الملخص: يمكن اعتبار فترة إمامة الإمام السجاد (ع) الطويلة نسبيًا من أكثر الفترات حساسية بالنسبة لعصر الإمامة والشيعة. إن استشهاد الأتباع المخلصين والصادقين في واقعة عاشوراء العظيمة، وكون عددهم لا يتجاوز أصابع اليد في بداية إمامة ذلك الإمام، وجرأة أعداء أهل البيت (ع) في قمع الثورات الشيعية، كل ذلك دفع الإمام إلى الامتناع عن الأنشطة السياسية العلنية التي كانت لتؤدي إلى استشهاد الشيعة وربما الإمام نفسه، والتوجه بدلًا من ذلك إلى الأنشطة الثقافية في مختلف المجالات. ومن خلال تقديم الثقافة والتعاليم الإسلامية الأصيلة، عمل على بناء الكوادر في العصر الأموي لنقل تعاليم أهل البيت (ع)، ومهّد الأرضية لنشر التشيع على المدى الطويل وتمكين الشيعة من الوصول إلى تشكيل حكومة شيعية. وقد تم تنظيم هذا المقال للإجابة عن هذا التساؤل: ما هو دور الإمام السجاد (ع) في تنشئة الكوادر ونشر التشيع وثقافة أهل البيت (ع)؟ وما هي الأساليب والإجراءات التي اتخذها ذلك الإمام للحفاظ على الشيعة وتوسيع رقعتهم كمّيًا؟ إن النتيجة الأساسية للمقال هي أن الإمام (ع) وظّف معظم جهوده في سبيل بناء القدرات لنشر ثقافة أهل البيت (ع) والتشيع، وعلى الرغم من القمع الشديد، فقد مهّد الأرضية لتأسيس المراكز العلمية على يد الصادقين (ع)، والتي كان لها دور عظيم في نشر التشيع.
مقدمة
تزامنت فترة إمامة الإمام السجاد (ع) التي دامت ٣٤ عامًا، والتي بدأت من عصر عاشوراء سنة (٦١ هـ)، مع تحولات سياسية وعسكرية كبرى، مثل زحف الأمويين إلى المدينة لمواجهة ثورة أهل المدينة، وهجومهم على مكة للقضاء على منافسهم الجاد آل الزبير. وفي هذه الفترة نفسها، انتقلت الخلافة من الفرع السفياني لبني أمية إلى الفرع المرواني، وأصبحت الأراضي الإسلامية لسنوات عدة أكثر اضطرابًا من ذي قبل، وازدادت المنافسات والمواجهات بدوافع مختلفة ومن أجل السلطة، وحلّت التجزئة والتوتر والعصبيات القبلية محل الوحدة والمركزية. كما شهد هذا العصر ثورات شيعية مثل ثورة التوابين والمختار، وبعد سنوات قليلة، قامت ثورة واسعة أخرى بقيادة عبد الرحمن بن الأشعث الكندي في شرق أراضي الخلافة ضد الأمويين. وعلى الرغم من ذلك، حكم الأمويون بقمع هذه التحركات وبنفس السياسة التي أسسها مؤسس هذه السلالة، أي معاوية. وهي سياسة كان أساسها يقوم على التعصب العربي للعجم، والتمييز المالي، والابتعاد عن التعاليم والقيم الإسلامية، واللجوء إلى العنف ونبذ المعارضين بأي وسيلة كانت. وفي مثل هذه الأجواء المتوترة والمخنوقة، كان يعيش الإمام السجاد (ع) والعدد القليل من شيعته. وكانت هذه الظروف الصعبة تتطلب سياسة واستراتيجية خاصة للحفاظ على الشيعة المؤمنين وتوسيع رقعتهم كمّيًا وتعميق إيمانهم. ولتحقيق هذا الهدف المهم، انتهج الإمام السجاد (ع) نهج التقية والجهد الثقافي المركز، الذي كانت الحاجة إليه ماسة في تلك الظروف، فمهّد الأرضية لنشر ثقافة أهل البيت (ع)، ومن خلال خلق قدرات متنوعة، أدى إلى زيادة تدريجية في أتباع المذهب الشيعي. يسعى هذا البحث إلى دراسة وتحليل دور الإمام السجاد (ع) في نشر التشيع وثقافة أهل البيت. والسؤال الرئيس في هذا المقال هو: ما هي استراتيجية الإمام السجاد (ع) في نشر التشيع، وما هي آلياته لتعريف الناس بمدرسة أهل البيت؟ وبعبارة أخرى، كيف كان للإمام السجاد (ع) دور في تقوية التشيع؟ وقد تم تنظيم هذا المقال للإجابة على هذه الأسئلة في المحاور التالية.
١. الوضع الثقافي في عصر الإمام السجاد (ع)
في هذه الفترة، شاعت في المجتمع عقائد منحرفة مثل فكرة الجبر والتشبيه والإرجاء. وبسبب انسجام حكام بني أمية مع الجبرية، تحول هذا التيار إلى توجه فكري وكلامي؛ إذ كان الحكام الأمويون يستطيعون تبرير أعمالهم بناءً على عقيدة الجبر. فعلى سبيل المثال، بعد فاجعة عاشوراء المؤلمة، قال عبيد الله بن زياد مشيرًا إلى الإمام السجاد (ع): “أوليس الله قد قتل علي بن الحسين؟”. كما اعتبر يزيد في خطابه لذلك الإمام أن سبب استشهاد أبيه هو معارضته للحكومة. ويلاحظ كيف أن استشهاد الإمام الحسين (ع) وأصحابه اعتبره حكام بني أمية أمرًا جبريًا ونسبوه إلى الله لكي يبرروا بذلك أعمالهم. في هذه الفترة، ظهرت في المجتمع أيضًا قضايا مثل وضع الحديث، وظهور وهيمنة الأفكار المنحرفة والمذاهب الكلامية مثل المرجئة، مما أدى إلى تفرقه. وكانت المعتزلة أيضًا في طور التكوين. وفيما يتعلق بالأحكام والمسائل الفقهية، لم يكن الوضع أفضل من ذلك. فمن المسلم به أنه عندما يبتعد الناس عن أهل البيت (ع)، لا يمكن توقع أكثر من هذا. وبحسب نقل المسعودي، كان يزيد رجلًا عابثًا مدمنًا على الخمر، وقد طغى فسقه على من حوله وعماله. وفي عهده، ازدهر الغناء في مكة والمدينة، واستُخدمت آلات اللهو واللعب، وجاهر الناس بشرب الخمر. وقيل إن غالبية الناس في تلك الفترة لم يكونوا يعرفون كيفية أداء الفرائض الدينية بشكل صحيح، حتى إن أنس بن مالك ذكر وهو يبكي أنه لم يعرف شيئًا مما أدركه سوى الصلاة، وهي الأخرى قد ضُيعت. ونُقل عن الحسن البصري قوله: “لو دخل عليكم أصحاب رسول الله (ص) لما عرفوا منكم إلا قبلتكم”. وفي هذا الوقت نفسه، وبعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، بدأت بذور الفرق الشيعية تنمو، وظهرت خلافات في الرأي بين الشيعة حول الإمام والقائد، مما أدى إلى ظهور الفرقة الشيعية الكيسانية. وقد تسبب هذا التوجه المذهبي في تشكيل أول فرقة في تاريخ التشيع وبداية الانحراف فيه. ويمكن فهم مقصود الإمام الصادق (ع) من حديث “ارتد الناس بعد قتل الحسين (ع) إلا ثلاثة” بأنه ارتداد الناس عن الإمامة الحقة ووجود الانحراف بين الشيعة، وطبعًا سيكون المراد من الارتداد المعنى اللغوي الذي يحتاج في محله إلى بحث وتأمل جاد.
١.١. ضرورة وأسباب النشاط الثقافي للإمام السجاد (ع)
إن وجود رواسب الأفكار الجاهلية، واعتياد الكبراء على الترف والارستقراطية، والابتعاد عن سيرة النبي (ص)، والتأثر بالفتوحات، وغيرها من المسائل، أدت إلى وضع ثقافي وخيم. من هنا، كانت مجموعة العوامل المذكورة تقتضي أن تكون الأنشطة الثقافية في مقدمة الأعمال الأخرى، وأن تظهر ثمرتها على المدى الطويل. في هذا الوضع، كان الحفاظ على الحصن العقائدي للإسلام والتشيع من أهم الأمور الأساسية. ولهذا السبب، قرر الإمام (ع) أن يختار الطريق الأفضل والأنفع، وهو إحداث ثورة ثقافية وعلمية. وكان من شأن هذه السياسة، بالنظر إلى المسائل الانحرافية والعقائدية التي أدت إلى ركود الثقافة الإسلامية، أن تلعب دورًا مهمًا في الخروج من هذا المأزق. لذلك، فإن الإمام السجاد (ع)، الذي كان يحمل أفكارًا سامية وينظر إلى آفاق بعيدة ويخطط لأهداف طويلة الأمد، وكان يفكر في إرساء البنى التحتية الثقافية لمستقبل الشيعة، سعى إلى تهيئة الظروف لتحقيق تعليمهم وتهذيبهم الأخلاقي في إطار تشكيل المجتمع الشيعي المثالي. في تلك الفترة المظلمة، كان الإمام (ع) مصباحًا منيرًا للباحثين عن الإنسانية، حيث أحيا بسلوكه وأقواله السيرة المنسية لآل الرسالة، وتمكن الناس الذين ابتعدوا لسنوات عن عصر النبوة من رؤية نموذج للتربية الإسلامية بأعينهم.
٢. وضع الشيعة وعددهم في عصر إمامة الإمام السجاد (ع)
كان الحكام الأمويون يعتبرون أهل البيت (ع) وشيعتهم أعداءهم من الدرجة الأولى، ولذلك كانوا يمارسون أقصى درجات التضييق عليهم. وقد تجلى عداء الأمويين وعنادهم لأهل البيت (ع) وأتباعهم بوضوح في ثورة كربلاء. وقد أصابت هذه الحادثة المروعة المجتمع الشيعي بالرعب والحيرة. كما أن هجوم جيوش يزيد بن معاوية على الحرمين الشريفين في السنوات الأولى من إمامة الإمام السجاد (ع) وقتل ونهب الحرم النبوي يؤكد ممارسة العنف ضدهم. وقد استمرت هذه السياسة من قبل خلفاء بني أمية الآخرين. في فترة إمارة مروان بن الحكم القصيرة (٦٤-٦٥ هـ)، لم تسنح له الفرصة للتفرغ للإمام السجاد (ع) والشيعة بسبب انشغاله بالصراع مع أنصار ابن الزبير والأزمات الأخرى القائمة، وذلك على الرغم من أن مروان كان حريصًا أشد الحرص على سب الإمام علي (ع) أثناء إمارته على المدينة، وكان يسبه كل جمعة على المنبر. وعلى الرغم من اعترافه أمام الإمام السجاد (ع) ببراءة الإمام علي (ع) من دم عثمان، إلا أنه قال في تبرير عدائه لذلك الإمام: “ما استقام لنا الأمر إلا بذلك”. وتُعتبر فترة حكم عبد الملك بن مروان (٦٥-٨٦ هـ) من الفترات الصعبة على الإمام السجاد (ع) والشيعة. وعلى الرغم من أنه رفض اقتراح قتل الإمام (ع) الذي قدمه عامله في الحجاز – الحجاج بن يوسف الثقفي – لاعتقاده بأن ذلك قد يثير فتنًا أخرى، إلا أن سياسة هذا الخليفة الأموي المناهضة للشيعة استمرت. يصف المسعودي عبد الملك بأنه كان سفاحًا، ويعتبر عماله مثل الحجاج في العراق، والمهلب في خراسان، وهشام بن إسماعيل في المدينة، وغيرهم من عماله مثله. ويعتبر الحجاج أظلمهم وأكثرهم سفكًا للدماء. كان عبد الملك يعتقد أنه لا يمكن إخضاع الناس إلا بالسيف، وهدد بضرب عنق كل من يأمره بالتقوى. وقد ولّى الحجاج على العراق، وأوصاه في رسالة بأن يدوس الكوفة دوسًا حتى يذل أهل البصرة بذلك، وأن يتجنب المداراة والمسايرة مع أهل الحجاز. وبناءً على توصية الخليفة الأموي، ألقى الحجاج خطابًا دون حمد الله والثناء عليه والصلاة على النبي، وقال فيه: “إني لأرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى”. وقد بلغت شدة معارضة الحجاج وعدائه للشيعة درجة قال معها الإمام الباقر (ع): “كان الحجاج يقتل شيعتنا بكل قتلة، ويعتقلهم بكل تهمة وسوء ظن، وكان الزنديق والكافر أحب إليه من شيعة علي (ع)”. ومن أمثلة ذلك قتل بعض الشخصيات الشيعية البارزة مثل يحيى بن أم الطويل بعد قطع يديه ورجليه، وقتل سعيد بن جبير بسبب مدحه للإمام علي (ع). وكان إظهار الحقد على ذلك الإمام وإبداء المودة لأعدائه وسيلة للتقرب من الحكومة. يقول ابن أبي الحديد: “لولا أن الله تعالى جعل لهذا الرجل (الإمام علي) سرًا، لما روى المحدثون حديثًا واحدًا في فضله وعظمته من شدة الخوف والتقية من بني مروان”. كما اتبع الوليد بن عبد الملك (٨٦-٩٦ هـ) سياسة أسلافه تجاه الشيعة، حيث كان والي المدينة في عهده، هشام بن إسماعيل المخزومي، يمارس أقصى درجات التضييق على الإمام السجاد (ع) والناس، مما أثار احتجاجًا عامًا.
وفيما يتعلق بالعدد الفعلي للشيعة، تشير بعض الأخبار والتقارير إلى أن عددهم في السنوات الأولى من إمامة الإمام السجاد (ع) كان قليلًا جدًا. في رواية عن الإمام الصادق (ع)، كان عدد الشيعة ثلاثة أشخاص فقط. وفي نقل آخر، كانوا خمسة. وبحسب المصادر، كان أبو خالد الكابلي في البداية من أتباع محمد بن الحنفية، وكان القاسم بن عوف مترددًا في اتباع الإمام السجاد (ع) أو محمد بن الحنفية. وبالطبع، أُضيف في رواية أخرى اسم جابر بن عبد الله الأنصاري إلى هذه المجموعة. وفي رواية عن الإمام (ع) نفسه، ورد أن محبيه في الحرمين الشريفين كانوا أقل من عشرين شخصًا. بالطبع، لا يمكن إخفاء أن عدد الشيعة بالمعنى العام ومحبي أهل البيت (ع)، خاصة في العراق، كان كبيرًا، حيث شارك الآلاف منهم في ثورة التوابين ثم في ثورة المختار، وكلاهما كان بهدف الثأر للإمام الحسين (ع). ولكن لا توجد إحصائية دقيقة عن الشيعة المعتقدين بإمامة الإمام السجاد (ع) في هذه الفترة. على أي حال، في مثل هذه الظروف، وبحسب نقل المسعودي، تولى الإمام السجاد (ع) أمر الإمامة سرًا وبتقية شديدة في زمن عصيب. وقد بدا اتخاذ هذه السياسة في أجواء القمع والرعب التي خلقها معاوية من قبل وتبعه خلفاؤه، مناسبًا وفعالًا للغاية. وقد اتبع الأئمة الآخرون (ع) سياسة الإمام السجاد (ع)، مما مهد لحركة علمية ثقافية مهمة كان من آثارها توسع المذهب الشيعي الإثني عشري.
مما لا شك فيه أن الشيعة المخلصين والمختارين قد استشهدوا في واقعة كربلاء العظيمة، وتبع ذلك ظروف وخيمة للغاية حلت بالشيعة. فقد أدت هذه الفاجعة إلى سيادة رعب وخوف شديدين على الأوساط الشيعية، وأصبح من المسلم به لديهم أن يزيد، من أجل ترسيخ أسس حكمه، لم يتورع حتى عن قتل ابن بنت رسول الله (ص) وسبي نسائه وأطفاله. وبلغ هذا الخناق والرعب ذروته بوقوع حوادث مثل واقعة الحرة (٦٣ هـ) والقمع الشديد لنهضة أهل المدينة على أيدي عمال يزيد. إضافة إلى ذلك، ومع استشهاد الإمام الحسين (ع)، تفكك تنظيم الشيعة الذي كان تحت قيادته وإرشاده تقريبًا؛ لأن إمامة الإمام السجاد (ع) كانت لا تزال محل شك لدى الكثير من الشيعة، ولهذا السبب قبلوا إمامة عمه محمد بن الحنفية. ومن وجهة نظر البعض، فإن المبدأ الذي لا جدال فيه هو أنه بعد استشهاد الإمام الحسين (ع)، اتبع معظم الشيعة محمد بن الحنفية وليس الإمام زين العابدين (ع). وقد أدى القتل العام للشيعة في ثورة كربلاء والأحداث التي تلتها مثل ثورة التوابين والمختار إلى تناقص أتباع أهل البيت (ع).
٣. استراتيجيات الإمام السجاد (ع) لنشر ثقافة أهل البيت (ع) والتشيع
بعد توضيح الأجواء السياسية والثقافية للعصر الأموي في زمن إمامة الإمام السجاد (ع)، ننتقل الآن إلى تبيين بعض آليات ومواقف ونضالات الإمام (ع) في مواجهة الحكومة الأموية، وأنشطته السياسية والثقافية في سبيل الحفاظ على ثقافة أهل البيت ونشرها. لقد تمكن الإمام (ع) في هذه الظروف العصيبة، من خلال القيام بأنشطة ثقافية وتقديم الثقافة والتعاليم الإسلامية الأصيلة، من بناء الكوادر لنقل تعاليم التشيع، وتهيئة الأرضية لنشر التشيع على المدى الطويل وتمكين الشيعة من الوصول إلى تشكيل حكومة شيعية.
٣.١. التعريف بأهل البيت (ع)
كان على الإمام السجاد (ع) رسالة ثقيلة لإظهار الصورة الحقيقية لأهل البيت (ع). لقد كان يعلم أن اتخاذ مثل هذا القرار سيؤدي إلى كسب القلوب المستعدة، كما قال: “من خصال أهل البيت أنهم جعلوا قلوب المؤمنين موضعًا لمحبتهم ومنزلتهم”. بعد واقعة عاشوراء، خاطب الإمام (ع) أهل الكوفة، وبعد أن عرف بنفسه، أشار إلى الوقائع والفظائع التي حدثت في كربلاء، وذكّر الكوفيين بذنبهم بسبب نكثهم للعهد، ووبخهم على ذلك ونبههم إلى انحرافاتهم وأخطائهم. كما أكد على ظلم الحكومة القائمة وغصبيتها وعدم شرعيتها، وتحدث عن عدم وجود عذر لهم وعدم قدرتهم على الإجابة عن انتهاك حرمة آل رسول الله (ص) وخروجهم من أمة محمد (ص). وقد ألقيت هذه الخطبة بطريقة كانت مؤثرة لدرجة أن الناس كانوا يبكون بصوت عالٍ، وكانت مجموعة منهم تقول لبعضها البعض: “هلكتم وأنتم لا تعلمون”. وخاطب الإمام (ع) أهل الشام الذين خدعهم الأمويون، فعرّف نفسه بأنه ابن النبي (ص)، وردًا على شيخ شامي أهانه عن جهل، عرّف نفسه بأنه من “ذوي القربى” (الأنفال: ٤١) ومن الذين نزلت في شأنهم آية التطهير (الأحزاب: ٣٣). كما عرّف بنفسه في خطبة أخرى له في الشام. وكان محور كلام الإمام (ع) هو بيان انتسابه إلى رسول الله (ص)، وذكر فضائل أمير المؤمنين (ع) والسيدة الزهراء (س)، ومفاخر أسرته في خدمة الإسلام، والتذكير بخيانات يزيد وأجداده وماضيهم السيء. وفي جزء من هذه الخطبة، وصف الإمام (ع) الإمام عليًا (ع) بأنه قاتل المارقين والناكثين والقاسطين، وأعلن عدم شرعيتهم. وقد كانت هذه الخطبة مؤثرة لدرجة قيل إن أصوات الناس علت بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تقوم ثورة أو يزول حكمه، فأمر المؤذن أن يؤذن. وعندما وصل المؤذن إلى “أشهد أن محمدًا رسول الله (ص)”، قال الإمام (ع): “يا يزيد، أهذا محمد جدي أم جدك؟ فإن قلت إنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن قلت إنه جدي فلمَ قتلت عترته؟”. وبحسب إحدى الروايات، قال الإمام (ع) في نهاية خطبته، مؤكدًا على قرابته من رسول الله (ص) ومشيرًا إلى استشهاد أبيه المظلوم وسبي أسرته: “يا يزيد، ويل لك يوم يكون خصمك جدي وأبي”. ويوجد مضمون مشابه في كلام الإمام (ع) أمام أهل المدينة بعد عودته من الأسر. كما ذكّر الإمام (ع) في موسم الحج، أولئك الذين طلبوا منه الدعاء لنزول المطر، بأن إجابة الدعاء مرتبطة بكون الداعي محبوبًا عند الله، وأن هذه الميزة مرتبطة بأهل البيت، حتى يدرك أولئك الذين لم يكونوا من أتباعه خطأهم، وهو العبادة المنفصلة والخالية من الولاية.
٣.٢. تبيين مكانة الإمامة والأئمة (ع)
رأى الإمام السجاد (ع) أن فساد بني أمية وإجرامهم وعدم اتباعهم للإسلام، وكذلك عدم أهليتهم لحكم المسلمين وإدارة المناطق الخاضعة لحكمهم، قد أصبح واضحًا لدرجة أنه لا يمكن لأحد إخفاءه، فرأى من الضروري أن يتحدث عن الإمامة. وقد رويت عنه أحاديث كثيرة في هذا الشأن. وبما أن الإمامة تعتبر من أركان دين الإسلام، ولكنها هُجرت بعد النبي (ص)، كان تعريف الناس بهذا المقام وأصحابه الحقيقيين في المواقف المناسبة والضرورية أحد المحاور المهمة لنشاط الأئمة (ع). وكان الإمام السجاد (ع) يوضح مفهوم الإمامة بطرق مختلفة، ويعرّف نفسه بأنه الإمام الحق وعترة النبي (ص) ليهدي الناس من الظلمات إلى النور. وفي جزء من خطبه التي كان يلقيها كل جمعة، كان الإمام (ع) يضع الإمامة والولاية في مصاف التوحيد والنبوة، باعتبارها أول ما يُسأل عنه الإنسان. وكان الإمام السجاد (ع) يحذر المؤمنين من الطواغيت، ويؤكد صراحة ووضوحًا على ضرورة الرجوع إلى طاعة الله وأولئك الذين هم أولى بالطاعة. وكان يرى أن مخالفة أولياء الله والتصرف باستبداد تجاه أمر ولي الله يستوجب دخول النار. وكان تعريفه لنفسه بأنه مصداق “ذوي القربى” في حواره مع الشيخ الشامي يندرج في هذا السياق. وردًا على سؤال عن هوية “أولي الأمر”، قال الإمام السجاد (ع): “علي بن أبي طالب، ثم ابنيه الحسن والحسين، ثم انتهى الأمر إلينا”. وفي خطبه التي كان يلقيها كل جمعة، كان الإمام (ع) يذكر الناس بأهمية مسألة الإمامة من خلال التذكير بالرجوع إلى الله تعالى والسؤال عن التوحيد والنبوة والإمامة، وبيان العواقب التي تنتظرهم.
لمواجهة الأمويين الذين كانوا يسعون إلى محو اسم وذكر الإمام علي (ع) باعتباره الركيزة الأساسية للتشيع، كان الإمام السجاد (ع) يروي هذه الأحاديث مستندًا إلى النبي (ص): “خلقت أنا وعلي من نور واحد”، “الجنة تشتاق إلى علي وعمار وسلمان وأبي ذر والمقداد”، “علي بن أبي طالب خليفة الله وخليفتي… وهو سيد الأوصياء وخير أمتي”، “إن الله فرض عليكم طاعتي ونهاكم عن معصيتي، وفرض عليكم بعدي طاعة علي ونهاكم عن معصيته؛ فهو وصيي ووارثي، وهو مني وأنا منه، حبه إيمان وبغضه كفر”. كما ورد في المباحث السابقة أن الإمام السجاد (ع) ذكر فضائل الإمام علي (ع) في خطبة الشام بحضور يزيد، ووبخ بشدة الخطيب الذي أمره يزيد بذم الإمام علي (ع) والإمام الحسين (ع). إضافة إلى ذلك، كان الإمام (ع) يطرح مسألة محبة أهل البيت (ع) من خلال رواية أحاديث عن النبي (ص)، منها حديث السؤال عن محبة أهل البيت في القيامة. كما روى عن فائدة محبتهم عند الموت، وفي القبر، ويوم القيامة، وعند أخذ صحيفة الأعمال، ووقت الحساب، وعند وزن الأعمال، وعند المرور على الصراط. كما رويت عن الإمام (ع) روايات كثيرة في فضائل الشيعة، كان لها دور في نشر التشيع وثقافته الأصيلة.
٣.٣. بيان مظلومية أهل البيت (ع)
من الأسباب الواضحة لنفوذ التشيع في قلوب الناس، بغض النظر عن تقوى أهل البيت (ع)، كانت مظلوميتهم. وقد كان لأهل البيت (ع) أنفسهم دور كبير في تعريف الناس بحياتهم المظلومة، فقد بكى الإمام السجاد (ع) لسنوات في حداد على أبيه الذي استشهد في كربلاء. كما سعى الأئمة الآخرون (ع) سعيًا حثيثًا في نشر العزاء على الإمام الحسين (ع). وكان الشعراء المحبون لأهل البيت ينشدون قصائدهم في مظلوميتهم، ويعرّفون الناس بهذه المظلومية أكثر فأكثر. والجدير بالذكر أن جذور مظلومية أهل البيت (ع) كانت في كربلاء، وقد صور الخوارزمي هذه المظلومية بأفضل شكل في رسالة كتبها إلى شيعة نيسابور. ويمكن إدراك تأثير هذه المظلومية في حادثة استشهاد زيد وابنه يحيى في دفع الخراسانيين نحو بني هاشم.
٣.٤. إحباط دعاية العدو وصيانة النهضة الحسينية
كان هدف سيد الشهداء (ع) من اصطحاب أسرته هو إيصال الرسالة والدعاية. وكان من بين أنشطة الإمام السجاد (ع) إحباط دعاية العدو، وإزالة التحريف، وإحياء هدف وذكرى سيد الشهداء. وذلك لأن الأمويين بعد واقعة عاشوراء الأليمة وأسر من نجا منها، ولكي يضفوا الشرعية على أفعالهم، وصفوا الإمام الحسين (ع) وأصحابه بالخوارج الذين يريدون حث الناس على عصيان الحكومة وتفريق الأمة الإسلامية. بحسب نقل ابن الجوزي، أثنى يزيد على ابن زياد ووصفه بأنه قاتل الخارجي، أي الإمام الحسين (ع)، ومبيد الأعداء والحساد. وفي حواره مع الإمام زين العابدين (ع)، نسب شهادة أبيه إلى الله، وذكر أن سببها هو معارضة يزيد، أي الإيحاء بأن كل من يعارض الحكومة الأموية، حتى لو كان من آل النبي (ص)، فإن الله يعاقبه. وقد كانت هذه الدعاية مؤثرة في أهل الشام الذين تربوا على أيدي الأمويين، وكانوا غالبًا ما يؤيدون أعمال حكامهم. وتؤكد ذلك قصة لقاء شيخ من الشام بالإمام السجاد (ع) وهدايته بتوضيحات الإمام. ومثال آخر على تحريف واقعة عاشوراء من قبل الحكومة الأموية هو قول يزيد للإمام السجاد (ع): “الحمد لله الذي قتل أباك”. فرد الإمام (ع) في الرواية: “بل قتله الناس”. وكذلك قصة الخطيب الذي أمره يزيد بإلقاء خطبة في ذم الإمام علي (ع) والإمام الحسين (ع)، فصعد المنبر ومدح معاوية ويزيد. فصاح به الإمام السجاد (ع) قائلًا: “ويلك أيها الخاطب، اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار”. ثم استأذن الإمام (ع) يزيد في الكلام، وعلى الرغم من خوف يزيد من فضيحة نفسه وآل أبي سفيان، إلا أنه بعد إصرار الناس، أذن للإمام (ع) بإلقاء الخطبة، فاستغل الإمام (ع) الفرصة التي سنحت له لتعريف نفسه وأهل البيت (ع) أتم استغلال، وأحبط مؤامرة الأمويين بفضحهم. وفي هذه الأثناء، خشي يزيد من قيام ثورة وتعرض حكمه للخطر، فأمر المؤذن أن يؤذن وقطع كلام الإمام السجاد (ع). وقبل ذلك أيضًا، كشف الإمام (ع) عن وجه الأمويين وفضح أعمالهم في خطبته أمام أهل الكوفة عند تعريفه بنفسه. كما بذل الإمام (ع) قصارى جهده عند عودته إلى المدينة لإطلاع أهل تلك المدينة على حقائق ووقائع حادثة كربلاء من خلال فضحه للأمويين. وبعد أن خاطب المستقبلين الحزانى، بيّن ما حل بآل النبي (ص)، واعتبر مصيبة عاشوراء امتحانًا إلهيًا، وأنها أعظم بكثير من سائر المصائب، وكشف عن جرائم الأمويين.
وفيما يتعلق بصيانة النهضة الحسينية، تجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن حادثة عاشوراء كانت مؤلمة جدًا للشيعة وأغرقت المجتمع الشيعي في حزن عميق، إلا أنها كانت في الواقع نقطة تحول في تاريخ التشيع. وقد كان تأثير هذه الحادثة على تاريخ التشيع كبيرًا لدرجة أن البعض اعتبر خطأً أن عاشوراء هي منشأ هذا المذهب، في حين أن استشهاد الإمام (ع) لم يكن سوى ختمًا رسميًا عليه. ومما لا شك فيه أن واقعة كربلاء الأليمة زادت من شوق الناس وشعورهم العميق تجاه التشيع. وقد أوجدت هذه الواقعة فترة جديدة لظهور وبروز هذه النهضة. ربما يمكن القول إن الشيعة قبل فاجعة كربلاء لم يكونوا يتمتعون بإرادة وغيرة كبيرتين في الدفاع عن عقيدتهم ومذهبهم، ولكن بعد هذه الواقعة، تغير هذا الوضع. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، أصبح الشيعة دائمًا أكبر وأخطر عدو لأجهزة الخلافة. وقد كلف استشهاد الإمام الحسين (ع) الحكومة الأموية ثمنًا باهظًا في الرأي العام، وشكك في شرعية حكم الأمويين. ولكي لا تُنسى هذه الفاجعة، واصل الإمام (ع) النضال السلبي بالبكاء على الشهداء وإحياء ذكراهم وذكراهم. ومما لا شك فيه أن هذا البكاء كان له جذور عاطفية، لأن عظمة مصيبة كربلاء كانت كبيرة ومؤلمة لدرجة أن أيًا من شهود العيان على تلك الحادثة لم ينسها ما دام حيًا. ولكن كيفية تعامل الإمام السجاد (ع) مع هذا الموضوع كان له أثر ونتيجة سياسية، وكان التذكير المتكرر به لا يدع ظلم وجور الحكومة الأموية يُمحى من الذاكرة. وفي رواية عن الإمام الصادق (ع)، عُدّ الإمام السجاد (ع) من بين الخمسة الذين كانوا كثيري البكاء. وبحسب رواية يمكن مناقشة صحتها بشكل جوهري، بكى الإمام (ع) عشرين عامًا على مصيبة أبيه الكريم. وكان بكاء الإمام (ع) عند رؤية الماء والطعام وتذكير الناس بظلم وجور الأمويين، وتوصيته للآخرين بالبكاء على الإمام الحسين (ع)، وسجود الإمام (ع) على تربة الإمام الحسين (ع)، وكذلك توصيته بزيارة قبر أبيه الكريم في كربلاء، من بين الأمور الأخرى التي أبقت نهضة الإمام الحسين (ع) حية وخالدة، وأدت إلى كراهية الأمويين. وردًا على خادمه الذي سأله: “ما آن لحزنك أن ينقضي؟”، ذكّر الإمام السجاد (ع) بأن يعقوب (ع) بفقدانه واحدًا من أبنائه الاثني عشر، ابيضت عيناه من البكاء عليه، وشاب شعره من الحزن، وانحنى ظهره، في حين كان ابنه حيًا. أما أنا فقد شهدت مقتل أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي، فكيف ينقضي حزني؟
٣.٥. محاربة واضعي الحديث وعلماء البلاط
في عصر الإمام السجاد (ع)، كان من بين إجراءات الأمويين لإضفاء الشرعية على حكمهم، استمالة العلماء الدينيين الذين وظفوا علمهم في خدمة الخلفاء الظلمة للحفاظ على دنياهم. في الواقع، قامت أجهزة الحكم بجذب المحدثين والعلماء الدينيين وإجبارهم على وضع أحاديث عن لسان النبي الأكرم (ص) وصحابته الكبار لصالحهم. ومن أمثلة هؤلاء محمد بن شهاب الزهري الذي وضع أحاديث لصالح الحكومة الأموية، مثل حديث مساواة ثواب زيارة المسجد الأقصى ببيت الله الحرام. وهو نفسه الذي نقل عن عائشة أن الإمام عليًا (ع) والعباس من الذين فارقوا الدنيا على غير دين النبي (ص). ونظرًا لهذه الأجواء الملبدة، تصدى الإمام السجاد (ع) لهذه الحيلة الأموية لإبطال الآثار السامة الناتجة عن وضعهم للأحاديث، وتنبيه وتوعية أولئك العلماء الذين كانوا يبيعون دينهم بدنياهم بواجباتهم. وقد كُتبت رسالة مفصلة وموعظة إلى الزهري في هذا السياق، حيث ذكّره الإمام (ع) بانحرافاته وزلاته، وحذره منها، وأرشده إلى طريق الهداية. وفي الواقع، أدت تحذيرات الإمام (ع) للزهري إلى تعريف أهل عصره والأجيال القادمة بالعلماء المنحرفين في زمانه، وبالتالي ابتعاد الناس عن هذا النوع من العلماء وعدم الاكتراث بالأحاديث الموضوعة من قبلهم.
٣.٦. محاربة العقائد الباطلة
كان الإمام (ع) يبين المسائل العقائدية والكلامية والفقهية وغيرها بأساليب مختلفة مثل الموعظة والنصيحة والخطابة والدعاء والمناجاة والمراسلة والاحتجاج، وكان ينبه إلى التحريفات والانحرافات التي دخلت في المعارف الإسلامية ويحذر منها؛ لأن الإمام (ع) كان يعيش في ظروف يضطر فيها إلى مراعاة مبدأ التقية، ولكي يحافظ على أصحابه، كان يوصيهم أيضًا بمراعاتها. ومن جملة ذلك، محاربة عقيدة الجبر التي كان الأمويون يروجون لها لتحقيق أهدافهم، حتى إنهم تمسكوا بها لتبرير قمع ثورة كربلاء. ومن الانحرافات الأخرى مسألة الإرجاء التي لم يعارضها بنو أمية، ولكن الأئمة (ع) قاوموها بشدة. وكان الإمام السجاد (ع) يروي عن النبي (ص) أن الإيمان هو معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان. ومن الانحرافات الأخرى الموجودة في زمن الإمام السجاد (ع) ظاهرة الغلو التي اتخذ الإمام (ع) موقفًا منها، حيث أشار إلى خطأ أتباع الديانات السابقة في سلوك طريق الغلو، ووبخ جماعة من الشيعة كانوا يغلون في الأئمة (ع)، وقال: “ليسوا منا ولسنا منهم”. كما أن الإمام (ع) وصف بعض من قابلوه وأفرطوا في مدحه بالكذب، واعتبر أنه يكفينا أن نكون من صالحي قومنا، وقال: “أحبونا حب الإسلام، فما زال حبكم لنا حتى صار علينا شينًا، فحبكم لنا مقبول”.
٣.٧. نشر الثقافة وإزالة الانحراف في قالب الدعاء
استطاع الإمام السجاد (ع)، بالنظر إلى أجواء القمع، ومن خلال استخدام المضامين والمفاهيم السامية في الدعاء والمناجاة مع رب العالمين، أن يحقق آثارًا بناءة جدًا للناس. ففي مجموعة الصحيفة السجادية النفيسة، تم الاهتمام بجميع أبعاد الحياة الإنسانية، وإضافة إلى المسائل العبادية والأخلاقية، تم التطرق إلى مختلف التوجهات السياسية والعقائدية والفقهية وحتى المسائل الاجتماعية. ومن ذلك، محاربة عقيدة المشبهة والبراءة ممن يعتقد بها، وذكر اسم الإمام علي (ع) إلى جانب اسم النبي (ص)، في وقت كانت التسمية بهذا الاسم تعد ذنبًا لا يغتفر، والبراءة منه وسيلة للتقرب إلى جهاز الحكم، فكان الإمام (ع) ببيان حقانية ذلك الإمام يشكك في شرعية حكام زمانه. وكذلك، من خلال تعداد الحقوق المتبادلة بين الناس والحكومة والحقوق الأخرى التي يضمن رعايتها سعادة الفرد والمجتمع، أظهر أن القانون المتقدم والمنسجم مع الروح البشرية لا يمكن أن يضعه إلا الإمام العالم والمتصل بمصدر الوحي. ومن وجهة نظره (ع)، فإن الدين والشريعة قد نزلا في الحقيقة لتحقيق هذه الحقوق.
٣.٨. تربية التلاميذ وبناء الكوادر
كان على الإمام السجاد (ع)، في سبيل نشر التشيع، أن يعيد بناء تنظيم الشيعة الذي كان قد تفكك، ليكون المحور الرئيسي لتحركات الشيعة في المستقبل؛ أي كان على الإمام (ع) أن يوجد تنظيمًا يكون أعضاؤه هم المكونون لجهاز الإمامة، وأن يخطوا خطوات نحو تحقيق حكومة شيعية، وإن كان ذلك في المستقبل وعلى المدى الطويل. وكان هذا ممكنًا من خلال بناء الكوادر وزيادة عدد الأنصار المدربين. وبعد واقعة كربلاء وعودته إلى المدينة، حوّل الإمام (ع) مسجد النبي (ص) إلى مركز لتعليم المعارف والأفكار الدينية، وإلى جانب تبيين دوافع وأهداف وفلسفة ثورة الإمام الحسين (ع) وإحيائها، أقام مجالس متنوعة لتقديم تفسير صحيح للقرآن، وبيان الروايات والأحاديث الحقة، وتبيين الأحكام والواجبات الشرعية، وتقديم نموذج إنساني للحياة الأخلاقية. ويمكن اعتبار روايته لأحاديث رسول الله (ص) وأبيه الكريم بداية لنهضة علمية ظهرت ثمرتها في عهد الأئمة اللاحقين وتركت نتائج قيمة. وقد أدت توصيات الإمام (ع) في تعلم العلم والمعرفة، وقيمة التعليم، وآداب المتعلم وثوابه، وحقوق المعلم واحترامه، إلى إقبال عدد كبير من الناس على تعلم العلم من الإمام (ع). إن تبيين المعارف الإسلامية الأصيلة وتوعية المجتمع المبتلى والمنحرف الذي أضاع مرشديه الدينيين الحقيقيين، لفت الأنظار إليه، وانضم إليه أفراد تدريجيًا وتزايد عددهم. وكانت نتيجة هذا التوجه تربية أفراد من الفقهاء والمحدثين والمفسرين والمتكلمين والعارفين بالتعاليم الإسلامية والشيعية الأصيلة، لدرجة أن الشيخ الطوسي ذكر ١٧١ شخصًا من أصحاب الإمام (ع) ورواته. وفي الحديث المنقول عن الإمام الصادق (ع)، بعد عبارة “ارتد الناس بعد قتل الحسين (ع) إلا ثلاثة…”، وردت عبارة “ثم إن الناس لحقوا وكثروا”، مما يؤكد الزيادة الملحوظة في عدد أنصار الإمام السجاد (ع) واهتمام ذلك الإمام بجذب القوى وتربيتها. ومن أسماء بعض تلاميذ الإمام (ع): ثابت بن دينار (أبو حمزة الثمالي)، وثابت بن هرمز، وأبو القاسم الضحاك بن مزاحم الخراساني البلخي، وطاووس اليماني، وإسحاق بن يسار المدني، وحبيب بن معلى السجستاني، وصالح بن كيسان، وعمران بن ميثم التمار، وقاسم بن عوف الشيباني، وإسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، وأبو سليمان يحيى بن يعمر العدواني، وسلمة بن دينار المدني، وعاصم بن أبي النجود الأسدي قارئ القرآن. وربما يمكن اعتبار معظم أصحاب الإمام (ع) من الموالي. وكانوا يكنون للإمام (ع) محبة شديدة، لدرجة أنه عندما سب رجل ذلك الإمام، هجم عليه الموالي ولكن الإمام (ع) منعهم. وفي إطار تربية التلاميذ، كان الإمام السجاد (ع) يشتري الكثير من العبيد، وقيل إنه أعتق ألف عبد في المدينة. وخلال الفترة التي كانوا يعيشون فيها في منزل ذلك الإمام، كانوا يتعرفون عن قرب على شخصيته العلمية والأخلاقية العظيمة وتقواه، وكان من الطبيعي أن تنشأ في قلوب الكثير منهم محبة شديدة لشخصه ومنهج أهل البيت (ع). وكان الإمام (ع) يخاطب عبيده بكلمة “ابني”، ويناديهم بتعبير “يا بني” ليعلن أنه في نظره، المسلمون الأحرار وغير الأحرار سواء.
خاتمة
لقد ركز الإمام السجاد (ع) في فترة إمامته المباركة، وبفضل معرفته وإدراكه الصحيح لتطورات عصره، جهوده على الأنشطة الثقافية، متجنبًا الأنشطة السياسية المباشرة التي رأى الإمام (ع) أن الدخول في ساحتها لم يكن من الصواب في تلك الظروف. إن اتخاذ مثل هذه الاستراتيجية المناسبة والمؤثرة أدى إلى أن يتمكن ذلك الإمام، بالإضافة إلى الحفاظ على الشيعة القلائل من أضرار الزمان وتحسين نوعية معتقداتهم وقناعاتهم، من زيادة عدد الشيعة كمّيًا ونشر ثقافة أهل البيت (ع). إن تقديم هذه الحصيلة الناجحة، التي لا تصدر إلا عن أولياء الله، تم في ظل تدابير وأفكار سامية وإجراءات مثل تعريف نفسه وأهل البيت (ع) للناس، وتبيين مكانة الإمامة والأئمة الحقيقيين، وفضح حقيقة الأمويين، ومحاربة علماء البلاط، وتربية الغلمان وتحريرهم، وإقامة مجالس الدرس، والسلوك والمنهج الإسلامي. وقد مهدت مثل هذه السياسات والاستراتيجيات وإعداد البنى التحتية تدريجيًا الأرضية لميل الكثيرين إلى مدرسة أهل البيت (ع). ومما لا شك فيه أن الخطوات الثابتة التي خطاها الإمام السجاد (ع) تحت غطاء التقية كانت مؤثرة جدًا في الحفاظ على الشيعة ونشرهم. ولهذا السبب، في عهد الإمامين الصادقين (ع)، تجذرت الدعوة الشيعية في كثير من بلاد الإسلام، خاصة في العراق والحجاز وخراسان، ولفتت انتباه شريحة واسعة من الناس. وهذا الأمر المهم يعني انقضاء تلك الفترة التي قال فيها الإمام السجاد (ع): “ما بمكة والمدينة عشرون رجلًا يحبنا”.
المصادر والمراجع
- ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله؛ ١٣٧٨ هـ.ش، شرح نهج البلاغة، ج ٤ و ج ١١، تحقيق: إبراهيم محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار إحياء الكتب العربية.
- ابن الجزري، محمد بن محمد؛ ١٤٠٢ هـ، غاية النهاية في طبقات القراء، ج ١، تحقيق: برجشتراسر، بيروت: د.ن.
- ابن الجوزي؛ ١٤١٨ هـ، تذكرة الخواص، قم: منشورات الشريف الرضي.
- ابن خلكان، أحمد بن محمد؛ ١٤١٤ هـ، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج٧، تحقيق: إحسان عباس، بيروت: دار صادر.
- ابن سعد، محمد؛ ١٤١٨ هـ، الطبقات الكبرى، ج ٥ و ج ٧، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن شهر آشوب، محمد بن علي؛ ١٣٧٩ هـ.ش، المناقب، ج ٤، قم: علامة.
- ابن عبد البر؛ ١٣٩٨ هـ، جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر؛ ١٤٠٧ هـ، البداية والنهاية، ج ٩، بيروت: دار الفكر.
- الإربلي، علي بن عيسى؛ ١٤٢١ هـ، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج ٢، قم: رضي.
- الأصفهاني، أبو نعيم أحمد بن عبد الله؛ ١٤٠٧ هـ، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، ج ٣، ج ٥، بيروت: دار الكتب العربي.
- الأمين العاملي، السيد محسن؛ د.ت، أعيان الشيعة، ج ٤، تحقيق: حسن الأمين، بيروت: دار التعارف للمطبوعات.
- البرقي، أحمد بن محمد؛ ١٣٢٦ هـ.ش، المحاسن، ج ١ و ج ٤٦، تصحيح وتعليق: المحدث جلال الدين الأرموي، طهران: دار الكتب الإسلامية.
- البغدادي، عبد القاهر بن طاهر؛ ١٩٧٨ م، الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم، بيروت: دار الآفاق الجديدة.
- البلاذري، أحمد بن يحيى؛ ١٤١٧ هـ، أنساب الأشراف، ج ٢، ج ١، تحقيق: سهيل زكار ورياض الزركلي، بيروت: دار الفكر.
- پيشوائي، مهدي (البيشوائي، مهدي)؛ ١٣٨٠ هـ.ش، سيرة پيشوايان (سيرة الأئمة)، الطبعة ١٢، قم: مؤسسة الإمام الصادق (ع).
- جعفري، السيد حسين محمد؛ ١٣٨٠ هـ.ش، تشیع در مسیر تاریخ (التشيع في مسار التاريخ)، الطبعة ١٢، ترجمة: السيد محمد تقي آيت اللهي، طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامي (مكتب نشر الثقافة الإسلامية).
- جعفريان، رسول؛ ١٣٧٥ هـ.ش، تاریخ تشیع در ایران (تاريخ التشيع في إيران)، ج ١، قم: انتشارات انصاريان.
- جمعي از نويسندگان (مجموعة من المؤلفين)؛ ١٣٨٦ هـ.ش، با كاروان حسيني (مع القافلة الحسينية)، ج ٥، ترجمة: عبد الحسين بينش، قم: زمزم هدايت.
- الحراني، ابن شعبة الحسن بن علي؛ ١٣٦٢ هـ.ش، تحف العقول عن آل الرسول (ص)، تصحيح: علي أكبر غفاري، ج ١، قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم.
- الحسيني الجلالي، السيد محمد رضا؛ ١٤١٨ هـ، جهاد الإمام السجاد (ع)، ج ١، قم: دار الحديث.
- الخامنئي، السيد علي؛ ١٣٦١ هـ.ش، پژوهشى در زندگى امام سجاد (ع) (بحث في حياة الإمام السجاد (ع))، ج١، طهران: المكتب المركزي لحزب الجمهورية الإسلامية.
- الخزاز القمي، علي بن محمد؛ ١٤٠١ هـ، كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني الكوهكمري، قم: بيدار.
- الخوارزمي، الموفق بن أحمد؛ ١٤٢٣ هـ، مقتل الحسين (ع)، ج ٢، قم: أنوار الهدى.
- الخوانساري، محمد باقر بن زين العابدين؛ د.ت، روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات، ج ٦، قم: إسماعيليان.
- رباني گلپايگاني، علي (رباني الكلبايكاني، علي)؛ ١٣٨٥ هـ.ش، فرق و مذاهب كلامى (الفرق والمذاهب الكلامية)، الطبعة ٤، قم: المركز العالمي للعلوم الإسلامية.
- رنجبر، محسن؛ ١٣٨٦ هـ.ش، نقش امام سجاد در رهبرى شيعه (دور الإمام السجاد في قيادة الشيعة)، الطبعة ٤، قم: مركز انتشارات مؤسسه آموزشى و پژوهشى امام خمينى (ره) (مركز نشر مؤسسة الإمام الخميني (ره) التعليمية والبحثية).
- السيد ابن طاووس؛ ١٣٤٨ هـ.ش، اللهوف على قتلى الطفوف، طهران: جهان.
- السيد الأهل، عبد العزيز؛ ١٩٥٣ م، زين العابدين علي بن الحسين، بيروت: د.ن.
- السيوطي، عبد الرحمن؛ ١٤٠٨ هـ، تاريخ الخلفاء، بيروت: دار الكتب العلمية.
- الشافعي، كمال الدين محمد ابن طلحة؛ ١٤٢٠ هـ، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، تحقيق: ماجد بن أحمد العطية، بيروت: مؤسسة أم القرى.
- الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم؛ د.ت، الملل والنحل، بيروت: دار المعرفة.
- الشهيدي، السيد جعفر؛ ١٣٨٠ هـ.ش، زندگانى على بن الحسين (ع) (حياة علي بن الحسين (ع))، طهران: دفتر نشر فرهنگ إسلامى (مكتب نشر الثقافة الإسلامية).
- الصدوق، محمد بن علي؛ ١٣٩٥ هـ.ش، كمال الدين وتمام النعمة، ج ١ و ج ٢، طهران: انتشارات إسلامية.
- الطبرسي، أحمد بن علي؛ ١٤٠٣ هـ، الاحتجاج على أهل اللجاج، ج ٢، مشهد: انتشارات مرتضى.
- الطبرسي، الفضل بن الحسن؛ ١٤١٧ هـ، إعلام الورى بأعلام الهدى، ج ١ و ج ٢ و ج ٨، قم: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.
- الطبري، عماد الدين الحسن بن علي؛ ١٣٨٣ هـ.ش، كامل بهائى (الكامل البهائي)، ج ١١، طهران: مرتضوي.
- الطوسي، محمد بن الحسن؛ ١٤٢٧ هـ، اختيار معرفة الرجال، تحقيق: جواد القيومي، قم: مؤسسة النشر الإسلامي.
- العاملي، السيد جعفر مرتضى؛ ١٤١٤ هـ، دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام تحت عنوان الإمام السجاد (ع) باعث الإسلام من جديد، ج ١، بيروت: مركز جواد.
- العطاردي، عزيز الله؛ د.ت، مسند الإمام السجاد أبي محمد علي بن الحسين (ع)، ج ١ و ج ٢، طهران: عطارد.
- العطاردي، عزيز الله؛ ١٣٧٦ هـ.ش، مسند الإمام الشهيد، ج ٣، طهران: عطارد.
- القرشي، باقر شريف؛ ١٤٠٩ هـ، حياة الإمام زين العابدين (ع)، ج ٢، بيروت: دار الأضواء.
- القمي، ابن بابويه (الصدوق)؛ ١٣٨١ هـ.ش، ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ترجمة: محمد علي مجاهدي، الطبعة ١، قم: سرور.
- القمي، ابن بابويه (الصدوق)؛ د.ت، التوحيد، تحقيق: هاشم الحسيني الطهراني، قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.
- القمي، ابن بابويه (الصدوق)؛ د.ت، الخصال، تصحيح: علي أكبر غفاري، ج ١ و ج ٢، قم: جامعة المدرسين حوزه علميه قم.
- القندوزي، سليمان بن إبراهيم؛ ١٤١٦ هـ، ينابيع المودة لذوي القربى، ج ١، تحقيق: علي بن جمال أشرف الحسيني، قم: دار الأسوة للطباعة والنشر.
- الكشي، محمد بن عمر؛ ١٣٤٨ هـ.ش، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج ٤، مشهد: جامعة مشهد.
- الكوفي، ابن أعثم؛ ١٤١١ هـ، الفتوح، ج ٥، ج ١، تحقيق: علي شيري، بيروت: دار الأضواء.
- المجلسي، محمد باقر؛ ١٣٦٣ هـ.ش، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، ج ٤٥ و ج ٤٦، طهران: إسلامية.
- محرمي، غلام حسين؛ ١٣٨٨ هـ.ش، سيرة أئمه اطهار در برخورد با انديشه هاى مخالف (سيرة الأئمة الأطهار في التعامل مع الأفكار المخالفة)، الطبعة ١، قم: پرتو ولايت.
- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين؛ ١٤٠٩ هـ، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج ٣، الطبعة ٢، تحقيق: أسعد داغر، قم: دار الهجرة.
- المسعودي، أبو الحسن علي بن الحسين؛ ١٤٢٦ هـ، إثبات الوصية للإمام علي بن أبي طالب (ع)، قم: انصاريان.
- المطهري، مرتضى؛ ١٣٦٥ هـ.ش، حماسه حسينى (الملحمة الحسينية)، ج ١، قم: صدرا.
- معروف الحسني، هاشم؛ ١٣٩٨ هـ، دراسات في الحديث والمحدثين، بيروت: دار التعارف.
- المفيد، محمد بن النعمان؛ ١٤١٣ هـ، الاختصاص، قم: مؤتمر الشيخ المفيد.
- الموسوي المقرم، عبد الرزاق؛ ١٣٧٤ هـ.ش، زندگانى امام زين العابدين (ع) (حياة الإمام زين العابدين (ع))، ترجمة: حبيب روحاني، مشهد: آستان قدس رضوي بنياد پژوهش هاى إسلامى (العتبة الرضوية المقدسة، مؤسسة البحوث الإسلامية).
- النيسابوري، الفتال؛ ١٤٢٣ هـ، روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، ج ١، قم: دليل ما.
- اليعقوبي، ابن واضح؛ د.ت، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، بيروت: دار صادر.