موضوع العلم

مقدمة

من المباحث المتداولة التي جرت عليها سنّة القدماء في مستهل كل علم، هو البحث عن أجزاء العلوم، وهي المبادئ والمسائل وموضوع العلم. إن طرح مثل هذا المبحث يستلزم القول بوجود موضوع للعلوم، واعتبار ملاك تمايز العلوم بعضها عن بعض هو موضوعاتها. ونحن في هذه المقالة بصدد دراسة ضرورة وجود موضوع واحد لكل علم، ولتحقيق هذا الغرض، نتناول بالبحث والتمحيص التعريف الكلاسيكي لموضوع العلم.

نقد ضرورة وجود موضوع للعلوم

دأب المناطقة والفلاسفة المسلمون على تعريف موضوع كل علم بأنه الأمر الذي يُبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية: «موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية». ويرى المرحوم العلامة الطباطبائي في تعليقاته على الأسفار أن البحث عن الأعراض الذاتية للموضوع في العلوم ليس مجرد اصطلاح، بل هو أمر يقتضيه البرهان في العلوم البرهانية، كما تم تبيينه في كتاب البرهان من المنطق. وفيما يلي نورد بيان هذا البرهان:

رأي العلامة الطباطبائي في موضوع العلم

بما أن البرهان يُطلق على القياس المنتج لليقين، فلا بد أن تكون مقدماته يقينية. وحقيقة اليقين هي: أولاً، العلم بأمرٍ ما، وثانياً، القطع باستحالة خلاف ذلك العلم. فمثلاً، لليقين بصحة قضية «ألف، باء» لا بد أولاً من العلم بصحة الحمل في القضية المذكورة، وثانياً، لا بد من القطع بأن «ألف» لا يمكن أن لا تكون «باء»، أي أن نعتبر إمكان صدق سلب الحمل المذكور أمراً مستحيلاً قطعاً. ويستفاد من هذا التعريف لليقين أنه في القضايا اليقينية التي تُستخدم كمقدمات للقياس البرهاني، يجب توفر الشروط التالية:

١. في القضايا اليقينية، يجب أن تكون جهة صدق القضية ضرورية – ولو كانت بحسب الجهة ممكنة – أي يجب أن تكون هذه القضايا صادقة بالضرورة؛ لأنه في غير هذه الصورة، سيكون إمكان كذب القضية ممكناً، وهذا يعني عدم يقيننا بصدق القضية، وهو خلاف الفرض.

٢. في القضايا اليقينية، يجب أن تكون جهة صدق القضية دائمة من حيث الزمان؛ لأنه في غير هذه الصورة، سيصبح إمكان كذب القضية في بعض الأزمان ممكناً، وهذا ينافي يقيننا بصدق القضية.

٣. في القضايا اليقينية، يجب أن تكون جهة صدق القضية كلية بحسب الأحوال؛ أي أن يثبت صحة الحمل في جميع الحالات دائماً؛ لأنه في غير هذه الصورة، سيكون إمكان كذب القضية في بعض الحالات ممكناً، وهو خلف فرض كونها يقينية. ومن البديهي أن الشرط المذكور لا يعني أن سور القضية اليقينية يجب أن يكون كلياً بالضرورة؛ بل يمكن أن تكون لدينا قضية يقينية جزئية أيضاً.

٤. في القضايا اليقينية، يجب أن تكون العلاقة بين الموضوع والمحمول على نحو يكون المحمول ذاتياً للموضوع، أي بحيث يوضع المحمول بوضع الموضوع ويرتفع برفعه، مع قطع النظر عن كل شيء آخر؛ لأنه لو أمكن عدم وجود المحمول مع وجود الموضوع، لكان معنى ذلك أننا لا نتيقن من صدق حمل المحمول على الموضوع، ونعتبر كذب القضية ممكناً، وهو خلاف الفرض.

٥. في القضايا اليقينية، يجب أن يكون المحمول الذاتي مساوياً للموضوع؛ لأنه لو كان المحمول أخص من الموضوع، لما حُمل على الموضوع بالضرورة بمجرد وضع الموضوع. كقضية «الحيوان متعجب» التي لا يكفي فيها مجرد وضع الموضوع لعروض المحمول، ولا تصبح يقينية إلا بعد تخصيص الموضوع بقيد الناطق. وكذلك لو كان المحمول الذاتي أعم من الموضوع، للزم أن يكون القيد المخصص للموضوع في عروض المحمول عليه لغواً وغير مؤثر، ولا دور له في العروض، وهذا ما لا يمكن أن يحدث في قضية يقينية؛ لأن المحمول الذاتي، بوصفه محمولاً، لا يوجد بالضرورة إلا في حال وجود الموضوع. أي أن الموضوع من العلل الوجودية للمحمول الذاتي ويجب أن يؤخذ بحدّه التام.[1] فمثلاً في قضية «الإنسان ماشٍ» حيث المحمول أعم من الموضوع، يكون قيد الناطقية للإنسان في عروض المشي عليه لغواً. أي أن الإنسان سواء كان ناطقاً أو غير ناطق، يُحمل عليه المشي، والحال أنه لو كانت القضية المذكورة يقينية، لما أمكن حمل المشي عليه إلا في حال كونه ناطقاً. إذن، في القضية اليقينية يجب أن يكون العرض الذاتي (المحمول) مساوياً لموضوعه؛ أي يجب أن يؤخذ الموضوع بالحد التام للمحمول الذاتي، وهذا هو معيار تمييز العرض الذاتي عن العرض الغريب.

من هنا، لو كان للمحمول الذاتي محمول آخر، وهكذا للمحمول الثاني محمول آخر، واستمرت هذه السلسلة، وفي حال كانت هذه السلسلة من المحمولات أعراضاً ذاتية لبعضها البعض، لزم أن يؤخذ الموضوع الأول بحدّ جميعها، ومن جهة أخرى، فإن جميع هذه المحمولات، بالإضافة إلى كون كل منها عرضاً ذاتياً لموضوعه، تكون مجتمعةً عرضاً ذاتياً للموضوع الأول؛ كالإنسان والمتعجب والضاحك وبادي الأسنان و…

وكذلك لو كان للموضوع موضوع آخر، ولهذا الموضوع موضوع آخر أيضاً، فيجب أن يؤخذ الموضوع الأول بحدّ تمام الموضوعات؛ مثل «السواد» الذي موضوعه «كيف مبصر»، وموضوع «كيف مبصر» هو «كيف محسوس»، وموضوعه «كيف» وموضوع «كيف» هو «ماهية»، وموضوع «ماهية» هو «موجود».

والجدير بالذكر أنه إذا كان محمول ذاتي أخص من موضوعه، فلا بد أن يكون مع مقابله في التقسيم محمولين ذاتيين لموضوع أعم منهما، وهذا المحمول الأخص سيكون عرضاً ذاتياً لحصة خاصة من الموضوع الأعم؛ لأن ما يؤخذ في حدّ كل منهما يختص بتلك الحصة التي يعرض عليها، وفي حد «المجموع المردد» يؤخذ الموضوع الأعم نفسه، لا حصته. فمثلاً في قضية «الموجود واجب»، يكون «واجب» محمولاً ذاتياً لحصة خاصة من الموجودات، إذن يكون «واجب» مع مقابله، أي «ممكن»، محمولين ذاتيين لموضوع أعم هو مطلق الوجود؛ أي في «الموجود واجب»، يكون «موجود» حصة خاصة من الموجود الأعم.

بناءً على ذلك، من مجموعة قضايا تكون موضوعاتها حصصاً من موضوع علم أعم، ويكون كل من محمولاتها ذاتياً لموضوعها الخاص، وتكون مجتمعةً ذاتية للموضوع الأعم، يمكن تشكيل علم بموضوع أعم يصدق عليه الشروط المذكورة. فالعلم إذن عبارة عن مجموعة قضايا تنتهي من جهة إلى قضية موضوعها هو نفس الموضوع الأعم للعلم، ومن جهة أخرى تنتهي إلى قضية لا يؤخذ فيها الموضوع الأول بحد محمولها.

وتُستخلص النتائج التالية من البرهان المذكور:

أ) تعريف العلم هو أنه مجموعة قضايا يُبحث فيها عن خصائص موضوع واحد يؤخذ بحدود موضوعات مسائله ومحمولاتها.

ب) يجب أن يكون للعلم موضوع يؤخذ بحدّ موضوعات جميع قضايا العلم.

ج) موضوع العلم هو الشيء الذي يُبحث في العلم عن عوارضه الذاتية.

د) العرض الذاتي هو أمر يُحمل على الشيء لذاته، أي متى ما قسنا محمولاً بذات موضوعه، فإذا كان حمله عليه ضرورياً، فإن ذلك المحمول يكون عرضاً ذاتياً أو محمولاً ذاتياً لذلك الموضوع. بالطبع، بما أن بعض القضايا تكون على نحو عكس الحمل، فإن العرض الذاتي ينقسم إلى قسمين: القسم الأول هو الأعراض الذاتية التي يؤخذ الموضوع بحدّها، مثل: «الموجود إما واحد أو كثير». والقسم الثاني هو الأعراض الذاتية التي تؤخذ في حد موضوعاتها، مثل: «الواجب موجود».

هـ) حمل المحمول الذاتي على موضوعه يكون بلا واسطة في العروض، سواء كانت هذه الواسطة مساوية للموضوع أو أعم منه أو أخص. والمراد بالواسطة هو الشيء الذي يؤخذ وحده في حد المحمول؛ مثل عروض السواد للغراب بواسطة ريشه.

و) يجب أن يكون المحمول الذاتي مساوياً لموضوعه بالضرورة؛ لأنه لو كان المحمول الذاتي أعم من موضوعه، لكان الموضوع الذي يؤخذ منه أعم من موضوعه. والحال أنه يجب أن يؤخذ ذلك الموضوع الأخص بحدّه. ولو كان المحمول الذاتي أخص من موضوعه، لكان الموضوع الذي يؤخذ بحدّه أخص من موضوعه نفسه، وهذا لا ينسجم مع كونه محمولاً ذاتياً.

ز) محمول كل مسألة من العلم، كما هو ذاتي لموضوع تلك المسألة، يجب أن يكون ذاتياً لموضوع ذلك العلم أيضاً.

ح) تمايز العلوم بتمايز موضوعاتها.

هذه النتائج هي بعض أحكام المحمولات الذاتية، والتأمل الكافي فيها يوضح أن جميعها لا تصدق إلا في العلوم البرهانية؛ لأن البرهان يجري فيها. أما العلوم الاعتبارية التي تكون موضوعاتها أموراً اعتبارية وغير حقيقية، فلا دليل على جريان أي من هذه الأحكام فيها.[2]

نقد وتحليل نظرية العلامة الطباطبائي

١. بناءً على البرهان المذكور، ترجع حقيقة اليقين إلى شيئين وعلمين: علم بأن «ألف باء»، وعلم آخر بأنه «من غير الممكن ألا يكون ألف باء». ظاهر هذا الكلام هو أن اليقين لا يتحقق إلا في القضايا الضرورية والعلم بها. والنكتة التي تبدو في كلام العلامة هي أنه لا يلزم أن تكون مقدمات البرهان دائماً من القضايا الضرورية؛ لأنه على الرغم من أن ابن سينا يقول في برهان الشفاء:

«فالعلم الذي هو بالحقيقة يقين، هو الذي يعتقد فيه أن كذا كذا ويعتقد أنه لا يمكن ألا يكون كذا، اعتقاداً لا يمكن أن يزول».[3]

إلا أنه يصرح في الكتاب نفسه بأنه لا يلزم دائماً أن تكون مقدمات البرهان قضايا ضرورية:

«واعلم أن المقدمات البرهانية التي على المطالب ضرورية إنما هي في مواد واجبة ضرورية… إلا أن يكون المطلوب أمراً ممكناً فيكون القياس عليه من الممكنات».[4]

وفي الفصل الخامس من كتاب البرهان يقول:

«ثم إن مقدمات البرهان يجب أن يكون ضرورياً وذلك إذا كانت على مطلوبات ضرورية».[5]

وللخواجة نصير الدين الطوسي في أساس الاقتباس عبارة يمكن أن يُفهم منها هذا المطلب. فهو بعد أن يعرّف اليقين بأنه اعتقاد جازم مطابق واعتقاد جازم مركب من تصديق مع تصديق امتناع نقيضه، يقول ما ترجمته:

«والتصديق الأول الذي هو حكم بثبوت محمول لموضوع أو انتفائه عنه، يمكن أن يكون ضرورياً وغير ضروري، ودائماً وغير دائم، بحسب أصناف الجهات المذكورة».[6]

ويتابع قائلاً ما ترجمته:

«إذن، اليقين التصديقي هو ضروري أو غير ضروري، مقترن بتصديق آخر بأن وقوع التصديق الأول على الوجه الذي هو عليه، ضروري اقتراناً ضرورياً».[7]

بناءً على هذا، يبدو أنه لا حاجة ضرورية لكون متعلق اليقين ضرورياً لتحصيل اليقين؛ لأننا في كثير من الموارد نملك يقيناً تاماً غير قابل للزوال بقضايا ممكنة.

٢. اعتبر المرحوم العلامة الطباطبائي كون محمولات العلوم ذاتية لموضوعات المسائل علامة على ضرورة وجود هذه المحمولات لموضوعها، وبما أن الموضوع في هذه الحالة سيكون من العلل الوجودية للمحمول، فقد استنتج أن الموضوع يجب أن يؤخذ بحدّه التام. ويبدو أن هذا الشرط لا يصدق حتى في القضايا الفلسفية. بعبارة أخرى، ثبوتاً، حتى في القضايا الفلسفية، لا يمكن تصور كون الموضوع علة للمحمول.

٣. كما صرح المرحوم العلامة، فإن جميع الشروط والنتائج المستخلصة من البرهان المذكور تختص بالعلوم البرهانية التي تتألف من قضايا يقينية. ويبدو أن المراد بالذاتي في تعريف موضوع العلم في كلمات المناطقة لا ينبغي أن يكون ما يقوله العلامة؛ لأنه من الصحيح أن القدماء كانوا يعدون الرياضيات والطبيعيات وعلم الأخلاق وغيرها من العلوم اليقينية والبرهانية، ولكن بهذا المعيار، تخرج كثير من العلوم مثل التاريخ والجغرافيا والطب والفقه والصرف والنحو وغيرها من دائرة معيارهم. بالإضافة إلى ذلك، فإن كثيراً من العلوم مثل الفيزياء والكيمياء وحتى الرياضيات اليوم لا تُعد من صنف العلوم اليقينية في اصطلاح المناطقة.

علاوة على ذلك، فإن تكليف العلوم التي تقع بين العلوم البرهانية والعلوم الاعتبارية، والتي ليست اعتبارية ولا تُحسب في اصطلاح العلامة برهانية، سيبقى غير واضح.[8]

٤. النكتة الأخيرة التي نشير إليها بخصوص برهان المرحوم العلامة هي الإشكال الذي أورده الأستاذ لاريجاني عليه. من وجهة نظر سماحته، على فرض صحة جميع المقدمات التي ذكرها المرحوم العلامة، وأن المراد بالعرض الذاتي هو المعنى الذي قصده العلامة، لا يمكن استنتاج أن العلم عبارة عن مجموعة قضايا يبحث فيها عن أحوال موضوع واحد. موضوع يؤخذ بحدّ موضوعات المسائل ومحمولاتها؛ لأن ما يستفاد من المقدمات المذكورة هو أنه في المسائل والقضايا البرهانية يجب دائماً أن يكون المحمول عرضاً ذاتياً للموضوع، ومتى ما تصورنا له موضوعاً آخر، فإن ذلك المحمول سيكون عرضاً ذاتياً للموضوع الأعلى أيضاً، وكذلك في جهة المحمولات. ولكن لا يوجد دليل على أن قضايا علم واحد يجب أن تتجمع حول موضوع واحد بحيث تكون محمولات جميع المسائل من الأعراض الذاتية لذلك الموضوع. بعبارة أخرى، يمكن تصور وجود علم له ثلاثة موضوعات مختلفة مع ثلاث مجموعات من المسائل، بحيث تتجمع حول كل موضوع مسائل تكون علاقة محمولاتها بموضوعاتها علاقة ضرورية بالمعنى الذي قصده العلامة. مثل هذا العلم سيكون برهانياً؛ لأن جميع أجزائه تتشكل من مسائل قابلة لإقامة البرهان عليها. وبعبارة أخرى، تدوين العلم عمل عقلائي، ولتحقيق العلم لا يلزم أكثر من أن يكون لجمع عدة مسائل في مكان واحد تبرير عقلائي، وهذا لا ينافي أن تكون مسائل العلم من صنف المسائل التي تكون محمولاتها ضرورية لموضوعاتها، وأن تكون جميع أجزاء العلم قابلة لإقامة البرهان، وأن تكون محمولاتها عرضاً ذاتياً لموضوعات مسائلها وموضوعاتها الطولية الأخرى. هذه النكتة تثبت أنه ببرهان المرحوم العلامة لا يمكن إثبات لزوم وجود موضوع واحد حتى للعلوم البرهانية، وبالتالي لا يمكن اعتبار الموضوعات هي ما يميز بين العلوم.[9]

٥. من مشكلات القول بلزوم وجود موضوع خاص لكل علم تكون محمولات مسائله جميعها من العوارض الذاتية لذلك العلم، هي أنه بما أن موضوعات المسائل غالباً ما تكون أخص من موضوع العلم، فإن المحمول الذاتي لموضوعات المسائل لا يكون محمولاً ذاتياً للموضوع الأعم (موضوع العلم)، بل عرضاً غريباً له. وقد تصدى المرحوم صدر المتألهين في الأسفار لحل هذه المشكلة في الفلسفة – باختصار – قائلاً:

«موضوع العلم المعقول هو الوجود. وهذا الموضوع يُقسّم ابتداءً إلى واجب وممكن. ثم يُقسّم الممكن إلى جوهر وأعراض مختلفة. وفي إثر ذلك، يُقسّم الجوهر إلى عقل ونفس وجسم و… . وعلى الرغم من أنه في هذه التقسيمات، ما عدا التقسيم الأول، يُحمل كل محمول على موضوع له نوع من التخصص بالنسبة لموضوع العلم، إلا أن جميع هذه القضايا تُعد من مسائل العلم ومن لواحق ذات موضوعه؛ لأن جميع هذه الخصوصيات موجودة بجعل واحد. من هنا، لا يوجد أي وصف له تقدم وجودي على آخر، ولكي يُحمل محمول على موضوعه، لا يلزم أن يتخصص ذلك الأمر الأعم مسبقاً حتى يتمكن هذا المحمول من العروض عليه. فمثلاً، لعروض الجسمية على الجوهر، لا يلزم أن يجد الممكن، وهو الأمر الأعم، نوعاً من التخصص والتهيؤ الوجودي أولاً، حتى يتمكن الجوهر ثم العقل أو الجسم من العروض عليه. أي ليس الأمر بأن الشيء يصبح ممكناً أولاً ثم يعرض عليه وصف الجوهرية والعرضية، بل إن الإمكان يحصل للشيء بعين الجوهرية والعرضية، وكذلك الجوهرية بالنسبة للنفسية والعقلية والجسمية. بناءً عليه، لا توجد أي واسطة في العروض أو الحمل؛ بل إن الإمكان يتحد مع الوجود، بعين اتحاد الجوهر مع الوجود، وفي الواقع ليس لدينا عروضان أحدهما بالذات والآخر بالعرض. أما في حمل الكتابة والضحك على الحيوان، فيجب أن يتخصص الحيوان نوعياً ويصبح إنساناً ليتمكن من أن يكون معروضاً للكتابة والضحك».[10]

قد يبدو هذا الإشكال، أنه في حل الملا صدرا قد وقع خلط بين العروض الخارجي ومطلق العروض الذي يقع في القضية؛ لأن العروض الخارجي ليس هو المقصود حتى يقال إن الممكن والجوهر ليس لهما تعدد وجودي بل هما موجودان بوجود واحد، بل المقصود بالعروض هو العروض في القضية ومفاد الكون الرابط. ولذا مع تعدد العوارض التحليلية سيكون لدينا عروض متعددة، وبما أنه يوجد ترتب بينها في القضايا المعنية، وهذا الترتب هو بلحاظ العروض. من هنا، دون أن يُقسم الموجود أولاً إلى واجب وممكن ثم الممكن إلى جوهر وعرض، لا يمكن تقسيم الموجود إلى عقل ونفس وجسم. نتيجة لذلك، ستكون أعراض الجوهر أعراضاً غريبة للممكن.[11]

المحقق الأصفهاني لم يعتبر هذا الإشكال وارداً، ويصرح بأنه على الرغم من أن المراد بالعروض هو مفاد الكون الرابط، إلا أنه كما أن للعوارض التحليلية وجوداً واحداً بحسب الوجود الخارجي، فكذلك لها وجود واحد بحسب الوجود الذهني. أي أن فرض الإمكان هو نفسه تماماً فرض الجوهرية والجسمية، وفرض الجوهر يستلزم بنفسه فرض الإمكان، ولا يحتاج إلى أن يُفرض الممكن في رتبة سابقة.[12]

نتيجة لذلك، فإن برهان المرحوم العلامة الطباطبائي في إثبات لزوم موضوع واحد للعلوم ليس تاماً، ولا يوجد دليل على هذا اللزوم ليس فقط في العلوم غير البرهانية، بل حتى في العلوم البرهانية.

الجدير بالذكر أننا في هذه المقالة اقتصرنا على ذكر برهان المرحوم العلامة الذي يُعد من أدق البراهين وأكثرها فنية في باب لزوم وجود موضوع واحد للعلوم، ولم نتعرض للأدلة الأخرى الموجودة كاستدلال المرحوم صاحب الكفاية من وجود وحدة الغرض في كل علم باستخدام قاعدة الواحد الفلسفية لاستنتاج لزوم وجود موضوع واحد؛ لأنها قد نُقدت بما فيه الكفاية في الكتب الأصولية المتداولة. ونختم هذا المبحث بكلام المرحوم المحقق الأصفهاني في هذا الصدد:

«ومن جميع ما ذكرنا تبين عدم لزوم الجامع لموضوعات المسائل، فضلاً عن كونه بحيث تكون المسائل اعراضاً ذاتياً له؛ إذ لا مقتضى له بل له مانع… و أما وجود المانع، فلأن الموضوع الجامع ما لم يتخصص بخصوصيته، أو خصوصيات لا تعرضه محمولات المسائل، فكيف يعقل أن يكون تلك المحمولات مع دخل تلك الخصوصيات اعراضاً ذاتية لموضوع العلم؟».[13]

المراد من العرض الذاتي في تعريف موضوع العلم

إلى جانب رأي المرحوم العلامة الطباطبائي، توجد تفاسير محتملة أخرى للعرض الذاتي، نتناولها بالبحث.

أ) عرض باب الجواهر والأعراض

في هذا الاصطلاح، العرض عبارة عن ماهية إذا تحققت في خارج الذهن، فإنها تتحقق في محل غير محتاج إليها. في المقابل، الجوهر هو ماهية إما لها وجود مستقل لا في محل أساساً، أو تتحقق في محل يكون ذلك المحل محتاجاً إليها، لا هي محتاجة إلى المحل. من المؤكد أن هذا المعنى للعرض ليس هو محل بحثنا؛ لأن كثيراً من المحمولات يمكن أن تكون من جنس الجوهر، مثل «حيوان ناطق»، حيث الناطق جوهر.

ب) عرض باب البرهان

في هذا الاصطلاح، العرض عبارة عن شيء يحتاج في تحققه إلى حد وسط، وكذلك في مرحلة الإثبات، العرضي هو الشيء الذي يُسأل عن دليله. في المقابل، الذاتي عبارة عن أمر متفرع ومنبثق من ذات الشيء، والموضوع لا يحتاج إلى علة لوجوده فيه؛ كالإمكان للماهية أو الزوجية للعدد. يعبر العلامة الحلي في الجوهر النضيد عن هذا النوع من الذاتي بقوله:

«و هي التي تلحق الموضوع لماهيته كالضحك للإنسان و الزوجية للعدد».[14]

بالطبع، يعتقد المحقق الطوسي أن الذاتي في كتاب البرهان أعم من المقوم (= الأجزاء الماهوية)، والمقصود به كل ما يقع إما في حد الموضوع أو يؤخذ الموضوع في حده. وهذا هو نفس التفسير الذي قدمه العلامة الطباطبائي في تعبيره عن العرض الذاتي، ولكن من خلال اعتبار الموضوع من العلل الوجودية للمحمول؛ ولذا يؤخذ في حده التام. أما العلامة الحلي، فإنه دون الرجوع إلى العلل الوجودية، يرى أن المحمول الذاتي يؤخذ في حد الموضوع، مثل «الإنسان حيوان»، حيث الحيوان من مقومات الإنسان وقد أُخذ في حده، وكذلك يؤخذ الموضوع في حد المحمول، مثل «العدد زوج»، حيث أُخذ العدد في حد الزوج؛ لأن الزوجية عبارة عن الانقسام إلى عددين متساويين.

ج) عرض الكليات الخمس

العرض في هذا الاصطلاح هو كل أمر خارج عن الذاتي يُحمل على الذات، وفي مقابله الذاتيات التي تطلق على الأمور الداخلة في الذات؛ كالجنس والفصل والنوع. نُقل عن المرحوم آية الله البروجردي أن المقصود بالعرض في تعريف موضوع العلم هو هذا المعنى للعرض.[15] المرحوم الدكتور الحائري اليزدي في كتابه «كاوشهاى عقل نظرى» في نقد رأي العلامة الطباطبائي في المراد بالعرض في تعريف موضوع العلم يقول:

«وفقاً للبرهان المذكور، والتعريف المقدم للعوارض الذاتية، يلزم أن تكون جميع محمولات مسائل علم ما من نوع اللوازم الضرورية وغير المنفكة للعلم، وهذا يعني أنه لن توجد مسألة أخرى للعلم؛ لأن جميع مسائل العلم ستكون من نوع القضايا التحليلية الكانتية. وبما أننا في العلوم نبحث أيضاً في قضايا تركيبية، وفي الواقع وظيفة العلم الوحيدة هي نفي أو إثبات مسائله، فلا بد من فصل العوارض الذاتية التي هي محمول مسائل العلوم عن اللوازم الذاتية؛ لأن اللوازم الذاتية هي أمور توضع بوضع الموضوع وترتفع برفعه، فلو كانت المحمولات الذاتية من اللوازم الذاتية، لما بقي في العلوم مجال للحوار والبحث، وسيعود كل الحوار إلى بحث ثبوت الموضوع، وبفرض ثبوت الموضوع، ستكون جميع مسائل العلم ضرورية».[16]

ويستمر الدكتور الحائري، ضمن قبوله لرأي المرحوم المحقق البروجردي، بالتفصيل ويصرح بأن المراد من عوارض العلوم – على الإطلاق – لا يمكن أن يكون العرض الواقع في الكليات الخمس، بل يجب القول بالتفصيل في هذا البحث؛ لأن الأعراض في الكليات الخمس على قسمين: قسم هو ما يكون فيه المحمول خارجاً عن ذات الموضوع ولكنه من لوازمه، بحيث يكون دائماً مصاحباً للماهية؛ مثل الزوجية للعدد أربعة. والقسم الآخر هو ما يكون فيه المحمول، مع كونه خارجاً عن ذات الموضوع ويُحمل عليه حقيقة، ليس من لوازم الذات، وثبوته للموضوع ممكن ويحتاج إلى حيثية تعليلية، ولكنه غير محتاج إلى واسطة في العروض وحيثية تقييدية. وهذا القسم الثاني فقط من العوارض، مع كونها من العوارض الذاتية للموضوع، بسبب حاجتها إلى حيثية تعليلية، تبقى في حيز الإمكان وحالة السؤال والترديد، وفي إثباتها نلجأ إلى البحث والاستدلال. أما القسم الأول من العوارض، التي لا تحتاج إلى واسطة في العروض لا من باب الحيثية التعليلية ولا من باب الحيثية التقييدية، وهي ضرورية لموضوعها، فلا يمكن أن تكون ضمن مسائل العلوم؛ لأنه بفرض موضوع العلم، ستكون ثابتة للموضوع بالضرورة.[17]

ويبدو أن المرحوم الحائري قد خلط بين مقام الثبوت ومقام الإثبات؛ لأننا نجهل كثيراً من الأمور الضرورية، وهذا الجهل هو سر وقوع أمر ضروري في سلسلة مسائل علم ما. فكم من محمول يكون ضرورياً لموضوعه في مقام الثبوت، ولكنه يحتاج إلى دليل واستدلال في مقام الإثبات. حتى الأجزاء الماهوية للموضوع يمكن أن تُعد من عوارضه الذاتية وتحتاج إلى بحث في العلم لأن ثبوتها ليس بديهياً عندنا؛ إذ لا علاقة بين بداهتها وعدم انفكاكها عن الموضوع في عالم الواقع ومن الناحية الوجودية، وبين عدم انفكاكها في أنفسنا ومن الناحية المعرفية. وقد خلط المرحوم الحائري بين الأنطولوجيا والإبستمولوجيا. ولتجنب هذا الخلط في التقليد الفلسفي الغربي، يميز الفلاسفة بين الضرورة العينية باصطلاح de re التي هي وصف لشيء خارجي بامتلاكه لخاصية وكيفية، وبين الضرورة في القضايا باصطلاح de dicto التي هي وصف للقضية.

كما أن رأي المحقق البروجردي يعاني من تضييق بلا دليل؛ لأنه كما بُيّن، يمكن أن تكون محمولات العلوم من مقومات موضوعاتها بسبب جهلنا. من هنا، يمكن أن يكون محمول مسألة ما من الذاتيات بالمعنى الأخص (الكليات الخمس)، ولا توجد أي ضرورة تحتم علينا حصر محمولات العلوم في الأعراض من نوع الكليات الخمس لموضوع العلم.

د) رأي المحقق الأصفهاني

من وجهة نظر المحقق الأصفهاني، ينحصر المراد من العرض الذاتي في تعريف موضوع العلم في الأعراض غير المنتزعة من الذات. فبحسب رأيه، المراد من العرض الذاتي في تعريف موضوع العلم هو كل محمول يعرض على الموضوع ويُحمل عليه:

«المراد من العروض، مفاد الكون الرابط».[18]

من هنا، يمكن القول إن كل ما يُحمل على الموضوع حقيقة، سواء كان في ظرف التحليل أو من ذاتيات الموضوع، يُعتبر عرضاً ذاتياً للموضوع. ومصحح هذا التعميم هو عدم وجود أي دليل على تضييق وتقييد العرض الذاتي، وجهلنا بالعروض هو مبرر الحمل، مما يجعل المسألة داخلة في مسائل العلم. بناءً على ذلك، فإن رأي المرحوم العلامة الذي اعتبر معيار كون المحمول ذاتياً هو أنه بقطع النظر عن أي شيء آخر، يستلزم وضع الموضوع وضع ذلك المحمول، ورفعه يستلزم رفع المحمول، لا ينسجم مع كلام كثير من المناطقة والأصوليين، ومنهم المرحوم الآخوند الخراساني، الذين اعتبروا كون العرض ذاتياً بمعنى الاستغناء عن الواسطة في العروض؛ لأن المعيار الذي قدمه العلامة يرجع إلى ضرورة المحمول للموضوع، ولا يشمل القضايا الممكنة، بينما المعيار الثاني يعتبر المحمول الذاتي عبارة عن عرض يعرض على الموضوع حقيقة، ولا يحتاج إلى واسطة في العروض. أي متى ما عرض محمول على موضوع ما واقعاً، ولم يكن الموضوع شيئاً آخر ونُسب إليه مجازاً، فإن هذا المحمول سيكون عرضاً ذاتياً، وبالتالي يشمل جميع القضايا.

خلاصة القول هي أن لزوم وجود موضوع واحد لكل علم، وشرط أن تكون محمولات العلوم من العوارض الذاتية للموضوع الجامع الواحد، ليس قولاً صحيحاً ولا يوجد أي دليل عليه. من هنا، لا يمكن أن نقول إلا أن العلم مركب اعتباري يكون ما يوحده إما الغرض، أو التناسب الذاتي للمسائل أو المحمولات، أو الاعتبار، ولا يوجد دليل يلزمنا بالضرورة بوحدة الموضوع كعامل موحد للعلم. ولذا لا يمكن اعتبار محمولات مسائل العلم من الأعراض الذاتية لموضوع ذلك العلم؛ بل الشيء الوحيد الذي يمكن قوله هو أن قضايا كل علم يجب أن تكون مرتبطة حقيقة بالموضوع قيد البحث، وهو ما يُطلق عليه في اللغة الفنية أن محمولات هذه القضايا هي أعراض ذاتية لموضوعاتها، بمعنى أنها تُحمل على موضوعاتها بلا واسطة وحقيقة.


الحواشي

[1] المقصود بالحد التام هو كل ما يدخل في الشيء، سواء من الأجزاء الماهوية أو العلل الوجودية.

[2] الطباطبائي، محمد حسين: تعليقات بر اسفار، ج ١: صص ٣١-٣٢.

[3] ابن سينا: الشفاء / البرهان، ص ٧٨.

[4] المصدر نفسه، ص ١١٦.

[5] المصدر نفسه، ص ١٥٠.

[6] الطوسي، نصير الدين: أساس الاقتباس، ص ٣٦٠.

[7] المصدر نفسه، ص ٣٦١.

[8] جزوات دروس خارج أصول الأستاذ لاريجاني – دام ظله.

[9] جزوات دروس خارج أصول الأستاذ لاريجاني – دام ظله.

[10] الملا صدرا: الأسفار الأربعة، ج ١: ص ٣٣. وانظر أيضاً: الشواهد الربوبية، ص ٢٠.

[11] انظر: الأصفهاني، محمد حسين: نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج ١: ص ٥.

[12] انظر: المصدر السابق نفسه.

[13] الأصفهاني، محمد حسين: بحوث في الأصول، ص ١٩.

[14] العلامة الحلي: الجوهر النضيد، ص ٢٠٨.

[15] الحائري اليزدي، مهدي: كاوشهاى عقل نظرى، صص ١٧-١٨؛ وهمو: الحجة في الفقه، ج ١: ص ٨.

[16] الحائري اليزدي، مهدي: كاوشهاى عقل نظرى، ص ١٨.

[17] المصدر نفسه.

[18] انظر: الأصفهاني، محمد حسين: نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج ١، ص ٣. والمصدر نفسه، ص ٥.

Scroll to Top