الاستصحاب في الشبهات الحكمية

نبذة

هذه المقالة تبحث عن التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهات الحكمية والموضوعية الذي ذهب اليه المحقق النراقي; وتتبعه السيد المحقق الخوئي;.

هذا التفصيل لم ينشأ عن قصور الروايات الدالة على حجية الاستصحاب لأن عموم التعليل الوارد في صحيحة زرارة يشمل الشبهات الموضوعية والحكمية على السواء، بل منشأ التفصيل هو شبهة التعارض بين استصحاب بقاء المجعول واستصحاب عدم جعل الزائد. اجاب عنها الشيخ الانصاري; والمحقق الخراساني; والمحقق النائيني; ولكن السيد الخوئي; عمقها بالصياغة الجديدة حتی ترفع عنها الإشكالات المطروحة من جانب هؤلاء الأعلام وآخر من طرح الشبهة وحلها الشهيد الصدر;.

المقدمة

ضرورة البحث عن التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهات الحكمية والموضوعية

اختلف الأصحاب في حجية الاستصحاب بين الإثبات مطلقاً، ولأنفي مطلقاً، والتفصيلات المتعددة التي منها التفصيل الذي ذهب اليه المحقق النراقي; وهو حجية الاستصحاب في الشبهات الموضوعية وعدمها في الشبهات الحكمية 1، وعلى هذا يكون الاستصحاب قاعدة فقهية يرجع اليها الشاك مطلقاً من غير فرق بين المجتهد والمقلّد الذي له اليقين السابق والشك اللاحق بالنسبة إلی الحكم الشرعي، وليس التمسك بها من وظائف المجتهد فقط، وينبغي تحريرها حينئذ في علم الفقيه لا في علم الأصول؛ لانه من هذه الجهة ليس إلّا الحكم الفرعي الذي يبيّنه المجتهد لعامة المكلفين في كتبه الفقهية، لنفس المسألة الأصولية التي بمعونتها يستنبط ذلك الحكم الكلي الفرعي، بخلاف القول بجريانه في الشبهات الحكمية والموضوعية على السواء ـ كما يستفاد من إطلاق أدلة اعتباره ـ فتكون من حيث جريانه في الشبهات الحكمية مسألة أصولية ينبغي تحقيقها في علم الأصول؛ لانطباق ضابط المسألة الأصولية عليه وهو وقوع نتيجتها كبری في قياس الاستنباط، وتكون لأنتيجة بعد ضم الصغری هو الحكم الفرعي المشترك بين المقلد والمجتهد ـ فيختص امرها بالمجتهد من حيث اليقين السابق والشك اللاحق في الحكم الشرعي الكلي؛ لأنه هو الذي يعتمد عليه في استنباط الحكم الفرعي كوجوب صالة الجمعة في حال الغيبة الذي كان متيقناً بحدوثه وشاكاً في بقائه، بعد إثباته في علم الأصول لاعتبار هذا الأصل في الشبهات الحكمية. ومن هنا يتضح إجمالاً ان هذا التفصيل تترتب عليه ثمرات مهمة في استنباط الأحكام، فلابد ان يفرد بالبحث والتحقيق، ومن هنا نبحث في الا مور التالية:

الأمر الأول: منشأ هذا التفصيل وتحديد موضوعه.

الأمر الثاني: ما أورده الشيخ الأنصاري; على هذا التفصيل والجواب عنه.

الأمر الثالث: ما ذكره المحقق الخراساني; في المقام ولأنقاش فيه.

الأمر الرابع: ما اختاره المحقق النائيني; في المسألة والتحقيق فيه.

الأمر الخامس: توضيح مراد المحقق النراقي; وتعميقه بالصياغة الجديدة من جانب المحقق الخوئي; للدفاع عنه قبال إشكالات الأصحاب.

الأمر السادس: ملاحظات حول الصياغة الجديدة لدفع الشبهات.

الأمر السابع: المشكلة الجوهرية في استصحاب بقاء المجعول.

الأمر الثامن: التحقيق في حل شبهة التعارض على ما ذهب اليه الشهيد السيد الصدر;.

نهاية المطاف في المسألة المبحوث عنها (التحقيق لأنهائي فيها).

تنبيهات حول شبهة التعارض في الشبهة الحكمية.

الأمر الأوّل: منشأ هذا التفصيل في الابحاث الأصولية

هذا التفصيل لم ينشأ عن قصور دلالية الروايات الدالة على حجية الاستصحاب؛ لأن عموم التعليل في صحيحة زرارة: «فإنه على يقين من وضوئه ولا ينقض اليقين بالشك»، ظاهر في قاعدة ارتكازية 1 ـ وهي عدم نقض اليقين بالشك ـ وعلى هذا تلغی خصوصية الوضوء في جانب اليقين وتتعدی إلی غيره من الأحكام والموضوعات، كما تلغی خصوصية لأنوم في جانب الشك وتتعدی إلی غيره من لأنواقض الأخرى، فتستفاد من عموم التعليل حجية الاستصحاب مطلقاً في الشبهات الحكمية والموضوعية على السواء، وإنما منشأ التفصيل هو شبهة التعارض بالذات ـ لا بالعرض كموارد تعارض الأصل في أطراف العلم الاجمالي ـ بين استصحاب الوجود والعدم، وأول من أثار هذه الشبهة هو المحقق النراقي; وإليك عباراته المحكية عن مناهج الأحكام حول التفصيل بين الشبهات الحكمية والموضوعية:

«والتحقيق أن تعارض الاستصحابين إن كان في حكم أو موضوع واحد فلا يمكن العمل بشيء منهما ويتساقطان، فيرجع إلی أصل البراءة وشبهه، وذلك كما إذا قال الشارع في ليلة الجمعة: صم، وقلنا: إن الأمر للفور، وكنا متوقفين في إفادته المرة والتكرار، فنقطع بوجوب صوم يوم الجمعة، ونشك في السبت، وفيه يتعارض الاستصحابان؛ لأنا كنا يوم الخميس متيقنين بعدم وقوع التكليف بصوم يوم الجمعة والسبت، وبعد ورود الأمر قطعنا بتكليف صوم يوم الجمعة وشككنا في السبت، وهذا الشك مستمر من حين ورود الأمر إلی يوم السبت، فنستصحب عدم التكليف يوم السبت بالصوم، وكذا يقطع يوم الجمعية بالصوم ويشك في السبت فيستصحب التكليف إلی وجوب الصوم، فيحصل التعارض… إلی ان قال: إنه إذا ُعلم أن الشارع أمر بالجلوس يوم الجمعة، وعلم أنه واجب إلی الزوال، ولم يعلم وجوبه فيما بعده، فنقول: كان عدم التكليف بالجلوس قبل يوم الجمعة وفيه إلی الزوال وبعده معلوماً قبل ورود أمر الشارع، وعلم بقاء ذلك العدم قبل يوم الجمعة، وعلم ارتفاعه والتكليف بالجلوس فيه قبل الزوال، وصار بعده موضع الشك، فهنا شك ويقينان، وليس إبقاء حكم أحد النقيضين أولی من إبقاء حكم  الآخر».1

وهذا الكلا م وإن دل بظاهره على عدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية الكلية سواء كانت تكليفية أو وضعية، ومن هنا نسب2 إليه منع الحجية مطلقاً، إلا أنه صرح في المستند حول استصحاب نجاسة ما جففته الشمس، بالتفصيل بين الأحكام الوضعية والتكليفية حيث قال في جواب من أورد على الاستصحاب المذكور ما هذا نصه:

«… وتحقيق المقام وتوضيحه: أن الا مور الشرعية على قسمين: أحدهما ما يمكن أن يكون المقتضي لثبوته مقتضياً له في الجملة إلی وقت كالوجوب والحرمة ونحوهما؛ فإنه يمكن إيجاب شيء أو تحريمه ساعة أو يوماً أو إلی زمان أو مع وصف. وثانيهما: ما ليس كذلك، بل المقتضي لثبوته يقتضي وجوده في الخارج، فإذا وجد فيه، لا يرتفع إلا بمزيل، وبتقرير آخر: أحدهما: ما يمكن وجوده معقّباً ومقيّداً، وثانيهما: مالا يوجد في الخارج إلا بقيد، فيكون باقياً حتی يزيله مزيل، وذلك كالملكية، فإِن البيع مثالً سبب للملكية المطلقة، فلا يزول إلا بمزيل، ولا يمكن أن يكون سبباً للملكية في ساعة، بمعنی أنه ليس كذلك شرعاً وإن أمكن عقلاً».1

وهكذا صرح في العوائد بأن جعل الأحكام الوضعية كالولا ية والقضاوة ونحوهما من الأشياء التي يحتاج رفعها إلی مزيل.2

وكيف كان يستفاد من هذه العبارات المحكية عن مناهج الأحكام، أن الشارع إذا أمر بالجلوس إلی زوال يوم الجمعة، وشك في وجوبه بعد الزوال تعارض استصحاب وجوبه مع استصحاب عدم وجوبه الذي كان متيقناً قبل الأمر بالجلوس في يوم الجمعة، وعلى هذا يحصل لنا شك بالنسبة إلی تكليف ما بعد الزوال ومتيقنان، أحدهما: وجوب الجلوس الثابت قبل الزوال، وثانيهما: عدم وجوب الجلوس الثابت قبل يوم الجمعة، فاستصحاب الوجود يعارض استصحاب العدم، ومن هنا ذهب إلی التفصيل بين الشبهات الحكمية التكليفية والشبهات الموضوعية التي لا يجري فيها استصحاب العدم.

الأمر الثاني: ما أورده الشيخ الأنصاري; على هذا التفصيل والجواب عنه

أول من ناقش هذا التفصيل هو معاصره الشيخ الأنصاري; حيث يعتقد أن منشأ توهم التعارض هو اختلاط اللحاظين في جانب استصحاب الوجود واستصحاب العدم؛ إذ حين يجري استصحاب الوجود لوحظ الوجود أمراً مستمراً والزمان ظرفاً له، وحين يجري استصحاب العدم لوحظ الوجود في كل قطعة من الزمان غير الوجود في القطعة الأخرى منه، فيؤخذ بوجوب الجلوس إلی الزوال؛ إذ هو متيقَّن ويحكم بالعدم بالنسبة إلی وجوبه بعد الزوال، ومن هنا يعترض على هذه الشبهة بما حاصله: أن الزمان في مثال وجوب الجلوس إلی الزوال يؤخذ إما قيداً للحكم أو موضوعه، وإما ظرفاً، وعلى الأوّل يلاحظ أن وجوب الجلوس المقيد بكونه إلی الزوال يغاير تماماً وجوب الجلوس المقيد بكونه بعد الزوال، فلا مجال لاستصحاب وجوب الجلوس، لأن التقييد بالزمان يوجب تعدد الموضوع ومباينة المتيقن للمشكوك، نعم يجري استصحاب العدم الأزلي المطلق؛ لأن وجوب الجلوس المقيد إلی الزوال نقض العدم المطلق إلی الزوال وحده، ولم ينقضه بالنسبة إلی ما بعد الزوال، حيث أن انتقاض العدم المطلق بالوجود المقيد لا يلازم انتقاضه المطلق، فإذا شككنا في عدم التكليف بالجلوس بالنسبة إلی ما بعد الزوال، يمكننا أن نجري استصحاب عدمه، هذا إذا فرض الزمان قيداً للحكم أو الموضوع، وأما إذا فرض ظرفاً، فلا يمكن جريان استصحاب العدم الأزلي المطلق، لانتقاضه بالوجود المطلق، بل يجري استصحاب الوجودي، ففيما يجري استصحاب العدم لا يجري استصحاب الوجود، وفيما يجري استصحاب الوجود لا يجري استصحاب العدم المطلق، ويمكننا ان نلخّص إشكال الشيخ الأنصاري;: بأن الزمان تارة يلاحظ قيداً للحكم بوجوب الجلوس أو لمتعلقه، وعلى هذا وجوب الجلوس المقيد بكونه إلی الزوال، يغاير وجوب الجلوس المقيد بكونه بعده، فلا مورد لاستصحاب الوجوب لليقين بارتفاع ما علم وجوده والشك في حدوث غيره، واُخری يلاحظ ظرفاً لوجوب الجلوس، فلا يجري استصحاب العدم، إذ هو انقلب إلی الوجود المردد بين كونه قطعة من الزمان أو أزيد منها، فيحكم بجريان استصحابه وحده، وبعبارة واضحة إن الشارع إذا أمر بالجلوس إلی زوال الجمعة، فإن كان الزمان ظرفاً للوجوب أو متعلقه جری استصحاب وجوده لا العدم؛ لانتقاضه بالوجود المطلق، وإن كان قيداً للحكم أو متعلقه فيجري استصحاب العدم لا الوجود، لأن انتقاض عدم وجود المقيد لا يستلزم انتقاض المطلق.1

هذا ولكن يناقش فيما أورده على شبهة التعارض بأن المحقق النراقي; يدعي أن الاستصحاب في الأحكام لا يجري لابتلائه دائماً بالتعارض، وهذه الدعوی تشمل جريان الاستصحابين في جانب الوجود والعدم حتی يقال: إن كل واحد منهما يجري على فرض دون آخر.

وبعبارة أُخری: هذا المحقق في فرض ظرفية الزمان يحكم بجريان استصحاب عدم وجوب الجلوس المقيد بالزوال بالنسبة إلی الزمان المتأخر عنه، ومعه لا يمكن جريان الاستصحاب وجوب الجلوس للتعارض، ولا يدعي جريان استصحاب الوجود دائماً حتی يرد عليه أنه قد يجري استصحاب الوجود، وذلك فيما إذا أُخذ الزمان قيداً2، فهذا الموضوع الواحد في كون الزمان ظرفاً لم يجعل له حكم في الأوّل إطلاقاً ولا مقيداً بحال، فيجري استصحاب عدم الجعل، ومعه لا يمكن جريان استصحاب بقاء حكمه المجعول له حال كونه مقيداً للتعارض.

وهذا نظير ما ذكره الشيخ; من عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الموضوعية إذا كان الشك في جانب المفهوم، فإذا قال المولی: أكرم العلماء، وكان زيدٌ عالماً، فزالت عنه ملكة العلم، وشك في وجوب إكرامه من جهة الشك في شمول مفهوم العالم المنقضي عنه المبدأ وانصرافه إلی المتلبس بالعلم وحده، فهنا ليس الشك من جهة الا مور الخارجية، بل الشك نشأ من سعة جعل الشارع وضيقه، فاستصحاب وجوب إكرامه المجعول له حال التلبس بالنسبة إلی زمان زوال ملكة العلم يتعارض مع استصحاب عدم جعل وجوب الإكرام له من الأوّل بالنسبة إلی حال انقضاء المبدأ.

الأمر الثالث: ما أورده المحقق الخراساني; على التفصيل والجواب عنه

ذهب المحقق الخراساني إلی أن منشأ توهم التعارض بين الاستصحابين هو اختلاط لأنظرة العرفية المسامحية بلا نظرة الدقيقة العقلية في فرض كون الزمان ظرفاً لا قيداً؛ إذ على لأنظرة الأولى يمكن جريان استصحاب الوجود، وعلى لأنظرة الثانية يجري استصحاب العدم؛ لأن الماء قبل زوال تغيره بنفسه غير الماء بعد زوال تغيره بنفسه من وجهة لأنظرة العقلية، ومن هنا اعترض على الفاضل النراقي; ـ القائل بالتفصيل ـ بأن المرجع في وحدة الموضوع وتعدده هو العرف وهو يری الموضوع واحداً، فلا يجري إلا استصحاب الوجود1.

هذا، ولكن يناقش كلا مه:

أوّلاً: بأن التعارض يتم بناءً على المسامحة العرفية والقول بوحدة الموضوع؛ إذ في مورد نجاسة الماء المتمم كراً يجري استصحاب المجعول وهو النجاسة واستصحاب عدم جعل النجاسة بعد صيرورته كراً، فيقع التعارض بين استصحاب النجاسة السابقة واستصحاب عدم جعلها بلا  نسبة إلی حال الكثرة.1

ثانياً: بأن إطلاق دليل الاستصحاب يشمل ما إذا كان الزمان ظرفاً أو قيداً على السواء؛ لأن الإطلاق لا يساوق لحاظ الحالات المتفاوتة والحكم عليها، بل إنه بمعنی عدم لحاظ قيد وحيثية طارئة، وعلى هذا فإن إطلاق دليل الاستصحاب يعم لأنظرين ويشمل ما إذا كان الزمان ظرفاً أو قيداً ولا يلزم الجمع بين النظرين؛ إذ الإطلاق هو عدم لحاظ قيد لا لحاظ عدم قيد وخصوصية حتی يقال: لا يمكن الجمع بين لحاظ عدم كون الزمان قيداً ولحاظ عدم كون الزمان ظرفاً.2

ثالثاً: بأن فرض لزوم الجمع بين اللحاظين في دليل الاستصحاب يوجب ان لا يشمل إلا واحداً منهما دائماً، فلا يصح ما قاله من انه على فرض الظرفية يشمل أحد اللحاظين، وعلى فرض القيدية يشمل اللحاظ الآخر.3

لا يقال: إن المناقشة الثانية تتهافت مع المناقشة الثالثة؛ لأن المناقشة الثانية تقوم على قبول إطلاق مدلول دليل الاستصحاب، والمناقشة الثالثة تبتني على أن مدلوله يشمل دائماً أحد اللحاظين ولا إطلاق فيه، وعلى هذا إن قلنا بالمناقشة الثانية فهي متوقفة على قبول إطلاق دليل الاستصحاب الذي يشمل كلا اللحاظين، وان قلنا بالمناقشة الثالثة فهي تتوقف على ان لا يشمل دليل الاستصحاب إلا أحد اللحاظين، لا هذا اللحاظ على فرض وذاك اللحاظ على فرض آخر، وهذا يساوق القول بعدم إطلاق دليل الاستصحاب.

لأنّه يقال: إن المناقشة الثانية تقوم على أن حقيقة الإطلاق عبارة عن رفض القيود لا أخذها، والمناقشة الثالثة تبتني على ما قاله المحقق الخراساني; من أن جريان الاستصحابين يستلزم الجمع بين اللحاظين في دليل الاستصحاب وهو غير ممكن.

وبعبارة أُخری: إن المناقشة الثانية تبتني على حقيقة الإطلاق التي هي رفض القيود، والمناقشة الثالثة تتوقف على ما فرضه صاحب الكفاية من لزوم الجمع بين اللحاظين على تقدير كلا الاستصحابين.

الأمر الرابع: ما اختاره المحقق النائيني; في المسألة والتحقيق فيه

ذهب المحقق النائيني; إلی عدم لزوم التعارض بين الاستصحابين من جهة عدم جريان استصحاب عدم الجعل واستدل بوجهين:

الوجه الأول: أن التعارض الذي فرضه المحقق النراقي; يتوقف على جريان استصحاب الوجودي والعدمي معاً، ولكن لا يجري استصحاب العدم الأزلي في المقام؛ لأن العدم الأزلي هو العدم المطلق الذي يكون كل حادث مسبوقاً به، وهذا العدم المطلق ـ الذي هو نقيض وجود كل شيء ـ ينتقض بوجود ذلك الشيء، لأن وجود كل شيء هو نقيض العدم المطلق ـ العدم الأزلي ـ ، فاذا كان العدم الأزلي مقطوع الارتفاع، فلا يمكن استصحابه، وأما عدم وجوب الجلوس المقيد بكونه بعد الزوال، فليس له حالة سابقة، لأن هذا العدم المقيد بديل عن وجوب الجلوس المقيد بكونه بعد الزوال ونقيضه، فكما أن وجود وجوب الجلوس المقيد بكونه بعد الزوال ونقيضه، فكما أن وجود وجوب الجلوس المقيد لا يمكن أن يتحقق قبل الزوال، فذلك عدم ذلك الوجود المقيد نفسه أو موضوعه؛ حفظاً لوحدة رتبة النقيضين، فيُستنتج ان العدم الأزلي المطلق إنتقض بواسطة وجود وجوب الجلوس إلی الزوال والعدم المقيد بكونه بعد الزوال لا يمكن تحققه قبل الزوال، فلا يجري استصحاب العدم الأزلي حتی يتعارض.1

ويرد عليه: أن الطبيعة المطلقة تغاير الطبيعة المقيدة، فكما أن الطبيعة المطلقة لها عدم أزلي، فكذلك للطبيعة المقيدة عدم أزلي، لأن كل حادث مسبوق بالعدم الأزلي، ولاشك في أن انتقاض العدم الأزلي في كل قضية يحصل في ضوء وجود موضوعها، فالقضية التي كانت الطبيعة المطلقة موضوعاً لها، ينتقض عدمها الأزلي بوجود موضوعها المطلق، ولكن القضية التي كانت الطبيعة المقيدة موضوعاً لها ينتقض عدمها الأزلي بوجود موضوعها المقيد، وعلى هذا فيما نحن فيه وجود وجوب الجلوس إلی الزوال لا يوجب انتقاض العدم الأزلي بالنسبة إلی المقيد بكونه بعد الزوال، سواء كان إلی الزوال قيداً للحكم أو الموضوع أو كان ظرفاً، نعم لو كان بعد الزوال ظرفاً لوجوب الجلوس المشكوك، ولم يكن قيداً للحكم أو الموضوع، فالعدم الأزلي لوجوب الجلوس بعد الزوال ينتقض قهراً، لوجود وجوب الجلوس إلی الزوال، خصوصاً إذا كان إلی الزوال أيضاً ظرفاً لا قيداً للحكم أو الموضوع، ومن هنا لابد من التفصيل في جريان أصالة العدم التي قال بها المحقق النراقي; من أن يكون الزمان ظرفاً للمستصحب في ظرف اليقين والشك جميعاً، وما يكون قيداً ففي الأوّل لا يجري إلا الأصل الوجودي، ولا يجري الأصل العدمي؛ لانتقاض العدم بالوجود، وفي الثاني لا يجري استصحاب الوجود للقطع بارتفاع المستصحب وانتفائه بانتفاء القيد أعني: الزمان الكذائي، فلا يجتمعان في مورد حتی يقع التعارض بينهما، بل لابد من أن ينظر في دليل المستصحب وأنه هو أخذ الزمان فيه ظرفاً للمستصحب حتی لا يجري إلا استصحاب الوجود، أو قيداً له حتی لا يجري إلا استصحاب العدم.

هذا هو الوجه الأوّل الذي يستفاد من عبارات فوائد الأصول ـ للشيخ المحقق الكاظمي الخراساني; ـ والجواب عنه في إطار صياغة استدلاله.

الوجه الثاني: أن المعتبر في الاستصحاب هو اتصال زمان المشكوك بالمتقين ـ لا اتصال زمان الشك باليقين ـ وفي استصحاب عدم الجعل ليس المشكوك فيه متصلاً بالمتقين؛ لان المتقين  الآخر فصل بينهما، ففي الشك في حرمة الوطء بعد انقطاع الدم يوجد المتقين الأوّل وهو عدم الحرمية، ويوجد أيضاً المتقين الثاني وهو الحرمية، والمشكوك فيه متصل بالمتقين الثاني دون الأوّل، فيجري استصحاب الحرمة دون غيرها، نظير ما إذا علمنا عدم نجاسة شيء، ثم علمنا بنجاسته، ثم شككنا في نجاسته، فهنا لا مجال لاستصحاب عدم النجاسة لانفصال المشكوك فيه عن المتقين، فيجري استصحاب النجاسة بلا معارض، وهذا الوجه وإن كان من جهة الكبری ـ وهي عدم اعتبار اتصال زمان نفس الشك بزمان اليقين نفسه ـ صحيحاً، ولكن ما أورده من جهة الصغری فيرُد عليه بأن زمان المشكوك فيه متصل بزمان المتقين، لأن اليقين بعدم جعل الحرمية واليقين بالحرمية مجتمعان معاً في زمان واحد، فلنا يقين بعدم جعل الحرمة لما بعد الانقطاع في زمان، ويقين بالحرمة حال رؤية الدم، وشك في الحرمة بعد الانقطاع، ومن المعلوم أن اليقين بالحرمة حال رؤية الدم لا يوجب نقض اليقين بعدم جعل الحرمة لما بعد الانقطاع، وبعبارة واضحة: لنا يقين بعدم جعل الحرمية لما بعد الانقطاع، وفي نفس الوقت لنا يقين بجعل الحرمة قبل الانقطاع، والمشكوك متصل بكل من اليقينين لا بأحدهما.

الأمر الخامس: توضيح مراد المحقق النراقي; وتعميقه بالصياغة الجديدة من جانب المحقق الخوئي; للدفاع عنه قبال إشكالات الأصحاب

إن العبارات السابقة إن أخذنا بظاهرها فيمكن ان يعترض عليها بالإشكالات التي سيأتي خلاصتها، ولكن يمكن تفسير مراد المحقق النراقي; بنحو فني، يدفع عنه هذه الإشكالات التي أوردها عليه الأصحاب. بيان ذلك: أن الحكم الشرعي له مرحلتان: إحداهما: مرحلة الجعل، وهي جعل الحكم على نهج القضية الحقيقية، فيفترض الشارع كل القيود التي ترتبط بالحكم ويجعل الحكم مرتبطاً بها، مثالً يجعل وجوب الحج للإنسان المستطيع من حيث المال وصحة البدن وعدم سد الطريق، وحين نلاحظ هذا الجعل نجد أنه أمر فعلي، ومن هنا كل ما شك في بقائه وإلغائه، يجري استصحاب بقائه بلا إشكال. ثانيتهما: مرحلة المجعول والحكم المنشأ: فالنجاسة مجعولة للماء المتغير، ولكن لم يعلم أنها لمطلق الماء المتغير ولو زال تغيره من نفسه، أو للماء المتغير بالتغير الفعلي، وكلما كان المجعول مورداً كذلك، كان الجعل أيضاً مردداً بين الأقل والأكثر. لأن جعل النجاسة للفترة القصيرة معلوم وللفترة الإضافية مشكوك، فيحكم باستصحاب عدم الجعل الزائد.

وعلى هذا المبنی من التمييز بين الجعل والمجعول، جعل السيد الخوئي; كلا م المحقق النراقي; في صياغة جديدة وهي: إن الشك في الحكم الشرعي تارة يرتبط بمقام الجعل، ولو لم يكن المجعول فعلياً؛ لعدم تحقق موضوعه في الخارج، كما إذا علمنا جعل الشارع القصاص في الشريعة ـ ولو لم يكن الحكم به فعلياً، لعدم تحقيق القتل في الخارج ـ فشك في بقائه فيحكم بجريان استصحابه، وهذا خارج عن محل الكلا م؛ لأنه مع وجود إطلاق قوله: «حلال محمد حلال إلی يوم القيامة»، لا محال لهذا الاستصحاب، واُخری يرتبط بالمجعول، والشك في بقائه يرجع إما إلی دائرة المجعول من حيث السعة والضيق، كأن نعلم أن حرمة وطء الحائض إلی حين وجود الدم أو حين الاغتسال، ولا يخفی أن هذا لأنوع من الشك يستلزم الشك في الموضوع، لأن لانعلم أن موضوع الحرمة هل هو الوطء إلی حين وجود الدم أو إلی حين قبل الاغتسال، ولو لم يكن الدم، ومن المعلوم أن الشك هنا ينشأ عما جعله الشارع ويسمی بالشبهة الحكمية، وأما إلی الا مور الخارجية بعد العلم بحدود المجعول من جهة السعة والضيق من جانب الشارع، كأن شككنا في انقطاع الدم بعد العلم بعدم حرمة الوطء بعد الانقطاع وقبل الاغتسال، ويسمی هذا لأنوع من الشك بالشبهة الموضوعية؛ لأن الشك في الانطباق لا في مجعول الشارع من جهة السعة والضيق.

ففي الشبهات الحكمية إن كان الزمان فيها مفرداً للموضوع وكان الحكم انحلالياً، فلا يمكن جريان الاستصحاب، وإن قلنا بجريانه في الشبهات الحكمية؛ لأن الزمان يفرد الموضوع، وبتفرده ينحل الحكم بتعداد أفراد الموضوع في طول الزمان، کما في حرمة وطء الحائض حيث تنحل الحرمية بتعداد وطئها في طول زمن الحيض إلی آخره، فلا يمكن جريان استصحاب الحرمية بالنسبة إلی وطء بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال؛ لان هذا الفرد الخاص لم نعلم حرمته حتی تُستصحب، ولو قلنا بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية، نعم إلافراد المفروضة من أول الحيض إلی انقطاع الدم كانت متيقنة الحرمة، ولكن سقطت حرمتها إما بالامتثال وإما بالعصيان، وإن لميكن الزمان مفرداً ولم يكن الحكم انحلالياً كنجاسة الماء القليل المتمم كراً حيث أن النجاسة حكم واحد من أول حدوثها إلی زوالها، والماء القليل المتمم كراً أيضاً كشيء واحد في طول الزمان عرفاً، فلا يجري الاستصحاب في هذا القسم لابتلائه بالمعارض، فإذا شك في بقاء نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره فلنا يقين متعلق بالمجعول ويقين متعلق بالجعل، فإذا لاحظنا جانب الجعل فيجري استصحاب عدم جعل النجاسة للماء المتغير بعد زوال التغير، إذا القدر المتيقن هو جعلها للماء المتغير وحده، لا الماء المتغير مطلقاً، ولو زال تغيره، فيكون المقام بالنسبة إلی الجعل من قبيل دوران الأمر بين الأقل والأكثر، فيؤخذ بالأقل لكونه متيقناً ويحكم بجريان أصل البراءة في الأكثر لكونه مشكوكاً.1

ولا يخفی أن جعل كلا م المحقق النراقي; في إطار هذا التقريب لا ترد عليه المناقشات التالية:

1ـ ما أورد عليه الشيخ الأنصاري; من أن الزمان ان كان مفرداً، فلا معنی لاستصحاب الحكم والمجعول، وإن كان ظرفاً فلا يمكن جريان استصحاب العدم.2

والجواب عنه: إن الزمان ظرف والمستصحب هو عدم الجعل الزائد، لا عدم بقاء المجعول.

فيقع التعارض بين استصحاب المجعول واستصحاب عدم الجعل الزائد.

2ـ ما أورد المحقق النراقي; نفسه من أن الاستصحاب لابد من اتصال زمان الشك بزمان اليقين، وبالنسبة إلی استصحاب عدم الجعل الزائد لاتصال بين الزمانين؛ لأن اليقين بعدم الجعل الأزلي يفصل بينه وبين الشك زمان ثالث وهو زمان العلم بالنجاسة حين فعلية موضوعها.1

وجوابه: أن المستصحب في جانب استصحاب عدم الجعل ليس هو عدم المجعول بل عدم الجعل الزائد، وهو مشكوك من أول الشريعة، وعلى هذا يتصل زمان اليقين بعدم الجعل الزائد بزمان الشك فيه، وبعبارة أُخری: إن وجوب الجلوس قبل زوال الجمعة ـ في المثال السابق ـ يتصل زمان الشك في جعل الزائد بزمان اليقين، حيث أن يوم الخميس لنا يقين بالنسبة إلی عدم الجعل وشك بالنسبة إلی الجعل الزائد المرتبط ببعد الزوال، فزمان الشك لعدم الجعل الزائد يتصل بزمان اليقين بعدم الجعل.

3ـ ما أورده المحقق النائيني; من أن استصحاب عدم الجعل في نفسه لا يجري؛ لعدم ترتب الأثر العملي عليه؛ لأن جعل الأحكام ليس إلا إنشاءها وإنشاء الحكم مع فرض العلم التعبدي به ليس موضوعاً الأثر الشرعي أو العقلي من وجوب الطاعة وحرمة المعصية، وإنما الآثار عقلية كانت أو شرعية، تترتب على المجعول، وعلى هذا لو فرضنا العلم الوجداني أو التعبدي بالجعل، من دون تحقق المجعول، لم يحكم العقل بوجوب الإطاعة.2

والجواب: إن المنجزية أثر للجعل والموضوع معاً، مثالً وجوب الحج يترتب على جعل وجوبه وتشريعه وتحقق موضوعه ـ وهو المستطيع ـ معاً، فالجعل يكون قابلا للتنجيز لدی تحقق موضوعه، فأي جزء من هذين الجزئين انتفی بالاستصحاب، يرتفع تنجيز وجوب الحج.

4ـ ما أورده الشهيد الصدر; على المحقق الخوئي; في مجلس درسه من أن استصحاب عدم جعل الوجوب في مثال وجوب الجلوس إلی زوال الجمعية او عدم جعل النجاسة في المثال السابق، معارض باستصحاب عدم جعل الإباحة أو الطهارة؛ للعلم الإجمالي بتشريع أحدهما من جانب الشارع بعد انتهاء عصر التشريع، فيجري استصحاب بقاء المجعول بلا معارض.1

والجواب عنه بالوجوه التالية:

الوجه الأوّل: أن استصحاب عدم جعل الحلية أو الرخصة لا محال له؛ للعلم بانتقاضه في ضوء تشريعات الأحكام الإلزامية تدريجاً في صدر الإسلام، فلا يجري استصحاب عدم جعل الإباحة أو الرخصة؛ لأن جميع الأشياء وإن كانت على الإباحة والترخيص، ولكن نعلم بانتقاضها بتشريع الواجبات والمحرمات، فالمجال ألجل عدم جعل الحلية عليه أو الرخصة.

الوجه الثاني: إن استصحاب عدم جعل الحلية لا يعارض استصحاب عدم جعل الحرمة؛ لإمكان التعبد بكل من الأصلين وعدم تنافيهما، لأن التعارض بينهما إما من جهة تنافي مدلولها مع قطع لأنظر عن المخالفة القطعية العملية، فلا يمكن التعبد بالمتنافيين، فيقع التعارض بينهما ويتساقطان، وإما من جهة استلزام العمل بهما المخالفة العملية القطعية، كالأصلين النافيين في أطراف العلم الإجمالي لأن العمل بهما معاً يخالف العلم الإجمالي. وكلا الأمرين غير موجود في المقام، لعدم المنافاة بين أصالة عدم جعل الحلية وأصالة عدم جعل الحرمية؛ لأن الحلية والحرمية أمران متضادان، فلا يلزم من التعبد بكلا الأصلين إلا ارتفاع الضدين، ولا تلزم المخالفة العملية أيضاً، بل تلزم المخالفة الالتزامية كالحكم بالتخيير بين المحذورين حيث أن الحكم الواقعي هو إما الوجوب وإما الحرمة، لا التخيير، ولكن من جهة العمل لا تلزم المخالفة القطعية.

الوجه الثالث: أن التعارض يقع بين استصحاب عدم جعل الحرمية واستصحاب عدم جعل الحلية واستصحاب بقاء المجعول في مرتبة واحدة، فيحكم بتساقط كلها؛ لأن الاستصحابين الأوّليين ليسا متقدمين على الأصل الثالث حتی يقع التعارض بينهما، وتصل النوبة إلی استصحاب بقاء المجعول بدون ان يكون له معارض؛ لأن استصحاب بقائه لا يتوقف إلا على فعلية اليقين والشك على فرض وجود الموضوع.

وكل مجتهد التفت إلی الحكم المذكور ـ أي حرمة وطء الحائض بعد انقطاع دمها ـ يحصل له اليقين بحرمة الوطء حين رؤية الدم، واليقين بعدم جعل الاباحة في الصدر الاول من الاسلام، واليقين بعدم جعل الحرمية قبل نزول إلا الآية الشريفة ﴿فَاعْتَزِلُوا لأنسَاءَ﴾1 ويحصل له الشك في حرمة الوطء بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال، وكل واحد من هذه الامور فعلي عند الافتاء على فرض وجود الموضوع، فيقع التعارض بين الأصول الثلاثة في مرتبة واحدة، ويحكم بتساقطها جميعاً.

لا يقال: إن أصالة عدم جعل الحرمة حاكمة على استصحاب بقاء المجعول؛ لأن الشك في بقاء الحرمة مسبب عن الشك في سعة جعل وضيقها، فأصالة عدم جعل الحرمية توجب رفع الشك بالنسبة إلی بقاء المجعول، فلا مجال لاستصحاب بقائه.

لأن الملاك في تقدم الأصل السببي هو كون المشكوك في أحد الأصلين أثراً مجعولاً شرعياً الأصل الآخر، مثالً طهارة الثوب المغسول بالماء المشكوك من حدث الطهارة والنجاسة من آثار طهارة الماء شرعاً، فاذا حكم بأصالة الطهارة بالنسبة إلی الماء يستنتج طهارة الثوب أيضاً، لأن طهارته من آثار طهارة الماء شرعاً.

نعم عدم جعل الحرمة ملازم تكويناً لعدم الحرمة في الخارج، ولكن التلازم كما أشرنا تكويني لاشرعي، ومن هنا لا يحكم بتقديم أصالة عدم جعل الحرمية على أصل بقاء الحرمة.

هذا حاصل ما بيّنه المحقق الخوئي; في شرح مراده ودفاعه عن التفصيل في جريان الاستصحاب بين الشبهات الحكمية الإلزامية والشبهات الموضوعية قبال الإشكالات التي أوردها الأصحاب في المقام، لأنها ربما تورد على الصياغة السابقة من التفصيل لا الصياغة الجديدة التي بيّنها المحقق الخوئي;، وقد تعترض على هذه الصياغة الجديدة أيضاً مناقشات لا أساس لها، ومن هنا لابد من بيانها وإثبات عدم صحتها عبر الملاحظات التالية.

الأمر السادس: ملاحظات حول الصياغة للتفصيل

الملاحظة الأولى: قد يتصور أن المقصود من استصحاب عدم الجعل هو استصحاب عدم اللحاظ الزائد حين الجعل، وكأنه تصور أن الجعل الزائد مساو للحاظ الزائد، فأورد عليه بأن التقابل بين الإطلاق والتقييد هو السلب والا يجاب أو العدم والملكة لا الضدين، فلا يمكن استصحاب عدم اللحاظ الزائد، هذا ولكن المقصود من استصحاب عدم الجعل هو استصحاب عدم الجعل نفسه، لا عدم اللحاظ الزائد، ولو كان المقصود من عدم الجعل هو عدم اللحاظ، لا يشكل عليه حتی بناءً على كون التقابل بين الإطلاق والتقييد هو التضاد؛ لأن استصحاب عدم اللحاظ الزائد لا يثبت استصحاب عدم الجعل إلا على القول بالأصل المثبت؛ لأن نسبة لحاظ المولی إلی جعله، كنسبة حياته إلی جعله، وبعبارة أُخری: إن اللحاظ من الشرائط التكوينية للجعل، فلا يمكن إثبات عدم الجعل مع استصحاب عدم اللحاظ إلا بالأصل المثبت.

الملاحظة الثانية: قد يتصور انه لا معنی لاستصحاب عدم الجعل الزائد لعدم دوران الأمر بين الأقل والأكثر في عالم الجعل، بل يدور الأمر بين المتباينين؛ لأن الجعل الزائد إنما يتصور فيما إذا فرض جعل واحد، ولكن تعلق بالحصة التفصيلية فكأنه جعل النجاسة حين تغير الماء بعنوانه، وشك في جعلها له بعد زوال تغيره، فيكون الجعل دائراً بين الأقل والأكثر مع التوجه لذاتي الجعلين مع غض لأنظر عن حديهما، نظير ما يقال في بحث الأقل والأكثر في المتعلق؛ لأن جعل وجوب الصالة مع السورة وجعل وجوبها بلا  سورة بلحاظ حديهما متباينان، ولكن بلحاظ ذاتي الجعلين، مع قطع لأنظر عن حديهما، يكون من قبيل الأقل والأكثر، ولكن هذا خالف الفرض، لأن الإطلاق والعموم في مورد الجعل ليس مرآة للحصص بعناوينها التفصيلية، بل الإطلاق مرآة لذات الجامع وحده، فالأمر يدور بين جعل على الجامع بنحو الإطلاق أو العموم، أو جعل على الحصة الأوّلی، وهما دائران بين المتباينين لا الأقل والأكثر، فلا معنی لاستصحاب عدم الجعل الزائد.

هذا ولكن هذا التصور غير تام، وكأنه ناشئ من تعبير المحقق الخوئي; وتشبيهه للمقام بباب الأقل والأكثر وإلا فمقصوده الواقعي هو إرادة استصحاب عدم جعل يشمل الحصة الثانية بنحو الجعل على الجامع المنطبق على هذه الحصة، ولا يعارض استصحاب عدم جعل متعلق بالحصة الأولى فقط، إذ لا أثر لهذا الاستصحاب، فإنه إن أريد به نفي أصل الحكم في الحصة الأولى فالحكم بالنسبة إليها مقطوع به، وإن أريد به إثبات تعلق الجعل بالمطلق، فهو من الأصل المثبت.

الملاحظة الثالثة: قد يناقش في شبهة التعارض بأن استصحاب بقاء المجعول يثبت إطلاق المجعول في الحكم المعلوم بالنسبة إلی الحصة الثانية، واستصحاب عدم الجعل ينفي ثبوت جعل للحصة الثانية بالخصوص، وهذان ليسا متنافيين أصلاً، بل هما من قبيل المطلق والمقيد.

وفيه أولاً: أن استصحاب عدم جعل زائد لا يراد به نفي جعل خاص بالحصة الثانية، بل يراد به نفي جعل عام يشمل الحصة الثانية، وهو مناف لاستصحاب بقاء المجعول للحكم المعلوم كما لا يخفی.

وثانياً: أن استصحاب بقاء المجعول لا يثبت إطلاق المجعول أصلاً، بل يثبت بقاء المجعول على إهماله وإن كان مستلزماً لإطلاق الحكم، ولكنه استلزام عقلي.

الأمر السابع: المشكلة الجوهرية في استصحاب بقاء المجعول

إن استصحاب بقاء المجعول ُيبتلی بنقطة فراغ لو ملئت تنحل شبهة التعارض، والمحقق الخوئي; مع قطع النظر عن هذه النقطة قال بجريان استصحاب بقاء المجعول، ثم فحص عن المعارض، ولكن قبل التفتيش عن المعارض وإجراء أصالة عدم الجعل الزائد، لابد من دفع الإشكال الذي يواجهه إجراء الاستصحاب بالنسبة إلی بقاء المجعول، إذ مع عدم دفعه لا يمكن جريان استصحابه، ومع حله والجواب عنه، تنحل شبهة التعارض.

وحاصل هذا الاشكال: أن المجعول ليس أمراً حقيقياً بل أمر اعتباريٌّ يوجد لوجود جعله رأساً، فليس المجعول أمراً تدريجياً يوجد في الخارج منفصلاً عن جعله واعتباره، وعلى هذا تكون الحصة الثانية المشكوكة من المجعول ـ على تقدير ثبوتها ـ معاصرة للحصة الأوّلی، وليست بقاءً لها، اذ هما موجودتان بجعل واحد وفي آن واحد، مع أن المعتبر في الاستصحاب هو كون الحصة البقائية امتداداً وبقاءً للمستصحب ومتفرعة عليه، وفيما إذا كانت الحصة المشكوكة معاصرة زماناً للمتيقن، ولم يكن بينهما طولية، فلا يتصور الامتداد والبقاء بالنسبة اليه؛ إذ لم تكن الحصة المشكوكة متفرعة على الحصة الحدوثية حتی يصدق أنهما امتداد وبقاء بالنسبة إلی الحصة الحدوثية، فلا يمكن استصحاب بقاء المجعول حتی يعارض استصحاب عدم الجعل الزائد، وهذه المشكلة هي المشكلة الأساسية التي يواجهها استصحاب بقاء المجعول، ولم يلتفت إليها الأصحاب إلا الشيخ العراقي; الذي أشار إلی جانب منها في بحث اعتبار اتحاد القضية المتيقنة مع القضية المشكوكة كما سيأتي كلامه.

ويمكن أن يتصور أن هذه المشكلة تنحل بوجه من الوجوه التالية:

(الحاشية 1، الصفحة 8) الشك في بقاء المجعول الشرعي إن كان ألجل الشك في سعة دائرة المجعول وضيقها من قبل الشارع، فيسمی هذا الشك بالشبهة الحكمية، كما اذا كان الشك في ان المجعول الشرعي هو حرمة وطء الحائض حين وجود الدم فقط او الی حين الاغتسال، ومن المعلوم ان هذا لأنوع من الشك يستلزم الشك في الموضوع لا محالة؛ لأن موضوع الحرمية لا يعلم انه هو وطء واجد الدم او المحدثة بحدث الحيض. وان كان الشك من جهة الا مور الخارجية بعد العلم بحدود المجعول سعة وضيقاً فيُعبر عنه بالشبهة الموضوعية، كما اذا كان الشك في انقطاع الدم بعد العلم بحرمية الوطء بعد الانقطاع وقبل الاغتسال.

(الحاشية 1، الصفحة 10) هذه القاعدة وإن كانت ارتكازية عند العقلاء، ولكن تطبيقها على الاستصحاب كان بالتعبد بدلالة الروايات.

(الحاشية 1، الصفحة 11) النراقي، مناهج الاحكام، ص239؛ راجع: الانصاري، فرائد الاصول، ج2، ص762.

(الحاشية 2، الصفحة 11) الواعظ الحسيني، مصباح الأصول، ج3، ص 36.

(الحاشية 1، الصفحة 12) النراقي، مستند الشيعة، ج1، ص 55.

(الحاشية 2، الصفحة 12) وإليك نص عباراته «وكذا الحال في الا مور الشرعية من الاحكام التكليفية والوضعية، فإن منها ما يقتضي وجوده في زمان بقائه في آخر لولا المزيل، ومنها ما يقتضيه فلا يرتفع الا برافعه. فالأول: كالوجوب والتحريم ونحوهما، والثاني: كالطهارة والنجاسة والحدث والملكية والرقية وأمثالها، فإن وجوب الشيء في زمان أو حال أو حرمته لا يقتضي بقاء الوجوب او الحرمية في زمان آخر أو حال آخر، وإن لم يطرأ مزيل ورافع، بل يمكن أن يكون المتحقق أوّلاً هو الوجوب المقيد، بخالف الطهارة وأمثالها، فإن وجودها في زمان كاف في ايجاب بقائها في زمان بعده لولا ورود الرافع عليها، وال يمكن أن يتحقق أوّلاً محدوداً بحدّ… وكذا النجاسة والملكية ونحوهما. وهذا العلم حاصل من تتبع الأدلة والفتاوی واستقراء جزئيات الموارد، ثم إنه يظهر الفرق بين هذين القسمين في الاستصحاب، فإن ما كان من الثاني يمكن استصحابه مطلقاً وبعد وجوده لا يعارضه استصحاب…» (النراقي، عوائد الا يام، ص212).

(الحاشية 1، الصفحة 14) الأنصاري، فرائد الأصول، ج2، ص 764.

(الحاشية 2، الصفحة 14) الخمیني، الرسائل، ص 158.

(الحاشية 1، الصفحة 15) واليك نص عبارته: «لا يقال: إن الزمان لا محالة يكون من قيود الموضوع وإن أُخذ ظرفاً لثبوت الحكم في استصحاب عدمه دليله، ضرورة دخل مثل الزمان فيما هو المناط لثبوته، فلا مجال إ فإّنه يقال: نعم، لو كانت العبرة في تعيين الموضوع بالدقة ونظر العقل، وأما اذا كانت العبرة بنظر العرف فالشبهة في أن الفعل بهذا لأنظر موضوع واحد في زمانين قطع بثبوت الحكم له في الزمان الأوّل وشك في بقاء هذا الحكم له وارتفاعه في الزمان الثاني، فلا يكون مجال لا استصحاب ثبوته. لا يقال: فاستصحاب كل واحد من الثبوت والعدم يجري؛ لثبوت كلا النظرين، ويقع التعارض بين الاستصحابين كما قيل. فإّنه يقال: إنما يكون ذلك لو كان الدليل بمفهومه يعم النظرين، وإلا فلا يكاد يصح إلا إذا سبق بأحدهما؛ لعدم إمكان الجمع بينهما، لكمال المنافاة بينهما. (الخراساني، كفاية الأصول، ص410).

(الحاشية 1، الصفحة 16) راجع: الواعظ الحسیني، محمد سرور، مصباح الاصول، ج3، ص 39.

(الحاشية 2، الصفحة 16) راجع: الخمیني، الرسائل، ص 159.

(الحاشية 3، الصفحة 16) نفس المصدر.

(الحاشية 1، الصفحة 18) الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، ج4، ص 165.

(الحاشية 1، الصفحة 22) راجع: الواعظ الحسيني، مصباح الأصول، ج3، ص 36-38.

(الحاشية 2، الصفحة 22) الأنصاري، فرائد الأصول، ج2، ص 764.

(الحاشية 1، الصفحة 23) راجع: الكاظمي الخراساني، فوائد الاصول، ج4، ص443.

(الحاشية 2، الصفحة 23) الكاظمي الخراساني، فوائد الأصول، ج4، ص445.

(الحاشية 1، الصفحة 24) الهاشمي الشاهرودي، بحوث في علم الاصول، ج6، ص 139.

(الحاشية 1، الصفحة 25) البقرة، 222.

مصادر التحقيق

  1. الأنصاري، مرتضی(1375ش)، فرائد الأصول، قم، مطبعة اسماعيليان.
  2. البروجردي، محمد تقي(1417)، نهاية الأفكار، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
  3. الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، قم، مؤسسة آل البيت.:
  4. الخميني، السيد روح الله(1385ق)، الرسائل، قم، مطبعة اسماعيليان.
  5. الصدر، محمد باقر(1987)، دروس في علم أصول، الحلقة الثالثة، بيروت، دار الكتاب اللبناني.
  6. الطوسي، محمد بن الحسن(1290ش)، تهذيب الأحكام، تهران، دار الكتب الإسلامية
  7. الكاظمي الخراساني، محمد علي(1417)، فوائد الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي.
  8. مروج، سيد محمد جعفر(1465)، منتهى الدراية، قم، دار الكتاب جزائري.
  9. النراقي، احمد بن محمد مهدي (1415)، مستند الشيعة، مشهد، مؤسسة آل البيت.:
  10. النراقي، احمد بن محمد مهدي(بيتا)، مناهج الأحكام، تهران.
  11. الواعظ الحسيني البهسودي، محمد سرور(1422)، مصباح الاصول، قم، نشر الفقاهة.
  12. الهاشمي الشاهرودي، السيد محمود(1417)، بحوث في علم الاصول، قم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
Scroll to Top