الملخص
تُعَدّ حجية استصحاب العدم الأزلي من القواعد التي تبتني عليها فروع فقهية كثيرة، ورغم عدم وجود خلاف في جريانه في بعض الموارد، إلا أن جريانه في الشبهة المصداقية للمخصِّص وإلحاقها بعموم العام أمر خلافي. وقد أقام القائلون بالحجية وعدمها أقوالاً وأدلة مختلفة لإثبات ونفي ذلك. في هذا المقال، وبعد دراسة الأقوال وأدلتها، تم ترجيح أدلة النافين، واعتبار أدلة المثبتين غير تامة، وتم الاستدلال على نفي الحجية بقواعد أصولية مثل حجية الظواهر والفهم العرفي والقواعد المنطقية.
وبناءً على أن الأصل في الفرد المشتبه به -وهو عدم جريان أصل العدم الأزلي لإلحاق الفرد المشتبه به بعموم العام- يجب حل المشكلة بالرجوع إلى أصل حكمي كأصل البراءة وغيره.
المقدمة
قاعدة استصحاب العدم الأزلي هي قاعدة أصولية يمكن أن يؤدي إثباتها دورًا بنّاءً في إثبات الحكم ومَوْضَعَة الأحكام. لذا، يُعَدّ البحث في حجيتها وعدمها من المباحث المفيدة جدًا. ورغم أن هذه المسألة لم تحظَ باهتمام وعناية دقيقة في عبارات القدماء، إلا أنها كانت محط اهتمام خاص في كلام المتأخرين، من الشيخ الأعظم والآخوند الخراساني حتى عصرنا الحاضر. وقد تركزت معظم مباحث المتأخرين في إثبات تقييد العام بعدم المخصِّص لإلحاق الفرد المشتبه به في الموضوع، أو عدم الإلحاق، ودخلوا في مباحث دقيقة، مثل: هل يمكن ترتيب استصحاب العدم المحمولي للموضوع المركب لإلحاق الفرد المشتبه به بالعام، وترتيب حكم العام عليه؟ يتناول هذا المقال دراسة هذه المسألة ويقدم سبل الإثبات وعدمه للباحثين.
التعريف
يُطلق اسم العدم الأزلي على كون المستصحَب معدومًا منذ الأزل حتى الزمن الحاضر. فإذا شُكّ في تحقق شيء بعد أن كان معدومًا منذ الأزل، يجري أصل العدم، ويُسمى بأصل العدم الأزلي. لذا، يجب القول: إن استصحاب العدم الأزلي هو من أقسام الاستصحاب العدمي الذي يُحكم فيه باستمرار العدم السابق. على سبيل المثال، إذا شككنا هل وُجد الشيء الفلاني الآن أم لا، ففي هذه الصورة يجري استصحاب العدم الأزلي في حقه. أو مثلاً، إذا شُكّ في تعلق تكاليف أو ديون بذمة المكلف، نقول هنا: منذ الأزل لم يكن هذا التكليف موجودًا، والآن أيضًا يتحقق استصحاب عدمه.
موارد حجية استصحاب العدم الأزلي
إذا شُكّ في وصف، أو حال، أو عرض، أو خصوصية لشيء موجود، وكان عدم تلك الخصوصية ثابتًا في ظرف عدم وجوده، وأردنا استصحاب ذلك العدم في ظرف وجود الموصوف «ذي الخصوصية»، فهذا هو استصحاب العدم الأزلي.
مثل مسألة قرشية المرأة التي لم تكن قرشية في ظرف عدمها، فهل يمكن إثبات عدمها في ظرف وجود الموصوف؟ أي عدم اتصافها بوصف القرشية في ظرف تحقق المرأة. اتصاف المرأة بالقرشية لم يكن منذ الأزل، فهل يثبت مع وجود المرأة عدم الاتصاف أو الاتصاف بالعدم؟
غالبًا ما يطرح الأصوليون هذا البحث في باب العام والخاص في «الشبهة المصداقية للمخصِّص»، فيقولون: لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصِّص إلا أن يكون لدينا أصل موضوعي بالنسبة للخاص يثبت أن الخاص غير متحقق، ولو كان ذلك الأصل هو استصحاب العدم الأزلي، ففي هذه الحالة يجوز التمسك بالعام بالنسبة للفرد المشتبه به.
استصحاب العدم الأزلي هو نفسه استصحاب العدم المحمولي الذي يكون في ظرف عدم تحقق الموصوف من باب السالبة بانتفاء الموضوع، وعندما يوجد الموضوع، يُستصحب من باب السالبة بانتفاء المحمول.
واستصحاب العدم الأزلي مفاده ليس التامة، مثلاً: الاتصاف بالقرشية لم يكن، والآن كما كان. استصحاب العدم الأزلي يقابل استصحاب العدم النعتي، مثلاً: المرأة بوصف غير القرشية لم تكن منذ الأزل، إذن هذه المرأة الموجودة ليست قرشية. هذا الاستصحاب، أي «العدم النعتي»، لا يقبله الأصوليون.
الخلاف في حجية وعدم حجية استصحاب العدم المحمولي، أي «ليس التامة»، إذا تعلق العدم بأصل الماهية بنحو ليس التامة، سُمّي بالعدم المحمولي، وإذا تعلق بوصف من أوصاف الماهية، سُمّي بالعدم النعتي ويُعبّر عنه بليس الناقصة.
الخلاف والنزاع هو في العدم الذي يتعلق بالماهية، أي العدم المحمولي. وبما أن جميع الأشياء كانت معدومة في الأزل، ففي حالة الشك في وجودها، يجري أصل العدم الأزلي.
ولذا، في الشك في جعل حكم لم يكن منذ الأزل، يجري أصل عدم الجعل. أما إذا كان عنوان العدم جزءًا من الموضوع، وأصبح نفس الشيء بانضمام عدم شيء آخر موضوعًا للحكم، فتُتصوّر حالتان: أن يكون موضوع الحكم مركبًا من عنوان وجودي وعدمي.
محل النزاع
إذا لم تكن هناك ملازمة بين الأمر العدمي والموصوف، أي الأمر الوجودي، فإن الاستصحاب يجري في الأمر العدمي، ويتحقق موضوع الحكم.
أما إذا كانت هناك ملازمة بين الجزأين، مثل قرشية المرأة، فإن استصحاب عدم قرشية المرأة لتحقق موضوع الحكم هو معركة الآراء؛ لأن هذه المرأة منذ لحظة ولادتها إما أن تكون قرشية أو غير قرشية. عندما لم تكن المرأة موجودة، لم تكن قرشية أيضًا. والآن بعد أن وُجدت، هل يمكن استصحاب عدم القرشية وإثبات موضوع الحكم، أي إثبات أنها تحيض إلى الخمسين؟
المصداق المشتبه به ومحل البحث هو هنا، أي حيث يكون الموضوع مركبًا من المعروض وعدم العرض، وتوجد ملازمة بين ذلك المعروض وعدم العرض. ولكن ما هي العلاقة بينهما؟ هل هذه العلاقة بنحو العدم المحمولي أم العدم النعتي؟ أي، هل تعلق العدم بماهية العرض، لأن العرض مثل الجوهر له وجود في نفسه، وإن كان وجوده في نفسه عين وجوده لغيره، ليكون عدمًا محموليًا؟ أم هو عدم نعتي، حيث تعلق العدم بعرض الجوهر؟
إنكار المحقق النائيني لاستصحاب العدم الأزلي مبني على أنه يرى استصحاب عدم العرض، الذي هو نفسه استصحاب عدم الاتصاف والانتساب، استصحابًا للعدم المحمولي، وهو مثبت للعدم النعتي.
يقول المرحوم النائيني: كلما وُضع المعروض إلى جانب عدم العرض وكانا معًا موضوعًا لحكم، فإنه يكون حتمًا بصورة العدم النعتي، ولذا فإن استصحاب العدم النعتي ليس بحجة.
أما المحقق الخوئي وصاحب الكفاية فيقولان: كلما وُضع المعروض إلى جانب عدم العرض وأصبح موضوعًا لحكم، فإن هذين الاثنين يكونان موضوعًا للحكم بنحو العدم المحمولي. فالعدم والعرض ليسا وصفًا للموضوع، بل هما الجزء الثاني من موضوع الحكم.
لذا يجب القول إن الخلاف بين المثبتين مطلقًا والنافين مطلقًا هو خلاف صغروي، بتوضيح أن استصحاب عدم العرض هل هو محمولي أم نعتي. فإذا كان نعتيًا، فالجميع قائلون بعدم حجية استصحاب العدم الأزلي، والخلاف هو في أن استصحاب عدم العرض هل يكون محموليًا أم لا.
الآراء في المسألة
هناك ثلاثة أقوال في المسألة:
- الإثبات.
- النفي.
- التفصيل.
الآراء في استصحاب العدم الأزلي:
- المحقق الخراساني في الكفاية في مبحث العام والخاص، والمحقق الخوئي في أجود التقريرات ج1، والشهيد الصدر في بحوث في علم الأصول ج3 ص328 وفي تحقيق الأصول ج4، ص291، والسيد علي الميلاني (نقلاً عن معجم الأصول)، والشيخ عبد الكريم الحائري في درر الفوائد ص219-220، هم من القائلين بحجية استصحاب العدم الأزلي.
- المحقق النائيني، والمحقق البروجردي بالترتيب في أجود ج1، ونهاية الأصول ص337، والسبحاني في إرشاد العقول إلى مباحث الأصول ج1، ص540-548، ومكارم الشيرازي في أنوار الأصول ج2 ص104، هم من القائلين بعدم حجية استصحاب العدم الأزلي.
- المحقق العراقي الآقا ضياء الدين والسيد الحكيم قائلان بالتفصيل، بالترتيب (العراقي، بي تا: 4/310؛ الحكيم، 1408: 1/506).
مسألة استصحاب العدم الأزلي أولاها الشيخ الأعظم والآخوند الخراساني اهتمامًا أكبر. وبعدهما، بحث المحقق النائيني مسألة العدم الأزلي بشكل مفصل وأنكر جريانه.
وفي المقابل، طرح المحقق الخوئي، تلميذ المحقق النائيني، المسألة رسميًا في موارد متعددة وقال بحجيتها.
أما المرحوم الآقا ضياء، فقد قال بالتفصيل في حجية استصحاب العدم الأزلي، وتبعه المحقق الحكيم.
ومن المناسب أن نعرض أدلة هذه الآراء الثلاثة ونستدل على الرأي المختار.
تنقيح محل النزاع
استصحاب العدم الأزلي بمعنى العدم الوصفي وعدم الجعل ليس مورد الخلاف. فبالنظر إلى أنه لم يكن هناك جعل منذ الأزل، فالشك في الجعل يكون مجرى لأصل عدم الجعل.
وفي العدم الوصفي لشيء موجود، لا نعلم هل وجد وصفه أم لا، يجري استصحاب العدم، مثل عدم كرّية هذا الماء. الخاص وعدم موت زيد، وإذا كانت للفرد المشتبه به سابقة وجودية أو عدمية، فهنا أيضًا يجري الاستصحاب، وفي مبحث الشبهة المصداقية للمخصِّص يمكن الرجوع إلى العام في هذا المورد.
توضيح: في الشبهة المصداقية للمخصِّص، إذا لم يكن هناك دليل خاص على الفرد المشتبه به، ولكن كانت له حالة سابقة، فيجب أولاً التوجه إلى الأصل الموضوعي. فإذا كانت سابقة هذا الفرد وجودية أو عدمية، يجب استصحابها ليثبت حكم العام أو عدمه للفرد المشتبه به. إذن، في الشبهة المصداقية، يجري أصل العدم الأزلي لنفي حكم العام أو إثبات حكم العام عن الفرد المشتبه به. وإذا لم يجرِ أصل العدم، تصل النوبة إلى الأصل الحكمي.
فالموت لم يكن لهذا الشخص، أو هذا الماء لم يكن كرًا. في حالة الشك، يجري أصل عدم الموت وأصل عدم الكرّية. ويكون من السالبة بانتفاء الموضوع.
إذن، محل النزاع هو حيث يكون الخاص ملازمًا للذات المقيدة. مثلاً، إذا قال المولى: إكرام الفقير الأموي حرام. فالأمويّة ملازمة للفقير. فهل يُحرز بالاستصحاب أن نقول: الفقير موجود، والأموية مشكوكة، وبأصل عدم الأموية يثبت الموضوع المركب؟
زيد منذ البداية إما أموي أو غير أموي. المرأة منذ البداية إما قرشية أو غير قرشية. إذن، بأصل عدم القرشية لا يمكن تصحيح موضوع الحيض إلى خمسين. العدم النعتي ليس له حالة سابقة. فهل يمكن إجراء استصحاب عدم الأموية والقرشية الذي كان قبل الذات المقيدة؟
خلاصة القول، هذا الاستصحاب محل الخلاف هو «استصحاب عدمي كان عدمه قبل تحقق الموضوع سالبًا بانتفاء الموضوع». استصحاب العدم الأزلي هنا محل الخلاف، عندما لم يكن زيد موجودًا، لم تكن الأموية موجودة، وعندما لم تكن المرأة موجودة، لم تكن القرشية موجودة أيضًا.
عندما وُجدت المرأة، فإما هي قرشية أو ليست قرشية. واستصحاب كون المرأة غير قرشية هو استصحاب عدم نعتي ليس له حالة سابقة.
يُستخدم استصحاب العدم الأزلي في عدة موارد:
- لإثبات الحكم في بحث العام والخاص، مثلاً، يأتي المخصِّص ويخرج عنوانًا، ويُقيَّد موضوع العام بعدم الخاص. الآن نريد أن نثبت حكم العام للفرد المشتبه به بالنسبة للعنوان الخاص بواسطة استصحاب العدم الأزلي؛ لأن موضوع حكم العام مركب من عنوان وجودي وعدمي. مثلاً، المثال المذكور آنفًا حيث قلنا: يجب إكرام الفقير الذي لا يكون أمويًا. الآن، أموية هذا الفقير مشكوكة. فهل يمكن بإجراء استصحاب عدم كونه أمويًا إثبات أن هذا الفرد ليس أمويًا، ليثبت له حكم وجوب الإكرام؟
- أحيانًا، باستصحاب العدم الأزلي نريد نفي حكم. مثلاً، قال المولى: يحرم إعطاء الزكاة للهاشمي. فإذا كان كونه هاشميًا مشكوكًا، فهل يمكن باستصحاب عدم كونه هاشميًا نفي حرمة الزكاة عن هذا الشخص المشكوك في هاشميته؟
أدلة عدم حجية استصحاب العدم الأزلي في الوصف الملازم
نفي حكم العام وإثبات حكم العام للفرد المشتبه به باستصحاب العدم الأزلي هو محل النزاع. بالطبع في الوصف الملازم، لا في الوصف المفارق. في الوصف المفارق، لا خلاف ظاهرًا.
أما في الوصف الملازم، فإن بعض منكري استصحاب العدم الأزلي لا يقبلونه من حيث إن استصحاب العدم الأزلي ليس عرفيًا، فلا تشمله أدلة الاستصحاب (الإمام الخميني، 1382: 2/32؛ مكارم الشيرازي، 1428: 104؛ السبحاني التبريزي، 1426: 2/540-548).
يرى المحقق البروجردي أن «لا تنقض اليقين بالشك» منصرفة عن استصحاب العدم الأزلي. وآخرون مثل الآقا ضياء الدين العراقي، نقلاً عن تحقيق الأصول: 4/310، والمحقق الحكيم في حقائق الأصول: 1/56، يقولون بالتفصيل في حجية استصحاب العدم الأزلي (العراقي، 1414: 1/149؛ همو، 1417: 519).
يعتقد أنه في الذاتيات وعوارض الماهية، مثل الزوجية للأربعة، لا يجري استصحاب العدم الأزلي. ولكن في عوارض الوجود، مثل البياض للإنسان، يجري الاستصحاب.
المحقق الحكيم تابعه في ذلك، ولذا في بحث غسل الميت، يعتقد أنه في حال الشك فيما إذا كان الممسوس إنسانًا ليجب غسل المس، أو ليس إنسانًا فلا يجب غسل المس، قال إن استصحاب عدم كون الممسوس إنسانًا لا يجري؛ لأن الإنسانية ذاتية للإنسان، واستصحاب العدم الأزلي في الذاتيات لا يجري.
أما إذا شُكّ في أن الميت شهيد أم لا، فأصل عدم الشهادة جارٍ، وهذا هو استصحاب العدم الأزلي. وعلته أن الشهادة أو الموت من عوارض الوجود لا الماهية.
أما المحقق النائيني والبروجردي، فهما من كبار منكري استصحاب العدم الأزلي. (الغروي النائيني، 1368: 1/464؛ البروجردي، 1415: 33).
خلاصة القول، في مسألة استصحاب العدم الأزلي، يُعدّ المحقق الخراساني في «كفاية الأصول مبحث العام والخاص» (الخوئي، 1417: 5/217؛ الحائري، 1418: 219-22؛ الشهيد الصدر، 1417: 3/321) والوحيد الخراساني في درس الخارج في الأصول من المثبتين لاستصحاب العدم الأزلي.
ومع الأخذ بعين الاعتبار أن القول بالتفصيل يرجع إلى القول بالإنكار، ففي الحقيقة يوجد قولان في حجية استصحاب العدم الأزلي: المنكرون والمثبتون.
ونحن نبدأ ببيان أدلة المنكرين وتحليلها ودراستها، ثم ندرس أدلة المثبتين.
وبما أن الشخصية البارزة بين المنكرين هو المحقق النائيني، والآخرون استفادوا كثيرًا من أبحاثه، فإننا نكتفي في نقد ودراسة أدلة المنكرين بآراء وأدلة المحقق النائيني.
رأي السيد الخوئي:
محل البحث بين المثبتين والنافين في جريان أصل العدم الأزلي هو في الموضع الذي يكون فيه المخصِّص موجبًا لتقييد العام بعنوان عدمي، مثل الرواية التي تدل على انفعال الماء بملاقاة النجس مطلقًا، ودليل آخر يدل على أن ماء الكر لا ينفعل بالملاقاة، حيث يكون الدليل الثاني موجبًا لتقييد الدليل الأول بعنوان عدمي، وتكون النتيجة أن الانفعال بالملاقاة يكون للماء الذي ليس بكر، «الماء الذي لا يكون كراً ينفعل».
لذا، إذا شُكّ في ماء هل هو كر أم لا، يمكن بأصل العدم إثبات عدم الكرّية. هذا هو رأي المثبتين.
أما المحقق النائيني، ففي هذا المورد نفسه لا يقبل الأصل، أي استصحاب العدم الأزلي. نعم، في المورد الذي يكون فيه المخصِّص موجبًا لتعنون العام بعنوان وجودي، ويُشك في فرد مشتبه به، فالجميع قائلون بعدم جواز التمسك بالعام لأنه شبهة مصداقية، ولا يمكن التمسك بأصل العدم الأزلي أيضًا.
لذا، إذا قال المولى: «أكرم العلماء العدول» أو أي عبارة تكون موجبة لتعنون العام بعنوان وجودي، فهو خارج عن محل البحث، وفي الفرد المشتبه به لا يمكن التمسك باستصحاب العدم الأزلي إلا إذا كانت للفرد المشتبه به حالة سابقة.
مقدمات نظرية المحقق النائيني
يعتقد المحقق النائيني ومن تبعه أن التخصيص، سواء كان بمخصِّص متصل أو منفصل، أو باستثناء أو غير استثناء، يوجب تقييد موضوع العام بغير عنوان المخصِّص. لذا، إذا كان المخصِّص أمرًا وجوديًا، يتعنون العام بعنوان عدمي، وإذا كان المخصِّص أمرًا عدميًا، يتعنون العام بعنوان وجودي. وجهة نظرهم هي أنهم يرون أن موضوع الحكم أو متعلقه إما مطلق بالنسبة للخصوصيات أو مقيد بوجود الخصوصيات، والإهمال محال على المولى الحكيم. فإما أن يكون مقيدًا بنقيض المخصِّص، حيث يكون الدليل الخاص رافعًا لإطلاق الموضوع، أو يكون مطلقًا «بعد مجيء الخاص»، وبما أنه لا يمكن أن يبقى على إطلاقه بعد ورود الخاص لأنه يستلزم التناقض والتهافت بين مدلول ودليل العام ومدلول دليل الخاص، والخاص مع أنه خرج من تحت العام لا يمكن أن يكون مشمولاً للعام، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخصِّص نوعيًا أو فرديًا، لأن الخاص في جميع هذه الموارد يوجب تعنون العام بعنوان عدمي.
دليل المحقق العراقي ونقده
ينفي المحقق النائيني بهذا البيان رأي المحقق العراقي (رحمه الله)، القائل بأن تخصيص العام لا يوجب تعنون العام بأي عنوان؛ لأن تخصيص العام بالخاص يشبه موت أحد أفراد العام. فكما أن موت أحد أفراد العام لا يوجب تعنون العام بأمر عدمي، كذلك التخصيص لا يوجب تعنون العام. والفرق الوحيد بينهما هو أن الموت تكويني والتخصيص تشريعي.
جواب المحقق العراقي هو أن هذا قياس مع الفارق. ففي الموت التكويني، ينتفي حكم العام بانتفاء موضوع الحكم، وهذا غير تقييد الحكم في مرحلة الجعل. فالتخصيص يوجب تقييد الحكم في مرحلة الجعل، ودليل المخصِّص كاشف عن أن الحكم كان خاصًا منذ البداية، ومقام الإثبات يدل على أنه مع بقاء الموضوع ينتفي الحكم فقط، وهذا من نوع السالبة بانتفاء المحمول. إذن، هو قياس مع الفارق.
المقدمة الثانية للمحقق النائيني: الماهية، سواء كانت من الأمور المتأصلة مثل الجواهر والأعراض التي لها ما بإزاء في الخارج، أو من الأمور الاعتبارية، لا تخرج عن حالتين: إما موجودة أو معدومة. هذا الوجود والعدم يسمى وجودًا وعدمًا محموليًا.
بالطبع، بالنظر إلى أن الوجود يُحمل على الماهية الجوهرية أو العرضية «بمفاد كان التامة وليس التامة»، هناك لحاظ آخر في وجود العرض، وهو أنه يُلحظ بالنسبة إلى معروضه لا إلى ماهيته. وبالنسبة إلى عدم العرض، يمكن هذا اللحاظ أيضًا، أن يُلحظ عدم العرض بالنسبة إلى معروضه.
من هذا الوجود والعدم للعرض يُعبّر بالوجود والعدم النعتي وبمفاد كان الناقصة وليس الناقصة. بعد هذا البيان يقولون: هذا الوجود والعدم النعتي محتاجان في تحققهما إلى موضوع خارجي، وبدون موضوع يستحيل تحققهما.
الوجود والعدم النعتي مثل العدم والملكة، حيث إن التقابل بينهما بدون موضوع محقق محال؛ لأن وجود الملكة لا يُعقل إلا في موضوع موجود. وأما احتياج العدم إلى الموضوع فمن جهة أن المراد بهذا العدم ليس العدم المطلق، بل العدم المضاف إلى محل قابل للاتصاف بالملكة، مثل العمى والبصر.
وعلى هذا الأساس، فإن ارتفاع هذه الملكة والعدم ممكن، أي يرتفع كلاهما بارتفاع الموضوع. وهذا ليس ارتفاع النقيضين. فزيد غير الموجود ليس بصيرًا ولا أعمى. ولهذا، اتصاف شيء بعدم منوط بتحقق ذلك الشيء؛ «لأن ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت مثبت له».
ولكن وجود وعدم المحمولي ارتفاعهما محال؛ لأنهما من نوع ارتفاع النقيضين. ومن الواضح أن الماهية عندما تُقاس بالخارج، إما أن تكون موجودة أو معدومة، ولا يمكن أن تكون لا معدومة ولا موجودة.
النتيجة هي أن الوجود والعدم النعتي يرتفعان بارتفاع موضوعهما، أما إذا كانا وجودًا وعدمًا محموليًا، فارتفاع كليهما محال.
المقدمة الثالثة للمحقق النائيني
الموضوع المركب إما أن يتكون من جوهرين، أو من عرضين، أو من جوهر وعرض. إذا كان مركبًا من جوهرين، فتارة يُحرز كلا الجزأين بالوجدان، وتارة يُحرز كلاهما بالأصل، وتارة يُحرز أحدهما بالوجدان والآخر بالأصل، وبضم الوجدان إلى الأصل يتحقق الموضوع المركب ويترتب عليه أثره. فإذا كان الأثر مترتبًا على ذات زيد وعمرو، فبإحدى الصور الثلاث التي تحقق بها الموضوع، يترتب الأثر.
وإذا كان موضوع الأثر مركبًا من عرضين، فتارة يكون العرضان لموضوع واحد، مثل عدالة زيد وعلمه، وهو موضوع جواز التقليد. جريان الموضوع المركب من عرضين هو كجريان الموضوع المركب من جوهرين، الذي يتحقق بإحدى الصور الثلاث المذكورة.
وتارة يكون العرضان لموضوعين مختلفين، مثل إسلام الوارث وموت المورث. صحيح أن كل واحد من العرضين هو نعت لموضوع خاص به، ولكن أياً منهما ليس نعتًا للآخر ولا يتوقف عليه. ولكن الموضوع المركب منهما يوجب ترتب الأثر، مثل ركوع الإمام وركوع المأموم في وقت واحد، الذي يوجب صحة الاقتداء. في هذه الصورة، يتحقق الموضوع المركب بإحدى الصور الثلاث السابقة.
الصورة الرابعة هي أن يكون الموضوع المركب من جوهر وعرض لموضوع آخر، مثلاً، أن يكون موضوع الحكم مركبًا من وجود زيد وعدالة عمرو. جريان هذه الصورة هو كالصور المذكورة. في جميع هذه الصور، لا مشكلة في التمسك بالأصل.
البحث هو في الصورة التي يكون فيها الموضوع المركب من موضوع وعرض هو نفس الموضوع، مثل زيد وعدالة زيد. في هذا الفرض، المأخوذ في الموضوع هو وجود العرض بالوجود النعتي؛ لأن العرض دائمًا نعت للموضوع. في هذا الفرض، إذا كان لاتصاف الموضوع بالعرض وجودًا وعدمًا حالة سابقة، يجري استصحاب البقاء.
يقول المحقق النائيني: إذا لم تكن له حالة سابقة، فلا يجري الاستصحاب. مثلاً، إذا كان لاتصاف الماء بالكرية أو عدم الكرية حالة سابقة، فلا مانع من استصحاب بقائه. أما إذا لم تكن له حالة سابقة، فلا يجري الاستصحاب؛ لأنه صحيح أن عدم الكرية بنحو العدم المحمولي أو استصحاب وجود الكرية بنحو الوجود المحمولي في حد ذاته لا إشكال فيه لأن له حالة سابقة، ولكنه غير مفيد؛ لأنه مثبت لاتصاف أو عدم اتصاف الماء بالكرية. ليس مفاد كان أو ليس الناقصة إلا على القول بالأصل المثبت.
ولا يمكن إثبات الوجود أو العدم النعتي باستصحاب العدم المحمولي أو الوجود المحمولي. خلاصة القول، تارة يُلحظ وجود العرض وعدمه في نفسه، فيُعبّر عنهما بالوجود والعدم المحمولي، واستصحاب العدم أو الوجود المحمولي لا يُثبت الوجود أو العدم النعتي. مثلاً، استصحاب وجود الكر في الخارج لا يُثبت اتصاف هذا الماء بالكرية إلا على القول بالأصل المثبت.
نتيجة المحقق النائيني بعد بيان هذه المقدمات:
- ما خرج من تحت العام حتمًا يوجب تقييد العام بنقيض الخاص، بحكم المقدمة الأولى. هذا التقييد يجب أن يكون بنحو العدم النعتي ومفاد ليس الناقصة، بمقتضى المقدمة الثالثة. هذا الوجود أو العدم المأخوذ في الموضوع يتطلب تحقق الموضوع خارجيًا، بحكم المقدمة الثانية. لذا، لا يمكن إثبات قيد موضوع العام بأصل العدم الأزلي «العدم المحمولي».
توضيح ذلك أن المستصحب إما عدم نعتي مأخوذ في موضوع العام، أو عدم محمولي ملازم للعدم النعتي. فإذا كان عدمًا نعتيًا، فليس له حالة سابقة، فهو من الأول مشكوك فيه. وإذا كان عدمًا محموليًا، فله حالة سابقة، ولكن باستصحاب عدمه لا يمكن إحراز العدم النعتي، وهو نفس العدم المأخوذ في الموضوع! إلا على القول بالأصل المثبت.
لدى النائيني مثال تعلق التكليف بالصلوات المقيدة بعدم المانع. فإذا شككنا في المانع، لا نستطيع باستصحاب العدم الأزلي «عدم المانع» أن نثبت «قيد الصلاة»؛ لأن هذا الأصل مثبت. خلاصة القول، يعتقد المحقق النائيني أن إحراز دخول الفرد المشتبه به في أفراد العام بإجراء أصل العدم الأزلي غير ممكن، ولذا يجب في الفرد المشتبه به الرجوع إلى الأصل الحكمي والأصل العملي كأصالة البراءة.
لدى السيد الخوئي رأي: إذا لحظنا العرض مستقلاً عن المعروض، فإنه يخرج عن كونه عرضًا. ذات عدم القرشية، بتعبيرهم، جزء من الموضوع، والموضوع ليس مقيدًا بقيد عدمي، بل هو مركب. وعدم القرشية هذا عدم محمولي وسالبة محصلة «لم تكن المرأة قرشية والآن كما كان». لا يمكن القول إنكم صححتم بـ«ليس التامة» «ليس الناقصة». إذن، ليس من اللازم أن يكون عدم القرشية نعتًا للموضوع، والموضوع متصفًا بعدم القرشية. في هذه الصورة، يثبت الجزء العدمي من الموضوع المركب بالاستصحاب.
ولكن الميرزا النائيني يقول: في موضوع الحكم، حتمًا أُخذ العدم النعتي؛ لأن الشارع المقدس عندما يريد أن يضع حكمًا على موضوع، يجب أن يلحظ الموضوع في الرتبة السابقة، إما بنحو مطلق، أو بنحو مقيد، أو بنحو مهمل. والإهمال ممتنع على الشارع، والإطلاق خلاف المقصود، إذن، أخذ الموضوع مقيدًا بالاتصاف بعدم القرشية.
جواب السيد الخوئي: الأسبقية ليست في الأمر. هذان العدمان، النعتي والمحمولي، متلازمان، وليس لأحدهما علة أخرى لتكون هناك أسبقية. ثانيًا، إذا كانت هناك أسبقية، فما هو الإلزام بأن يلحظ العدم النعتي لا العدم المحمولي؟
البيان الثاني للمحقق النائيني: إذا أراد الشارع أن يقيد الحكم بعدم العرض بنحو العدم المحمولي، وألا يلحظ اتصاف المرأة بعدم القرشية، يلزم التهافت؛ لأن الجزء الأول، وهو الجوهر، من ناحية ذلك العرض إما مطلق أو مقيد أو مهمل. المطلق ممتنع؛ لأن معناه أن المرأة حتى لو كانت قرشية يجب أن يكون لها حكم المرأة غير القرشية، وهذا خلف الفرض بثبوت المخصِّص. إذن، يتعين أن يلحظها مقيدًا.
أجاب المحقق الخوئي على هذا البيان: 1. الموضوع من حيث هذه القيود لا إطلاق له ولا تقييد ولا إهمال. ولكن المذكور «المحقق الخوئي» يرى تقابل الإطلاق والتقييد تقابل السلب والإيجاب، ولا يمكن أن لا يكون أي منهما. إذا كان الإطلاق ممتنعًا، فالتقييد واجب. مضافًا إلى أن موضوع الحكم بالنسبة لملازمه «مثل المرأة التي تلازم كونها قرشية أو لا» لا يمكن أن يكون لا مطلقًا ولا مقيدًا ولا مهملاً، وهذا غير صحيح؛ لأن المولى يمكنه أن يلحظ المرأة مقيدة بعدم القرشية ويضع موضوع الحكم.
يقبل المحقق الخوئي المقدمة الأولى في استدلال المحقق النائيني بأن التخصيص الوارد على العام يوجب تعنون موضوع العام بعنوان المخصِّص، ولكنه يرى أن هذا التقييد لا يقتضي أن يكون العدم المأخوذ في الموضوع عدمًا نعتيًا.
سؤال من المحقق الخوئي: ألا يريد عدم القرشية أن يكون موضوعًا؟ إذا قُبل تقييد الموضوع في حالة تخصيص العام، فكيف أصبح عدم القرشية عدمًا محموليًا وسالبة بانتفاء الموضوع؟ بالنسبة للمقدمة الثانية للمحقق النائيني، يرى المحقق الخوئي أنه صحيح أن الوجود والعدم النعتي يرتفعان بارتفاع موضوعهما، ولكن الوجود والعدم المحمولي ارتفاعهما يستلزم ارتفاع النقيضين.
وصحيح أن اتصاف الشيء بالوجود والعدم النعتي يحتاج إلى موضوع في الخارج لاستحالة وجود الصفة بدون وجود موصوفها، ولكن هذه المقدمة لا تقتضي أن يكون المأخوذ في موضوع حكم العام عدمًا نعتيًا.
جواب المحقق الخوئي هو أنكم عندما قبلتم أن وصف القرشية مع عدم القرشية من الأوصاف المتلازمة، فإذا وُجدت المرأة بحسب مقام الدلالة مصحوبة بالإثبات والقيد بالذكر «عدم القرشية»، فكيف يمكن القول إن المأخوذ في موضوع حكم العام ليس عدمًا نعتيًا، بل هو عدم الاتصاف، وهو سالبة بانتفاء الموضوع؟
ما يذكره المحقق النائيني في المقدمة الثالثة من أقسام الموضوع المركب يقبله المحقق الخوئي، ولكن في المورد الذي يكون فيه الموضوع مركبًا من جوهر وعرض مضاف إلى نفس الجوهر، يختلف مع أستاذه.
يقول النائيني: المأخوذ في موضوع العرض هو بالوجود النعتي. إذا كانت له حالة سابقة، يمكن إثباته بالأصل، وإلا فإن إحرازه بأصل العدم الأزلي غير ممكن. وكذا الكلام في الموضع الذي يكون المأخوذ في موضوعه عدمًا نعتيًا. الوجود والعدم النعتي الذي ليس له حالة سابقة لا يثبت بالاستصحاب. أما العدم المحمولي، فله حالة سابقة، ولكنه لا يستطيع أن يكون مثبتًا للعدم النعتي «بواسطة الاستصحاب»؛ لأنه مثبت.
ولكن المحقق الخوئي يعتقد أنه وإن كانت هذه المقدمة متينة، إلا أنها لا تُثبت مدعى الأستاذ، وإن كان الموضوع مركبًا من جوهر وعرض مضاف إلى نفس الجوهر، ولكن عدم العرض المأخوذ في موضوع الحكم ليس عدمًا نعتيًا.
- لكن السؤال من المحقق الخوئي هو: كيف يمكن القول إن الموضوع مركب من جوهر وعرض منسوب إليه، أو جوهر وعدم عرض منسوب إليه، وهذا العدم ليس عدمًا نعتيًا بل عدم محمولي؟
خلاصة القول، الخلاف بين المثبتين والنافين يدور حول هذا المحور: هل موضوع العام بعد التخصيص يُقيَّد بالعدم النعتي أم بالعدم المحمولي؟ إذا قُيِّد بالعدم النعتي، فلا يمكن التمسك باستصحاب العدم الأزلي في الفرد المشتبه به. أما إذا كان الموضوع المركب مقيدًا بالعدم المحمولي، فيقول المثبتون إن له حالة سابقة ويمكن إثبات حكم الفرد المشتبه به بأصل العدم.
يعتقد المحقق الخراساني في مسألة «المرأة تحيض إلى خمسين سنة» أن العام يشمل كل امرأة، سواء كانت قرشية أم غير قرشية، ولكنه خُصِّص بالمرأة القرشية. وهو يرى أن هذا التخصيص لا يوجب تعنون العام بعنوان، ولذا يُحرز حكم المرأة المشكوكة في قرشيتها بالأصل. ويقول: قبل الوجود، لم يكن هناك اتصاف وانتساب بين هذه المرأة وبين قريش، وبعد وجود المرأة، نشك هل انتُقض عدم الانتساب أم لا. لذا، يجري استصحاب عدم الانتساب، ويدخل الفرد المشكوك في قرشيته في العام.
وعدم الانتساب هنا مفاده ليس التامة، وليس نعتًا للموضوع حتى يوجب تقييد الموضوع. لذا، يرى أن هذا الاستصحاب ليس مثبتًا للعدم النعتي. ولتفادي مثل هذا التوهم، استبدل استصحاب العدم المحمولي باستصحاب عدم الانتساب. وصحيح أن هذا أيضًا عدم محمولي، ولكنه ليس مثبتًا للعدم النعتي.
- «كفاية مبحث العام والخاص». ولكننا نسأل المحقق الخراساني: هل يمكن القول إن الانتساب إلى قريش معدوم منذ الأزل والآن كما كان؟ قطعًا لا؛ لأن هناك قرشيات. إذن، يجب أن يكون مقيدًا بهذه المرأة الموجودة. وإذا كان الانتساب وعدم الانتساب يجب أن يُنسبا إلى المرأة الموجودة ويُقيَّدا بها، تنتفي الحالة السابقة، واستصحاب عدم الانتساب يجب أن يُنسب إلى المرأة الموجودة ويُقيَّد بها، فتنتفي الحالة السابقة، ويصبح استصحاب عدم الانتساب نعتيًا.
مبنى الآخوند في جريان أصل العدم المحمولي في المرأة القرشية مبني على عدم تعنون العام بعنوان عدمي. المرأة التي ترى الدم إلى خمسين لم تُقيَّد بقيد عدم القرشية، فيكفي في إثبات حكم العام للفرد المشكوك نفي الخاص. وهو يعتقد أن إثبات الفرد المشكوك للعام ليس من نوع التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، بل يبقى العام على عمومه.
قبل التخصيص، كان عموم العام متحققًا، ولم يكن له عنوان، وكان يشمل جميع أفراده. «كل مرأة تحيض إلى خمسين». الآن، أُخرج فرد هو القرشية. في الفرد المشكوك، يثبت بأصل عدم كونه من قريش أنه يجب أن يحيض إلى خمسين.
يجب أن يقال للمحقق الخراساني: هل يمكن إثبات أن العام بعد حضور المخصِّص، سواء كان متصلاً أو منفصلاً، لا يتعنون بعنوان الخاص أو عدم الخاص؟ الإشكال الآخر الوارد على الآخوند هو أنه قد يُقال إن أصالة عدم الانتساب إلى قريش معارضة بأصالة عدم الانتساب إلى غير قريش، فيتعارضان ويتساقطان.
ولكن هذا الإشكال لا يرد على الآخوند؛ لأن تعارض الأصلين فرع ترتب الأثر على كل منهما، وهنا أحد الأصلين لا يترتب عليه أثر؛ إذ لا أثر لأصالة عدم الانتساب إلى غير قريش بعد وضوح كون موضوع الحكم بالحيض هو نفس المرأة لا بقيد كونها من غير قريش.
النتيجة هي أن إحدى النقاط الرئيسية لافتراق نظرية المثبتين والنافين في مسألة استصحاب العدم الأزلي في الفرد المشتبه به هي تعنون العام بعدم الخاص أو عدم تعنونه بعدم الخاص. المحقق الخوئي والمحقق العراقي والمحقق الخراساني قائلون بأن تخصيص العام لا يوجب تعنون العام بالخاص، ولكن المحقق النائيني ومن تبعه قائلون بتعنون العام بالخاص أو عدم الخاص.
ولكن في نظر هذا الحقير، الحق مع نظرية المحقق النائيني. توضيح ذلك: لا شك أن القضية الموجودة في «المرأة تحيض إلى خمسين إلا أن تكون قرشية» هي قضية حملية، ووجود الموضوع فيها ضروري.
«عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد عن الحسن بن ظريف عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (ع): إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر الحمرة إلا أن تكون امرأة من قريش» (الحر العاملي، 1409: 2/335).
لأن في جميع أقسام القضية الموجبة، سواء كانت محصّلة، حيث لا يكون حرف السلب جزءًا من الموضوع ولا المحمول، مثل زيد قائم، أو كانت معدولة، حيث يكون حرف السلب جزءًا من الموضوع «اللاشيء»، أو جزءًا من المحمول «الجماد لا حيّ»، أو جزءًا من كليهما «اللاحيّ لا متحرّك»، في جميعها وجود الموضوع ضروري.
حتى في قضية سالبة المحمول، التي تكون سالبة محصلة نعتًا ووصفًا للموضوع، مثل «زيد ليس بقائم»، التي هي سالبة محصلة، يُقال: «زيد هو الذي ليس بقائم»، أو في «المرأة ليست من قريش»، يُقال: «هذه المرأة هي التي ليست من قريش»، يجب أن يكون الموضوع موجودًا.
مقتضى القاعدة الفرعية «ثبوت شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له» هو لزوم وجود الموضوع في القضايا الموجبة، حتى المعدولة؛ لأن السلب في المعدولة مرتبط بالموضوع ومحمول عليه، ومفاده ربط السلب لا سلب الربط، مثل «زيد ليس بقائم»، الذي لا يسلب الربط بين الموضوع والمحمول، بل يربط سلب المحمول بالموضوع، ومقتضاه هو هوية بين الثابت والمثبت له.
على هذا الأساس، يرى أهل المنطق أن في جميع أقسام القضية الموجبة، المحصلة والمعدولة وسالبة المحمول، يتحقق نحو من الاتحاد والاتصاف بين الموضوع والمحمول، وإذا لم يكن الموضوع موجودًا، فلا معنى للاتحاد والاتصاف؛ لأن المعدوم ليس بشيء.
أما في قضية سالبة المحمول مثل «زيد ليس بقائم»، فالمشهور وإن قالوا إن هذه القضية تصدق مع وجود الموضوع وعدمه، ولكن ليس كما هو المشهور. عندما يكون الموضوع منتفيًا في حد ذاته، لا تصح السالبة؛ لأنه عندما يكون الموضوع منتفيًا ذاتًا، لا يصح الحمل أو سلب الحمل.
الآن، في الشبهة المصداقية للمخصِّص، نقول: لا يمكن أن يكون العام مهملاً؛ لأنه يوجب جهل الحاكم والجاعل. عندما يُخصَّص العام «المرأة تحيض إلى خمسين إلا أن تكون قرشية»، يجب أن يكون المراد الجدي للمولى هو ما يقتضيه التخصيص، وإلا لو كان مراد المولى بعد التخصيص هو نفسه قبل التخصيص، أي عموم مراد المولى، لكان التخصيص لغوًا.
لذا، الخاص، سواء كان متصلاً أو منفصلاً، كاشف عن المراد الجدي للمولى، وكاشف عن عدم تطابق الدلالة التصديقية مع الدلالة الاستعمالية.
الآن، لنرَ ما هو موضوع العام بعد التخصيص. هل هو موضوع عدم نعتي على نحو سالبة المحمول «المرأة التي لا تكون قرشية»، أم عدم نعتي على سبيل العدول، حيث يكون حرف السلب جزءًا، مثلاً، المرأة غير القرشية؟ في هذين الفرضين، عدم قيد الموضوع.
الفرض الثالث، أن يكون العدم على سبيل السالبة المحصلة، حيث يكون عدم القرشية قيدًا للموضوع ليس ومنوطًا بوجود الموضوع، بل يصدق مع وجود الموضوع وعدمه. عندما يُقال: «الأمير ليس بفاسق»، سواء
كان أميرًا أم لا، يجب أن تكون القضية صادقة.
على أي حال، في موضوعية العام بعد التخصيص، توجد هذه الاحتمالات، ولكن الاحتمال الثالث مخدوش؛ لأنه إذا لم يكن له موضوع، فلا يترتب عليه حكم. لذا، قضية سالبة المحصلة بانتفاء الموضوع، وإن قلنا بصحتها في نفسها، ولكن هذا في الموضع الذي لا يترتب عليه حكم إيجابي.
هذه القضية «المرأة إذا لم تكن قرشية ترى الحمرة إلى خمسين» لا يمكن أن تكون المرأة معدومة وترى الدم. نعم، إذا عادت سالبة المحصلة إلى سالبة المحمول، يصبح عدم قيد الموضوع، ولن يكون عدمًا محموليًا.
والعدم المحمولي منوط بأن تكون سالبة محصلة، وهذا خلاف ظهور تخصيص العام بعوارض العام، الذي ظهوره في تقييد العام بهذه العوارض. هذا ظهور عرفي، سواء كان بلسان سالبة المحمول أو بلسان العدول. هوية العرض متقومة بغيره، ووجوده في نفسه عين وجوده لغيره، وتقتضي النعتية تعيّن المحل.
على هذا الأساس، قيل إن تقييد وتخصيص العام كاشف عن دخل القيد في ملاك حكم العام، وإلا يلزم اللغوية بالنسبة للتخصيص. لذا، قطعًا يصبح العام مقيدًا بعدم الخاص، موضوعًا مركبًا من العام وعدم نعتي، ليس له حالة سابقة، وإثبات هذا العدم الخاص باستصحاب العدم المحمولي بنحو سالبة محصلة مثبت، ولا يمكن أن يصنع مصداقًا للعام.
ولذا، نحن مضطرون إلى الرجوع إلى الأصل الحكمي.
النتيجة
تناول المقال في البداية تعريف استصحاب العدم الأزلي، ثم عرض محل النزاع ومركز النفي والإثبات، ثم بيان الأقوال الثلاثة وتبيين أدلتها، ونقد ودراسة الأقوال في حجية وعدم حجية استصحاب العدم الأزلي. وبعد تقوية أدلة النافين وتضعيف أدلة المثبتين، توصل إلى نتيجة أن الفرد المشتبه به في الشبهة المصداقية للمخصِّص لا يمكن شموله بعموم العام باستصحاب العدم الأزلي، ولا يمكن إجراء حكم العام عليه. كما رفض رأي المحقق الخراساني في التفريق بين المرأة المتصفة بعدم القرشية وعدم الاتصاف، وأثبت أن استصحاب عدم الاتصاف يرجع في النهاية إلى وصف الموضوع المركب والعدم النعتي. ولذا، يعتقد أنه في الفرد المشتبه به، يجب الرجوع إلى الأصل الحكمي. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المصادر والمراجع
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع – دار صادر، 1414هـ.
الآخوند الخراساني، محمد كاظم، كفاية الأصول، طبعة آل البيت، 1409هـ.
الإمام الخميني، السيد روح الله، تهذيب الأصول، قم، منشورات إسماعيليان، 1382.
البروجردي، السيد حسن، نهاية الأصول، نشر فكر، 1415هـ.
البروجردي، السيد حسين، نهاية الأصول، قم، نشر تفكر، 1415هـ.
الحائري، عبد الكريم، درر الفوائد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة السادسة، 1418هـ.
الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، قم، مؤسسة آل البيت (ع)، 1409هـ.
الحسيني الميلاني، السيد علي، تحقيق الأصول، قم، مركز الحقائق الإسلامية، 1432هـ.
الحكيم، السيد محسن، حقائق الأصول، قم، مكتبة إسلامي، 1408هـ.
الحكيم، محمد تقي، الأصول العامة في الفقه المقارن، قم، المجمع العالمي لأهل البيت (ع)، 1418هـ.
الخوئي، السيد أبو القاسم، مصباح الأصول، تقريرات محمد سرور واعظ بهسودي، قم، مكتبة داوري، 1417هـ.
السبحاني التبريزي، جعفر، إرشاد العقول إلى مباحث الأصول، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)، 1426هـ.
الشيخ الأنصاري، مرتضى، فرائد الأصول، قم، مكتب منشورات إسلامي التابع لجماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، بي تا.
الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، بيروت، الدار الإسلامية، 1417هـ.
العراقي، آقا ضياء، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1414هـ.
العراقي، آقا ضياء، نهاية الأفكار، قم، دفتر المنشورات الإسلامية، الطبعة الثالثة، 1417هـ.
العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
الغروي النائيني، محمد حسين، أجود التقريرات، تقرير: السيد أبو القاسم موسوي الخوئي، قم، منشورات مصطفوي، الطبعة الثانية، 1368.
مكارم الشيرازي، ناصر، أنوار الأصول، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب (ع)، 1428هـ.
الموسوي الخوئي، السيد أبو القاسم، محاضرات في أصول الفقه، تقرير: محمد إسحاق فياض، قم، منشورات أنصاريان، الطبعة الرابعة، 1417هـ.
الموسوي الخوئي، السيد أبو القاسم، مصباح الفقاهة، تقرير: محمد علي توحيدي، قم، مؤسسة أنصاريان، الطبعة الرابعة، 1417هـ.
النائيني، محمد حسين، فوائد الأصول، قم، منشورات إسلامي، 1417هـ.
الهوامش
1. تاريخ الوصول: 1402/4/20؛ تاريخ الإقرار: 1402/8/30.
2. أستاذ مشارك وعضو الهيئة العلمية بجامعة المصطفى (ص) العالمية (arafi@chmail.ir).