السياق وأثره على فهم وترجمة القرآن الكريم

الملخص: إحدى طرق إدراك المعنى الصحيح للكلمات والتراكيب القرآنية، وترجمتها وإيجاد المكافئ الصحيح لها، هي الاهتمام بالسياق؛ لأن القرائن السياقية هي التي تحدد المعنى. يلعب السياق دورًا كبيرًا في تفسير الكلمة، وتحديد معنى الجملة، وترتيب نزول الآيات، وتمييز الآيات المكية عن المدنية، وتحديد مرجع الضمير، وفهم الكلمة أو الجملة المحذوفة، وتحديد مصداق الكلمة. تكمن أهمية هذا البحث في أنه يكشف عن القيمة الفردية والتركيبية للكلمات والجمل، وينبه المترجم إلى ضرورة الاهتمام بالأسس النظرية، وفهم سياق الكلام، واختيار المعنى الذي يوصل المقصود الأصلي للمتحدث من بين المعاني المتعددة. لذا، من الضروري التدقيق في ترابط الكلمات القرآنية، وظروف وقت النزول، والتراكيب. يعتمد هذا البحث على المنهج التحليلي لوصف أنواع السياق وتحليل نماذج من الآيات القرآنية الشريفة لتوجيه المترجم والقارئ إلى الإشارات الإرشادية وضرورة الالتزام بالقوانين ومراعاة الظروف. أهم النتائج تشير إلى أن كلمات وآيات القرآن مترابطة بشكل منهجي، وأن جودة ترتيبها وتناسق الكلمات يمنحها معنى خاصًا. القرآن ليس ذا طبيعة أحادية الجانب، وتختلف زوايا فهم الآيات تبعًا لموقف النزول، ومقتضيات ذلك العصر، ونوع بيان المتحدث.

طرح المسألة

ذكر اللغويون وواضعو المعاجم معاني مختلفة لكلمة “سياق”، منها: الدفع، طريقة الكتابة، الحسابات بالطريقة القديمة، مهر النساء، والتتابع. وبشكل عام، يدل المعنى اللغوي للسياق على الحركة والانتقال من مكان إلى آخر، مثل: سوق الدواب، حركة السحاب، دفع الناس إلى الأمام، إلخ. وقد قال بعضهم عن أصل هذه الكلمة: إن أصلها “سُواق” وقد تحولت الواو إلى ياء، وهو مصدر للفعل “ساق يسوق”. وفي القرآن الكريم، وبناءً على جذر “ساق” والمعاني المذكورة أعلاه، تجدر الإشارة إلى الآيات التالية:

  • ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيْتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (فاطر: ٩).
  • ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: ٧٣).
  • ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ (مريم: ٨٦).

وعلى الرغم من أن الباحثين قد قدموا تعريفاً اصطلاحياً للسياق بعبارات وألفاظ مختلفة، إلا أنها جميعاً تشير إلى مفهوم واحد. يقول عبد الراجحي في هذا الصدد: “مجموعة الظروف التي يحيط بها الكلام”. فسياق الكلام في الواقع هو الأسلوب الاصطلاحي لاستخدام اللغة المناسب في بيئة أو سياق معين، ويمكن اعتباره موقفاً، على سبيل المثال، في الكنيسة أو في المهنة بين المحامين، أو موضوعاً بين اللغويين. المقصود بالسياق أي دليل آخر مرتبط بالألفاظ والعبارات التي نريد فهمها؛ سواء كانت من قبيل الألفاظ، كغيرها من الكلمات التي تشكل كلاماً متصلاً مع العبارة المقصودة، أو قرينة حالية، كالأوضاع والظروف التي قيل فيها الكلام، ولها نوع من الإيضاح في فهم الموضوع ومضمون اللفظ محل البحث. جاء في تفسير “المنار”: “لا شك أن أفضل قرينة تدل على حقيقة معنى اللفظ هو موافقته لأجزائه المتقدمة وتوافقه مع المعنى الكلي”. وبناءً على كل هذه التفاصيل، فإن مهمة المترجم في نقل المعنى ثقيلة جداً، وعليه أن يولي اهتماماً لمكونات متعددة كالسياق عند إيجاد مقابل للكلمات.

على سبيل المثال، يقول الله تعالى في الآية ٨٣ من سورة البقرة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، مع أن الخطاب في هذه الآية وما قبلها وبعدها عام وليس خاصًا، فقد اعتبر أحد المترجمين أن المقصود بالوالدين هما الإمام الحسن والإمام الحسين، وأشار إلى ذلك في ترجمته التفسيرية. من هنا، فإن فهم السياق وأنواعه لإدراك عناصر الكلمات بشكل صحيح يضاعف من ضرورة هذا البحث. لذا، يسعى هذا البحث للإجابة عن الأسئلة التالية:

  • كيف يؤثر السياق على توجيه اختيار المعادل في الترجمة؟
  • كيف ترتبط أنواع السياق بالنص وتحدد نوع الاختيار للمترجم؟

خلفية البحث

لقد أُجريت أبحاث متعددة في هذا المجال، ويمكن الإشارة إلى بعضها كالتالي:

  • “السياق وأثره في توجيه المعنى في تفسير الطبري”، للدكتور محمد بن عدة، رسالة دكتوراة، جامعة محمد بن عبد الله، المغرب، ١٤١٨ هـ.ق. يتناول تعريف السياق من منظور العلماء القدماء، المصطلحات والقواعد العامة للسياق عند ابن جرير، عناصر السياق اللغوية ودلالاتها الصوتية والصرفية والنحوية، والعناصر غير اللغوية للسياق مثل المتحدث، السامع، أسباب النزول، قصص الأنبياء والأمم، والعنصرين اللغوي والمكاني، مع التركيز على تفسير ابن جرير الطبري.
  • “الخطاب القرآني دراسة في العلاقة بين النص والسياق: أمثلة من سورة البقرة”، للدكتورة خلود إبراهيم سلامة العموش، رسالة دكتوراة، الجامعة العربية، ١٩٩٨م. تبحث في التعريف الاصطلاحي للنص والسياق والخطاب، ثم خطاب القرآن في سورة البقرة ونوع النص والسياق فيها، والعلاقة بين النص والسياق في كتب علوم القرآن والتفسير وأصول الفقه وإعراب القرآن والكتب العربية والغربية الحديثة.
  • “دلالة السياق”، ردة الله بن ردة بن ضيف الله الطلحي، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، 1424 هـ. يتناول هذا البحث دراسة لغوية للسياق في الثقافة العربية والفكر الغربي. كما يوضح مفهوم السياق من وجهة نظر اللغويين، وعلماء البلاغة، والمفسرين، وعلماء أصول الفقه، وكذلك يتناول سياق النص، مفهومه، وعناصره المكونة، والعلاقات المعجمية للسياق، والموقف وعناصره.
  • “السياق ودلالته في توجيه المعنى”، للدكتور فوزي إبراهيم عبد الرزاق، رسالة دكتوراه، جامعة بغداد، 1416 هـ. يتناول هذا الكتاب مفهوم السياق في اللغة والاصطلاح، ومفهومه في المعاجم العربية، واستخداماته القرآنية، وأقوال العلماء، وتأثير الكلمة على تحديد السياق، والفروق اللغوية بين الكلمات، والسياق الدلالي.
  • “أثر السياق في النظام النحوي مع تطبيقات على كتاب البيان في غريب القرآن لابن الأنباري”، للدكتور نوح الشهري، رسالة دكتوراة، جامعة أم القرى، ١٤٢٦هـ. من مباحثها: أصل الكلمات والبنية الصرفية، قصد المتكلم وسياق النظام النحوي والإعراب، السياقات القرآنية، تطبيق السياق على الأنظمة النحوية، معاني الحروف، مرجع الضمير، ومسائل من هذا القبيل مع التركيز على كتاب “غريب القرآن” لابن الأنباري.
  • “السياق القرآني وأثره في تفسير المدرسة العقلية الحديثة”، للدكتور سعيد بن محمد الشهراني، رسالة دكتوراه، جامعة أم القرى، كلية أصول الدين، ١٤٢٧هـ. يتناول هذا الكتاب تعريفاً للسياق، واهتمام العلماء بهذا المفهوم، وخاصة رؤية المدرسة العقلية للسياق القرآني وتأثيره على الجوانب العقدية والمعنوية لعلوم القرآن والأحكام الفقهية في تفاسيرهم.
  • “دلالة السياق القرآني وأثرها في التفسير من خلال تفسير ابن جرير”، للشيخ عبد الحكيم القاسم، رسالة دكتوراة، جامعة الإمام، ١٤٢٠هـ. يتناول هذا البحث في بدايته تعريفاً نظرياً للسياق، ثم يعرض المسائل المتعلقة به، ومنهج ابن جرير الطبري واهتمامه بالسياق في بحث عملي وتطبيقي.
  • “دلالة السياق وأثرها في توجيه المتشابه اللفظي في قصة موسى”، للشيخ فهد بن شتوى الشتوى، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى، ١٤٢٦ هـ. تقدم هذه المقالة تعريفًا للسياق، وأركانه، ومبادئه، وتوضح الرؤية العامة للعلماء حول موضوع السياق، وتعرف المتشابه اللفظي وأنواعه وأهميته، ثم تذكر المتشابهات اللفظية في قصة موسى عليه السلام بترتيب سور القرآن.
  • “منهج السياق في فهم النص”، للدكتور عبد الرحمن بودرع، كتاب الأمة، ع: ١١١، المحرم ١٤٢٧ هـ. يتناول هذا الكتاب الموضوعات الكلامية والبلاغية في القرآن الكريم والسنة النبوية، ويبين أهمية السياق في فهم النص واستنباط الأحكام الفقهية من القرآن والحديث، ويشرح مكانة السياق اللفظي والموقفي فيهما.
  • “البنية والسياق وأثرها في فهم النص”، للدكتور عدنان طهماسبی والدكتور شهریار نيازي، مجلة اللغة العربية وآدابها، العدد ١، ربيع ١٣٨٤هـ.ش. تتناول هذه المقالة أهمية النص والسياق والسياق الذي له تأثير كبير في فهم النص.

كما يتضح، فإن معظم هذه الدراسات تقع في مجال السياق والنص أو السياق وتفسير القرآن، ولا تتناول أي منها تأثير السياق على الدلالة والترجمة. لذلك، تحاول هذه المقالة، من خلال بيان السياق وأنواعه وذكر أمثلة من آيات القرآن، أن توضح مدى تأثير هذا الموضوع على ترجمة وفهم القرآن بشكل صحيح. في الدراسات التي أجريت، تم تقسيم السياق القرآني إلى سياق كلمات، وجمل، وآيات. ولكن في هذا البحث، تم دراسة آيات القرآن بناءً على تصنيف آخر للسياق: السياق اللفظي، والعاطفي، والموقفي، والثقافي، ثم بيان أمثلة لكل نوع لتوضيح تأثير السياق على ترجمة وفهم الآيات.

أنواع السياق

لقد قُدمت نظريات متباينة في تقسيم السياق. بعض الباحثين، مثل فتحي إبراهيم في مقالته “السياق وأثره في تحديد دلالة المشتقات”، قسم السياق إلى سياق لفظي، وعاطفي، وموقعي، وثقافي. محمود رجبي في كتابه “طرق تفسير القرآن” يقسم هذا الموضوع بطريقة أخرى. فمن وجهة نظره، الكلام له قرائن لفظية وغير لفظية، ويطلق اسم “السياق” فقط على القرينة اللفظية. أما القرائن غير اللفظية، فيشير إلى فضاء النزول وفضاء الكلام، الذي يشمل الزمان والمكان والموقف ونبرة المتكلم وغير ذلك. سنحاول هنا تقديم تعريف لأنواع السياق بناءً على التقسيم الأول، ثم نذكر أمثلة من القرآن.

١. السياق اللفظي

هو العلاقة التي تنشأ بين الكلمات والعبارات في مجموعة كلامية لتكوين نص متماسك وذو معنى. لكي يتشكل الكلام، يجب أن تتجاور الفونيمات والمورفيمات لتكوين الكلمات، وترتبط هذه الكلمات بطريقة خاصة وبواسطة أدوات الربط لتكوين الجمل، بحيث ينتج عن مجموع هذه الجمل والعبارات نص كلامي. إن كيفية ارتباط الكلمات ببعضها البعض، وطريقة ارتباطها بأدوات الربط، وبشكل عام سياق النص، تحدد المعنى المقصود للكلمة وتسمح باختيار معنى واحد فقط من بين المعاني المتعددة للكلمة في اللغة الهدف. إذا تم دراسة ارتباط الوحدات اللغوية في جملة واحدة من النص بأكمله، يسمى السياق جزئياً، وإذا تجاوز حدود الجملة وتم أخذ تأثير جملة على الجمل السابقة واللاحقة في الاعتبار، يسمى السياق كلياً. لا يمكننا تعريف حدود واضحة للسياق الكلي، لأنه يمكن أن يشمل سياق عدد من الجمل أو الفقرات أو الفصول أو حتى النص بأكمله، مثل قصة أو حكاية. أحياناً يتضح المعنى من سياق الكلمة نفسها، ولكن أحياناً أخرى يكون السياق النحوي للجملة هو الذي يوضح المعنى. وبالتالي، فإن اختيار الكلمات أولاً، وطريقة ترتيب الكلمات نحوياً ثانياً، يحددان السياق اللفظي للكلام.

أ) سياق الكلمة

بعض الكلمات لا تُعرف بمفردها ولا تحمل معنى إثباتيًا، بل يجب أن توضع في سياق الكلام لتوصل المعنى كاملاً. في القرآن الكريم، في كثير من الحالات، يمنح سياق الكلمات للفظ ظهورًا خاصًا ويحدد معناه. في الآية ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ (القمر: 55)، كلمتا “مقتدر” و”قادر” كلتاهما اسم فاعل من الأحرف الأصلية الثلاثة “ق، د، ر”، ولكن كلمة “مقتدر” بالنسبة إلى “قادر” تحمل معنى التفخيم والشدة. هنا، يحدد السياق الصرفي للكلمة مقصد المتكلم. “قادر” له مفهوم كامن، و”مقتدر” له مفهوم فعلي. هذا الاقتدار يتجلى في المشهد العملي وفي التعامل مع الآخرين عندما يكون “مليكًا” و”صاحب ملك ومملكة”. فإظهار اقتداره سيكون مناسبًا وضروريًا. لذا، يجب ترجمة “مقتدر” بـ”باقتدار” وليس بـ”قوي”.

وردت كلمة “لسان” في عدة آيات قرآنية، وتدل في كل منها على معنى مختلف بحسب الكلمات التي تسبقها أو تليها:

  • ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (البلد: ٩). بالنظر إلى أن كلمة “لسان” جاءت مع “شفتين”، يتضح أن المقصود بـ”لسان” في هذه الآية هو العضو اللحمي داخل الفم.
  • ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (إبراهيم: ٤). يدل ورود كلمة “قوم” بعد “لسان” على أن الكلمة هنا تعني “الفهم اللغوي والإدراك اللغوي” الذي يحمل بعدًا ثقافيًا ويختلف من أمة لأخرى.
  • ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا …﴾ (القصص: ٣٤). تشير كلمة “أفصح” إلى أن “لسان” هنا تعني البيان والكلام.

وبناءً عليه، يختلف المعنى القاموسي عن المعنى التركيبي والتأليفي. هنا تبرز أهمية السياق أكثر فأكثر، وتساعد علم الدلالة والمترجم على الاهتمام بالمعنى التركيبي للكلمات.

كلمة “صابئ” من الكلمات التي يتحدد معناها بناءً على سياق الكلمات قبلها أو بعدها:

  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢).
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (المائدة: ٦٩).
  • ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: ١٧).

في أوائل رسالة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ومعارضة كفار مكة له، قال عمر في كلام له: “لا صلح بيننا وبينكم، ولا رجم إلا على قتل هذا الصابئي”. كان عمر يقصد بـ”الخارج من الدين” النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

بدايةً، من الأفضل تقديم توضيح لمعنى كلمة “الصابئي”. من هم الصابئون؟ وما هو أصل هذه الكلمة؟ في “المصباح المنير” ورد أن: “صبا” تعني من خرج من دين ودخل في دين آخر. في قاموس “دهخدا”، بعد تأكيد أن الكلمة المذكورة عبرية، يقول: “الصابئة اسم يطلق على فرقتين مميزتين تمامًا:

  1. المندائيون أو الصبة: فرقة يهودية ومسيحية (بين النهرين المسيحيين) أتباع يحيى المعمدان.
  2. صابئة حران: فرقة مشركة كانت موجودة لفترة طويلة في العصر الإسلامي. الصابئة المذكورون في القرآن هم الفرقة الوسيطة بين اليهود والمسيحيين، ويُعدون من أهل الكتاب. هؤلاء هم بالتأكيد المندائيون، ويجب أن تكون هذه الكلمة مشتقة من الجذر “ص. ب. ع” [عبري]، بمعنى “الغوص في الماء”، وقد سقط حرف العين منها، وصارت تعني “المعمدون”، أي الذين يمارسون التعميد بالاغتسال في الماء. أما الصابئة المشركون، فلا يعلمون شيئًا عن هذا الأمر، وربما أطلقوا هذا الاسم على أنفسهم من باب الاحتياط للاستفادة من التسامح الذي أبداه القرآن تجاه تلك الفئة من الصابئين. كما يتضح من ظاهر الآيات، وكما ورد حاليًا في بعض التفاسير، لا يمكن وضع الخارجين عن الدين بجانب المؤمنين وأتباع موسى وعيسى. في كتاب “المفردات”، ورد في هذا الصدد أنهم كانوا جماعة من أتباع نوح، وأن ذكر هذه الجماعة في هذه الآية إلى جانب المؤمنين واليهود والنصارى دليل على أنهم كانوا متدينين بأحد الأديان السماوية ويؤمنون بالله واليوم الآخر. من الواضح أن كلمة “صابئي” في هذه الآيات تعني أتباع يحيى عليه السلام، أي الذين كانوا يؤمنون بالغسل والتعميد. هنا، لا يمكن تفسير هذه الكلمة بأنها تعني الخارجين عن الدين أو المجوس، ولأن القارئ قد يضل، فمن الأفضل للمترجم أن يذكر أن المقصود هم أتباع يحيى عليه السلام. تؤيد الآية ١٧ من سورة الحج هذا المعنى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا…﴾. وبالتالي، فإن المقصود بالصابئين في هذه الآيات هو بالتأكيد غير المجوس والمشركين.

ب) سياق الجملة

في بعض الأحيان، تكون جملة من القرآن الكريم قرينة لجملة أخرى في نفس الآية، وتؤثر في تحديد معنى الجملة الأخرى. وقد أطلق البلاغيون على هذه الجمل اسم “قيد”. ومن هذه القيود “قيد الحال”، فمثلاً جملة ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ في الآية التالية تمنع النهي العام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى …﴾ (النساء: ٤٣).

في بعض الأحيان، يؤدي سياق الجمل في الآية الواحدة إلى التوصل إلى الترجمة الصحيحة، على سبيل المثال، انتبه إلى الآية ١٢٧ من سورة النساء:

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ…﴾

الشاهد في هذه الآية هو الفعل “ترغبون”. كما نعلم، بعض الأفعال في اللغة العربية تكتسب معاني مختلفة باختلاف حروف الجر التي تتصل بها. فمثلاً، الفعل “رغب” مع حرف “في” يعني الرغبة والاهتمام، ومع حرف “عن” يعني الإعراض والكراهة. ولكن في هذه الآية، جاء الفعل المذكور بدون حرف جر. لذلك، قدر بعض المترجمين حرف الجر “في”، وبعضهم حرف الجر “عن”.

ترجمة آية الله مشكيني: “ويستفتونك في النساء (في الزواج بهن، ووارثيهن)، قل: الله يفتيكم فيهن على ما مضى في أول السورة، وفيما يتلى عليكم في هذا الكتاب في شأن يتيمات النساء اللاتي لا تؤتوهن حقوقهن المفروضة، ولا ترغبون في الزواج بهن، وفي شأن الأطفال المستضعفين الذين تأكلون أموالهم، يفتيكم في ذلك”.

ترجمة آية الله مكارم الشيرازي: “يسألونك عن حكم النساء. قل: الله يجيبكم عنهن، وما يتلى عليكم في القرآن بشأن اليتيمات اللاتي لا تعطونهن حقوقهن وتريدون الزواج بهن، وكذلك ما بين لكم بشأن الأطفال الصغار والعاجزين…”.

ترجمة الأستاذ خرمشاهي: “ويسألونك عن النساء. قل: الله يفتي فيهن. وكذلك ورد في ما يُتلى عليكم من الكتاب أن حكمه في شأن اليتيمات اللاتي لا تدفعون حقوقهن المقررة ولا ترغبون في الزواحج بهن، وكذلك الأطفال المستضعفين اليتامى والمحرومين هو أن…”.

ترجمة الأستاذ فولادوند: “ويستفتونك في أمر النساء، قل: الله يفتيكم فيهن، وفيما يتلى عليكم في الكتاب في شأن يتيمات النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كُتب لهن، وترغبون في الزواج بهن، [و] في شأن الأطفال المستضعفين، وأن تقوموا لليتامى بالقسط…”. كما نرى، الترجمات المقدمة لهذه الجملة تختلف تماماً عن بعضها. يرى العلامة الطباطبائي أنه لترجمة هذا الفعل يجب التدقيق في سياق الجمل التي تسبقه. يقول في تفسير هذه الآية:

“في الآية ﴿اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾، دفاع عن اليتيمات، حيث شرع الله لهن أحكامًا لإزالة العادة الظالمة التي كانت سائدة بين العرب. وكان سوء استغلال بعض الرجال لليتيمات يتمثل في أنهم كانوا يقدمون لهن عروض زواج طمعًا في المال والميراث الذي آل إليهن، وبعد الاستيلاء على أموالهن يبدأون في الإساءة والإهمال”. بناءً على هذا التحليل، فإن حرف الجر المحذوف في “أن تنكحوهن” هو “عن”، والمقصود هو عدم الرغبة في الزواج، لا الرغبة والميل. ويؤيد هذا المعنى جملة أخرى في الآية تشير إلى حرمان النساء: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾، وكذلك الجملة اللاحقة: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾. إذا أخذنا قرينة صدر الآية وقرينة ذيل الآية الشريفة في الاعتبار، فلن يبقى هناك أي إبهام في الآية. لذا، فإن الانتباه إلى السياق يساعد المترجم في التوصل إلى الترجمة الصحيحة.

ج) سياق الآيات

بالإضافة إلى الكلمات والجمل في آية واحدة، يتحدد معنى الآية بأكملها أحيانًا بناءً على سياق الآيات السابقة واللاحقة، وهذا ما يسمى بسياق الآيات. على سبيل المثال، الآية ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (الدخان: ٤٩). هذه الآية، دون الأخذ في الاعتبار الآيات السابقة، تبدو وكأنها نزلت في حق شخص عزيز وكريم. ولكن بالنظر إلى سياق الآيات السابقة التي تقول: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ … خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ (الدخان: ٤٣-٤٨)، يتضح أن هذه الآية تدل على حقارة وشناعة ذنب الشخص. الله سبحانه وتعالى يقول كناية: “أنت هو الشخص الذي ظننت أنك عزيز وكريم!! ولكنك الآن تذهب إلى مصيرك بذلة وإهانة”. لذا، تدل الآية على التحقير والتحكم والسخرية، وفي ترجمتها يجب استخدام علامات الترقيم الدالة على السخرية والتحقير لنقل الرسالة إلى القارئ في النص المكتوب.

٢. السياق العاطفي

إذا كان المقصود بالعاطفة المعنى العام الذي يشمل التشجيع، والترغيب، والتعجب، وما إلى ذلك. كما يغطي جميع أبعاد ومهارات الذكاء العاطفي. وبما أن تناول هذه الأبعاد والمهارات يتطلب مقالات متسلسلة، ففي هذا القسم، سيتم التركيز فقط على الأغراض العاطفية التي لها جانب تواصلي بحد ذاتها.

كما نعلم، الكلام والحديث وسيلة للتعبير عن مشاعر المتحدث، ونوع التعبير عن هذه المشاعر يسمى “السياق العاطفي”. فالتشجيع والترغيب، وإظهار الفرح والحزن، والاحترام، والتهديد، والقوة والضعف، والتأكيد والمبالغة، وطريقة التعبير ونبرة الكلام، كلها تدل على ما في نفس المتحدث. فإذا كان المتحدث سعيدًا أو حزينًا عند الكلام، أو كان مهتمًا بموضوع معين أو كارهًا له، فإن كل هذه المشاعر تؤثر في طريقة التعبير واختيار الكلمات. وفيما يلي، سنشير إلى آيات تدل على بعض هذه المشاعر.

أ) التشجيع والترغيب

التشجيع أسلوب تربوي مهم، ويعزو علماء النفس السلوكيون تشكل أي سلوك إلى التعزيزات والتشجيعات البيئية، ويعتقدون أن السلوك إذا أدى إلى مكافأة من البيئة، فإنه سيتكرر. يلاحظ هذا الموضوع في بعض آيات القرآن، ويستخدم الله تعالى هذه الطريقة لترغيب المسلمين في طاعته. على سبيل المثال، الآيتان ٢ و ٣ من سورة الحجرات لهما سياق تحفيزي وترغيبي. إن استخدام عبارة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بدلاً من “يا أيها الناس” هو تعبير مهذب خص به القرآن أمة رسول الله، ويدل سياق هذه الآيات على فضل وشرف الفئة المشمولة بهذه الآيات على غيرها. وقد قيل في ترجمة هذه العبارة: “يا أيها المؤمنون” (حجة الإسلام أنصاريان)، “يا أهل الإيمان” (الأستاذ إلهي قمشه اي)، “يا أيها الذين آمنوا” (ترجمات أخرى). هذا الأسلوب الخاص في المخاطبة يثير نوعًا من الشوق لدى المخاطب ويشجعه على تنفيذ أوامر الآية. في سورة الحجرات، تكرر هذا التعبير خمس مرات، ويمكن الاستنتاج أن الشارع كان يسعى لتحقيق غرض من هذه الطريقة في البيان، لأن تكرار لفظ ودود ومحبب يجعل القلب أكثر استعدادًا لتقبل الأمر. ثم يُذكر الطلب المقصود: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ…﴾ (الحجرات: ٢).

وفي نهاية الآية الثالثة، يتحدث عن أجر عظيم للمؤمنين الذين لم يرفعوا أصواتهم عند رسول الله أدباً: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات: ٣). هذه النتائج، المغفرة والأجر العظيم، تخلق شوقاً لخفض الصوت أدباً. لذا، فإن طريقة مخاطبة المؤمنين بتعبير خاص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ووعدهم بالثواب يحفز ويشجع المؤمنين على خفض أصواتهم عند النبي.

لا يمكن دراسة الأساليب العاطفية للترغيب والتشجيع في مقال واحد. ما ذكرناه كان أحد هذه الأساليب، وأسلوب آخر من أساليب الترغيب هو أسلوب الالتفات. على سبيل المثال، في الآية ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ…﴾ (الزمر: ٥٣)، يجب على المترجم أن يحافظ على هذا الأسلوب لضمان بقاء العاطفة الموجودة في الآية الشريفة، حتى تنتقل هذه العاطفة إلى القارئ. ولهذا الغرض، يجب الانتباه إلى تغيير نمط التعبير من المخاطب إلى الغائب ومن الغائب إلى المخاطب، والذي يهدف إلى إبقاء المخاطب في ساحة الخطاب، ويجب مراعاة هذا التغيير والتذبذب في الترجمة أيضاً.

ب) التهديد

في الآيات الأولى من سورة النبأ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، كَلَّا سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ (النبأ: ١-٥)، بسبب استخدام حرف “كلا” و”السين” وتكرار الفعل “سيعلمون”، فإن نبرة الكلام تهديدية. وقد ذكر العلامة الطباطبائي في تفسير هذه الآيات أن بعض المفسرين قالوا إن نبرة التهديد هي قرينة على أن السائلين كانوا مشركين منكري البعث، وليسوا مؤمنين ولا عموم المشركين والمؤمنين.

بشكل عام، في تفسير القرآن، يجب الانتباه إلى نبرة الآيات من خلال الأخبار التاريخية الموثوقة والروايات التي وصلتنا عن المعصومين.

ج) نبرة الكلام

أحيانًا لا يمكن فهم ما إذا كانت الجملة خبرية أو إنشائية أو استفهامية من ظاهر الكلام. هنا، يمكن فهم ذلك من السياق ونبرة الكلام. على سبيل المثال، جملة “زيد عالم” يمكن قراءتها بصيغة خبرية، أو تعجبية، أو استفهامية. نبرة الكلام هي التي تحدد المعنى. ولذلك، فإن استخدام علامات الترقيم والإملاء في الترجمة أمر ضروري لا مفر منه. ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ…﴾ (البقرة: ٢٢٨). مع أن ظاهر الآية خبري والفعل جاء بصيغة المضارع، إلا أن السياق يحدد أنه يجب ترجمة هذه الآية بنبرة أمرية، لأن كل جملة خبرية قد تحمل اختلافًا أو تعارضًا.

د) التأكيد والمبالغة

في سورة العصر، لكي يوصل الله المبالغة والتأكيد في كلامه، يتحدث بأسلوب تأكيدي. استخدام “واو القسم”، “إن”، “لام التوكيد: لفي…”، وأسلوب الاستثناء، كل هذه العناصر تدل على تأكيد الله على محتوى سورة العصر. ورود “ال” على كلمة “الإنسان” يدل على الاستغراق والمقصود به جميع البشر. أما تنكير “خسر” فهو لبيان عظمة هذا الخسران.

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (العصر: ١-٣). “بسم الله الرحمن الرحيم. أقسم بالعصر، إن جميع البشر لخاسرون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر”.

٣. سياق الموقف

المقصود بهذا السياق هو الموقف الخارجي للكلام، أي الزمان والمكان والسبب والحال الذي قيل فيه الكلام، والمعرفة بهذه الظروف تساعد على فهم الكلام بشكل أفضل. حتى قيل: “لكل مقام مقال”، أي لكل كلام مكانه ولكل نقطة مقامها. سياق الموقف هو موضوع استخدمه علماء أصول الفقه منذ القدم لفهم وإدراك المعنى، خاصة في تفسير القرآن ومعرفة أسباب النزول. كما أن عدم الانتباه إلى زمان ومكان نزول الآيات قد يؤدي أحيانًا إلى تفسير خاطئ ومخالف لمراد المتكلم. سنذكر أدناه أمثلة لآيات يجب معرفة ظروف نزولها لفهمها الصحيح ثم تقديم ترجمة دقيقة لها:

أ) زمن النزول

الآية: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة: ١١٣). “لم يكن للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين، ولو كانوا ذوي قربى، من بعد ما تبين لهم أنهم أهل الجحيم”. لقد أخطأ بعض المفسرين في القول بأن المقصود بـ”أولي قربى” في هذه الآية، الذين لا ينفع استغفار النبي والمؤمنين لحالهم، هو أبو طالب عم النبي. والحال أن سورة التوبة وهذه الآية مدنية، وقد نزلت في السنة الثامنة للهجرة، في حين أن أبا طالب توفي قبل الهجرة بثلاث سنوات.

ب) مكان النزول

﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ١٩٤). “فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين”. ورد في تفسير الطبري في ذيل هذه الآية أن بعضهم قال: لما كان المسلمون قليلين في مكة، وكان المشركون يؤذونهم باستمرار، أذن الله لهم أن يقابلوا العدوان بمثله. وعندما هاجروا إلى المدينة وتكونت الدولة الإسلامية، زال هذا الحكم. في حين أن السياق الآيات السابقة، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ…﴾ (البقرة: ١٩٠) “وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم”، يدل على أن هذه الآيات هي أحكام الجهاد التي فرضت على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة وبعد قيام الدولة الإسلامية.

يجب تفسير جميع هذه الكلمات الإشارية وتحديد مقابلها وفقاً للمتكلم، والزمان والمكان المقصودين.

ج) سبب النزول

يُقصد به الحدث أو السؤال الذي نزل على إثره جزء من القرآن. وعلى الرغم من أن محتوى الآية قد يكون واضحًا في بعض الحالات دون الحاجة إلى معرفة سبب نزولها، إلا أن معرفة هذه التفاصيل تكون مفيدة في فهم الآية بشكل أفضل، بل وفي بعض الحالات، يؤدي عدم معرفة سبب النزول إلى بقاء فهم الآية مبهمًا وإلى نوع من التشابه. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ…﴾ (المائدة: ٩٣). “ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات حرج فيما طعموا [سابقًا]؛ إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات…”. هذه الآية، دون الأخذ في الاعتبار سياق الآيات السابقة، لا ترتبط بوضوح بشرب الخمر، وبدون معرفة سبب النزول، سيظل هذا الارتباط محل شك. كما أنه ليس واضحًا في أي ظروف لا يعتبر شرب الخمر حرامًا على المؤمنين ولا ذنبًا. وبالنظر إلى سبب نزول هذه الآية الكريمة، فقد نزلت رداً على من سألوا بعد نزول آية تحريم الخمر والميسر: ما حكم المسلمين الذين شربوا الخمر ولعبوا الميسر قبل ذلك وتوفوا؟ وبناءً على هذا السؤال، يتضح مفهوم ﴿مَا طَعِمُوا﴾، والمقصود من شرب الخمر ولعب الميسر هو ما تم قبل نزول آية تحريم الخمر والميسر.

د) شأن النزول

هو حدث وقع سابقًا، ونزل جزء من القرآن في تعريفه. معرفة هذا الحدث تساعد في فهم وإدراك ذلك الجزء من القرآن. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ (الفيل: ١-٥). “بسم الله الرحمن الرحيم. ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل [جيش أبرهة الذي جاء لهدم الكعبة]؟ ألم يجعل كيدهم في ضلال؟ وأرسل عليهم طيرًا جماعات متتابعة، تقذفهم بحجارة من طين متصلب؟ فجعلهم كالقش المأكول”. وقد ورد في التاريخ أن أبرهة تحرك بجيشه على الفيلة لهدم الكعبة باتجاه مكة. ولكن في منتصف الطريق، بإذن الله، هاجمت طيور تسمى “أبابيل” هذا الجيش وهي تحمل حجارة في مناقيرها، ودمرت الجميع. في الواقع، نزول سورة الفيل هو تعريف لهذا الحدث، وعدم معرفة هذا الحدث يثير سؤالاً لدى القارئ: من هم أصحاب الفيل وماذا حدث لهم؟

٤. السياق الثقافي

هو السياق الذي يحدد البيئة الثقافية والاجتماعية التي تستخدم فيها الكلمة. فالكلمات في الحقيقة تدل على الطبقات الاجتماعية، والمستويات اللغوية (رفيع، متوسط، عامي، أو نوع اللغة: رسمية، وثائقية، ودودة، عائلية، إلخ). فمثلاً، يستخدم الأفراد من الطبقات الاجتماعية العليا كلمة “عقيلة” بينما يستخدم الأفراد من الطبقات الاجتماعية المتوسطة كلمة “زوجة”.

ولهذا السبب، فإن المصطلحات العلمية التخصصية لا تكون واضحة وذات معنى إلا لأصحاب ذلك العلم. كما أن الأفراد في المجتمع الذين لديهم ثقافة خاصة وينتمون إلى فئة معينة، لديهم خصائص ومميزات كلامية خاصة بهم لا يستخدمها الآخرون. وفيما يتعلق بآيات القرآن، فإن ثقافة زمن النزول والأوضاع الاجتماعية والعادات والتقاليد السائدة في ذلك الوقت تؤثر في فهم وترجمة الآيات.

أ) العادات والتقاليد

﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (التوبة: ٣٧). “إن تأخير الأشهر الحرم وتبديلها زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا ليوافقوا عدد ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، زُين لهم سوء أعمالهم، والله لا يهدي القوم الكافرين”. عند تفسير هذه الآية، يجب الأخذ في الاعتبار أن العرب في الجاهلية كانوا يلتزمون بحرمة الأشهر الحرم، وكانوا يتوقفون عن القتال وسفك الدماء في هذه الأشهر. ولكن أحياناً، وبناءً على مصالحهم الخاصة، كانوا يبدلون هذه الأشهر، وكانوا يظنون أنهم بمراعاة عدد الأشهر الحرم يحافظون على حرمة الشهر الحرام. ولكن هذه الآية تذكر بطلان فعلهم وتعتبره كفرًا. لذلك، نرى أنه للوصول إلى فهم صحيح، يجب معرفة ثقافة ذلك الزمان.

ب) البيئة الاجتماعية

في كل لغة، ووفقًا لمكان العيش والثقافة الاجتماعية، تستخدم كلمات أكثر ارتباطًا بالبيئة المحيطة. فاللغة تعكس اهتماماتنا. فكما أن الإسكيمو قد أنشأوا تقليديًا مجموعة من العبارات الشائعة للحديث عن الثلج، فإن المتحدثين بلغة توفالووان في منطقة المحيط الهادئ المركزي لديهم العديد من الكلمات لأنواع مختلفة من جوز الهند. في اللغة الهاوائية، كان هناك أنواع مختلفة من الكلمات للمطر. (يول 1388هـ: ٣٠٨). في اللغة العربية وفي الدول العربية أيضًا، نظرًا لبيئتهم وثقافتهم الحياتية، كان لديهم ارتباط أكبر بالحيوانات مثل الإبل، ولهذا السبب يستخدمون أسماء مختلفة لهذا الحيوان في حالات مختلفة، ويضطر المترجم للتعبير عن المعنى المقصود بذكر اسم الحيوان بصفة معينة.

  • عشار: الإبل الحوامل في شهرها العاشر. ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ (التكوير: ٤). “وحين تُهمل الإبل الحوامل في شهرها العاشر (وهي أثمن أموال ذلك العصر) وتُترك بلا صاحب”.
  • بحيرة: ناقة ولدت خمسة بطون، وولدها الخامس ذكر.
  • سائبة: ناقة كان العرب يعتقونها عن العمل للنذر.
  • حام: ناقة ولدت عشرة بطون من فحل واحد. كانت هذه الإبل مباركة للعرب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ…﴾ (المصادر: ١٠٣). “لم يجعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام”.
  • ناقة: أنثى الجمل. ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ…﴾ (الأعراف: ٧٧). “فعقروا الناقة وتمردوا على أمر ربهم”.
  • إبل: ذكور الجمل. ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (الغاشية: ١٧). “أفلا ينظر الناس إلى الإبل كيف خُلقت؟”.

ج) مراعاة الأدب

أحيانًا، بناءً على ثقافة المجتمع وحفظ الحرمات، تُعبر بعض الأمور بطريقة كنائية ومواراة، بمعنى أن الناس في المجتمع لا يذكرون صراحة بعض الأمراض المستعصية، أو الموت، أو المسائل الزوجية، وغير ذلك. وقد روعي هذا الأمر في القرآن أيضًا. في الآية ٢٢٣ من سورة البقرة، يقول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ…﴾ (البقرة: ٢٢٣). “نساؤكم موضع حرث لكم، فأتوا موضع حرثكم كيفما شئتم”. كما يتضح من الآية، فإن الله تعالى لم يستخدم كلمة مباشرة للتعبير عن موضوع الجماع مع النساء، بل عبر عنه بطريقة كنائية. لذلك، من الأفضل للمترجم أن يراعي هذا الأمر أيضًا عند الترجمة.

د) ثقافة خاصة بدين معين

بعض الألفاظ والكلمات تحمل معنى خاصًا في دين معين وعند أتباع ذلك الدين. ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا…﴾ (الجمعة: ٥). “مثل الذين كلفوا بالتوراة ثم لم يراعوها مثل الحمار الذي يحمل كتبًا”. كما يلاحظ في هذه الآية، “أسفار” جمع “سفر” بمعنى “كتاب”، ولها معنى خاص عند اليهود. ولأن المخاطب في هذه الآية هم اليهود، فقد استخدمت كلمة “أسفار” بدلاً من “كتب”.

كما أن المسيحية المحرفة تفترض وجود إله ثلاثي، ويعتبرون عيسى بن مريم إلهًا ابنًا أو ابنًا لله. ولذلك، عندما تُذكر قصة المسيح وتوجَّه الخطاب إلى المسيحيين، يُذكر هذا الأمر الذي يفهمه المسيحي تمامًا معنى هذه الكلمات. ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ…﴾ (المائدة: ٧٣). “لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو ثالث ثلاثة (الأب والابن والروح القدس)، وما من إله إلا إله واحد”.

الخاتمة

خلاصة هذه المباحث أن السياق على نوعين: سياق لفظي وغير لفظي. فتأثير الكلمات والجمل السابقة واللاحقة على معنى كل كلمة هو السياق اللفظي، وتأثير الموقف والحال والمقام الذي قيل فيه الكلام، ونبرة المتكلم، والظروف الثقافية والاجتماعية، يسمى السياق غير اللفظي. وجميع هذه العوامل تؤثر في المعنى الدلالي للكلمة. كما يتضح أن الانتباه إلى السياق والتناسب والعلاقة بين فصول القرآن ومجموعات الآيات ضروري جدًا في فهم موضوعات وأهداف القرآن. لذلك، يجب على المترجم وقارئ الآيات الإلهية، مع الأخذ في الاعتبار السياق الداخلي والخارجي للقرآن، أن يدرك المقصود الحقيقي للقرآن ليحقق النجاح في فهمه الصحيح.

المصادر

  • ابن فارس، أحمد (١٩٧٩م). “معجم مقاييس اللغة”. تحقيق: عبد السلام محمد هارون، ط ١. بيروت: دار الفكر.
  • الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد (١٤١٢هـ). “المفردات في غريب القرآن”. تحقيق: صفوان عدنان الداوودي، ط ١. دمشق، سوريا: دار الشامية.
  • رشيد رضا، محمد (بدون تاريخ). “تفسير القرآن الكريم (تفسير المنار)”. ط ٢. بيروت، لبنان: دار المعرفة.
  • صدر، محمد باقر (١٤١٠هـ). “دروس في علم الأصول”. ط ١. قم، إيران: مؤسسة النشر الإسلامي.
  • الطبري، محمد بن جرير (١٤١٢هـ). “جامع البيان في تفسير القرآن”. ط ١. بيروت، لبنان: دار المعرفة.
  • فوزي، عيسى (٢٠١١م). “علم الدلالة: النظرية والتطبيق”. ط ١. الإسكندرية، مصر: دار المعرفة.
  • الفيومي، أحمد بن محمد (١٣٨٣هـ). “المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي”. ط ٣. قم، إيران: دار الهجرة.
  • جعفري، يعقوب (بدون تاريخ). “كوثر”. بدون مكان نشر.
  • رجبي، محمود (١٣٩١هـ.ش). “طرق تفسير القرآن”. ط ٥. قم، إيران: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.
  • سعيدي روشن، محمد باقر (١٣٩١هـ.ش). “لغة القرآن ومسائله”. ط ٢. قم، إيران: پژوهشگاه حوزه و دانشگاه.
  • الطباطبائي، محمد حسين (١٣٧٤هـ.ش). “ترجمة تفسير الميزان”. مترجم: موسوي همداني، محمد باقر، ط ٥. قم، إيران: دفتر انتشارات إسلامي.
  • يول، جورج (١٣٨٥هـ.ش). “دراسة اللغة”. ترجمة: علي بهرامي، ط ٣. طهران، إيران: رهنما.
Scroll to Top