نقد المباني والأفكار الحديثية لابن قرناس مع التركيز على كتاب «الحديث والقرآن»

ملخص

الاكتفاء بالقرآن اتجاه إسلامي ذو خلفية قديمة، له مبانٍ خاصة تدور حول حجية ونطاق دور السنة والروايات الدينية في فهم القرآن، وقد شهد ظهوراً ملحوظاً في العصور المتأخرة. من بين القرآنيين السعوديين المعاصرين من أهل السنة، ابن قرناس الذي اعتبر التراث الحديثي للمسلمين فاقداً للاعتبار من خلال الجدل في الروايات، واعتبر القرآن المصدر الوحيد الجدير بأخذ الدين منه. وقد التزم بهذا الأمر في جميع أنحاء كتابه «الحديث والقرآن» وعمم هذا الحكم على سائر روايات التراث المكتوب للمسلمين من خلال مناقشته لبعض روايات صحيح البخاري والكافي للكليني ووصفها بالجعلية. يهدف هذا البحث إلى استجلاء أفكار وأهم المباني الحديثية لابن قرناس وتقييمها، وذلك باعتماد المنهج المكتبي والمنحى الوصفي-التحليلي. في البداية، يسعى البحث إلى التعريف بشخصية ابن قرناس وآثاره ومبادئه الفكرية، ثم يتناول، بالتركيز على كتاب «الحديث والقرآن»، كيفية تعامله مع الروايات ونقد محتواها من الناحية الصورية والبنيوية والمنهجية والمبنائية، وقد توصل البحث إلى أن أدلة ابن قرناس لم تكن تامة بسبب التتبع الناقص والتعامل الانتقائي والنظرة الأحادية والتفسير الاجتهادي للآيات.

1. طرح المسألة

تُعَدُّ القرآنية بشكل عام منهجاً قيّماً في تلقي وفهم التعاليم القرآنية. ومع ذلك، وكما هو الحال في جميع التيارات والحركات، شهد هذا التوجه أيضاً في سياقه التاريخي ظهور فروع، منها تيار القرآنيين (أسعدي وزملاؤه، 1390ش، 367). يتبنى هذا التيار نظرة نقدية تجاه الحديث، ويعتبر القرآن كافياً ومستغنياً عن السنة في تفسيره (روشن ضمير، 1390ش، 220). يرى بعض العلماء أن جذور وخلفيات الاكتفاء بالقرآن التاريخية، مع الأخذ في الاعتبار الروايات التي تتضمن تشكيكاً أو إنكاراً لدور السنة في تفسير الدين (راجع: الشافعي، 1410هـ، 7: 287؛ ابن حنبل، 1419هـ، 2: 162 و…)، تعود إلى القرون الأولى من تاريخ الإسلام (نصيري، 1385ش، 207؛ أسعدي وزملاؤه، 1390ش، 368).

بعد تقلبات العصور الأولى، ظهرت الشكوك والخلافات مجدداً حول الحديث، ولم يتفق الباحثون على منشئها، ولكن الحركة الإصلاحية الدينية تُعَدُّ من بيئاتها الداخلية (طيبي ومهدوي راد، 1394ش، 143). دخلت هذه الموجة من التحولات بشكل جزئي وكلي في القرن الثالث عشر الهجري إلى الدول العربية وغير العربية، ومنذ أوائل هذا القرن، تشكلت تنظيمات منسجمة في شبه القارة الهندية، وظهرت في الهند وباكستان جماعة أطلقت على نفسها اسم «أهل القرآن» (إلهي بخش، 1421هـ، 8-9). ومن بين المؤمنين بهذا الفكر ومنظريه في العصر الحديث، يمكن الإشارة إلى محمد أبو زيد۱، ومحمد شحرور۲، وأحمد صبحي منصور۳، ونيازي عز الدين۴، وابن قرناس.

يتناول البحث الحالي دراسة حالة لأحد أهم كتب ابن قرناس، باعتباره أحد أبرز دعاة الاكتفاء بالقرآن المعاصرين. وبعد تقديم تعريف موجز بشخصية هذا الباحث القرآني، يتم استخلاص مبادئه الفكرية وآرائه. وقد تمت دراسة مباني الكاتب وبنيته ومحتواه بنظرة نقدية. وتجدر الإشارة إلى أن المواد التي ستُعرض لاحقاً إما مستندة إلى كتاباته ومؤلفاته، أو في بعض الحالات، وبسبب نقص المعلومات المباشرة، تعتمد على بيانات منشورة حول أفكار ابن قرناس. وعليه، فإن هذا المقال يفتقر إلى سابقة بحثية مشابهة، وما ورد ليس إلا سطوراً موجزة في عرض أهم مباني ابن قرناس وأدائه في «الحديث والقرآن»، ضمن مدخل «الحديث والحديث پژوهي» في دائرة معارف العالم الإسلامي (معارف وآخرون، 1389ش، 141-143). وفي كتاب «دراسات حديثية في العصر الحديث»، اعتبر ابن قرناس ضمن تيار المراجعة الفكرية، أحد المتطرفين في هذا التيار (معارف، 1387ش، 86). وفي مجال النقد أيضاً، ورغم وجود أعمال بين علماء الفريقين مثل «شبهات القرآنيين؛ دفع الشبهات عن السنة النبوية؛ القرآنيون وشبهاتهم حول السنة؛ شبهات القرآنيون حول السنة؛ دراسة تيارات الاكتفاء بالقرآن» وغيرها، التي تناولت نقد مباني وإشكاليات تيار الاكتفاء بالقرآن، إلا أن الجهود المبذولة في نقد مباني وآراء ابن قرناس كانت متفرقة؛ بالطبع، فإن نقود أشخاص مثل أبو حامد حمادي (http://www.ahlalhdeeth.com)، ومحمد عبد الباسط، وصلاح بن علي بن عبد الله زيات لم تكن ممنهجة، وتختلف عن الدراسة الحالية من حيث الشمولية واتساع نطاق البحث. بالإضافة إلى ذلك، فإن معظم تلك النقود اقتصرت على تحليل ومناقشة عدد محدود من اعتراضات ابن قرناس على الروايات، لذا فإن هذا البحث أيضاً يفتقر إلى سابقة شاملة ومتميزة.

2. التعريف بشخصية ابن قرناس

لا يوجد مصدر مكتوب موثوق به يقدم صورة واضحة عن هذا الباحث. لذلك، نقتصر على نقل بعض المعلومات من صفحته الشخصية على الإنترنت: (ابن قرناس، 2015م، https://www.facebook.com). نشأ ابن قرناس في أسرة متدينة ومعروفة في المملكة العربية السعودية. وأنهى دراسته الجامعية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. بدأ بحثه بهدف تحصيل المعرفة، وفكرة تأليف الكتاب طرأت على ذهنه بعد سن الخمسين، وكان هدفه الوحيد نشر الحقائق القرآنية التي استقرت في خاطره، دون أن يكون لديه ميل للشهرة أو جمع الأتباع. ولهذا السبب، اختار لنفسه اسم «ابن قرناس» بدلاً من اسمه الحقيقي. كانت أولى محاولات ابن قرناس في هذا المجال تأسيس جمعية «طريق الهدى» التي استمرت في نشر بعض اكتشافاته حتى عام 2004م. بعد ذلك، في عام 2005م، التقى بـ«خالد المعالي»، صاحب دار الجمل للنشر، وقام بطباعة كتابه الأول «سنة الأولين».

3. آثار وأفكار ابن قرناس

للتعرف على أفكار ابن قرناس، سيكون من المفيد إلقاء نظرة عامة على أعماله:

۱. «سنة الأولين: تحليل مواقف الناس من الدين وتعليلها»؛ في هذا الكتاب، يوضح تشابه مواقف الناس في كل زمان ومكان تجاه الدعوات الدينية (ابن قرناس، سنة الأولين، 51)، ويعتقد أن الانحرافات التي نشأت، بالإضافة إلى أتباع الأنبياء السابقين، قد تسربت أيضاً إلى أمة النبي (ص) بسبب تمسك المسلمين بالفقه والحديث والتفسير وترك القرآن (نفس المصدر، 153).

۲. «الحديث والقرآن»؛ والذي سنتناوله بالتعريف لاحقاً.

۳. «رسالة حول الخلافة وحكم الله»؛ المحور الأساسي لهذا الكتاب هو الأداء الخاطئ للمسلمين تجاه الحكومة الإسلامية؛ لأنه على الرغم من اعتقادهم بشمولية التشريعات الإسلامية لتنظيم حياة الإنسان، لم يكتفوا بالكلام الإلهي والتشريعات القرآنية، بل اعتبروا مصادر أخرى مثل الحديث والإجماع والعقل والقياس وغيرها من مصادر التشريع (ابن قرناس، رسالة حول الخلافة وحكم الله، 2008م، 51). وفي هذا الكتاب، يشرح مفهوم الدولة الإسلامية من منظور دعاة عودة الخلافة، ويعتقد أن مطلب عودة الخلافة، بالشكل الذي يحقق العدل والمساواة، لا يتحقق إلا إذا كان شرع الله وكتابه هما المعيار التام والكامل (نفس المصدر، 14).

۴. «مسيحية بولس وقسطنطين»؛ يتناول هذا الكتاب كيفية نشأة المسيحية ودوافعها وأهدافها ودعاتها، ويكشف من خلال عرض عدد من الحالات أن حقائق كثيرة قد أُخفيت عن الناس خلافاً لما يعرفونه (ابن قرناس، مسيحية بولس وقسطنطين، 7-14).

۵. «أحسن القصص؛ تاريخ الإسلام كما ورد من المصدر مع ترتيب السور حسب النزول»؛ يعتقد ابن قرناس أن هذا الكتاب هو الأول من نوعه الذي يحلل تاريخ صدر الإسلام بناءً على آيات القرآن، وهو أمر مستحيل قبل معرفة ترتيب السور حسب النزول (ابن قرناس، 2010م، 8). لذلك، يتناول في القسم الأول من الكتاب هذا الموضوع، ويبدأ القسم الثاني بتقديم مدخل لتاريخ الإسلام.

ويستمر في ذكر الأحداث التاريخية في فترة مكة، ثم يستعرض الأحداث التاريخية في يثرب والمدينة، ويختتم كلامه بالوقائع التي تلت وفاة النبي (ص).

۶. «رسالة في الشورى والإنفاق: قوانين قرآنية مغيبة تضمن حقوق الفرد وحرية الجماعة»؛ في هذا الكتاب، يقدم قوانين قرآنية في بابي الإنفاق والشورى، والتي لو طُبقت لانتهت مشكلة الفقر وتحققت المساواة بين أفراد المجتمع.

۷. «الشرعة والمنهاج: نافذ للتعرف على الإسلام من مصدره»؛ في المجلد الأول من هذا الكتاب، وبعد شرح طريقة التدبر في القرآن (ابن قرناس، 2015م، 189)، يتناول جميع السور بتصنيفها إلى مكية أو مدنية؛ أما المجلد الثاني، فله بنية متنوعة تشمل: شرح بعض المفاهيم القرآنية؛ بعض حوادث العصر النبوي (ص)؛ بعض التشريعات القرآنية؛ بعض الأماكن والشخصيات المذكورة في القرآن، ووصف بعض المفردات القرآنية بشكل مختلف عن بيانات المعاجم. بنظرة عامة، يمكن اعتبار هذا الكتاب مدخلاً لفهم القرآن مباشرة، مع التأكيد على كفاية كتاب الله في إعطاء الدين، دون الحاجة إلى مساعدة الفقهاء والمحدثين والمفسرين.

۸. «من آدم إلى محمد»؛ آخر كتابات ابن قرناس، يحتوي على دراسات حول الأنبياء والأمم والأشخاص المذكورين في القرآن، وهو قيد الإعداد حالياً (راجع: ابن قرناس، 2015م، https://www.facebook.com).

جميع الكتب المذكورة طُبعت من قبل دار الجمل للنشر. مؤسس هذه الدار، خالد المعالي، شاعر وكاتب عراقي، بعد فراره من نظام صدام وهجرته إلى لبنان وفرنسا، استقر في ألمانيا وأسس هذه الدار في مدينة كولونيا عام 1983م. الكتب المنشورة في هذه الدار تعكس التوجه النقدي والتنويري لهذا المركز (مثل: الليبراليون الجدد (جدل فكري)، بعث صدام (رؤية من داخل نظام استبدادي)، الوهابية (مقالة نقدية)، إغلاق عقل المسلم (كيف خلق الانتحار الفكري الأزمة الإسلامية الراهنة)، الشهداء الضالون (كيف تحوّل الإرهابيون الإيرانيون إلى أفضل أصدقاء أمريكا)، بعض كتب سلمان رشدي، وغيرها) حيث قامت بنشر كتب الأدب العربي الجديد، من نثر وشعر ودراسات نقدية وكتب ممنوعة في الدول العربية. كما أن نشر أعمال ابن قرناس من قبل دار الجمل يظهر أنه يُحسب ضمن الكتاب النقاد في العالم العربي.

4. دراسة كتاب «الحديث والقرآن»

العناوين الخمسة التالية تشكل هيكل كتاب «الحديث والقرآن»:

* القسم الأول: جولة عامة في كتاب البخاري (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 27-188).

يقدم المؤلف في هذا القسم، بهدف عرض صورة عامة لمجموع الأحاديث، ومن خلال ملاحظة تسلسل روايات صحيح البخاري، روايات ذات مضامين متنوعة (نفس المصدر، 27).

* القسم الثاني: السلاطين بين الحديث والقرآن (نفس المصدر، 189-208).

يختص هذا المبحث بذكر روايات حول السلاطين والحكام؛ وهي روايات أدى نشرها إلى تعزيز وتثبيت حكمهم وزيادة تسلطهم على الناس (نفس المصدر، 189).

* القسم الثالث: الرسول في كتب الأحاديث (نفس المصدر، 209-410).

يذكر هذا القسم روايات تقدم صورة مختلفة وغير صحيحة عن سلوك ومنهج النبي (ص)، وصفاته وأقواله وتشريعاته مقارنة بالتعاليم القرآنية المتعلقة به (نفس المصدر، 209).

* القسم الرابع: الله جل جلاله في كتب الأحاديث (نفس المصدر، 411-467).

في هذا القسم، ينزه ابن قرناس الله عن الأوصاف والأفعال البشرية التي يُلقى في الأذهان مضمونها من خلال بعض الأحاديث (نفس المصدر، 411).

* أحاديث من الكافي (نفس المصدر، 468-514).

في بداية هذا الباب، يقرر المؤلف رأي الشيعة:

۱. ضرورة وجود إمام في كل عصر كامتداد للنبوة في موقع المرجعية الدينية. ۲. أن اختيار الإمام منصب من الله. ۳. عدم قابلية أحاديث الأئمة للنقد والتقديس المبالغ فيه من قبل الشيعة لأحاديث الكليني (نفس المصدر، 468).

بعد ذلك، يذكر ملاحظات حول كتاب الكافي:

۱. وجود 181 عاماً من الفاصل الزمني بين مؤلف الكافي والإمام السادس للشيعة كمصدر لمعظم أحاديث هذا الكتاب. ۲. تأثر أسلوب أحاديث الكافي بالأسلوب الأدبي الناشئ في عصر الكليني (نفس المصدر، 469).

ويستمر بذكر عدد قليل من الأحاديث المتعلقة بالأئمة (ع) ويعلق عليها تعليقات موجزة؛ لأنه يعتقد أنه لا حاجة لتعليقات مطولة، وأن مجرد نقل تلك الروايات كافٍ لإثبات عدم دينيتها (نفس المصدر). وهكذا، تُذكر أحياناً بعض الأحاديث دون نقد (نفس المصدر، 498-499)، وأحياناً يُكتفى بذكر آية في ردها (نفس المصدر، 478 و 480).

بنظرة عامة، يمكن تقسيم هذا الكتاب إلى جزأين رئيسيين: نقد ودراسة روايات من صحيح البخاري وتحليل روايات من الكافي. نقطة أخرى هي أن ابن قرناس يرى أن سبب اختياره لهذين الكتابين من كتب الفريقين هو اعتبارهما لدى أتباع هذين المذهبين. فمن ناحية، يُعتبر صحيح البخاري في نظر غالبية المسلمين أصح كتب الحديث، وقد وجدت رواياته طريقها إلى كتب روائية أخرى؛ وبالمثل، يمثل الكافي كتب الحديث الشيعية (نفس المصدر، 23-24).

كما يذكر المؤلف من بين أسباب عدم إيراد جميع الروايات: ذكرها في كتاب «سنة الأولين»، وعدم وجود دافع للتكرار، والحاجة إلى وقت ومجال واسع للإشارة إلى بعض الأحاديث، والطابع التفسيري لبعض الروايات وضرورة بيانها بالتفصيل، وكون بعض الروايات غير مرفوعة (عدم اتصال سند الحديث بالنبي (ص)) (نفس المصدر، 24).

5. التبيين والنقد

في هذا القسم، تناولنا أولاً بيان مباني ابن قرناس ثم نقدها؛ واتبعنا نفس المنهج في ما يتعلق بأسلوبه أيضاً.

۱-۵. تبيين ونقد مباني ابن قرناس

الفكرة المحورية لابن قرناس هي نفي حجية السنة، واستدلاله على هذا الأمر ذو شقين: الاكتفاء بالقرآن وحصر التشريع والوحي فيه، والشق الآخر نفي حجية وتشريعية المصادر التي يعتبرها منافسة للقرآن. في ما يلي، ندرس أهم مبانيه:

۱-۱-۵. شمولية القرآن التفصيلية لجميع الاحتياجات الدينية

يستند ابن قرناس إلى آية «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ…» (البقرة: 159)، ليعتقد بوجود جميع البينات والمعارف الهداية التي يحتاجها البشر في القرآن (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 14). ويرى أن الآية 41 من سورة الإسراء تؤكد على شمول القرآن لجميع احتياجات المؤمنين، وأن كل ما يحتاجه الناس لشفاء قلوبهم وعقولهم وتطهيرهما من الكفر والشرك، موجود فيه (نفس المصدر، 518). وبالطبع، يوجد هذا المبدأ في كلام جكرالوي، مؤسس فرقة القرآنيين؛ فهو بتصريحه بذكر تفصيلي لكل ما يتعلق بالدين، يرى أن الحاجة إلى الوحي الخفي والسنة لا مبرر لها (نقلاً عن إلهي بخش، 1421هـ، 210). ولابن قرناس في هذا المجال رؤيتان خاصتان ترتبطان بادعاء شمولية القرآن: عدم قابلية القرآن للتحريف (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 13، 267، 509) وعدم وجود ناسخ ومنسوخ فيه (نفس المصدر، 432).

نقد وتقييم: في هذا المجال، من المفيد الانتباه إلى النقاط التالية:

أ – قبول أصل شمولية القرآن

من الناحية التاريخية، تعود خلفية ومنشأ شمولية القرآن إلى آيات القرآن نفسها. في هذه الآيات، أشير إلى هذه الميزة بتعابير مثل «تبيان» (النحل: 89)، «تفصيل كل شيء» (يوسف: 111؛ الأنعام: 114)، عدم التفريط (الأنعام: 38، 59)، كمال الدين (المائدة: 3) وغيرها. ورغم أن مصطلح الشمولية لم يستخدم في هذه الآيات، إلا أنه استُخدم في التراث القرآني للفريقين لتبيين هذه الميزة (راد، 1390ش، 104-105). لا يوجد أي خلاف في اشتمال القرآن على أصول الشريعة، والخلاف يكمن في ذكر جميع التفاصيل فيه (إلهي بخش، 1421هـ، 211؛ حكيم، 1402هـ، 101).

توجد رؤيتان حول شمولية القرآن:

1. الشمولية القصوى؛ بناءً على هذا الرأي، فإن القرآن لا يحتوي فقط على العلوم والمعارف الدينية، بل يحتوي أيضاً على جميع العلوم والمعارف البشرية خارج نطاق الدين (نصيري، 1385ش، 332).

2. الشمولية الدنيا؛ يعتقد أصحاب هذه النظرية، ومنهم العلامة الطباطبائي (ره)، بانعكاس جميع المعارف الدينية في القرآن (الطباطبائي، 1390هـ، 12: 324-325).

إن معرفة نطاق وهدف القرآن تساعدنا في تحديد نوع شموليته. من آيات مثل (الزمر: 41؛ البقرة: 231؛ آل عمران: 3-4) يتضح أن المخاطب الرئيسي للقرآن هو الإنسان، والهدف من نزول الكتاب هو هدايته؛ لذلك، وكما قال البعض (معارف ومظفري، 1393ش، 14-15)، يمكن قبول الرؤية الثانية، أي شمول المعارف المتعلقة بهداية الإنسان، ومع الأخذ في الاعتبار عدم ذكر الكثير من تفاصيل الأحكام (شانه‌چي، 1382ش، 10)، ومسائل المعاد وغيرها في القرآن، وتكليف النبي (ص) ببيان هذه الأمور۶، يمكن القول إن عدم وجود تفاصيل الأمور في القرآن ليس إنكاراً لشموليته، بل إن هذه الأمور كانت خارج نطاق وهدف القرآن منذ البداية (إلهي بخش، 1421هـ، 211؛ حكيم، 1402هـ، 102؛ سباعي، 2000م، 189).

ب – دراسة مستندات ابن قرناس

الآيات التي استند إليها ابن قرناس في ادعائه بالوصول إلى تفاصيل جميع المعارف في القرآن لا تحمل دلالة واضحة، خاصة وأن نوع الاستناد إلى الآيات انتقائي ويتجاهل السياق؛ فمثلاً، المقصود من الآية 159 من سورة البقرة هو النهي عن كتمان حكم من أحكام الدين بيانه وارد في كتاب الله أو سنة النبي (ص) أو في حكم العقل (مغنية، 1424هـ، 1: 246)، أو الآية 41 من سورة الإسراء، بشهادة السياق، هي في بيان أن تصريف الآيات (تغيير الخطاب، تنوع البيان والاحتجاج) حول مسائل مثل التوحيد ونفي الشريك في هذه الآية من القرآن لتذكير السامعين (الطباطبائي، 1390هـ، 13: 105). ولكن في المقابل، هناك آيات عديدة تشير إلى ضرورة طاعة واتباع النبي (ص) (الحشر: 7؛ الأحزاب: 36)، وتُعرّف حضرته بأنه مفسر ومبين للآيات (النحل: 44؛ آل عمران: 164)، وفي ضوئها يمكن فهم أن جزءاً مما أراده الله في إطار الدين للإنسان يُنال بالرجوع إلى النبي (ص) (طيبي ومهدوي راد، 1394ش، 145؛ سباعي، 2000م، 178).

۲-۱-۵. نهي النبي (ص) عن كتابة الحديث

يقوم هذا المبدأ على اعتقاد ابن قرناس نفسه بعدم تشريعية السنة وعدم الإذن بكتابة كلامه وأفعاله (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 515). بحسب ابن قرناس، يطرح سؤال: إذا كان الحديث تشريعاً، فلماذا لم يأمر الله نبيه بحفظه وصيانته، وإذا أمره، فهل إهمال النبي (ص) لجزء من الشريعة يؤدي إلى ضياعه؟ (نفس المصدر، 20). كذلك، نتيجة للنهي عن الكتابة، فإن ما أصبح يُعرف بالحديث في التراث الروائي الإسلامي واستند إليه الفقهاء في تشريعاتهم، بقي منذ زمن النبي (ص) حتى حوالي 150 عاماً بعده على شكل منقولات شفهية من حياة النبي (ص) وأحداث عصره، حتى قام مالك بن أنس (ت 179هـ) بجمع عدد من تلك الأخبار امتثالاً لأمر أحد خلفاء بني العباس بتأليف «الموطأ». كما توفي البخاري، مؤلف أشهر كتب الحديث عند أهل السنة، عام 256هـ؛ ونتيجة لذلك، فإن جميع المذاهب والفرق الإسلامية التي ظهرت بعد العصر النبوي (ص) اعتمدت جميعها على نصوص ظنية (نفس المصدر، 16-17). ومن هنا، يعتقد أن التراث الموجود يعاني من مشكلات مثل تشويه السند والمتن (نفس المصدر، 7-10) وكون السنة مشوبة بالشرك (نفس المصدر، 14 و 15).

نقد وتقييم: بيان ابن قرناس في هذا البحث له وجهان:

1. وهم منع النبي (ص) من كتابة السنة؛ في هذا الصدد، يستند المدعون غالباً إلى روايات نهي أبي سعيد الخدري وغيره عن الكتابة. ويبدو أن ابن قرناس، رغم عدم قبوله للسنة، قد قبل حجية هذه الفئة من الروايات (نفس المصدر، 14). في حين أن أهم مستمسك لهم، وهو حديث أبي سعيد الخدري، منسوب إلى النبي (ص) فقط عن طريق همام بن يحيى، ويُعتبر حديثاً موقوفاً (معلمي، 1406هـ، 35؛ ناصح وآخرون، 1393ش، 172). وبغض النظر عن المناقشات السندية الأخرى، يبدو أن حديث أبي سعيد من الروايات المرسلة، لأنه من الأنصار ومن صغار الصحابة، وبحسب رأي العلماء، فإن النهي عن الكتابة يتعلق بمكة وبداية نزول الوحي، ولم يكن بوسع أبي سعيد أن يسمع هذه الروايات من النبي (ص). وهذا الحديث من حيث الدلالة أيضاً قابل للنقد؛ لأنه في أحسن الأحوال ينهى عن كتابة الحديث مع القرآن في ورقة واحدة، وليس عن كتابته مطلقاً؛ وبالطبع، فإن الاضطراب في متن هذه الروايات يزيد من ضعفها (معارف، 1388ش، 56). في حين أن روايات إذن النبي (ص) بكتابة السنة قد سُجلت أيضاً (راجع: عبد الخالق، بي تا، 443-447؛ أبو زهو، 1378هـ، 123-125؛ نجم، 1399هـ، 36-37؛ عبودي، بي تا، 8-61؛ صالح، 1984م، 20-31؛ أبو شهبة، 1409هـ، 19-20؛ أعظمي، بي تا، 76-83)، وذكر روايات النهي وحدها يخالف الأمانة العلمية (حكيم، 1402هـ، 110). وتأكيدات النبي (ص) على كتابة الحديث مذكورة في مصادر معتبرة؛ مثل إذنه لعبد الله بن عمرو بن العاص ورافع بن خديج في كتابة أقوال النبي (ص)، وأمره بكتابة خطبته بعد فتح مكة لأبي شاة اليمني وغيره… (ابن عبد البر، 1424هـ، 1: 142-156؛ معارف، 1388ش، 52-55).

2. فقدان حلقة الوصل بين الروايات الموجودة وعصر صدورها: هذا الإشكال ناتج عن أن معيار الحكم لدى أشخاص مثل ابن قرناس هو كتب الحديث عند أهل السنة، خاصة الصحاح الستة، وبما أن هناك فاصلاً زمنياً يقارب قرنين بين تاريخ تدوينها وعصر النبي (ص)، فقد قويت هذه الشبهة في نظرهم. بعبارة أخرى، إن وقائع تاريخ الحديث عند أهل السنة تخلق بشكل طبيعي شبهة الانقطاع التاريخي للسنة في الأذهان (نصيري، 1385، 214). ورغم أنه بصحة هذا القول يمكن اعتبار روايات الصحاح قابلة للنقد، إلا أن التشكيك في جميع الروايات الموجودة في جميع الكتب الروائية استناداً إلى هذا المبدأ يحتاج إلى أدلة أقوى؛ في حين توجد قرائن على كتابة السنة في عهد النبي (ص) ووجود مدونات في ذلك الزمان؛ مثل صحيفة سعد بن عبادة الأنصاري، وصحيفة عبد الله بن أبي أوفى، وصحيفة أبي موسى الأشعري، والصحيفة الصادقة، وصحيفة همام بن منبه، ورسالة سمرة بن جندب، وصحيفة جابر بن عبد الله الأنصاري (عمري، بي تا، 228-229)، وكتاب سليم بن قيس، وعهد الإمام علي (ع) لمالك الأشتر، ومسند زيد، ورسالة حقوق الإمام السجاد (ع) وغيرها، كانت موجودة في التراث الحديثي للفريقين (الخطيب، 1382هـ، 343-361؛ شانه‌چي، 1382ش، 27-30). لذلك، فإن ما تأخر نسبياً هو التدوين الرسمي للسنة، أما كتابة الروايات وتدوينها بشكل فردي فقد ظهر في العصر النبوي (محمود مهدي، 1426هـ، 14).

أما ادعاء اعتماد أتباع الفرق الإسلامية على نصوص ظنية، فقد يؤدي إلى شبهة تشويه سند ومتن الروايات. ورغم أن بعض عواقب عدم تدوين الحديث في القرن الأول الهجري مثل الجعل والوضع مقبولة، إلا أنه لا يمكن إنكار السنة برمتها (طيبي ومهدوي راد، 1394ش، 150)، بل إن الرجوع إلى الروايات التي ثبت اعتبارها هو السبيل للوقاية من مثل هذه الآفات؛ وجهود المحدثين منذ زمن النبي (ص) في حفظ وكتابة الحديث، وتشكل علوم الرجال، ومختلف الحديث وغيرها، كانت أيضاً للحفاظ على هذه الحقيقة (مهريزي، 1382ش، 10).

۳-۱-۵. شرك اتباع السنة

يعتقد ابن قرناس أن كل من يصدر تشريعاً ليس له أصل قرآني من تلقاء نفسه، قد جعل نفسه شريكاً مع الله واعتُبر شريكاً له (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 15). بناءً على ذلك، فإن الالتزام والتبعية لأقوال النبي (ص) غير القرآنية – أي السنة – يعد بمثابة تأليه له وإشراك به مع الله (نفس المصدر، 18 و 309). وقد وافق خواجه أحمد الدين ابن قرناس في هذا المبدأ، واعتبر اعتقاد البعض بأن طاعة النبي (ص) بأمر الله ومرتبطة بتلك الطاعة الأصلية، باطلاً وشركاً (نقلاً عن إلهي بخش، 1421هـ، 219).

نقد وتقييم

يتعارض هذا الاستدلال مع آيات مثل «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ…» (الأحزاب: 21) و«قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ…» (النور: 54)؛ لأن الآية الأولى اعتبرت التأسي بالنبي (ص) من أحكام الرسالة والإيمان به (الطباطبائي، 1390هـ، 16: 289)، وهو اتباع مطلق في جميع الأقوال والأفعال، دون استثناء (صادقي تهراني، 1406هـ، 24: 75). والآية الثانية أيضاً صريحة في الأمر بطاعة النبي (ص)، وبدء الكلام بكلمة «قل» يدل على أن الطاعة، سواء لله أو للرسول (ص)، كلها طاعة لله (الطباطبائي، 1390هـ، 15: 150)، في حين أن الكفر والشرك هو خروج عن دائرة الإسلام والوقوع في وادي الضلال؛ ولكن الله الذي منه الحكم، هو من أمر باتباع رسوله (النساء: 59، 64 و 80؛ الأحزاب: 36) (شيخ علي، بي تا، 34-36)، واعتبر الرضا المطلق بحكم النبي (ص) في قضاء وفصل الخصومات ملازماً لتذوق طعم الإيمان (النساء: 65). إذن، هذه الأخبار لا تنفي فقط وصف الشرك عن السنة، بل تعتبرها عين التوحيد وامتثالاً للأحكام الإلهية (حكيم، 1402هـ، 106-107؛ إلهي بخش، 1421هـ، 220).

۴-۱-۵. عدم وحيانية السنة

يعتقد ابن قرناس أن السنة إذا كانت وحياً، فهي القرآن نفسه، وإذا لم تكن وحياً، فهي ليست جزءاً من الدين الذي أنزله الله على نبيه (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 21). لذلك، فإن ما يُعرف اليوم بالحديث والسنة هو مجموعة متأثرة بالثقافة الجاهلية والإسرائيليات۸ والقصص المأخوذة من كتب السلف (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 7). يجب الانتباه إلى أن نظرته الخاصة إلى النبي (ص) تعزز أيضاً إنكار حجية السنة؛ لأن ابن قرناس لا يرى للنبي (ص) دوراً سوى تلقي وتبليغ الوحي القرآني، ويعتبر كلامه غير القرآني فاقداً لصلاحية الاتباع۹. بعض آرائه الخاصة في معرفة النبي والمرتبطة بهذا البحث هي: مماثلة النبي (ص) لبقية البشر (نفس المصدر، 230)، إنكار علم الغيب۱۰، عدم تفويض حق التشريع للنبي (ص) (نفس المصدر، 14، 152، 230، 301 و 309) وغيرها…

نقد وتقييم: قسم البعض الوحي إلى نوعين:

1. المتلو؛ وهو القرآن الكريم، ولفظه ومعناه منزل من عند الله على النبي (ص).

2. غير المتلو؛ هذا القسم هو السنة النبوية، وأهم ما يميزها عن القرآن هو بشرية ألفاظها (أبو زهو، 1378هـ، 14-15؛ أعظمي، بي تا، 37-39).

حجية السنة من الأمور التي اهتم بها علماء المسلمون، وقد أقيمت أدلة نقلية وعقلية متعددة لإثباتها:

1- الدليل النقلي: أكدت آيات مختلفة على وجوب الطاعة المستقلة للنبي (ص)، وألزمت جميع المسلمين باتباع أحاديثه في مجال تبليغ الشريعة؛ وتنقسم هذه الآيات إلى أقسام (أسود، 1429هـ، 610-612):

أ. وجوب طاعة النبي (ص): آيات مثل (آل عمران: 132؛ النساء: 80؛ المائدة: 92؛ الأنفال: 20؛ التغابن: 12) تشير إلى طاعة النبي (ص)؛ ومن أصرح الآيات في هذا المعنى آية «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ…» (النساء: 59). تتحدث هذه الآية عن نوعين من الطاعة؛ أولاً طاعة الله، ثم طاعة النبي (ص) التي لها جانبان: أحدهما جانب التشريع، بما أوحاه الله إليه من غير القرآن، أي؛ تفاصيل وتفصيلات الأحكام «وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» (النحل: 44)، والنوع الثاني من الأحكام والآراء التي صدرت عن النبي (ص) بمقتضى ولايته وقيادته الحكومية للناس «لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ» (النساء: 105) (الطباطبائي، 1390هـ، 4: 388).

ب. وجوب الإيمان بالنبي (ص): بناءً على آيات «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ…» (النور: 62، وكذلك: النساء: 65؛ الأعراف: 158)، يتحقق الإيمان الحقيقي عندما يسلم الإنسان بشكل تام، باطناً وظاهراً، لأمر الله ورسوله (الطباطبائي، 1390هـ، 4: 405). التصديق والتسليم هما أيضاً من لوازم اتباع السنة.

ج. النبي (ص) مبين وشارح للقرآن: يخاطب الله النبي في آية «…وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل: 44)، وكذلك (آل عمران: 164؛ النساء: 113؛ النحل: 64). فالنبي (ص) هو المكلف ببيان مراد الآيات وكيفية تطبيقها على حوادث المكلفين. والواقع التاريخي كان كذلك، حيث كان الصحابة يرجعون إليه في فهم ما يجهلون (طحان، 1392هـ، 40).

د. كون النبي (ص) أسوة: آيات مثل (آل عمران: 31؛ الأعراف: 156-157؛ الأحزاب: 21؛ الحشر: 7) تعتبر المسلم الحقيقي من يقتدي بالنبي (ص) ولا يخالف أمره (مغنية، 1424هـ، 6: 205).

2- الدليل العقلي: إذا لم تكن سنة النبي (ص) بوحي إلهي، فإنها تكون عرضة للاتهام والخطأ والسهو والنسيان، وهو ما لا يتوافق مع الأمر بالطاعة الشاملة والاتباع المطلق (النساء: 59) لرسول الله، وفي هذه الحالة لا يمكن تصديقه بشكل قطعي ويقيني (ناصح وآخرون، 1393ش، 166-167؛ طيبي ومهدوي راد، 1394ش، 149).

۵-۱-۵. تاريخية وزمانية السنة

بناءً على هذا المبدأ، فإن لازم الإيمان بحجية السنة هو عدم ختم النبوة وضرورة استمرارها لتلبية احتياجات الناس (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 14). وكذلك يرى صبحي منصور، بهذا البرهان القائل بأن اجتهاد النبي (ص) في تطبيق النصوص الشرعية للمؤمنين الذين يأتون بعده يتبع الإمكانيات البشرية والظروف الزمانية والمكانية والمخاطبين، أن السنة فاقدة للصلاحية (صبحي منصور، 2005م، 55).

نقد وتقييم: في مواجهة هذا الرأي، تجدر الإشارة إلى ما يلي:

1- في حال صحة الاستدلال المذكور، يصبح اتباع النبي الأكرم (ص) مقيداً بالزمان، في حين أن الله بعث النبي (ص) رسولاً لجميع الناس: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا…» (الأعراف: 158)، والقرآن ليس خاصاً بزمانه (شيخ علي، بي تا، 58-59). كما يقول: «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» (الأنعام: 19). ورغم أن عدداً من الآيات موجهة لأشخاص محددين، إلا أن «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب». فإذا لم يكن حكم آيات القرآن مقصوراً على زمان وأشخاص معينين، فكذلك السنة، لأنه لا فرق بين أحكام القرآن والسنة لصدورهما من مصدر واحد (حكيم، 1402هـ، 114؛ إلهي بخش، 1412هـ، 231-232).

2- إضافة إلى ذلك، إذا لم نقبل حجية السنة بعد وفاته، فإنه يلزمنا أن نعتبر الآيات التي تعرف النبي (ص) كقدوة وتأمر بطاعته لا معنى لها (ناصح وآخرون، 1393ش، 169)، في حين أن خطابات «أطيعوا» في القرآن مثل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ…» (النساء: 59) عامة، ولا يمكن القول إن «أطيعوا الله» طاعة عامة لكل العصور، أما «أطيعوا الرسول» فهي مقيدة بحياة النبي (ص). في الواقع، إذا اعتبرنا آيات الطاعة والأسوة والولاية والتبين خاصة بعصر النبي (ص)، فإن جزءاً كبيراً من الآيات يُحذف من المرجعية (حسيني، 1389ش، 78).

في النهاية، تجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى الخطوط الفكرية المتباينة التي تميز القرآنيين عن الفرق الإسلامية الأخرى، فإن لديهم أيضاً طيفاً متفاوتاً فيما بينهم. ورغم أننا لم نتطرق إلى آرائهم حول تفسير القرآن والفتاوى الفقهية التي هي ميدان هذه الاختلافات، إلا أن تشتت أفكار أفراد هذه الفرقة دفع البعض إلى الاعتقاد المطلق بعدم حجية السنة، والبعض الآخر إلى اعتبارها قابلة للنقد. (للاطلاع على آراء هؤلاء الأفراد، راجع: روشن ضمير، 1390ش، 83-103؛ مزروعة، بي تا، 449). وفي هذا السياق، اعتبر ابن قرناس، بناءً على مجمل مبانيه التي استُخرجت بشكل استقرائي من «الحديث والقرآن»، السنة فاقدة لصلاحية الاتباع، بحيث لو افترضنا صحة انتسابها والوصول إلى أصلها، فإنها تفتقر إلى الاعتبار اللازم. وهكذا، فمن ناحية، وبناءً على مبدأ الشمولية التفصيلية للقرآن، وتعزيز الاكتفاء الذاتي لهذا الكتاب في بيان معارفه، ومن ناحية أخرى، بإثبات عدم صلاحية الروايات بناءً على مباني نهي النبي (ص) عن كتابة الحديث ووجود فجوة تاريخية بين صدورها وكتابتها، وكون اتباع السنة مشوباً بالشرك، وغير وحياني وتاريخي، فقد قال بنفي دور السنة والحديث في فهم الدين.

۲-۵. تبيين ونقد منهج ابن قرناس

يقوم هذا الباحث في جميع أنحاء «الحديث والقرآن»، أولاً بعرض متن الأحاديث وفقاً للترتيب الذي يراه، وفي معظم الحالات بعد ذكر الرواية، تحت عنوان «مناقشة النص»، يتناول نقدها ودراستها؛ ويمكن استخلاص منهجه في نقد الأحاديث في قسمين رئيسيين: النقد السندي والمحتوائي.

۱-۲-۵. النقد السندي

أولى المؤلف في مواضع مختلفة من الكتاب أهمية لكون الحديث مرفوعاً واتصال سنده بالنبي (ص) (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 24، 49، 51، 196، 285 و 433). ومع ذلك، ورغم أنه لا يعتقد بعدالة الصحابة (نفس المصدر، 201)، إلا أن مباحث الرجال ودراسة وثاقة وضعف الرواة ليس لها مكان في هذا الكتاب، وكما ورد في الهامش، لم يتطرق إليها إلا في حالة راوٍ واحد۱۲. لذا، يجب القول إن سند الرواية ودراسته ليس له أهمية كبيرة لدى ابن قرناس، وملاحظاته حول انقطاع السند هي من باب الجدل.

۲-۲-۵. النقد المحتوائي

معايير ابن قرناس في نقد محتوى الروايات هي:

۱-۲-۲-۵. التعارض مع القرآن

من وجهة نظر ابن قرناس، وبهذا المعيار، تُرد الأحاديث لسببين:

1. المخالفة؛ في حالات متعددة، بعد شرح المضمون العام للحديث، يذكر ابن قرناس مخالفة محتواه للقرآن ويورد الآية المعارضة۱۳.

2. عدم الموافقة؛ في هذه الحالة، يجب تحديد ما إذا كان المقصود بعدم الموافقة هو المخالفة للقرآن، أم أنه يشمل أيضاً ما لم يتطرق إليه القرآن، بحيث يكون عدم موافقة الحديث للقرآن من باب السالبة بانتفاء الموضوع. ورغم أن المعنى الأول يبدو مدعوماً من العرف (أحمدي نورآبادي، 1394ش، 198)، إلا أن ما يُستفاد من دراسة كتاب ابن قرناس هو المعنى الثاني، حيث تُسقط الرواية من الاعتبار في حالات كثيرة بسبب عدم وجود حكم أو موضوع مورد النظر في القرآن۱۴.

نقد وتقييم: كما ذُكر، فإن عرض الحديث على القرآن في نقد الروايات في هذا الكتاب له أهمية بالغة، وقلما تجتاز رواية فيه غربال هذا المعيار؛ ولكن طريقة تطبيق هذا المعيار في مناقشات «الحديث والقرآن» تعاني من إشكالات:

۱- الوجه الأول لهذا المعيار من وجهة نظر ابن قرناس هو «مخالفة الحديث» للقرآن، وهو أمر مقبول، لكن الآفة التي أصابت هذا المعيار هي التعامل الانتقائي مع الآيات وعدم النظر الشمولي للقرآن، مما أدى إلى طرح روايات جانباً لمجرد مخالفتها لآية واحدة؛ في حين أنه بمزيد من التتبع والنظر الكلي، يزول التعارض المتصور. والمثال الواضح على ذلك هو الروايات التي تنكر علم النبي (ص) بالأمور الغيبية، والتي أنكرها ابن قرناس في مواضع متعددة مستنداً فقط إلى آية «قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ…» (الأحقاف: 9) وأنكر علم الغيب ورد الرواية. في حين أنه من وجهة نظر بعض الآيات، يمكن تقسيم علم الغيب إلى فئتين (الطباطبائي، 1390هـ، 1: 156):

أ. بعض الآيات تحصر علم الغيب في الله۱۵.

ب. آيات أخرى تسعى لإثباته لغير الله، وتجعله مشروطاً برضا الله۱۶.

إن الدقة في هذه الحالات تظهر أنه على الرغم من أن علم الغيب أصالةً وعلى الإطلاق من خصائص الله، إلا أنه يمكن تحصيله بشكل غير استقلالي وبشرط الإذن الإلهي لبعض المصطفين۱۷. لذلك، فإن أصل العلم بالغيب لغير الله أمر ثابت. وفيما يتعلق بشخص النبي (ص) الذي وجه ابن قرناس إشكاله إليه، فإن آيات متعددة تشير إلى امتيازه الخاص (ص) على الآخرين۱۸، وبطريق أولى، فإن جميع الكمالات التي يمكن وجودها في الآخرين، توجد فيه بشدة وقوة أكبر۱۹.

۲- القسم الثاني من هذا المعيار هو «عدم الموافقة» مع القرآن، حيث تُعتبر الأحاديث فاقدة للاعتبار لمجرد سكوت الآيات؛ في حين يجب التساؤل: إذا كانت هناك آية موافقة وذات مضمون مشترك مع الحديث، فما الحاجة إلى الحديث بعد ذلك؟ (مسعودي، 1389ش، 241). في حال قبول هذا الأمر، تُسقط معظم الروايات من الاعتبار، واعتبار المطابقة التامة للحديث مع القرآن يؤدي إلى نفي حجية السنة وحصر دورها في تأكيد مضامين القرآن؛ ولكن هذا الأمر يخالف سيرة ومنهج علماء الإسلام في التعامل مع الحديث، حيث اعتبروا الحديث باستمرار مصدراً ومنبعاً للتشريعات المستقلة التي لم ترد في القرآن (رحمان ستايش وجوكار، 1394ش، 165). وبالطبع، بما أن ابن قرناس لا يرى للنبي (ص) سوى شأن التبليغ، فمن الطبيعي أن يواجه مثل هذه المسألة؛ في حين أن للنبي (ص) دوراً تبيينياً تجاه القرآن أيضاً (النحل: 44). بالإضافة إلى ذلك، فإن القرآن يرشدنا إلى سنة مقطوعة أخرى في نفس الموضوع، وبهذه الدعوة «…مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا…» (الحشر: 7)، يُقدم معيار آخر قرين للقرآن؛ فسكوت القرآن عن موضوع الحديث ليس دليلاً على رده (سليماني، 1385ش، 116).

ومن الأمثلة التي يمكن طرحها في هذا الصدد، الروايات التي تشير إلى أفضلية السيدة الزهراء (س) على نساء الجنة أو سيادة الحسنين (ع) على شباب أهل الجنة، والتي يستدل ابن قرناس على عدم صحتها بسكوت القرآن عن ذكر أسماء الأفراد الذين عاشوا في زمن النبي (ص)، وبالتالي، بالاعتماد على غياب بيان قرآني لوجود سيدة على النساء وسيد على الرجال، يعتقد بعدم وجود طبقات اجتماعية في الجنة وتساوي رتب الأفراد (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 258-261). من المحتمل جداً أن ابن قرناس وأمثاله قد استندوا إلى آيات مثل: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…» (الحجرات: 13 وكذلك النساء: 1؛ الأنعام: 98؛ لقمان: 28)؛ في حين يجب أن يُسألوا: فماذا عن آية «انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا» (الإسراء: 21) التي تشير إلى تفضيل درجات الآخرة على مراتب الدنيا؟ (مغنية، 1424هـ، 5: 34؛ الطبرسي، 1372ش، 6: 628). فهذه الآية، بالإضافة إلى تفضيل الله لبعض الناس من حيث المال والولد وغيره في الدنيا، تعتبر درجات وامتيازات الآخرة أكبر من الدنيا (الطباطبائي، 1390هـ، 13: 69-70). وبحسب رأي ابن قرناس، فإن تبرير الآيات التي تتحدث عن درجات الجنة والنار۲۰ والتصريح بالنعم المتميزة الإلهية لـ«أصحاب اليمين» و«المقربين»۲۱، والتي تشير إلى مصاديق متعددة لهذه العناوين، يواجه مشكلة، وفي حال كانت جنة عدن، والفردوس، وحظيرة، وجنة المأوى، وجنة النعيم، تشير إلى مكان ورتبة واحدة، فإن استخدامها بألفاظ متعددة بعيد عن الحكمة. بالإضافة إلى أن تفاوت درجات الناس من منظور القرآن أمر مقبول۲۲، ونموذجه البارز هو تفضيل الأنبياء على سائر الناس۲۳ وحتى وجود هذا التدرج بين الأنبياء أنفسهم۲۴؛ وبحكم العقل وبناءً على الرؤية القرآنية، فإن من لوازم العدل الإلهي الحفاظ على هذا الموقع في الحياة الأبدية.

۲-۲-۲-۵. التعارض مع السنة

مخالفة الكتاب والسنة تعود إلى حقيقة أن كلام أي متكلم يجب أن يُقاس بنقوله المسلمة وأهدافه ومقاصده القطعية (مهريزي، 1375ش، 97). وابن قرناس أيضاً، استعان أحياناً في رد بعض الأحاديث بتعارضها مع السنة. وفي هذا السياق، وكما ورد في الهامش، توجد حالات متعددة حيث يأتي بعد رواية، لإظهار استحالة صدور أحاديث متناقضة من شخص واحد (النبي (ص))، برواية تخالف الرواية مورد البحث۲۵.

نقد وتقييم: بغض النظر عن تقييم صحة الحالات التي استعان فيها ابن قرناس بهذا المعيار، كان من الأفضل، لإتقان العمل، أن يذكر بعد إيراد الروايات المتعارضة سبب اختياره؛ لأن الأصل في هذا المعيار هو أن يكون تعارض الروايات من قبيل التباين الكلي، لا المخالفة من قبيل العام والخاص والمطلق والمقيد التي يمكن الجمع بينها۲۶.

۳-۲-۲-۵. مخالفة العقل۲۷، والتاريخ۲۸، والعلم۲۹، والتعارض مع شخصية النبي (ص)۳۰

استعان ابن قرناس بالمعايير المذكورة أعلاه في نقد الأحاديث، وهي لا تحتاج إلى توضيح، ويكتفى بذكر أمثلة على استخدامها في «الحديث والقرآن».

نقد وتقييم: ترد انتقادات على طريقة تطبيق معيارين: مخالفة العقل ومخالفة التاريخ، على ابن قرناس.

1. مخالفة العقل

من الآليات الفعالة في تحديد آفات فهم الأحاديث، المسائل العقلية القطعية؛ وهي الحالات التي يحكم فيها العقل حكماً قطعياً ولا يشك أحد في بداهتها أو انتهائها إلى بداهة (دلبری، 1391ش، 708). قال البعض، من باب الاحتياط، إن مخالفة شيء للعقل، هي وجود مطلب وعدم وجود دليل عقلي عليه، وهذا مطلب آخر. إذا كان حديث صحيح السند، غير عقلي، يجب قبوله لأن مفاد بعض الأحاديث أحكام تعبدية محضة، وإذا كان للعقل حكم موافق عليها، فليس من المعلوم أن ذلك هو العلة الوحيدة، وفي غير الأحكام، بناءً على قاعدة «لكل مقال رجال» و«ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». على أي حال، فإن معيار الموافقة مع العقل والقلب، معيار لا يقبل الشك، وحتى لو قيل إنه لا يمكن الاستعانة به بشكل مستقل في الحكم على الحديث، فلا يمكن القطع بصحة حديث بدونه (بستاني، 1383ش، 90). ومع ذلك، فإن استعانة ابن قرناس بهذا المعيار تواجه إشكالات:

أ. الخلط بين الحقيقة والمجاز: على سبيل المثال، أورد ابن قرناس رواية تفيد بأن الصدقة تزيد طول اليد (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 80) أو مثل رواية صفحة 124 و 186. لكن هذه الرواية تخالف الحس أكثر من العقل، وقد أخذ ابن قرناس هذا الطول بمعناه الحقيقي، بينما هو تعبير كنائي.

ب. عدم الانتباه إلى محدودية نطاق تطبيق العقل: بعض الروايات تصف حشر الإنسان بنفس الحالة التي فارق بها الدنيا؛ مثل حشر المجاهد في سبيل الله بنفس هيئته التي جُرح بها، وأمثلة من هذا القبيل (نفس المصدر، 112). في تقييم صحة هذه الأمور بالعقل، يجب الانتباه إلى أن هذا المعيار يواجه محدودية أمام التعاليم فوق العقلية للدين، مثل وقائع البرزخ والمحشر. لأن العقل البشري العادي، لعدم امتلاكه أدوات الوصول إليها، ليس لديه سبيل إليها إلا عن طريق النقل وبعض الشهود الحقيقية. هنا، العقل غير قادر على كشف الواقع الخارجي ليتخذ الصورة المستقاة منه معياراً لتقييم كاشف آخر، مثل الحديث (مسعودي، 1389ش، 261-262).

ج. اختزال نطاق العقل إلى العقل الحسي-التجريبي: وظيفة العقل في الروايات التي تحتوي على معجزات الأنبياء هي أن هذه الأمور، رغم أنها تخالف مجرى الطبيعة العادي، إلا أنها ليست من المستحيلات الذاتية التي يعتبرها أي عقل محالاً بشكل قاطع (الطباطبائي، 1390هـ، 1: 75). في مثل هذه الأمور الغيبية، يصل دور العقل إلى حد إظهار كونها محالاً أو غير محال (نفيسي، 1384ش، 455).

د. التتبع الناقص: أحياناً، تُشاهد في مصادر الحديث روايات تجعل القيام ببعض الأعمال البسيطة سبباً في كفارة الذنوب أو دخول الجنة (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 156، 161 و 292). الإشكال الذي يطرحه النقاد في هذه الحالات هو عدم تناسب العمل والجزاء. الجواب هو أن هذه الروايات تحمل قيوداً ظاهرة وباطنة متنوعة مثل الإخلاص في العمل، وعدم إحباطه بعده، وحلية النفقة وغيرها؛ وهي قيود تُستفاد من مجموع الروايات الأخرى (مسعودي، 1389ش، 293-294)، ونتيجة لذلك، يزول ظاهر عدم منطقية هذه الروايات بمزيد من التتبع في الروايات.

2. مخالفة التاريخ

التاريخ، إذا كان معتبراً، يخبرنا عن الأحداث الماضية، ويعمل ككاشف للواقع الخارجي قبل الزمن الحاضر. لذلك، كلما كان الحديث في مقام بيان وقائع حدثت، لا يمكن أن يتعارض مع المعطيات التاريخية؛ وبالتالي، فإن التاريخ المعتبر الذي يبعث على الاطمئنان، هو معيار مهم في نقد الأحاديث التاريخية (مسعودي، 1389، 274).۳۱ وقد استخدم ابن قرناس هذا المعيار أيضاً في تقييم صحة بعض الأخبار؛ ولكن في هذه الحالة، يرد عليه نقدان جادان:

أ. من وجهة نظر ابن قرناس، من عوامل ضعف أو بطلان الرواية، غياب تقرير تاريخي حول المطلب الذي يذكره متن الرواية (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 86 و 297). ومن أساليب النقد في هذه الحالة، النقد المصداقي الذي، رغم الادعاء المذكور، نجد شواهد تاريخية حول المطلب مورد النظر. مثلاً، حسب ادعاء ابن قرناس، فإن توسل الناس بالنبي (ص) في حياته أمر لم يُروَ بشكل مطلق، وجميع الروايات التي وردت في كتب الحديث والسيرة تشير إلى طلب النبي (ص) المباشر من الله، لا بواسطة أحد آخر (نفس المصدر، 64). وللرد على هذا الصمت المزعوم، نذكر توسلات الأفراد بالنبي (ص) في حياته وتوسل النبي (ص) نفسه بأفراد آخرين.

– النبي (ص)، استجابة لطلب رجل أعمى كان يلتمس الشفاء، علمه أن يدعو بعد صلاة ركعتين بهذا الدعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ، فَتَقْضِي لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ» (ابن حنبل، 1419هـ، 4: 138؛ ابن ماجه، بي تا، 1: 441؛ الترمذي، بي تا، 5: 569؛ ابن خزيمة، 1390هـ، 2: 225).

– في رواية أخرى، دعا الإمام علي (ع) في صلاته بعبارة «اللَّهُمَّ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ اغْفِرْ لِلْخَاطِئِينَ مِنْ شِيعَتِي»، والنبي (ص) أيضاً بعبارة «اللَّهُمَّ بِحَقِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (ع) عَبْدِكَ اغْفِرْ لِلْخَاطِئِينَ مِنْ أُمَّتِي»، جعل الإمام علي (ع) واسطة بينه وبين الله (ابن شاذان القمي، 1363ش، 128-129)۳۲.

ب. النقد الآخر هو أن ابن قرناس في مواضع متعددة يعتبر من إشكالاته على الروايات نقل أشخاص مثل ابن عباس وأبي هريرة عن النبي (ص)، لأن سن ابن عباس عند وفاة النبي كان بين 8 و 13 عاماً، وبسبب عدم هجرته إلى المدينة، فإن نقل حديثه عن النبي غير ممكن (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 57، 68 و 276). كما يعتبر محتوى الحديث المنقول عن أبي هريرة مرتبطاً بفترة حياة النبي (ص) في مكة، وبسبب إسلامه في السنة السابعة للهجرة وعدم إدراكه لفترة مكة، يعتبر الرواية غير صحيحة (نفس المصدر، 380). ولكن يجب العلم بأن الكثير من منقولات أشخاص مثل ابن عباس عن النبي (ص) كانت بواسطة صحابي آخر؛ ولكن لم يكن من دأبهم ذكر اسمه. لذلك، ورغم أن ظاهر السند يشير إلى النقل المباشر، إلا أنه في الواقع كان بواسطة شخص آخر، ولأن هذا كان أسلوباً شائعاً، فإن مرسلات الصحابة لا تُعتبر غير معتبرة بمجرد سندها.

بالإضافة إلى الانتقادات المذكورة، ترد إشكالات أخرى على طريقة تأليف هذا الكتاب:

1- الاستخدام الخاطئ لقاعدة التعميم (عبد الباسط، 1435هـ، https://content.tafsir.net): التعميم غير الصحيح هو تعميم دون استقراء وأدلة كافية، وهو ما يتضح من بعض عبارات ابن قرناس؛ مثل «وَأَيُّ حَدِيثٍ وُرِدَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، يُمْكِنُ أَنْ نَجِدَ حَدِيثًا آخَرَ يُنَاقِضُهُ فِي نَفْسِ الْكِتَابِ» (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 10) أو تعميم حكم الأحاديث المنتخبة على جميع مجموعات الأحاديث (نفس المصدر، 466 و 469). وقد وقع في مثل هذا الخطأ أيضاً فيما يتعلق بروايات الشيعة، حيث نسب طريقة بعض الشيعة في القبول غير المشروط للروايات إلى جميع أتباع هذا المذهب، واعتبر الروايات من منظورهم غير قابلة للنقد (نفس المصدر، 468)۳۳.

2- الشك غير العلمي: رغم أن الشك هو نقطة البداية في كل علم، إلا أنه إذا سلك طريق الإفراط في الإنكار والنفي، دون تقديم بينة أو قرينة مقبولة، فإنه يُعتبر آفة (زيات، بي تا، 13). وهذا الأمر ينطبق على ابن قرناس لدرجة أنه صرح بنفسه: حتى لو ثبتت أمور غير قرآنية عن النبي (ص)، فإنها تظل فاقدة للاعتبار وليست جزءاً من الدين۳۴.

3- تقديم أدلة ضعيفة وواهية ورد الأحاديث بأسلوب تهكمي: لمراجعة المسلمات الدينية، احترام فكر المخاطب ضروري، ولازمه تقديم أدلة وشواهد قوية (عبد الباسط، 1435هـ، https://content.tafsir.net).

4- عدم دلالة الآية على المدعى: هذا الإشكال يأتي نتيجة تجاهل القرائن مثل السياق، ونص المتن، وظروف صدور الآيات. مثلاً، استشهد ابن قرناس بآية «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ…» (آل عمران: 144) كدليل على نفي التوسل، والتي بحسبها ليس لأي من العباد حق على الله (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 64 ومواضع أخرى: 180، 213، 253، 352، 378، 440 و 447). ولكن، سياق نزول هذه الآية كان في أثناء معركة أحد وبعد شائعة مقتل النبي (ص) (الطبرسي، 1372ش، 2: 848)، ومورد نزول وسياق الآيات قبلها وبعدها لا علاقة له ببحث التوسل، إلا أنه قد يفهم من ظاهر عبارة «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ» أن النبي (ص) ليس له شأن سوى الرسالة، وهو تعارض غير مستقر، وبمزيد من التتبع يمكن استخراج أدلة قرآنية على التوسل من القرآن۳۵.

5- الاكتفاء بالظاهر في استنباط بعض الأحكام من القرآن: على سبيل المثال، يعتقد ابن قرناس في حكم الغسل أن الله شرعه دون تحديد كمية الماء وكيفية غسل الأعضاء، وأن الغسل مفهوم عام بمعنى الاستحمام الكامل (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 40). ويمكن أيضاً اعتبار النظرة الأحادية والتفسير الاجتهادي للآيات من نقاط ضعف هذا الكتاب (طيبي ومهدوي راد، 1394ش، 158).

۳-۵. النقد الصوري-البنيوي

– عدم الترتيب المنطقي للفصول: مراجعة فهرس الكتاب تظهر أن عناوين الموضوعات ليست مصنفة بشكل متسق. أولاً، تُعرض روايات صحيح البخاري بترتيب المجلدات، ثم يتحول معيار النقل من الترتيب إلى الموضوع.

– عدم تناسب حجم صفحات كل قسم: هذا التفاوت في الأقسام الخمسة الرئيسية للكتاب هو على النحو التالي: القسم الأول: 27-188؛ القسم الثاني: 189-208؛ القسم الثالث: 209-410؛ القسم الرابع: 411-467 وأحاديث من الكافي: 468-514؛ حيث خُصصت الأقسام الأربعة الأولى لدراسة روايات صحيح البخاري، والقسم الأخير لروايات الكافي.

– ذكر جميع النتائج في مقدمة الكتاب: بدلاً من عرض الخطة الأولية للعمل وهدف تأليف الكتاب، يقوم ابن قرناس بذكر النتائج، فلا يمنح القارئ فرصة للوصول إلى نتيجة منطقية للبحث في ضوء اجتهادات المؤلف، ولم يكن الأمر بحيث تُعرض المعلومات للتقييم ثم يُبحث في صحتها (عبد الباسط، 1435هـ، https://content.tafsir.net؛ زيات، بي تا، 7-8).

– الاستشهاد النادر بالكتب المرجعية في المباحث الكلامية، التاريخية، علم الحديث ومصطلح الحديث، وهو ناتج عن جسارة علمية مذمومة (زيات، بي تا، 11).

– ضعف في نظام الإحالات والهوامش، وغياب الملاحظات الختامية للفصل.

– ضعف في قائمة المصادر؛ حيث لا تُعطى عناوين الكتب بمعايير الإحالات القياسية.

– غياب الفهرس في نهاية الكتاب، قائمة المصطلحات والمفردات والفهرس الإرشادي لتسهيل الوصول إلى المواد المطلوبة.

6. خاتمة

۱. «الحديث والقرآن»، ثاني عمل تأليفي لابن قرناس، من خلال نقد روايات من صحيح البخاري والكافي للكليني، لعب دوراً مؤثراً في رسم رؤية المؤلف الحديثية، حيث يتضح من عباراته عدم حجية السنة، بحيث يمكن اعتبار مناقشاته للروايات وعرضها على القرآن والمعايير المعتبرة الأخرى من باب الجدل والتعاطف مع المخاطب لإظهار عدم اعتبار الروايات عملياً ومصداقياً.

۲. في هذا البحث، بعد استعراض وتبيين أهم مباني ابن قرناس، قمنا بنقدها، ونقدم تقريراً موجزاً عنها:

– شمولية القرآن التفصيلية: في هذا الصدد، بعد تبيين مفهوم ونطاق الشمولية، والأخذ في الاعتبار الدور التبييني للنبي (ص) تجاه القرآن، اتضح أن المقصود بالشمولية ليس بيان جميع تفاصيل وتفصيلات العلوم المختلفة، بل بمعنى شمول العلوم والمعارف المتعلقة بهداية الإنسان.

– نهي النبي (ص) عن كتابة الحديث ووجود فاصل زمني كبير بين صدور وظهور أولى مجموعات الحديث: تم إضعاف هذا المبدأ من خلال مناقشة سندية ودلالية لأهم مستمسك للقائلين بنهي النبي (ص) عن الكتابة – رواية أبي سعيد الخدري – وتم إثبات نقضه من خلال تقديم شواهد على تأكيداته (ص) على كتابة الروايات ومستندات من وجود مدونات حديثية في القرن الأول وقبل تدوين الموطأ.

– كون اتباع السنة مشوباً بالشرك: تم حل هذه المسألة من خلال تقديم آيات تأمر بالتأسي بالنبي (ص) وتعريفه كقدوة شاملة لا حدود لها.

– عدم وحيانية السنة: في نقد هذا المبدأ، وبأدلة عقلية ونقلية، تم إثبات حجية السنة ووجوب طاعة النبي (ص) ودوره التبييني للمعارف الوحيانية.

– تاريخية وزمانية السنة: في هذا الصدد، من خلال بيان العواقب السلبية لقبول فكرة تاريخية السنة، تمسكنا بإطلاق غالبية الآيات وحجيتها لجميع الناس في كل زمان، واعتبرنا عدم تقييد الآيات الدالة على طاعة النبي (ص) دليلاً قوياً على عدم تاريخية السنة.

۳. بالإضافة إلى ما سبق، في معايير نقد ابن قرناس للروايات – والتي تشكل أساس محتوى «الحديث والقرآن» – توجد زلات، أبرزها التعامل الانتقائي والتتبع الناقص، الخلط بين الحقيقة والمجاز، عدم الانتباه إلى محدودية نطاق تطبيق العقل وتقليص مجاله إلى العقل الحسي-التجريبي، التعميم الخاطئ، الشك غير العلمي، تقديم أدلة ضعيفة ورد الأحاديث بأسلوب تهكمي، النظرة الأحادية وغيرها.

۴. فيما يتعلق بصورة وبنية «الحديث والقرآن»، توجد أيضاً إشكالات يمكن الإشارة فيها إلى عدم الترتيب المنطقي للفصول، وعدم تناسب حجم صفحات كل قسم، وضعف في الإحالات وغيرها.

الهوامش

1. هو في «الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» اعتبر السنة سبب نكبة المسلمين ودين الله، وتمنى زوالها (إلهي بخش، 1421هـ، 181).

2. شحرور في أثره المشهور «الكتاب والقرآن»، باستدلاله على نهي النبي (ص) عن كتابة الحديث، يعتقد بعدم وحيانية السنة، لأنه حسب رأيه، لو كانت وحياً لأمر النبي (ص) بكتابتها كما أمر بكتابة الوحي (شحرور، بي تا، 569).

3. يكتب في كتابه: أنزل الله مصدراً واحداً لدينه، وبنزول القرآن أتم حجته علينا، وجعله مبيناً وتاماً بحيث لا حاجة لمصدر آخر (صبحي منصور، 2005م، 114).

4. يقول عز الدين في بداية «دين السلطان»: راجعت كتاب الله مراراً فلم أجد فيه نصاً يأمر بتدوين أحاديث النبي (ص)، أي كلامه ومواقفه وسننه، كمرجع لفهم وتفسير القرآن (عز الدين، 1997م).

5. هذا الباحث، تحت إشراف الدكتور دريس، من أساتذة جامعة الملك سعود، تناول نقد المئة صفحة الأولى من «الحديث والقرآن».

6. تشير بعض الآيات إلى دور ومكانة النبي (ص) (النحل: 44 و 64؛ آل عمران: 164؛ الجمعة: 2).

7. غلام برويز، بمقارنته مدى اهتمام النبي (ص) بحفظ القرآن والسنة، وبعد ذكره عدم اهتمام النبي بالسنة، قال بنهي كتابة الحديث (نقلاً عن إلهي بخش، 1421هـ، 223). صبحي منصور أيضاً، بعد بيانه ترجيح روايات نهي كتابة الحديث من قبل العلماء المحققين، يذكر أنه عند وفاة النبي (ص) لم يكن يوجد كتاب مدون غير القرآن (صبحي منصور، 2005م، 70).

8. من القرآنيين الموافقين لهذا المبدأ، جكرالوي الذي حتى مع قبوله الانتساب القطعي لبعض الأحاديث للنبي (ص) [طبعاً في مقام الجدل]، لا يوجب اتباعها لأنه يعتقد أنها لم تنزل من عند الله (نقلاً عن إلهي بخش، 1421هـ، 214).

9. يمكن ملاحظة أثر اليهود في بعض الروايات في حالات مثل خلق المرأة من ضلع آدم (ع) (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 367) والمحادثة المباشرة بين موسى (ع) والله (نفس المصدر، 429-430). انظر أيضاً (نفس المصدر، 165، 333 و 437).

10. مثل نقد ابن قرناس للروايات الدالة على خاصية الشفاء في ماء وضوء النبي (ص)؛ والتي بالإضافة إلى رد هذه الأخبار، لم يرَ لها فضيلة واعتبرها من مصاديق الغلو (نفس المصدر، 251).

11. يتخذ ابن قرناس هذا الاعتقاد ذريعة لجعل روايات مثل أخبار النبي (ص) عن وقائع الجنة وجهنم وأمور من هذا القبيل، أمراً مصنوعاً (راجع: نفس المصدر، 29-32، 34-35، 82، 206، 312-313، 326-327، 506 وغيرها).

12. ابن قرناس أورد فقط فيما يتعلق بمسروق بن مرزبان عبارة «صدوق وله أوهام» نقلاً عن تقريب التهذيب، واعتبر دلالة العبارة على مدح أو قدح الراوي مبهمة (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 51).

13. مثلاً، الروايات التي ترسم لله صورة بشرية أو تنسب إليه أفعالاً إنسانية تندرج في هذا القسم. مثل رواية صفحة 413 من الحديث والقرآن التي نسبت فعل الضحك إلى الله، بينما آية 11 من سورة الشورى تخالف ذلك (راجع: نفس المصدر، 136، 138، 159، 165، 180، 188، 311، 338، 352، 421، 446 و 470).

14. مثل حكم النفي والرجم، التي بسبب فقدانها في القرآن، رد ابن قرناس الأحاديث التي تتضمن هذه الأحكام (نفس المصدر، 297 وأيضاً 51، 118، 229، 246، 259، 294، 307، 313، 369، 376، 382 و 474).

15. (نفس المصدر، 32، 82، 206) أو في حالة أخرى استند إلى الآية 50 من سورة الأنعام (نفس المصدر، 313).

16. مثل (هود: 123) وكذلك (المائدة: 109؛ لقمان: 34؛ الأعراف: 187-188؛ الأنعام: 59).

17. مثل (الجن: 26-27؛ آل عمران: 179).

18. آية الله جوادي آملي، بتقسيمه «الغيب» إلى غيب مطلق وغيب نسبي؛ اعتبر القسم الأول علم الله بكنه ذاته الذي لا سبيل لأحد إليه سواه، وفي المقابل، اعتبر الملائكة والأنبياء والأولياء عالمين بالقسم الثاني؛ طبعاً، مدى علم هؤلاء الأفراد هو بالقدر الذي أراده الله؛ لأن آيات كثيرة تشهد على هذا المطلب (القصص: 44-46؛ آل عمران: 44؛ هود: 49؛ الأعراف: 188) (جوادي آملي، 1390ش، 25: 266). مراجعة الكتب التالية مفيدة (سبحاني تبريزي، 1386ش، 85-109؛ نمازي شاهرودي، 1393ش، 159-176).

19. مثل (القلم: 4؛ الأحزاب: 21 و 56). وبشكل خاص، هناك آيات تذكر علمه بالأمور الغيبية: (هود: 49؛ التكوير: 22-24؛ التحريم: 3؛ يوسف: 102).

20. مثلاً، في مسألة علم الغيب، صرح بوجود هذه الموهبة لعدد من العباد المصطفين في القرآن؛ مثل: (آل عمران: 45-46؛ هود: 69-71؛ القصص: 7)، فما بالك بالأنبياء الإلهيين وأعلاهم، النبي الخاتم (ص).

21. مثلاً، بهشت روح وريحان (الواقعة: 89)؛ رضوان (آل عمران: 15)؛ بهشت ذات (الفجر: 27-30) وغيرها.

22. مثلاً، العذاب الجسماني الظاهري (النساء: 56)؛ العذاب والنار الباطني (الهمزة: 6-7)؛ عذاب الحجاب عن الله (المطففين: 15) وغيرها.

23. آيات (النساء: 95؛ التوبة: 20 و 100؛ المجادلة: 11؛ الحديد: 10)، تشير إلى تمايز رتبة طائفة بالنسبة لأخرى، ناتج عن تفاوت قيمة الأعمال والتكاليف. مثلاً: (البقرة: 191 و 217؛ المزمل: 20 وغيرها).

24. (البقرة: 130؛ آل عمران: 33؛ الأعراف: 144).

25. (البقرة: 253؛ الإسراء: 55).

26. مثلاً، في صفحة 75 من الكتاب، نُقلت رواية عن النبي (ص) تفيد بتعذيب الميت بسبب بكاء أهله؛ وأورد ابن قرناس بعدها رواية تعتبر معصية الميت سبب عذابه. لمشاهدة المزيد من الحالات، راجع: (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 46، 106، 117، 118، 247). كذلك، خصص ابن قرناس فصلاً مستقلاً تحت عنوان «تضارب أقواله وأفعاله»، واستخدم هذا المعيار فقط دون أي تحليل، وأورد رواية معارضة فقط في مقام المناقشة (نفس المصدر، 356-363).

27. مثلاً، أورد ابن قرناس روايات متعارضة، الأولى منها تعتبر الإيمان بالله ورسوله أفضل الأعمال؛ وفي الرواية الثانية، يُعتبر المسلم الأفضل من يسلم على المعارف والغرباء، والرواية الثالثة تعتبر أفضل الأعمال إقامة الصلاة في وقتها (نفس المصدر، 356-357). والحال أن تعارض هذه الروايات ليس مستقراً، وسياقها لا يستقرئ جميع الأعمال ذات الفضيلة، ولا يحصر البيان بالنسبة لسائر الأعمال.

28. مثلاً، ابن قرناس في نقد رواية عن ابن عباس، والتي صلى النبي (ص) بموجبها دون وضوء، يقول: هل من المعقول أن يأمر الناس بالوضوء وفقاً لما جاء في الآية 6 من سورة المائدة، وهو نفسه يصلي دون وضوء؟! (نفس المصدر، 285 وكذلك 39، 61، 94، 113، 126، 131، 139، 141، 155، 186، 192، 233، 251، 262، 304، 323، 348 و 352).

29. مثل رواية تخصص الخلافة لقبيلة النبي (ص)، لكن ابن قرناس يعتبرها مخالفة للواقع التاريخي لأن حكاماً تسلطوا على المسلمين لم يكونوا من قريش، أو إذا كانوا، كانوا غاصبين وظالمين (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 256 وكذلك 53، 57، 64، 68، 86، 135، 244، 276، 317، 380 و 408).

30. مثلاً، ابن قرناس في نقد رواية منسوبة للنبي (ص) تعتبر بني إسرائيل سبب فساد اللحم، اعتبرها مخالفة للعلم ونسب سبب الفساد إلى البكتيريا (نفس المصدر، 333 وكذلك 124، 128، 266، 325).

31. مثل رواية أخذ فيها النبي (ص)، حسب تعبيرها، ماء فمه بقميصه، والتي اعتبرها ابن قرناس مخالفة لشخصية النبي (ص) وبعيدة عن الآداب الاجتماعية (نفس المصدر، 253 وكذلك 130، 140، 193، 214، 218، 222، 316، 387).

32. مثل (ابن قرناس، همان، 351).

33. للاطلاع على أمثلة أخرى، انظر: (الطبراني، بي تا، 24: 351؛ البخاري، بي تا، 4: 106؛ البيهقي، 1410هـ، 1: 123).

34. في حين أنه منذ زمن أهل البيت (ع) كان هناك تيار لنقد الرواية بأساليب مختلفة؛ مثل: تشجيع الصحابة على تدوين الروايات، تربية محدثين بارعين لتمييز الروايات الصحيحة من السقيمة، تقديم آليات لتمييز الروايات الموضوعة، النقد المباشر للروايات المصنوعة، تعريف وطرد واضعي الحديث، ومراجعة الأحاديث والمدونات الحديثية (نصيري، 1390ش، 180-195). استمر هذا التنقيح بعد عصر الحضور، وقدم أصحاب الكتب الأربعة الشيعية، بالاعتماد على المدونات والتراث الروائي المتبقي، وباستخدام معايير الصحة، الروايات في مصادرهم الحديثية. كما ناقشت مجموعة من كبار علماء الشيعة في آثارهم التفسيرية والأصولية والفقهية والكلامية، بمناسبة تعاملهم مع الروايات، معايير النقد؛ وهناك عدد منهم، خاصة في العصر الحديث، قاموا بتدوين كتابات خاصة لدراسة الروايات الضعيفة أو الموضوعة ومعايير نقدها (نفس المصدر، 205-207).

35. «لَو ثبت عن الرسول … بِطُرُقِ قطعية، وَهُوَ ما لا يَتَوافِرُ فيما يسمى بالحديث، ولكننا نقول جدلاً إنه حتى لو ثبت عن الرسول غير القرآن، فلا يمثل دين الله» (ابن قرناس، الحديث والقرآن، 18).

36. مثل: (النساء: 64؛ المائدة: 35، يوسف: 97-98 وغيرها).

Scroll to Top