم البشرية إلى أقوم السبل. ومن الواضح أنه لكي يستفيد الإنسان من هذه الهداية، يجب أن يأنس بهذه النسخة السماوية. من هنا، وردت توصيات كثيرة لقراءة القرآن، سواء في آيات القرآن الكريم أو في أقوال وسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام). إن المسألة الأساسية في هذا المقال هي دراسة مقدار التلاوة اليومية للقرآن من منظور الروايات. وفي هذا المقال، بعد تحليل مدلول الأحاديث الواردة في هذا المجال، يتم استكشاف رؤية قائد الثورة المعظم في هذا الصدد.

خلفية البحث ومصادره

لمسألة مقدار قراءة القرآن جذور قرآنية وحديثية. فبالنظر إلى آيات القرآن التي تؤكد على تلاوة هذا الكتاب الصانع للإنسان، وخاصة آية «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» والأهم منها «فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ»، وكلاهما في سورة المزمل المباركة، قد بيّن مفسرو القرآن على مر التاريخ بحوثاً متفاوتة حول مقدار قراءة القرآن، وجزء من هذه المطالب ينسجم مع المسألة المطروحة في هذا المقال. ومن جهة أخرى، هناك أحاديث متعددة في مصادر الفريقين تدل بصراحة أو ضمناً على مسألة كمية تلاوة القرآن. في المجامع الحديثية المتعددة، يمكن مشاهدة كتب بعناوين “فضل القرآن” أو “فضائل القرآن”، منها الكتاب القيم “أصول الكافي” الذي يعد جزء منه بعنوان “كتاب فضل القرآن” ذا أهمية بالغة. فيما بعد، أُلّفت كتب مستقلة بعنوان “فضائل القرآن”، والتي غلبت عليها الصبغة الروائية. يمكن ذكر ثلاثة آثار بهذا العنوان من “أبي عبيد القاسم بن سلام”، و”ابن ضريس البجلي”، و”جعفر بن محمد البجلي” – وكلهم ينتمون إلى القرن الثالث الهجري. في مثل هذه الكتب الروائية بشكل خاص وفي سائر كتب الحديث بشكل عام، يمكن مشاهدة روايات تتوافق مع هذا المقال. في العصر الحاضر، أُلّفت كتب متعددة في باب أحكام وآداب تلاوة القرآن من قبل مؤلفين مختلفين، وهناك بحوث قليلة في هذه الكتب ترتبط بطريقة ما بهذا المقال، وبالطبع من الواضح أن هناك اختلافات كبيرة بين هذه الآثار وهذا المقال من حيث مسألة البحث والمنهج والنتيجة. هناك كتاب بعنوان “برنامج تلاوت روزانه قرآن” (برنامج التلاوة اليومية للقرآن) من تأليف محمد علي كريمي نيا، والذي يقدم فيه مجرد برنامج مدته أربعة أشهر تقريباً لختم القرآن. ورغم أن أربعين حديثاً في مجال تلاوة القرآن قد أُلحقت بهذا الكتاب، إلا أن هذه الروايات ليس لها أي تصنيف أو تحليل. لذلك، يبدو أنه لا يوجد كتاب أو مقال خاص يتناول مسألة كمية تلاوة القرآن بالتحليل والدراسة.

دراسة المفهوم

إن المقدمة الضرورية لأي بحث هي المعرفة الدقيقة والفهم العميق للمصطلحات الأساسية لذلك البحث. لذا، من الضروري قبل الدخول في صلب الموضوع أن يتم بحث كلمة “حفظ” وتوضيح معناها اللغوي والاصطلاحي.

الكمّيّة

“الكمية” هي من الكلمات شائعة الاستخدام اليوم، وهي في الواقع مصدر جعلي من أداة الاستفهام “كم”. تستخدم “كم” للسؤال عن العدد، وأحياناً تأتي بصيغة خبرية بمعنى “رُبَّ” (الفراهيدي، العين: 1410هـ، 5/286؛ الراغب، 1412هـ: 726؛ ابن منظور، 1414هـ: 12/528). يقال إن “كم” الاستفهامية هي في الأصل تركيب من كاف التشبيه و”ما” الاستفهامية التي حُذفت ألفها. (الفراهيدي، العين، 1410هـ، 5/286؛ ابن منظور، 1414هـ: 12/528). إذا استُخدمت هذه الكلمة كاسم تام، تُشدّد ميمها، مثل: “أكثرت من الكمّ”، وفي هذه الحالة يكون معناها “الكمية” أي المقدار. (الجوهري، 1410هـ: 5/2025). المعادل الفارسي لها هو “اندازه، مقدار وچندی”. تستخدم كلمة “كمية” في الغالب في مقابل “الكيفية”. للتعبير عما هو قابل للعد (ذو حجم)، تستخدم الكمية، ولما هو غير قابل للعد (لا حجم له)، تستخدم الكيفية. لهذا السبب، عبر عنها بعض علماء اللغة الفرس بـ”اندازه ومقدار”. (فرهنگ فارسی معين، ذيل واژه). في هذا البحث، المقصود بـ”الكمية” هو نفس المقدار والحجم وميزان التلاوة.

التلاوة

التلاوة من جذر “ت ل و”، وفي اللغة تعني المتابعة. (الفراهيدي، العين، 1410هـ، 8/134؛ الراغب، 1412هـ: 167؛ ابن فارس، 1404هـ: 1/351). تكون المتابعة أحياناً جسدية، وأحياناً باتباع المواعظ والحكم، وأحياناً بالقراءة والتدبر في المعنى؛ وبالطبع في الحالتين الأوليين يكون مصدرها “تُلُوّ” و”تِلْو”، وفي الحالة الثالثة “تلاوة”. وقد اعتبر المفسرون أيضاً التلاوة بمعنى القراءة ومأخوذة من المعنى الأصلي لها (التتابع). من ذلك ما كتبه الشيخ الطوسي (الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، د.ت: 1/199) والمرحوم الطبرسي (الطبرسي، مجمع البيان، 1373ش: 1/191) والعلامة الطباطبائي (الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، 1390هـ: 5/295)، حيث يقولون إن القراءة تسمى تلاوة لأن الحروف تتبع بعضها بعضاً. ويُقال إن القراءة سُميت بذلك لأن الحروف تجتمع في مكان واحد (الأصل اللغوي لـ “ق-ر-ء” هو الجمع). بالطبع، تم بيان معنى أسمى وأعمق للتلاوة، وهو عبارة عن قراءة يتبعها العمل والاتباع للآيات. هذا المعنى خارج عن موضوع المقال، والمقصود بالتلاوة في هذا المقال هو القراءة نفسها. أما المفردات الأساسية الأخرى في هذا المقال مثل القرآن والروايات، فهي واضحة وتم بحثها بشكل مستفيض، لذا لا حاجة لبحثها في هذا المجال.

تحليل الروايات المتعلقة بكمّيّة تلاوة القرآن

مقدار التلاوة اليومية للقرآن

وردت روايات كثيرة في مصادر الفريقين في مجال مقدار تلاوة القرآن. قال الإمام الصادق (عليه السلام): “القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده، وأن يقرأ منه في كل يوم خمسين آية”. (الكليني، الكافي، 1365ش: 2/609). من الروايات الأخرى الأكثر ارتباطاً بهذا الموضوع، رواية ينقلها سعد بن طريف عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) وهو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: “من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ خمسين آية كتب من الذاكرين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب من الفائزين، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من المجتهدين، ومن قرأ ألف آية كتب له قنطار من تبر، القنطار خمسة عشر ألف مثقال من ذهب، والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً، أصغرها مثل جبل أحد، وأكبرها ما بين السماء والأرض”. (الكليني، 1365ش: 2/612؛ الحر العاملي، 1367ش: 6/201؛ الفيض الكاشاني، 1406هـ: 9/1728؛ ابن أبي جمهور، 1405هـ: 4/23). وقد نُقل هذا الحديث في مصادر كثيرة، وفي بعضها ورد بدل خمسة عشر ألف مثقال، خمسة آلاف (الكفعمي، 1405هـ: 1/453؛ الصدوق، 1403هـ: 147)، وفي بعضها خمسون ألفاً (الصدوق، 1376ش: 59؛ المجلسي، 1403هـ: 89/196؛ الشعيري، د.ت: ) وفي بعض المصادر خمسمائة ألف (الصدوق، 1406هـ: 103؛ الديلمي، 1408هـ: 368). النقطة الجديرة بالتأمل في هذه الروايات هي الاختلاف في العدد المذكور في ذيل الرواية. قد يكون هذا الاختلاف بسبب التفاوت في مقدار القنطار. بعبارة أخرى، القنطار مصطلح يدل على مقادير مختلفة. بالطبع، إثبات هذا الأمر بشكل قطعي يستلزم دراسة دقيقة لهذه المسألة بالرجوع إلى كتب اللغة والحديث. وهناك احتمال أن يكون الحديث قد صدر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عدة مرات بمقادير مختلفة. ورغم أن هذا الاحتمال يبدو بعيداً نظراً للتطابق شبه الكامل في بقية ألفاظ الحديث. الاحتمال الثالث هو السهو أو التصحيف من قبل الرواة وكتّاب الأحاديث. على أي حال، فإن إبداء رأي قاطع في هذا المجال يتطلب مزيداً من التأمل. وقد نقل الديلمي أيضاً هذه الرواية، ولكن في صدرها أضاف جملة: “ليس شيء أشد على الشيطان من القراءة في المصحف نظراً، المصحف في البيت يطرد الشيطان”. (الديلمي، 1408هـ: 368)، ثم ذكر المضمون المذكور. ويحتمل أن يكونا حديثين منفصلين، وأن مؤلف الكتاب ذكرهما معاً لتناسبهما المضموني. هناك رواية أخرى تشبه هذه الرواية إلى حد ما، وهي ما نُقل عن طريق أنس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية لم يحاجه القرآن”. (الصدوق، 1403هـ: 410؛ المجلسي، 1403هـ: 89/199؛ الحر العاملي، 1367ش: 6/190). كما نقل المحدث النوري رواية عن ابن أبي جمهور أن أنساً روى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: “من قرأ في يومه وليلته خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ خمسمائة آية كتب له قنطار من الأجر”. (النوري، 1408هـ: 4/262). وفي “إرشاد القلوب” للديلمي، نُقلت رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): “من قرأ سبعين آية بالليل لم يكتب من الغافلين”. (الديلمي، 1412هـ: 95). ويُحتمل أن يكون المقصود من هذه الرواية قراءة هذا العدد من الآيات في صلاة الليل، لأن مؤلف الكتاب ذكر عنوان الباب “في فضل صلاة الليل”. وقد نُقلت روايات قريبة من هذا المضمون في مصادر أهل السنة. روى ابن أبي شيبة في كتابه “المصنف” عن أبي الدرداء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من قرأ مائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ من خمسمائة آية إلى ألف آية أصبح له قنطار من الأجر، والقيراط مثل التل العظيم”. (ابن أبي شيبة، المصنف، 1409هـ: 6/134؛ البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/401). في هذه الروايات، ورد تعبيران: “قنطار” و”قيراط”. ولكن لم يُصرح ما هي النسبة بين هاتين الكلمتين. فهل كلاهما يعبران عن شيء واحد، أي هل النسبة بينهما متساوية، أم أن أحدهما أكبر من الآخر؟ ويوجد احتمال أيضاً أن تكون جملة ما قد سقطت من الحديث، وهي الحلقة المفقودة التي تبين النسبة بين القنطار والقيراط. وفي نفس الكتاب، توجد عدة روايات أخرى مرسلة أو مقطوعة، صرفنا النظر عن بحثها ودراستها. (انظر: ابن أبي شيبة، المصنف، نفس الموضع). روى الطبراني عن أبي أمامة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب له قنوت ليلة، ومن قرأ مائتي آية كتب من القانتين، ومن قرأ أربعمائة آية كتب من العابدين، ومن قرأ خمسمائة آية كتب من الحافظين، ومن قرأ ستمائة آية كتب من الخاشعين، ومن قرأ ثمانمائة آية كتب من المخبتين، ومن قرأ ألف آية أصبح له قنطار، والقنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية خير مما بين السماء والأرض، ومن قرأ ألفي آية كان من الموجبين”. (الطبراني، مسند الشاميين، 1409هـ: 2/44؛ وأيضاً، المعجم الكبير، د.ت: 8/180؛ انظر أيضاً: الدارمي، سنن الدارمي، 1421هـ: 4/2140؛ البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/401). حديث آخر يرويه إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: “من قرأ في صلاته بالليل مائة آية، كتب الله له بها قيام ليلة، ومن قرأ في غير صلاة مائتي آية لم يحاجه القرآن يوم القيامة، ومن قرأ في يوم وليلة خمسمائة آية من القرآن في صلاة، كتب الله له في اللوح المحفوظ قنطاراً من حسنات، والقنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية أعظم من جبل أحد”. (الكليني، 1365ش: 2/622).

التأكيد على تلاوة مئة آية

روى بريد بن معاوية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: “إن الصاعقة لا تصيب ذاكراً”. قال الراوي: “قلت: ومن الذاكر؟ قال: من قرأ مائة آية”. (الكليني، 1365ش: 2/500). وردت هذه الرواية في كتاب “ثواب الأعمال” على النحو التالي: “من قرأ في صلاته بالليل مائة آية، كتب الله له بها قيام ليلة، ومن قرأ مائتي آية في غير صلاة، كتب الله له في اللوح المحفوظ قنطاراً من حسنات، والقنطار ألف ومائتا أوقية، والأوقية أعظم من جبل أحد”. (الصدوق، 1406هـ: 101). روى الشيخ الصدوق (رحمه الله) رواية مرفوعة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: “من قرأ مائة آية من القرآن من أي القرآن شاء ثم قال يا الله سبع مرات، فلو دعا على صخرة لقلعها إن شاء الله”. (الصدوق، 1406هـ: 103؛ الطبرسي، 1412هـ: 363). وفي رواية قريبة من هذا المضمون نُقلت عن الإمام الكاظم (عليه السلام): “إذا خفت أمراً فاقرأ مائة آية من القرآن من حيث شئت، ثم قل: اللهم اكشف عني البلاء، ثلاث مرات”. (الكليني، 1365ش: 2/621؛ الفيض الكاشاني، 1406هـ: 9/1759؛ الحر العاملي، 1367ش: 6/468؛ الطبرسي، 1412هـ: 343).

رؤية قائد الثورة المعظم

يتبين من مجموع الروايات السابقة أنه لا ينبغي لأي مسلم أن يترك تلاوة القرآن أبداً، بل يجب عليه دائماً المبادرة إلى قراءة القرآن مع الأخذ في الاعتبار الظروف والزمان والفرصة المتاحة له. أكد قائد الثورة الإسلامية المعظم في لقاء مع جمع من الطلاب على تلاوة القرآن الكريم يومياً قائلاً: “لا تنسوا تلاوة القرآن يومياً حتماً، ولو صفحة واحدة، ولو نصف صفحة، اقرأوا القرآن كل يوم، وحافظوا على ارتباطكم بالقرآن”. (بيانات في لقاء مع جمع من الطلاب، 12 تير 1395). وفي لقاء مماثل قال: “بالطبع، من الجيد جداً أن تأنسوا بالقرآن، كل يوم حتماً ولو بضع آيات من القرآن اقرأوها؛ فهذه أمور جيدة جداً”. (بيانات في لقاء مع جمع من الطلاب، 20 تير 1394). وفي لقاء آخر، أكد على قراءة القرآن كل يوم بهذه الطريقة: “يجب أن تقرأوا القرآن كل يوم، وحاولوا أن تأنسوا به وتتعلموه وتدركوه. المهم هو عدم قطع الصلة بالقرآن؛ سواء قرأتم نصف صفحة أو ورقة، أو حزباً أو جزءاً. لا ينبغي أن تنقطع الصلة. على كل حال، الجميع، بقدر ما لديهم من وقت وهمة ورغبة، يجب أن يقرأوا القرآن. البعض يقرأ القرآن فقط في شهر رمضان؛ وهذا خطأ. يجب قراءة القرآن كل يوم. بعد صلاة الصبح أو في آخر الليل عندما تريدون النوم أو في منتصف النهار، قراءة مقدار من القرآن ضرورية. بالطبع، قراءة القرآن وحدها لا تكفي؛ يجب أن نفهم معناه أيضاً. من يستطيع أن يفهم، فذلك أفضل. أما من لا يفهم، فيجب أن يستعين بترجمات القرآن، وكل آية يقرأها ينظر إلى ترجمتها. مؤخراً، والحمد لله، ظهرت ترجمات متعددة أفضل من الترجمات السابقة. في عهد الثورة، طُبعت حوالي أربع أو خمس أو ست أو ربما أكثر من الترجمات الجديدة التي هي جيدة نسبياً. الاهتمام بمعنى القرآن إلى جانب ألفاظه يزيد من الأنس بالقرآن، خاصة لمن يحفظ القرآن، فهذا العمل أسهل بكثير بالنسبة له. عندما تفهمون معنى القرآن بهذه الطريقة، يمكنكم التدبر والتفكير في كلمات القرآن، وبهذا الفكر، ستنالون عالماً من المعرفة. إذا كنتم في هذه الحياة الدنيا مأنوسين ومحشورين مع القرآن، ففي القيامة أيضاً ستحشرون مع القرآن. انظروا أي عظمة في هذه المعاملة”. (كلمة في لقاء مع أبناء الشهداء من حفظة القرآن؛ 14 تير 1374). وفي رد سماحته على رسالة أحد الناشئين، أوصاه وجميع الناشئين قائلاً: “اقرأوا القرآن كل يوم، وإذا استطعتم فاحفظوه”. (رد على رسالة ناشئ؛ 4 تير 1375). كما أكد قائد الثورة المعظم في لقاءات متعددة مع رؤساء الجمهورية وأعضاء الحكومات في مختلف الفترات على تلاوة القرآن. وهذا الأمر يبرز أهمية الارتباط بالقرآن وقراءته بالنسبة لرجال الدولة. في أحد هذه اللقاءات، قال سماحته: “يجب أن تصلوا أنفسكم بالله. لا تنسوا قراءة القرآن كل يوم. اقرأوا القرآن كل يوم حتماً؛ بأي مقدار تستطيعون. أولئك الذين يفهمون ترجمة القرآن، فلينظروا إلى الترجمة بتدبر. والذين لا يفهمون ترجمة القرآن، فليضعوا بجانبهم قرآناً مترجماً جيداً – والحمد لله لدينا الكثير منها – ولينظروا إلى ترجمته. قد يستغرق الأمر عشر دقائق وتقرأون صفحة أو صفحتين؛ لكن اقرأوا كل يوم؛ اجعلوا هذا سيرة قطعية لأنفسكم. ضعوا علامة، وفي الغد اقرأوا من حيث توقفتم”. (بيانات في لقاء مع رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة؛ 8 شهريور 1384). من أهم برامج سماحة قائد الثورة القرآنية هو برنامج اللقاء السنوي بأهل القرآن مع سماحته في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك. لقاء يحضره سنوياً جمع من نخب البلاد القرآنية للقاء سماحته، وضمن إقامة جلسة قرآنية ومعنوية، يستمعون إلى توجيهاته الهادية. في أحد هذه اللقاءات، قال سماحته: “يجب أن تقرأوا القرآن كل يوم حتماً. لا أقول الآن مثلاً اقرأوا نصف جزء أو حزباً؛ حتى لو نصف صفحة، صفحة واحدة، لكن لا تتركوه. لا يمر يوم في السنة لا تفتحون فيه القرآن ولا تتلون القرآن”. (بيانات في محفل الأنس بالقرآن الكريم؛ 3 فروردين 1402).

مدة ختم القرآن

في الكتاب العظيم “أصول الكافي”، يوجد باب بعنوان “بَابٌ فِي كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ وَ يُخْتَمُ”، وفيه خمس روايات. الرواية الأولى عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال لمحمد بن عبد الله: “إني أكره أن تقرأ القرآن في أقل من شهر”. (الكليني، الكافي، 1365ش: 2/617). في الرواية الثانية، يسأل أبو بصير الإمام الصادق (عليه السلام): “أقرأ القرآن في ليلة في شهر رمضان؟” فلم يأذن له الإمام؛ وفي المرة الثانية يسأل عن ليلتين، فلم يأذن له أيضاً، وعندما سأل عن ثلاث ليال، أذن له الإمام. ثم بين نقاطاً في عظمة شهر رمضان ونقاطاً من سيرة أصحاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مجال قراءة القرآن. (نفسه). الرواية الأخيرة في هذا الباب تشبه هذه الرواية، مع فارق أن مدة قراءة القرآن في غير شهر رمضان هي ست ليال، وفي شهر رمضان ثلاث ليال. (نفسه). بالنظر إلى ألفاظ الحديث وراوي الحديث، يحتمل أن يكون الحديثان واحداً، وأن الحديث الخامس هو النقل الأكمل. راوي الحديث الثالث هو حسين بن خالد. عندما يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن مدة ختم القرآن، يسمح الإمام بقراءة القرآن في خمسة أيام أو سبعة أيام. يظهر من ذيل الحديث أن الإمام نفسه كان يختم القرآن في أربعة عشر يوماً. (نفسه، 618). يدل الحديث الرابع على أن بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كانوا يختمون القرآن أربعين ختمة في شهر رمضان، وأهل البيت (عليهم السلام) لم ينهوا عن ذلك فحسب، بل مدحوه. (نفسه؛ انظر أيضاً: المفيد، المقنعة، 1413هـ: 312). روى أبو حمزة عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: “من ختم القرآن بمكة من جمعة إلى جمعة، أو أقل من ذلك أو أكثر، وختمه في يوم جمعة، كتب الله له من الأجر والحسنات من أول جمعة كانت في الدنيا إلى آخر جمعة تكون فيها، وإن ختمه في سائر الأيام فكذلك”. (الحلي، 1407هـ: 288). في المصادر الحديثية لأهل السنة، توجد أيضاً عدة روايات في باب مدة ختم القرآن. معظم هذه الروايات منقولة عن عبد الله بن عمرو عن النبي (صلى الله عليه وآله). يروي البيهقي بسنده رواية ينقل فيها إسحاق بن أبي بردة عن عبد الله بن عمرو أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مدة ختم القرآن. فأجابه النبي: “اختم القرآن في كل شهر”. فيسأل مرة أخرى: “إني أطيق أفضل من ذلك”. فيجيبه: “اختمه في عشرين”. فيذكر عبد الله مرة أخرى قدرته على المزيد. فيجيبه النبي: “اختمه في خمس عشرة”. يتكرر هذا السؤال والجواب عدة مرات، وفي النهاية يحدد النبي (صلى الله عليه وآله) عشرة أيام وخمسة أيام كمدة لختم القرآن. بعد تحديد خمسة أيام، وعندما يعبر عبد الله بن عمرو عن قدرته على إتمام تلاوة القرآن في مدة أقل من ذلك، لا يسمح له النبي بذلك. (البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/394). وقد نقل الترمذي هذه الرواية أيضاً ووصفها بأنها “حديث حسن صحيح غريب”. ويعزو غرابة الحديث إلى رواية إسحاق عن عبد الله بن عمرو. (الترمذي، سنن الترمذي، 1419هـ، 5/40). كما أورد النسائي هذا الحديث في سننه الكبرى. (النسائي، السنن الكبرى، 1411هـ: 5/25). وكذلك وردت هذه الرواية باختلاف في الكلمات في سنن الدارمي. (الدارمي، سنن الدارمي، 1421هـ: 4/2184). وقد ذكر محقق الكتاب إسناد الحديث بأنه “ضعيف”، لكنه ذكر أن الحديث “متفق عليه”. (نفسه). وفي بعض الروايات المماثلة، تبدأ مدة الختم من أربعين يوماً وتقل إلى سبعة أيام، أو خمسة أيام. (انظر: البخاري، صحيح البخاري، 1410هـ: 8/122؛ النيسابوري، صحيح مسلم، 1412هـ: 2/814؛ الترمذي، سنن الترمذي، 1419هـ، 5/41؛ النسائي، السنن الكبرى، 1411هـ: 5/24-25؛ البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/393). روى النسائي رواية قريبة من هذا المضمون، مع فارق أن ناقل الحديث هو يحيى بن حكيم. وهو ينقل عن عبد الله بن عمرو هذا الحديث باختلاف في التعبير. مضمون الحديث يفيد بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أذن لعبد الله بختم القرآن بالترتيب في ثلاثين يوماً، وعشرين يوماً، وعشرة أيام، وفي النهاية سبعة أيام. (النسائي، السنن الكبرى، 1411هـ: 5/24). رواية أخرى عن عبد الله بن عمرو نُقلت أن النبي (صلى الله عليه وآله) أمره ألا يختم القرآن في أقل من ثلاث. (الدارمي، سنن الدارمي، 1421هـ: 4/2185؛ النسائي، السنن الكبرى، 1411هـ: 5/25؛ البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/393). ينقل النسائي مباشرة بعد ذكر هذه الرواية حديثاً أن عبد الله نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله): “من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه”. (النسائي، نفسه؛ انظر أيضاً: الترمذي، سنن الترمذي، 1419هـ، 5/42). مضمون هاتين الروايتين مترابط إلى درجة أنه لو لم يكن سند الروايتين مختلفاً، لكان من الممكن أن يتصور قارئ كتاب النسائي أن الحديث الثاني هو تتمة للحديث الأول. يروي البيهقي: سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن عمرو: “في كم تقرأ القرآن؟ (تختم؟)”. فأجاب عبد الله: “في كل ليلة”. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “لا تفعل، ولكن اقرأه في ثلاث ليال”. (البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/395). يروي عبد الرزاق أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يختم القرآن في شهر رمضان كل ثلاث ليال، ولكن عندما تأتي العشر (الأواخر)، كان يختم القرآن كل ليلتين. (الصنعاني، المصنف، 1403هـ: 4/254). على الرغم من أن عبارة “دخلت العشر” وردت في هذه الرواية، والتي قد تشير ظاهرياً إلى اليوم العاشر من شهر رمضان، إلا أنه بقرينة الروايات السابقة في نفس الكتاب ومجموعة الأحاديث التي تشير إلى اهتمام النبي الخاص بالعشر الأواخر من هذا الشهر العظيم، يبدو أن المراد هو العشر الأواخر نفسها. وفي النقول المتعلقة بأصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) الكرام، نُقلت أيضاً تقارير متعددة في مجال اهتمامهم بختم القرآن المستمر. ففيما يتعلق بأبي بن كعب، نُقل أنه كان يختم القرآن كل ثمانية أيام، وتميم الداري كل سبعة أيام. (البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/396). وفيما يتعلق بعبد الله بن مسعود، ورد أنه كان يقرأ القرآن كل ثلاث ليال، ولم يكن يستغل لهذا العمل سوى القليل من النهار. (يقرأ معظم القرآن في الليل). (البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/395). وفي نقل آخر عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، نُقل أن والده كان يختم القرآن في شهر رمضان كل ثلاث ليال، وفي غير شهر رمضان يختمه من الجمعة إلى الجمعة التالية (في مدة أسبوع). (الفريابي، فضائل القرآن، 1409هـ: 218). سعيد بن جبير، من التابعين الأجلاء، هو أيضاً من الأفراد الذين نُقل عنه أنه كان يختم القرآن كله في ليلتين. (الدارمي، سنن الدارمي، 1421هـ: 4/2184)، أو نُقل أن سعد بن إبراهيم كان يقرأ القرآن كله في ليلة واحدة. (البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/398). وكذلك، نُقلت روايات منفصلة عن سعيد بن جبير وعثمان بن عفان أن كلاً منهما كان يقرأ القرآن في ركعة واحدة. (الترمذي، سنن الترمذي، 1419هـ، 5/41). وقد وردت روايات مشابهة عن أفراد آخرين. (انظر: البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/399). النتيجة الأولى التي يمكن استخلاصها من هذه الأحاديث هي أن ختم القرآن، أي قراءته من البداية إلى النهاية، له موضوعية. وهذا الأمر يمكن إثباته من أحاديث “الحال المرتحل” الموجودة في مصادر الفريقين. بناءً على ذلك، لا ينبغي الاكتفاء بقراءة بعض السور المختارة فقط. كما يتبين من مجموع هذه الروايات أنه لا ينبغي ختم القرآن في أقل من ثلاثة أيام. بالطبع، هناك فرق بين شهر رمضان المبارك وبقية الأيام في هذا الأمر. وبالتأكيد، يختلف الأفراد من حيث القدرة والموهبة والمجال والاشتغالات والفرص والقدرة على التدبر، فهم ليسوا على مستوى واحد، وربما يكون هذا الأمر هو مفتاح حل الاختلاف في المقادير المذكورة في هذه الروايات. على سبيل المثال، الرواية الأولى التي قال فيها الإمام الصادق (عليه السلام) لمحمد بن عبد الله: “أكره أن تقرأ القرآن في أقل من شهر”، قد تكون مرتبطة ومختصة بشخص معين وهو الراوي، لأن التعبير جاء “أن تقرأه” وليس بصيغة المجهول. أي لو قال الإمام إنه يكره أن يُقرأ القرآن في أقل من شهر، لكانت الشمولية أكبر. من النقاط الأخرى التي يجب أخذها في الاعتبار، بالإضافة إلى الأزمنة الخاصة مثل شهر رمضان، هو الاهتمام بالأماكن الخاصة. على سبيل المثال، الرواية التي ينقلها أبو حمزة عن الإمام الباقر (عليه السلام) تدل على أهمية ختم القرآن في مدينة مكة، لأن مكة هي أول أرض للوحي، وأكثر آيات القرآن نزلت في هذه المدينة الشريفة على رسول الله (صلى الله عليه وآله). أما فيما يتعلق بأحاديث مصادر أهل السنة، فإن نقل معظم هذه الأحاديث عن عبد الله بن عمرو أمر مثير للدهشة. في بعض هذه الأحاديث، تبدأ مدة الختم من أربعين يوماً، وفي بعضها من ثلاثين يوماً، وفيما يتعلق بأقصر مدة للختم، نُقلت سبعة أيام، وخمسة أيام، وثلاثة أيام، ربما يكون ذلك ناظراً إلى الظروف الزمانية والمكانية المختلفة والأفراد المختلفين. بشكل عام، يمكن استنتاج أن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام غير مناسبة، لأن سبب ذلك، كما صُرح به في الروايات نفسها، هو أن القراءة في أقل من ثلاثة أيام تسلب الإنسان فرصة التدبر. أما ما يتعلق ببعض الصحابة والتابعين الذين كانوا يقرأون القرآن في يوم واحد أو ركعة واحدة، فهو أمر غريب. أولاً: لم يُنقل عن معصوم. ثانياً: لم يُذكر تأييد من المعصوم لهذا الأمر. ثالثاً: في كلتا الروايتين، لم يُصرح بختم أو كل القرآن، وإنما ذُكرت قراءة القرآن في ركعة واحدة. رابعاً: أصل هذا الأمر غريب بعض الشيء وبعيد عن الواقع. وفيما يتعلق بعثمان وقراءته للقرآن في ركعة واحدة، يبدو أن المسألة كانت نوعاً من سباق السرعة في قراءة القرآن، بقرينة الرواية التي ينقلها البيهقي عن عبد الرحمن بن عثمان الذي يقول: “كنت ليلة خلف مقام (إبراهيم) قائماً، وأردت ألا يغلبني أحد في تلك الليلة، فإذا برجل يومئ إليّ بطرف عينه، فلم ألتفت، ثم أومأ مرة أخرى، فلما التفت رأيته عثمان بن عفان، فتنحيت عنه، فتقدم وقرأ القرآن في ركعة”. (البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/398).

قراءة القرآن بالترتيل والنهي عن همّ إتمام السورة

توجد روايات متعددة تشير إلى أهمية “الترتيل”. في هذا النوع من الروايات، نُهي عن قراءة القرآن بسرعة وعجلة ودون الانتباه إلى معاني الآيات. ينقل الشيخ الكليني رواية يسأل فيها الراوي الإمام الصادق (عليه السلام) عن معنى “وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا”. فيجيبه الإمام ببيان قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “بَيِّنْهُ تِبْيَانًا، وَلَا تَهُذَّهُ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرَ الرَّمْلِ، وَلَكِنْ أَفْزِعُوا قُلُوبَكُمُ الْقَاسِيَةَ، وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ”. (أي أن يكون هدفكم القراءة مع التدبر والتأمل في المعاني والمفاهيم، لا أن تنهوا السورة بأي شكل كان). (الكليني، الكافي، 1365ش: 2/614). وفي حديث آخر ينقله أمير المؤمنين (عليه السلام) في تبيين معنى الترتيل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “الترتيل تثبيت الحروف، ومعرفة الوقوف، وأن تبينه كالرمل، ولا تنثره نثر الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة”. (الحميري، قرب الإسناد، د.ت: 180؛ انظر أيضاً: المغربي، دعائم الإسلام، 1383هـ: 1/161). ويمكن رؤية ما يقرب من هذا المضمون، بل وأحياناً نفس هذه الكلمات، في مصادر الحديث لأهل السنة. (انظر: البيهقي، شعب الإيمان، 1421هـ: 2/360؛ وأيضاً، السنن الكبرى، 1424هـ: 3/20؛ الأنصاري، الآثار، د.ت: 46). هذه الروايات أيضاً تكمل المجموعة الحديثية السابقة. إن مقدار تلاوة القرآن اليومية يعتمد أيضاً على طريقة القراءة، لأن من يسعى لقراءة المزيد من القرآن، فمن الطبيعي أن يقرأ بسرعة أكبر ويفكر دائماً في إتمام سورة والبدء بالسورة التالية، وهكذا يقرأ السور ويختم القرآن. هذا الأمر قد يؤدي إلى التركيز على الكمية ويجعل كيفية قراءة القرآن غير مثمرة. وهذا ما تؤكد عليه الروايات المنقولة عن أئمة الدين، حيث إن كيفية قراءة القرآن مقدمة على كميتها. والمقصود بكيفية القراءة هو قراءة القرآن بشكل صحيح، مع مراعاة الأداء المناسب للحروف والكلمات، ومراعاة مواضع الوقف والابتداء، والأهم من ذلك كله هو السعي لفهم وتدبر معاني القرآن. لا ينبغي إغفال هذا الأمر، فالأنس بالقرآن وقراءته هو بمثابة مقدمة لفهم هذا الكتاب السماوي والعمل به، وبهذه الطريقة تتحقق الهداية الفردية والاجتماعية للقرآن.

رؤية قائد الثورة المعظم

أكد قائد الثورة المعظم مراراً على أهمية فهم القرآن إلى جانب قراءته. وفي لقاء مع أعضاء الحكومة آنذاك، قال: “أيها الأصدقاء، حاولوا في جميع الأوقات – خاصة في شهر رمضان – ألا تنسوا تلاوة القرآن. لا ينبغي أن يُحذف القرآن من حياتكم. احرصوا على تلاوة القرآن حتماً؛ قدر الإمكان. تلاوة القرآن مع التأمل والتدبر هي التي تؤثر. التلاوة السريعة التي يقرأها الإنسان ويمضي دون أن يفهم المعاني أو يفهمها بشكل غير صحيح، ليست هي المطلوبة من تلاوة القرآن؛ لا يعني أنها بلا فائدة – فمجرد أن ينتبه الإنسان إلى أن هذا كلام الله، فإن هذا التعلق وهذه الصلة بحد ذاتها غنيمة، ولا ينبغي لأحد أن يمنع أحداً من هذا النوع من قراءة القرآن، ولكن التلاوة القرآنية المطلوبة والمرغوبة والمأمور بها ليست كذلك. التلاوة القرآنية المطلوبة هي أن يقرأ الإنسان بتدبر ويفهم كلمات الله، وهو ما يبدو لنا ممكناً. إذا كان الإنسان يعرف اللغة العربية، وما لا يعرفه يرجع إلى الترجمة، وفي نفس التدبر؛ إذا قرأ مرتين، ثلاث مرات، خمس مرات، يجد الإنسان فهماً وانشراحاً ذهنياً لمضمون الآية لا يحصل ببيان آخر؛ بل يحصل أكثر بالتدبر؛ جربوا هذا الأمر. لذا، عندما يقرأ الإنسان مثلاً عشر آيات مترابطة لأول مرة، يكون لديه شعور وانتباه؛ في المرة الثانية، الخامسة، العاشرة التي يقرأها بانتباه، يكون لديه انتباه آخر؛ أي أن الإنسان يجد انشراحاً ذهنياً. كلما زاد أنس الإنسان وتعمقه، زاد فهمه؛ ونحن بحاجة إلى ذلك”. (بيانات في لقاء مع أعضاء الحكومة؛ 17 مهر 1384). وفي كلمة أخرى، قال سماحته: “الإشكال الثالث هو أننا في شهر رمضان المبارك، الذي هو شهر تلاوة القرآن وشهر نزول القرآن وشهر الجلسات، ونحن أيضاً لدينا هذه الجلسة وهناك جلسات كثيرة في المساجد والمحافل المختلفة، عندما ينتهي شهر رمضان، نغلق القرآن ونقبله ونضعه جانباً. لا ينبغي أن يحدث هذا. يجب ألا نفصل القرآن عن أنفسنا. يجب أن نكون مرتبطين ومأنوسين بالقرآن دائماً. الآن، ورد في الروايات أن تقرأوا كل يوم على الأقل خمسين آية من القرآن. هذا أحد المعايير. إذا لم تستطيعوا، فاقرأوا عشر آيات يومياً؛ لا تقولوا إني أقرأ سورة الحمد وهذه الآيات القليلة من سورة الحمد مع بضع آيات من سورة قل هو الله – ركعة واحدة – تصبح تلك العشر آيات التي يقولها فلان. لا، غير القرآن الذي تقرأونه في الصلاة – سواء صلاة النافلة أو صلاة الفريضة – افتحوا القرآن، اجلسوا، بحضور قلب، اقرأوا عشر آيات، عشرين آية، خمسين آية، مئة آية. اقرأوا القرآن للتدبر والفهم والاستفادة. هذا نوع من قراءة القرآن. أن يقرأ الإنسان ظاهر القرآن من أوله إلى آخره، هذا النوع، لا نريد أن نقول ليس له أي أثر. بالطبع، كنت أقول سابقاً ليس له أي أثر، ثم راجعت نفسي. لا يمكن القول ليس له أي أثر، ولكن أثره مقابل الأثر المتوقع من تلاوة القرآن، شبه لا شيء؛ قريب من لا شيء. نوع آخر من التلاوة، تلاوة أولئك الذين يقرأون الآية، ولكن – وهذا حال أمثالنا – يقرأون ليجدوا نقطة ما ليقولوها في منبر معين، في كلمة معينة، في محفل معين، في مجلس معين. هذا لا عيب فيه؛ ولكن هذا النوع أيضاً ليس هو ما كُلّفنا به. نوع آخر من التلاوة هو أن يجلس الإنسان كمستمع لكلام الله المتعال. الله المتعال يتحدث إليكم. كأن رسالة من عزيز، من كبير، وصلت إليكم. أنتم تأخذون الرسالة وتقرأونها. لماذا تقرأونها؟ لتروا ماذا كُتب لكم. اقرأوا القرآن هكذا. هذه رسالة الله المتعال. أأمن الألسنة والقلوب أخذت هذا القرآن من الله المتعال وأوصلته إليكم. لنستفيد منه؛ لننتفع به؛ لذا، ورد في الرواية أنه عندما تقرأون السورة، لا يكن همكم أن تصلوا إلى آخر السورة؛ ليكن همكم أن تفهموا القرآن؛ ولو لم تصلوا الآن إلى آخر السورة، إلى وسط السورة، وسط الجزء، وسط الحزب، ولم تكملوه؛ تأملوا وتدبروا. اقرأوا القرآن هكذا. إذا أنس أحد بالقرآن، لا يمل من القرآن. إذا أنسنا بالقرآن، حقاً لا نمل من القرآن”. (بيانات في لقاء مع القراء؛ 22 شهريور 1386). من هذا البيان، يمكن أن نفهم جيداً، أولاً أن قراءة القرآن ليست محصورة في شهر رمضان المبارك. ثانياً، يجب أن تكون قراءة القرآن مصحوبة بالفهم والانتباه إلى معاني ورسائل هذا الكتاب السماوي الباعث على الحياة. وثالثاً، ألا تكون النية الأساسية لقارئ القرآن مجرد إتمام السورة أو الجزء، بعبارة أخرى، كيفية التلاوة أهم من كميتها. بالتدقيق في بيانات قائد الثورة المعظم، تتجلى هذه الحقيقة وهي أن هذه الكلمات لها جذور في المصادر الإسلامية وسند روائي.

الاستنتاج

1. من الضروري أن يكون لكل مؤمن تلاوة يومية للقرآن وبرنامج منظم لها، بحيث لا يمر يوم إلا وقد تلا عدداً من آيات القرآن.

2. فضيلة تلاوة القرآن في الصلاة تفوق تلاوته في غير الصلاة.

3. من الأفضل، بالإضافة إلى السور والآيات المختارة التي لها فضيلة خاصة وتُقرأ بشكل خاص، أن يكون لدى المسلمين برنامج لتلاوة كاملة وختم القرآن.

4. قراءة القرآن في بعض الأزمنة، ومنها شهر رمضان المبارك، لها فضيلة أكبر.

5. قراءة القرآن في أماكن خاصة، ولا سيما مدينة مكة المكرمة، لها أهمية مضاعفة.

6. من الأفضل للمسلمين، قدر استطاعتهم، أن يكثروا من قراءة القرآن يومياً، وأقل مقدار هو خمسون آية، وقد ورد في الروايات حتى ألف آية.

7. الأهم من كمية ومقدار التلاوة هو كيفية التلاوة، والتي تكون على أساس آيات القرآن وروايات المعصومين (عليهم السلام) بأسلوب الترتيل. أي التلاوة مع مراعاة جميع النقاط المتعلقة بالأداء الصحيح واللائق لكلمات القرآن، ومع مراعاة مواضع الوقف والابتداء، يجب الانتباه أيضاً إلى محتوى ومعاني القرآن.

8. يجب ألا تكون سرعة التلاوة عالية جداً كقراءة أشعار العصر الجاهلي، ولا بطيئة جداً بحيث تتناثر الحروف عن بعضها. بناءً على ذلك، يجب اختيار سرعة متوسطة ومناسبة.

9. بيانات قائد الثورة المعظم في مجال مقدار وكمية تلاوة القرآن قد بُيّنت بدقة بالاستفادة من الروايات الإسلامية ووفقاً لها، مما يدل على تجذر أفكار هذا الفقيه والمفسر في التعاليم الإسلامية الأصيلة.

قائمة المصادر والمراجع

1. ابن أبي جمهور، محمد بن زين الدين، عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية، قم: دار سيد الشهداء للنشر، 1405 هـ.ق.

2. ابن أبي شيبة، عبد الله بن محمد، المصنف، بيروت: دار التاج، 1409 هـ. ق.

3. ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت: دار الفكر للطباعة و النشر و التوزيع – دار صادر، 1414 هـ ق، الطبعة الثالثة.

4. الأصفهاني، حسين بن محمد راغب، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق: صفوان عدنان داودي، بيروت- دمشق: دار العلم – الدار الشامية، 1412 هـ ق.

5. الأنصاري، قاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، الآثار، بيروت: د.ن، د.ت.

6. البخاري، محمد بن إسماعيل، الجامع الصحيح (صحيح البخاري)، القاهرة: وزارة الأوقاف. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية. لجنة إحياء كتب السنة، 1410ق.

7. البيهقي، أبو بكر أحمد بن حسين، شعب الإيمان، بيروت: دار الكتب العلمية، 1421ق.

8. __________، السنن الكبرى، بيروت: دار الكتب العلمية، 1424ق.

9. الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، القاهرة: دار الحديث، 1419ق.

10. الجوهري، إسماعيل بن حماد، تاج اللغة و صحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت: دار العلم للملايين، 1410ق.

11. الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، طهران، إسلامية، 1367ش، الطبعة السادسة.

12. الحلي، أحمد بن محمد بن فهد، عدة الداعي و نجاة الساعي، د.م، دار الكتاب الإسلامي، 1407ق.

13. الحميري، عبد الله بن جعفر، قرب الإسناد، طهران: مكتبة النينوى الحديثة، د.ت.

14. الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن، سنن الدارمي، الرياض: مركز التراث الثقافي المغربي، 1421ق.

15. الديلمي، حسن بن محمد، إرشاد القلوب إلى الصواب، قم، شريف رضي، 1412ق.

16. __________، أعلام الدين في صفات المؤمنين، قم، مؤسسة آل البيت، 1408ق.

17. الرازي، أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، قم: انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، 1404ق.

18. الشعيري، تاج الدين محمد بن محمد، جامع الأخبار، النجف، مطبعة حيدرية، د.ت.

19. الصدوق، محمد بن علي ابن بابويه، أمالي، طهران، كتابجي، 1376ش، الطبعة السادسة.

20. __________، ثواب الأعمال و عقاب الأعمال، قم، دار الشريف الرضي، 1406ق، الطبعة الثانية.

21. __________، فضائل الأشهر الثلاثة، قم: مكتبة داوري، 1396ق.

22. __________، معاني الأخبار، قم، دفتر انتشارات إسلامي وابسته به جامعة مدرسين حوزه علميه قم، 1403ق.

23. الصنعاني الحميري، أبو بكر عبد الرزاق بن همام، المصنف، محقق: حبيب الرحمن أعظمي، بيروت: المجلس العلمي، 1403ق.

24. الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1390ق.

25. الطبراني، سليمان بن أحمد، مسند الشاميين، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1409هـ. ق.

26. __________، المعجم الكبير، القاهرة: مكتبة ابن تيمية، د.ت.

27. الطبرسي، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق، قم، منشورات شريف رضي، 1412ق، الطبعة الرابعة.

28. الطبرسي، فضل بن حسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبعة الثالثة، طهران، انتشارات ناصر خسرو، 1372.

29. الطوسي، محمد بن حسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.

30. الفراهيدي، خليل بن أحمد، العين، قم: نشر هجرت، 1410ق، الطبعة الثانية.

31. الفريابي، جعفر بن محمد، فضائل القرآن، الرياض: مكتبة الرشد-ناشرون، 1409ق.

32. الفيض الكاشاني، محمد بن مرتضى، الوافي، أصفهان، كتابخانه إمام أمير المؤمنين علي عليه السلام، 1406ق.

33. الكفعمي العاملي، إبراهيم بن علي، المصباح جنة الأمان الواقية، قم، دار الرضي زاهدي، 1405ق، الطبعة الثانية.

34. الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1365، الطبعة الرابعة.

35. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1403، الطبعة الثانية.

36. معين، محمد، فرهنگ فارسي معين، طهران: أمير كبير، 1371ش.

37. المغربي، قاضي أبو حنيفة نعمان بن محمد، دعائم الإسلام، قم: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، 1383ق، الطبعة الثانية.

38. (الشيخ) المفيد، محمد بن محمد، المقنعة، قم: کنگره جهاني هزاره شيخ مفيد (ره)، 1413ق.

39. النسائي، أحمد بن علي، السنن الكبرى، بيروت: دار الكتب العلمية، 1411ق.

40. النوري، محدث ميرزا حسين، مستدرك الوسائل، قم، مؤسسة آل البيت، 1408.

41. النيسابوري، مسلم بن حجاج، صحيح مسلم، القاهرة: دار الحديث، 1412ق.

42. www.Khamenei.ir

الهوامش

1. تاريخ الاستلام: 2023/08/21، تاريخ القبول: 2024/07/15.

2. أستاذ مساعد في قسم علوم وفنون القراءات بالمجمع العالي للقرآن والحديث، جامعة المصطفى (ص) العالمية، قم، إيران (المؤلف المسؤول): seyedmojtaba_akhtarrazavi@miu.ac.ir.

3. أستاذ مساعد في قسم المعارف الإسلامية بجامعة الإذاعة والتلفزيون، طهران، إيران: zarnegar@iribu.ir.

Scroll to Top